أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - محمد السباعي - ثورة أوكتوبر في مئويتها: الرهان الذي فشل















المزيد.....



ثورة أوكتوبر في مئويتها: الرهان الذي فشل


محمد السباعي
الحوار المتمدن-العدد: 5725 - 2017 / 12 / 12 - 10:33
المحور: ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا
    


ثورة أوكتوبر في مئويتها
أو الرهان الذي فشل
 
 
لا يمكن لحدثٍ جللٍ, كحلول الذكرى المئوية لاستلام البلاشفة للسلطة في بتروغراد, أن يمر مرور الكرام. فالدهشة التي سببها حينها, وردود الفعل العاصفة التي تلته لم تفقد شيئاً من لهيبها, وإن كان بعد مرور قرنٍ كاملٍ. وعلى الرغم من أن الأحداث الدرامية التي رافقت اقتحام القصر الشتوي وإعلان "انتقال السلطة للسوفيتات" تبعد عنا زمناً قدره مائة عامٍ, إلا أن شيئاً من التوتر الملحوظ لم يغب عن استقبال العالم اليوم لهذه المناسبة. ويمكننا في هذا السياق ذكر قرار الحكومية الروسية, المثير للجدل إنما المتوقع, بالإحجام عن تخصيص احتفالٍ رسميٍ بهدف إحيائها.
وبطبيعة الأحوال, لم توفر الصحافة وقتاً ولا جهداً للكتابة عن مئوية الثورة.
ويُلاحِظ من يحصي السطور الواردة في الصحف العربية أن المعلقين على هذه المناسبة ينقسمون فيما بينهم لمعسكرين رئيسيين: أولئك الذين كانت "ثورة أوكتوبر" بالنسبة لهم الشيطان الرجيم بعينه, وأولئك الذين استغلوا الذكرة المئوية للثناء على ثورة البلاشفة الظافرة وقادتها المحنكين الذين نجحوا في إرساء قواعد أول "دولة ٍاشتراكيةٍ" في التاريخ, وفق قولهم.
و من الملفت للنظر بأن ما يشترك به مَن كال الشتائم بحق الثورة, ومن أنشد لها أبلغ أبيات المديح على حد سواء هو أنهم – وبغالبيتهم الساحقة, مع استثناءات بسيطة – يقرون, سراً أو علناً,  بالطابع "الاشتراكي" لانقلاب البلاشفة و للنظام الذي شيدوه. هؤلاء يبدون جهلاً فاضحاً إما بالتاريخ أو بالاشتراكية.
فمحمد عبد الشفيع عيسى يكتب مثلاً في "الأخبار"(1) عن "ثورة أوكتوبر الاشتراكية" وأثرها على حركات التحرر الوطني. صباح أيوب, على صفحات "الأخبار" أيضاً (2), تُشيد ب"دولة لينين" وبالقفزة الجبارة التي حققتها. تحدثنا برومانسيةٍ قل نظيرها عن استلام العمال للحكم في روسيا وسيطرتهم على مفاصل الاقتصاد غداة الانقلاب البلشفي. بيد أن كل مراقبٍ جادٍ يعرف خير المعرفة أن مختلف تفاصيل الحياة في روسيا السوفياتية ومن ثم في الاتحاد السوفياتي, من السياسة للاقتصاد مروراً بالصحافة, كانت تحت سيطرة الحكومة السوفياتية وليس العمال ولا غيرهم. ولنا في البيانات الحكومية من تلك الحقبة بالذات قرائنٌ بيِّنةٌ, تدحض بشكل واضح لا لبس فيه سردية أيوب هذه (3).
تنفجر أيوب غاضبةً حيال "الدعاية الرأسمالية" التي تختصر, بخبث, حياة المواطن السوفياتي إلى عيشةٍ في ظل "نظامٍ استخبارتيٍ خانقٍ". وبينما يكون من المجحف حقاً اختزال الحياة في كنف الدولة السوفياتية لهذا البعد فقط, ولكن هل تستطيع أيوب أو غيرها نفي الطابع الاستخباراتي والأمني عن نظام الحكم السوفياتي؟
سلامة كيلة, المتحمس دائماً وأبداً للبلاشفة, يخبرنا في "العربي الجديد" (4) بأنه لا يجوز الخلط بين ثورة أوكتوبر, التي برهنت على إمكانية استلام البروليتاريا للسلطة حسب زعمه, وبين مآل الاشتراكية (ويقصد هنا بالطبع رأسمالية الدولة السوفياتية) وانهيارها. ولكن هل بإمكاننا حقاً أن نفصل بين استلام البلاشفة للسلطة ودولتهم التي أقاموها من جهة, و"المآل التي أطاحت بالاشتراكية" من جهة أخرى؟ أليس بالأحرى بنا أن نستنتج أسباب السقوط من جملة عوامل مختلفة تشارك ظروف تأسيس الدولة السوفياتية بنصيب هام منها, إلا إذا أردنا طبعاً أن نكون من أنصار نظرية المؤامرة التي تعزو سقوط الاتحاد السوفياتي للعوامل الخارجية فقط؟
لا ريب أن إحدى أكثر الأسئلة المطروحة بصدد ثورة أوكتوبر هو ذلك السؤال الأبدي الذي يطرحه البعض بأسلوب شبه ميتافيزقي. هل كانت ثورةً أم مجرد انقلابٍ؟ هذا سؤال مشروع لاسيما أن تاريخنا المعاصر مليء بالانقلابات العسكرية والمؤامرات الأقلوية التي أغدق عليها أصحابها بألقاب الثورة. لكنه ليس السؤال الأشد إلحاحاً ولا الأكثر أهميةً. صحيح أن إسقاط الحكومة المؤقتة في بيتروغراد يوم الخامس والعشرين من أوكتوبر (السابع من نوفمبر وفق التقويم الجديد), كحدث بحد ذاته, لم يكن سوى انقلاب نفذته اللجنة العسكرية الثورية لسوفيات بيتروغراد, التي شُكلت بقرار من اللجنة المركزية لحزب العمال الديمقراطي الاجتماعي (البلشفي), والتي ضمت بضعة بحارين وجنودٍ أناركيين, وحرساً أحمراً بقيادة تروتسكي, بالإضافة إلى حفنةٍ صغيرةٍ من الثوريين الاشتراكيين اليساريين. لكن علينا ألا ننسى أن إسقاط الحكومة حظي بالبداية بتأييد قطاعاتٍ شعبيةٍ واسعةٍ شملت أغلبية العمال والجنود والفلاحين الذين ضاقوا ذرعاً بسياسات حكومة كيرينسكي.
وعلى الرغم من أن حدث إسقاط الحكومة لم يكن ثورةً شعبيةً واسعةً بالمعنى التقليدي لكلمة ثورة, إلا أن التغيير الجذري الذي شهدته روسيا والجمهوريات السوفياتية الأخرى غداة السابع من نوفمبر من عام 1917 هو ثورةٌ بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فروسيا, الدولة الفلاحية ذات الانتاج الرأسمالي المتخلف عن الركب الصناعي الأوروبي والأمريكي والتي تعيش الأغلبية الساحقة من سكانها في الأرياف, أفسحت المجال, بعد عقدين على استلام البلاشفة للحكم, لدولة صناعية متطورة تزاحم دول الصف الأول, و تساهم بشكل رئيسي بدحر الفاشية وهزيمة الرايخ الثالث في الحرب العالمية الثانية. و البلاشفة بطبيعة الأحوال لم يتأخروا عن إحداث تغيراتٍ جذريةٍ في بنية المجتمع فور استلامهم للسلطة. فبينما كانت اللجنة العسكرية الثورية تدخل القصر الشتوي, كان المؤتمر الثاني لعموم سوفيتات روسيا يقر مرسوم تأميم الأرض. وفي غضون بضعة سنواتٍ فقط , أختفت من على كامل أراضي الإمبراطورية القيصرية القديمة الملكية العقارية الكبرى وطبقة الملاك العقاريين. أما "الثورة الصناعية"السوفياتية القائمة على الخطط الخمسية, و التي انطلق أولها عام 1928, فنقلت الاتحاد السوفياتي إلى المركز الثاني في قائمة الدول الصناعية, خلف الولايات المتحدة.
وبالطبع كانت معظم هذه الانتقالات الثورية تأتي, للأسف, على حساب البشر والبيئة. فالتصنيع السريع سبب أضراراً بيئيةً لا تحمد عقباها, مما حمل جول كوفيل (Joel Kovel ) على القول بأن ستالين كان يستحق الميدالية الذهبية في العداء للطبيعة (كوفيل, 2002). والتجميع القسري للزراعة, الذي كان هدفه رفع الانتاجية والاستحواذ على القيمة الزائدة من العمال الزراعيين, أدى إلى موت الملايين بسبب المجاعات التي تلته (5).
ولكن يبقى السؤال الجوهري برأي, والذي يمتنع, مع الأسف, جل المعلقين على الثورة عن طرحه هو: هل كانت ثورة أوكتوبر ثورةً اشتراكيةً كما إدعى أصدقائها و معظم أعدائها على حد سواء؟ أم كانت مجرد ثورةٍ قوميةٍ روسية نقلت روسيا إلى الحداثة الرأسمالية تحت غطاء الشعارات الاشتراكية؟
 يستحضرني هنا قولٌ لنعوم تشومسكي(6), النبيه دوماً, والذي أشار فيه إلى أن عمليات الدعاية في حقبة الحرب الباردة, سواء كان مصدرها المعسكر الغربي أو السوفياتي, كانت تصر على إطلاق تسمية الاشتراكية على دول الكتلة الشرقية, كلٌ منها وفقاً لمصالح أنظمتها الحاكمة. فالدعاية الغربية كانت بحاجة لذلك لتشويه سمعة الاشتراكية, ولربطها في عقول الجمهور بالديكتاتورية السوفياتية. بينما احتاجت الدعاية السوفياتية لهذه التسمية لكي تكسب تعاطف الطبقات العاملة في بقية أنحاء العالم. ولكن تحليل تشومسكي يتوقف هنا في منتصف الطريق. فالاتحاد السوفياتي لم يكن بحاجة لإطلاق هذه التسمية على نفسه لكي يكسب التعاطف الشعبي و يستغل جاذبية الاشتراكية عند الشغيلة فقط, بل احتاج للإيديولوجيا "الماركسية-اللينينة" لأن شرعيته وال Raison d’être الخاص به كانا لينهارا رأساً على عقب منذ اليوم الأول لولا أن تم ربطهما بمهام الانتقال للشيوعية.
لكن لنكن واضحين. أنا لست أدعي إطلاقاً بأن البلاشفة الذين قاموا بالثورة (الانقلاب) كانوا مخادعين, وأنهم استخدموا شعار الاشتراكية كذريعة لإخفاء مآربهم الشخصية. فلا مجال للشك بصدق وحسن نية هؤلاء الثوار البلاشفة. كل ما أشير إليه هو أن النظام الذي بناه ستالين, وورثه قادة الحزب الشيوعي بعد موته كان نظاماً لا يمت بصلة للاشتراكية لا من قريب أو من بعيد. بل كان نظاماً يمركز السلطة السياسية والاقتصادية بيد البيروقراطية الحزبية والدولتية. إن أحداً من قادة الحزب البلشفي, و على رأسهم لينين, كان يعتقد بإمكانية بناء الاشتراكية ببلد واحد, كجزيرة معزولة وسط بحرٍ من الدول الرأسمالية/الإمبريالية. لينين نفسه أكد هذا دون مواربة في جميع كتاباته, سواء قبل استلام السلطة أو بعده.
القضية ليست هنا قضية اثبات اشتراكية الدولة الستالينية والما بعد ستالينية من عدمها. فمجرد القاء نظرةٍ على معسكرات العمل الاجباري, وعلى جهاز الدولة الذي أخذ بالتوسع أخطبوطياً بدلاً من أن يتلاشى, وعلى تركيبة المؤتمر الثامن عشر للحزب البلشفي – أي المؤتمر الذي تلى "التطهير الكبير" -  تكفي للبرهنة على الطابع البونابارتي لقيادة ستالين للدولة والحزب. فمثلاً, من بين الأعضاء الذين حضروا المؤتمر المذكور, لم يكن هناك سوى اثنان بالمائة فقط من أعضاء المؤتمر السابق. أعضاء اللجنة المركزية المنتخبة من قبل المؤتمر السادس – أي اللجنة التي عَيَنت أول مكتب سياسي عام 1917 – جميعهم, ما عدا لينين وألكساندرا كولونتاي ومورانوف رفيق ستالين الحميم, قضوا خلال حملات القمع الستالينية.
القضية الأهم, برأي, تكمن بمعرفة حجم المسؤؤلية - التي يتنصل منها تروتسكي والتروتسكيون عموماً- الواقعة على عاتق أولئك البلاشفة القدماء (7) أنفسهم, والذين قاموا بتصميم آلة الدولة السوفيتية إبان الثورة, وغدوا في نهاية المطاف, ويا للمفارقة, في عداد الضحايا الذين افترستهم تلك الآلة عينها, والتي آلت إلى يد ستالين بحلول عام 1922.
 
ولكن هل كان بالإمكان أساساً قيام ثورةٍ اشتراكيةٍ في روسيا المتخلفة؟ ألم تكن الثورة مبتسرةً في ظروفٍ كهذه؟ يتسائل بعضٌ مِن مَن قرأ نذراً يسيراً من ماركس. وكيف تمكن جناح من أجنحة حزب ماركسي تأسس في عام 1898 فقط وفي بلدٍ فلاحيٍ أن يستلم السلطة في عام 1917, أي في غضون أقل من عشرين سنة؟ كل هذا يبدو بالفعل وكأنه معجزةٌ. ولكن بالنسبة للينين ليس هنالك معجزات في التاريخ. هنالك فقط ظروف محددة وموازين قوى.
بعضهم يعلن, دون أن يرف لهم جفن تقريباً, بأن الانتقال مباشرةً من الإقطاع إلى الرأسمالية غير ممكنٍ. ولكن روسيا لم تكن دولةً إقطاعيةً عشية الثورة البلشفية, بل كانت دولةً رأسماليةً ذات تمركز صناعي كبير في المدن الرئيسية كموسكو و بيتروغراد.
الطامة الكبرى في روسيا ما قبل الثورة كانت التطور اللامتكافئ والمخلفات القروسطية كالدولة القيصيرية وطبقة النبلاء التي كانت تخنق طاقات المجتمع الروسي. ومن هنا أتت استراتجية الثورة الديمقراطية كضرورة ملحة, والتي كان من المفترض أن تمهد الطريق لثورة اشتراكية تأتي بعدها.
الماركسية دخلت روسيا أواخر القرن التاسع عشر عبر مثقفي المنافي في وقتٍ كانت فيه الإيديولوجيا السائدة في الحركة الثورية المناوئة للقيصر هي الإيديولوجيا الشعبوية النارودنية. الماركسية الروسية, كإيديولوجيا معلنة للحركة الديمقراطية الاجتماعية (8) الناشئة, والممثلة بمجموعة "تحرير العمل" التي ضمت بيلخانوف وساتزوليتش وأكسيلرود, ومن ثم لاحقاً بعصبة "الكفاح لتحرير الطبقة العاملة", والتي ضمت ثوريين من جيل الشباب, كلينين ومارتوف وبوتريسوف وغيرهم, ولدت وتبلورت, بشكل رئيسي, كتيارٍ مستقلٍ عن طريق السجال مع الشعبويين. بليخانوف, على وجه الخصوص, رفض الرواية الشعبوية عن طبقة الفلاحين الروسية, المتحررة لتوها من القنانة (9),  والتي من المفترض أن تقود النضال لإسقاط الدولة القيصرية وإقامة اشتراكية مكتفية ذاتياً قائمة على أساس المشاعات الزراعية. ساعة الاشتراكية لم تحن بعد في روسيا. المطلوب هو ثورةٌ ديمقراطيةٌ برجوازيةٌ, من طراز ثورات 1789-1848 في أوروبا الغربية, من أجل تكنيس الأوتوقراطية القيصرية و القمامة القروسطية بكافة أنواعها. المطلب الرئيسي في هذا الظرف التاريخي الخاص غدا الحرية السياسية - الضرورية لتنظيم الحزب الاشتراكي-, وحل مسألة الأرض لصالح الفلاح, وإفساح المجال أمام التطور الرأسمالي بعيداً عن القيود البيروقراطية لتحسين القوى المنتجة. لذلك فالطبقة العاملة وحزبها ينضالون لإسقاط النظام القيصري, لا لإقامة مجتمعٍ اشتراكيٍ, إنما لإقامة جمهوريةٍ ديمقراطيةٍ. البرجوازية الليبرالية معادية للأوتوقراطية لذلك فهي الحليف الطبيعي للطبقة العاملة في نضالها من أجل الحرية السياسية (بليخانوف: 1883, 1885).
تمكنت المجموعات الديمقراطية الاجتماعية المختلفة من عقد مؤتمرها الأول عام 1898 و أسست "حزب العمال الديمقراطي الاجتماعي الروسي".
اتحد شباب الحزب مع شيوخه في إدارة تحرير "إيسكرا" (الشعلة) – النواة الإيديولوجية الصلبة للحزب-  و أقصد السداسي بيلخانوف, ساتزوليتش, أكسيلرود, لينين, مارتوف, وبوتريسوف- بهدف محاربة الهرطقات التي هددت كيان الحزب, ك"الماركسية القانونية", و"اقتصادوية" مارتينوف, فضلاً عن دعاة الاستقلال الذاتي للجماعات القومية في الحزب, كالبوند اليهودي, ألخ...
إلا أن بوادر التصدع داخل إيسكرا نفسها بدأت تلوح عشية المؤتمر الثاني. إذ اصطف البلاشفة (الأكثرية) خلف لينين, والمناشفة (الأقلية) خلف مارتوف أثناء الجدال حول تعريف "العضو" الوارد في القواعد التنظيمية للحزب, وحول عدد أعضاء مجلس تحرير "إيسكرا", الذي اقترح لينين خفضه من ستة أعضاء لثلاثة (10). سطحياً, السجال حول بند العضوية كان متمركزاً حول سطر واحد يتيم. ولكن الخلاف, وكما تبين لاحقاً, كان أعمق من ذلك بكثير. إذ كان لينين يريد حزباً طليعياً مؤلفاً من ثوريين محترفين, بينما كان مارتوف يؤيد حزباً مفتوحاً حتى أمام أولئك الذين لا يستطيعون المشاركة بالعمل الثوري مع منظمات الحزب بشكلٍ دائمٍ. انحاز رئيس المؤتمر وقتها, بليخانوف, للبلاشفة. بينما انحاز تروتسكي وبقية شيوخ الحزب لمارتوف (11).
عبَّر لينين, من خلال "ما العمل" (1902) و"خطوةٌ للوراء, خطوتين للأمام" (1904) عن نظرته التنظيمية للحزب, التي وصفتها روزا لوكسمبورج بال"فائقة المركزية" (روزا لوكسمبورج, (1904, والتي تدعو إلى إخضاع كافة التفاصيل في حياة الحزب للمركز. ومن بين المتصدين لأطروحات لينين التنظيمية, كان تروتسكي أشدهم ضراوةً, حيث شن حملة لا هوادة فيها على "يعقوبية" لينين, التي ستؤدي – وبما يشبه النبؤءة – إلى "احلال منظمة الحزب محل الحزب, واللجنة المركزية محل المنظمة, والديكتاتور محل اللجنة المركزية " (تروتسكي, 1904). هذا كان طبعاً قبل أن يتبرأ تروتسكي من كَّراس "مهامنا السياسية" ويمسي من أشد "البلاشفة-اللينينيين" مغالاةً.
إلا أن الشرخ بين التيارين لم يتكرس سوى عام 1905, حين عقد البلاشفة مؤتمر الحزب الثالث, دون حضور المناشفة, وتبنوا عدداً من القرارات المتعلقة بتكتيك الحزب في ظل الثورة التي اندلعت ضد القيصرية (12) على إثر الحرب الخاسرة مع اليايان في العام السابق. فيما عقد المناشفة اجتماعاً تبنوا فيها طائفة من القرارات المضادة.
الاستراتيجية العامة للتيارين بقيت استراتجية الثورة الديمقراطية البرجوازية. إلا أن لينين والبلاشفة لم يعودوا يعولون على التحالف مع البرجوازية الليبرالية, الممثلة آنذاك, لحد كبير, بحزب الكاديت.
على الطبقة العاملة أن تنجز المهام الديمقراطية (التي أنجزتها البرجوازية الأوروبية في بلدانها قبل عقود) بالتحالف, لا مع الجناح الليبرالي للبرجوازية- الذي كان ضعيفاً و متخاذلاً و مساوماً مع القيصرية, وإنما مع الجناح الرديكالي الديمقراطي, الممثل بالفلاحين (لينين, 1905). لذلك تم رفع شعار "الديكتاتورية الديمقراطية الثورية للعمال والفلاحين", والتي عنت, بشكلٍ ملموسٍ, تشكيل حكومةٍ انتقاليةٍ يقع على عاتقها تفكيك الدولة القيصرية, وضمان الحريات السياسية الضرورية لتنظيم انتخابات الجمعية التأسيسية المناط بها وضع دستورٍ جديدٍ للبلاد. ونصت قرارات المؤتمر أيضاً على تحديد شروط معينة لمشاركة الحزب في الحكومة المؤقتة في حال قيامها. أما تكتيك المناشفة فيمكن تلخيصه بعبارة "النضال من الأسفل", أي مشاركة العمال في إسقاط الدولة القيصرية عن طريق النضالات الشعبية كالإضراب والتظاهر إلخ... أما تشكيل الحكومة, فيتوجب تركه للبرجوازية, ويتوجب عدم المشاركة في الحكومة المؤقتة لأنها لن تكون اشتراكيةً (مع ترك الطريق مفتوحاً أمام استلام السلطة بشكل جزئي, محلياً, عبر "كمونات ثورية"), والتحول لحزب "معارضة ثورية قصوى" (لينين, 1905).
وعملياً, بقي البلاشفة ملتزمين بتكتيك " الديكتاتورية الديمقراطية الثورية للعمال والفلاحين" حتى عودة لينين من منفاه في سويسرا عام 1917. وتمكنوا من المحافظة على تماسكهم في خضم أحلك الظروف, واجتازوا التحدي الذي وجهه لهم كل من البلاشفة اليساريين, كبوغدانوف (1907-1909), والتصفويين (13), كبوتريسوف, إلى أن نجحوا في مؤتمر براغ عام 1912 من انتخاب لجنةٍ مركزيةٍ مكونة حصرياً من أعضائهم, وبذلك أعلنوا أنفسهم كحزبٍ مستقلٍ.
قليلٌ من الضوء يجرى تسليطه على تاريخ البلاشفة كجناحٍ في حزب العمال الديمقراطي الاجتماعي الروسي (بين عامي 1903 و 1912), وكممثلين لروسيا في مؤتمرات الأممية الثانية حتى عام 1914. ومن يقرأ الأدبيات المبتذلة المخصصة عن تاريخهم, وخاصة تلك المتوفرة بالعربية, يخرج بانطباعٍ بأن لينين خلق البلشفية والحزب الشيوعي في عام 1917, وبأحسن الأحوال عام 1912, من العدم. فالنظر إلى البلشفية كجناحٍ يساريٍ جذريٍ في صفوف الأممية الثانية عملةٌ رائجةٌ اليوم. هذه النظرة تتوافق بكل تفاصيلها مع التزوير الستاليني الوقح للحقائق (ستالين, 1931). فالمذكور يُحَور التاريخ ويدَّعي بأن لينين كان يسعى للانشقاق عن "الانتهازيين" في الأممية الثانية منذ عام 1903! و هذا كذبٌ و افتئاتٌ. فالبلاشفة ولينين وحتى تروتسكي كانوا حتى عام 1914 يعتبرون أنفسهم منتمين لتيار بيبل- كاوتسكي في الأممية الثانية, الذي عُرف بالتيار "الماركسي الأورثوذوكسي". أما الانتهازيون, أي الإصلاحيون و أنصار "إعادة النظر" ((Révisionnisme كانوا يألفون الأقلية فقط ضمن صفوف أحزاب الأممية (14). وحسبي في ذلك كتابات لينين و تروتسكي أنفسهم.
فلينين يكتب مثلاً في كّراس "تكتيكا الديمقراطية-الاجتماعية في الثورة الديمقراطية":
"متى وأين أدعيت بأنني خلقتُ تياراً خاصاً في الديمقراطية الاجتماعية العالمية لا يتطابق (الخط المائل في النص الأصلي) مع تيار بيبل وكاوتسكي؟ متى وأين تم إبراز إختلافات بيني من جهة, وبين بيبل وكاوتسكي من جهة أخرى؟ " (لينين, 1905 – الترجمة لي)
وفي مكان آخر, كتب لينين أيضاً:
" نحن لسنا بصدد خلق تيار ‘بلشفي‘ خاص. دائماً وأبداً كنا نتمسك بوجهة نظر الديمقراطية الاجتماعية الثورية فحسب." (لينين, أزمة المنشفية – الترجمة لي)
أما تروتسكي, فكتب عام 1908:
" النقد الأكثر شيوعاً الذي وُجه للحزب الروسي منذ نشأته كان أنه يرى الحياة الروسية من خلال النظارات الألمانية... ولكن هذا التأثير كان مكنناً فقط لأن النظارات الألمانية تم بناؤها وفقاً للعدسات الأممية للصراع الطبقي..... نحن من لحم الاشتراكية العالمية ودمها." (تروتسكي, بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس صحيفة - Die Neue Zeit الترجمة لي) 
 
وبعد الثورة الروسية عام 1905, أرسل بليخانوف لعدد من قادة الأحزاب الاشتراكية في أوروبا الغربية (من اليمين إلى اليسار) يستفتي آراءهم حول طبيعة الثورة الروسية, وعن التحالف مع الليبراليين, إلخ...(بليخانوف, 1906).
معظم الردود كانت قريبة من وجهة نظر المنشفية, إذ تم اعتبار الثورة الروسية, في أحسن الأحوال, ثورةً برجوازيةً مع عناصر اشتراكية (Richard B.Day and Daniel Gaido, 2009). ولكن من بين أكثر الردود فرادةً و إثارةً للدهشة كان رد كاوتسكي, مُمثل اليسار و الأورثوذوكسية في الأممية. فكاوتسكي في رده اعتنق ما يمكن تسميته بوجهة نظر "الثورة الدائمة", منضماً بذلك لبارفوس, وروزا لوكسمبورج, وميهرينج, وبالطبع تروتسكي.
إن الذي جَمع هؤلاء الكُّتاب جميعهم لم يكن تطابق وجهات نظرهم بخصوص الثورة الروسية. وإنما أنهم كانوا, على إختلاف آرائهم, يصرون على أن الثورة الروسية لا يمكن لها أن تبقى في حدود الثورة البرجوازية التقليدية. فكاوتسكي, منذ عام 1904 (15) على الأقل, كان ينفي الطابع الثوري والتقدمي عن الطبقات البرجوازية في تلك الحقبة, ليس فقط في أوروبا الغربية, بل وحتى في الدول الطرفية كالإمبراطورية الروسية. فالتحالف مع البرجوازية و البرجوازية الصغيرة الذي كان مطروحاً أيام "البيان الشيوعي" وثورات عام 1848 لم يعد ممكناً. فحتى في دولة مثل روسيا, ستأتي المبادرة عن طريق الطبقة العاملة (كاوتسكي, 1904).
و في إجابته على تساؤل بليخانوف, قام كاوتسكي بالبناء على تحليلاته لخصوصيات الرأسمالية في روسيا, التي وردت في مقاله الطويل عن الاشتراكية في أمريكا (العامل الأمريكي, كاوتسكي, 1906). بالنسبة له, المشكلة الرئيسية في روسيا هي بؤس الفلاح و تأخر الإنتاج الزراعي. ولا يمكن لأي ثورة أن تتلمس طريقاً للنجاح سوى بحل هذه المشكلة (كاوتسكي, 1906). وبعد أن أخذ يحلل أسباب تأخر الزراعة (فقر الفلاح و افتقاده للأرض, التأخر الذهني وسطوة العادات,الاستبداد السياسي, نقص الرأسمال, الخ...), أشار كاوتسكي إلى أن أي وصفة لا تلجأ لمصادرة الملكية العقارية الكبرى, والإحتكارات الرئيسية (كالحديد, و النفط, والسكك الحديدية, والمناجم, إلخ...), وتوفير التعليم الأساسي والتكنولوجيا الحديثة للفلاحين, وحل الجيش الدائم وإلغاء الدين العام – و بالتالي التخلص من الحكم المطلق – لا يمكنها أن تكون حلاً ناجعاً لأزمة الزراعة في روسيا (كاوتسكي, 1906).
ولكن هل بإمكان الليبرالية الروسية الاضطلاع بمثل هذه المهام الكبرى؟ هل بإمكان وعودها في إعطاء الفلاح الروسي أراضي كبار الملاكين أن تنهي محنة الزراعة في البلاد؟ يجيب كاوتسكي على هذا السؤال بالنفي. فالليبرالية في روسيا, على العكس من نظيرتها في أوروبا الغربية أيام الثورات الكبرى, لم تكن حركة فئة مدينية من الإنتليجينتسيا المتنورة, بل على النقيض من ذلك, لم تكن سوى جناح من طبقة ملاك الأراضي ذاتها. وتلك الطبقة لم تكن مستعدة لا لحل الجيش, ولا لإلغاء الديون, ولا لتحرير روسيا من سطوة الرأسمال الأجنبي.
لذلك, وبشكل طبيعي, ستقع هذه المسؤوليات على عاتق الطبقة العاملة, المتمركزة في المدن الكبيرة, والمنظمة بأحزابٍ اشتراكيةٍ مستقلةٍ. وبالتالي سيكون بوسع هذه الطبقة أن تقدم نفسها كلاعبٍ وقوةٍ سياسيةٍ مستقلةٍ, يكون بإمكان طبقة الفلاحين الاعتماد عليها (كاوتسكي, 1906).
ولكن ألا ننخدع. فغلبة الطبقة العاملة والديمقراطية الاجتماعية في الثورة الروسية لن تجعل من تلك الأخيرة ثورةً اشتراكيةَ. صحيح أن عهد الثورات البرجوازية التي كانت فيها البرجوازية هي القوة المهيمنة قد ولّى, إلا أن ضعف الطبقة العاملة الروسية وتخلفها سيمنعانها من أن تحكم لوحدها, وسيضطرانها للتحالف مع الفلاحين. بالإضافة إلى ذلك, علينا ألا ننسا أن الشرط الأساسي لبناء لاشتراكية, أي الزراعة (وبشكل أقل,الصناعة) على نطاق واسع, كان غير متواجدٍ في الإمبراطورية الروسية (كاوتسكي, 1906). في أحسن الأحوال, ستُعَبِّد الثورة الروسية الطريق أمام هذا النوع من الإنتاج, وستتيح المجال أمام التمايز ضمن طبقة الفلاحين.
ومع ذلك, ترك كاوتسكي الطريق مفتوحاً أمام مآلات الثورة. فالمفاجآت ممكنةٌ. ولا يمكن التنبؤ بأثر الثورات الاشتراكية في أوروبا الغربية على الثورة في روسيا, في حال اندلاع الاثنين بوقت متزامن (كاوتسكي, 1906).
استُقبِل مقال كاوتسكي في روسيا بحماس منقطع النظير, وظهر في أربع طبعات (Richard B.Day and Daniel Gaido, 2009).
وفي إحدى الطبعات, كتب لينين مقدمة أعلن من خلالها, بعد أن وصف إجابة كاوتسكي لبليخانوف بأنها "إثباتٌ رائعٌ للمبادئ الأساسية للتكتيك البلشفي:
" تحليلات كاوتسكي تُرضينا بشكل كامل. لقد أكد أننا ندافع عن موقف الديمقراطية الاجتماعية الثورية ضد الانتهازية, ولسنا نخلق أي تيارِ ‘بلشفي‘ خاصٍ." (لينين, البروليتاريا وحليفها في الثورة الروسية, 1906 – الترجمة لي)
لا مراء أن تروتسكي, من بين أولئك الداعين لتجاوز الأفق البرجوازي للثورة في روسيا, كان الأفقر و الأقل وضوحاً. فبعد أن استند إلى تحليلات كاوتسكي للخصوصيات الروسية في مقاله عن العامل الأمريكي وجوابه لبليخانوف, توصل إلى أن الطبقة العاملة الروسية بعد أن تصل إلى السلطة, متكأةً على الفلاحين, ستضطرر لأن تحول ثورتها الوطنية المحدودة إلى ثورة اشتراكية أوروبية. فعلى الرغم من أنها ستبداً كثورةٍ ديمقراطيةٍ فقط, وستستبدل القيصرية بجمهوريةٍ, إلا أنها ستجد نفسها مضطرةً لأن تزيل الفروق بين البرنامج الديمقراطي و البرنامج الاشتراكي (برنامج الحد الأدنى وبرنامج الحد الأعلى) من أجل أن تبقى على قيد الحياة. فمطالب البرنامج الديمقراطي نفسها (ساعات العمل الثمانية, تأميم الأرض, إلخ) ستتطلب الانتقال لمهام التجميع (collectivisation) (تروتسكي, 1906).
الموبقات الصارخة في نظرية تروتسكي كانت, أولاً, أنه توقع أن نجاح الثورة في روسيا لن يكون سوى على شكل ثورةٍ اشتراكيةٍ مقترنةٍ بثوراتٍ اشتراكيةٍ أخرى في أوروبا الغربية, التي ستقوم بإعانة الطبقة العاملة الروسية في مهامها التجميعية عن طريق "معونات دولة" (تروتسكي, 1906). أي أن الانتقال للاشتراكية في روسيا سيكون مستحيلاً لو حالت الظروف دون قيام ثورة اشتراكية في الغرب (على النقيض من نظرية ستالين وبوخارين عن "الاشتراكية في بلد واحد"). لكن هذه الاستراتجية كانت تنطوي على رهانٍ خطير. لأنه لا يمكن التنبؤ, على أكمل وجه, باللحظة الحاسمة لاندلاع الثورة في الغرب. وتروتسكي لا يخبرنا عما يتوجب فعله في حال عدم قيام ثورةٍ أوروبيةٍ, بل يكتفي بالإشارة إلى أن الثورة الروسية ستفنى وتبوء بالفشل إن لم تقترن بثورةٍ بروليتاريةٍ عامةٍ. مما سيدفع البلاشفة فيما بعد (غداة استلام السلطة عام 1917) لتبني تكتيك الحروب الثورية على أمل نشر لهيب الثورة المشتعلة في روسيا إلى خارج حدودها نحو الغرب.
وثانياً, فيما يكتفي بارفوس بالتنبؤ بقيام حكومةٍ عماليةٍ إصلاحية بعد الثورة الديمقراطية في روسيا, على الطراز الأسترالي (Richard B.Day and Daniel Gaido, 2009), وفيما يترك كاوتسكي, وحتى لينين (في إشارةٍ يتيمةٍ منه أواخر عام 1905) (16), المجال مفتوحاً أمام احتمالات تطور الثورة الديمقراطية لثورةٍ اشتراكيةٍ (حسب تطور موازين القوى والظروف في الغرب), يحدثنا تروتسكي عن حتمية تحول الثورة الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية (لأن هذا التحول هو السبيل الوحيد لنجاتها!) بغض النظر عن موازين القوى داخل روسيا نفسها, والعلاقة  الموجودة بين العمال والفلاحين والمثقفين في الفترة التي من المفترض أن تنجز الثورة فيها هذا التحول. وحزب العمال, الذي من المفترض به أن يقود الثورة البرجوازية و يأسس جمهوريةً ديمقراطيةً, سينقلب على الديمقراطية وينتقل للمهام الاشتراكية (بمساعدة الطبقة العاملة في الغرب التي نأمل أن تقوم بثورةٍ في بلدانها!) سواءٌ أراد الفلاحون ذلك أم لم يريدوه. ثالثاً, يبدي تروتسكي فهماً مبتذلاً للاشتراكية يمنعه من تمييزها عن رأسمالية الدولة. فعندما يعطينا مثالاً عن المعامل التي قد يغلقها أصحابها على إثر تطبيق قانون الساعات الثمانية, وتقوم الدولة حيندئذ  بإدارتها و تشغيلها بدلاً من أصحابها السابقين, يقول لنا: هذا تجميع! الثورة بدأت بتطبيق مطالب الحد الأعلى! (تروتسكي, 1906). أي أن اللغو والكلمات الفارغة التي دبجها يراع تروتسكي عن اشتراكية الثورة ليسوا سوى انعكاساً لوعيه بإمكانية حلول شكل من أشكال رأسمالية الدولة في روسيا بعد الثورة, كضرورة لا مفر منها. هذا وبقي تروتسكي حتى مماته يساوي بين الاشتراكية والتأميم, والتروتسكيون الأورثوذوكسيون اليوم من بعده يسارعون لإطلاق تسيمة "دولة العمال", وإنما المشوهة, على أي دولة ذات اقتصادٍ مؤممٍ.
ولكن لنعد للبلاشفة قليلاً. فتروتسكي والتروتسكيون يخبروننا بأن لينين تبنى عام 1917, وخصوصاً في "أطروحات نيسان", وجهة النظر التروتسكية. ولكن هل هذا صحيح؟
يقيناً أن مدارك لينين تبدلت بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914), وأن أمراً جوهرياً قد طرأ على تفكيره. ولكن ما هو؟ وما سببه؟
 أين نجد مفتاح اللغز؟ هل في نظرية تروتسكي؟ أم في الظروف الموضوعية و الحالة الثورية التي خلقتها الحرب؟ أم في كليهما؟
من المعلوم أن الأورثوذوكسية الماركسية انهارت مع اندلاع الحرب. فجول غيد (Jules Guesde) نفسه, الذي كان من غلاة هذا التيار المهيمن أسمياً فقط على الأممية, انضم لحكومة الحرب الفرنسية. بليخانوف, الذي شن حرباً لا هوادة فيها على برنشتاين ومبدأه في "إعادة النظر" غدا من أكبر المتحمسين لانتصار روسيا على ألمانيا, وكاوتسكي, الذي فنَّد برنشتاين أيضاً بالتفصيل الممل قبل ربع قرن, اقترح على مجموعة الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني في الرايخستاغ مجرد الامتناع عن التصويت في الجلسة التي خُصصت لإقرار ميزانية الحكومة الحربية. وعندما رفضت المجموعة اقتراحه, وأصرت على تأييد الميزانية الحربية, طالبهم بإدراج جملةٍ في إعلان الموافقة, تُأكد أن الاشتراكيين الألمان يؤيدون الحرب فقط في حال كانت حرباً دفاعيةً و ليست حرباً هدفها ضم أراضٍ جديدةٍ للإمبراطورية الألمانية.
ومن المعلوم جيداً أيضاً أن هذا كان سبباً لسخط لينين (17) على الأممية الثانية بتلك الفترة. وهو محق تماماً في ذلك. ولكن سخطه دفعه لاتباع  سياسية الانشقاق, ليس عن "الانتهازيين" فحسب, بل وأيضاً عن التيار الذي عُرف بالوسطية, والذي كان ممثلاً بكاوتسكي وهيلفردينج (18) ومارتوف (19) وغيرهم. وحظيت سياسته هذه بمعارضة يساريين آخرين في الأممية كروزا لوكسمبورج و تروتسكي.
وإذا تبعنا الحزب البلشفي, وخصوصاً لينين, في مساراتهم المتعرجة منذ مؤتمر براغ حتى استلامهم للحكم, نجد أن التغيير في المنظور كان طفيفاً في بداية حرب, بل وحتى شبه معدوم. ولينين كان حريصاً على إبراز نفسه كالأمين على سياسة الأممية السابقة في فترة ما قبل الحرب. حيث أصر في مقالاته على أن قيادات الأحزاب الرئيسية في الأممية هي من تغيرت (20)– و هذا صحيحٌ – وليس هو أو حزبه. فحتى شعار "تحويل الحرب الإمبريالية إلى حربٍ أهليةٍ" الذي رفعه لينين كصرخة  مُبَشِّرٍ بعد 1914 لم يكن يهدف سوى لإسقاط القيصرية و تطبيق البرنامج الديمقراطي. ولكن هذه الصورة التي حاول البلاشفة أن يرسموها لنا تنهار فوراً إذا ما انتقلنا مباشرةً للسنوات التي تلت عام 1917. فيوماً بعد يوم تبدوا التغييرات التي أحدثها البلاشفة في سياساتهم واستراتيجيتهم عاديةً ومتجاوبةً مع متطلبات المرحلة. بيد أن هذه التغيرات نفسها تتكشف كانقطاعٍ وقطيعةٍ مع الماضي إذا ما نُظر لها على المدى الطويل.
ومعارضة لينين للحرب لم تكن, مع الأسف, نابعةً من موقفٍ معادٍ للعسكرتارية, كما كان الحال مع أغلب اليساريين في الغرب. فهو نشر مثلاً عام 1916 "برنامج الثورة البروليتارية العسكري" ! الذي شن فيه حملةً شعواءً على أنصار السلمية ونزع السلاح من الاشتراكيين. البروليتاريا بحاجةٍ لجيوشٍ لتشن حروباً أهليةً وحروباً ضد البلدان الرأسمالية (لينين, 1916). وفي حال استلام البلاشفة للسلطة في روسيا, فإنهم سيعرضون السلام على الدول المتحاربة. ولكن إن رفضت هذه الأخيرة شروطهم عن حق الشعوب بتقرير مصيرها والتخلي عن سياسة ضم الأراضي, فأنهم سيشنون عليها حرباً ثوريةً! (لينين, 1915). أي أن الحروب تصبح عادلة فقط عندما نشنها نحن.
وكما أشرت سابقاً, بقي تكتيك الثورة الديمقراطية البرجوازية وشعار "الديكتاتورية الديمقراطية الثورية للعمال و الفلاحين" يحكما نظرة لينين والبلاشفة التكتيكية حتى اندلاع الثورة شباط (1917) التي اسقطت حكم القيصر. لكننا نجد أنفسنا أمام تطورٍ ملحوظٍ مع حلول الوقت الذي أرسل فيه لينين "رسائله من بعيد" قبل مغادرته سويسرا.
فللمرة الأولى تم رفع شعار "السوفيتات", ليس كحكومةٍ انتقاليةٍ فحسب, وإنما كنمطٍ جديدٍ للدولة, يتجاوز "الجمهورية البرجوازية". دولة تكون بدون شرطة, بدون جيش, وبدون طبقة موظفي الدولة (البيروقراطية). وعارض لينين بصراحة هذه الآراء بأراء كاوتسكي عن الدولة, وربطها بكلام ماركس عن "تحطيم الدولة" (لينين, 1917). مع العلم أن ماركس لم يكن قد تكلم عن "تحطيم الدولة" بشكل عام, وإنما عن تحطيم "آلة الدولة البيروقراطية-العسكرية في أوروبا القارية" (ماركس, 1871). ومع أن برامج كل الاحزاب الاشتراكية في ذلك اليوم كانت تدعو لحل الجيش الدائم, وكما كان الحال مع "برنامج إيرفورت" (21), لانتخاب موظفي الدولة. ما الذي سيحل محل "الجمهورية البرجوازية"؟ يخبرنا لينين: التسليح العام للشعب, "الميليشيا البروليتارية", ودمج كافة الوظائف العسكرية والإدارية ووظائف الشرطة مع بعضها البعض (لينين, 1917). هذا سيمهد الطريق فيما بعد لعسكرة الإدارة العامة في ظل حكم البلاشفة. ولكن ماذا عن الاشتراكية؟
 نلاحظ أن شعار "ديكتاتورية العمال والفلاحين الفقراء" أخذ يحل شيئاً فشيئاً محل "الديكتاتورية الديمقراطية الثورية للعمال والفلاحين". ورغم أن لينين كان قد كتب في "رسالته الثالثة من بعيد" بأن الثورة لن تكون اشتراكيةً في مجال الانتاج, إلا أننا نجد في الرسالة الخامسة سطوراً تحدثنا عن ضرورة قيام ثورةٍ ثانيةٍ في روسيا بقيادة الطبقة العاملة تقوم, من جملة أمور أخرى, بأخذ خطواتٍ, بالتحالف مع الفلاحين الفقراء, نحو الاشتراكية. ماهي هذه الخطوات؟ الرقابة على الانتاج والعمل الإلزامي. وهذه ليست خطواتٌ ضروريةٌ لحل الأزمة التي سببتها الحرب فحسب, بل وأيضاً ضرورية للانتقال للاشتراكية! (لينين, 1917). في "أطروحات نيسان", يضيف لينين لهذه القائمة مطلب تأميم المصارف, وفيما بعد مطلب تأميم المجموعات الصناعية الكبرى (22). ولكن ما علاقة هذه المطالب بالاشتراكية؟
يُقر لينين في مماحكته مع بليخانوف (لينين, 1917) بأن هذه الخطوات ليست اشتراكيةً, بل أن بعضها (كتأميم الأرض) لا يعدو كونه مجرد إجراءٍ برجوازيٍ. ولكنه يشدد بالآن ذاته على أن تلك الاجراءات نفسها ستصب في مصلحة العمال والفلاحين الفقراء وستجعل تحقيق الاشتراكية ممكناً. ولكن كيف؟ هذا لا يخبرنا لينين به, ويتوقف فقط عند الإشارة إلى أن تأميم الأرض سيوجه ضربةً للملكية الخاصة لأهم وسائل الانتاج, وبأن العمل الإلزامي سيكون خطوةً باتجاه الاشتراكية.
ومن المعروف جيداً أن لينين في كًراس "الدولة و الثورة" بشَّر بتحويل المجتمع إلى "معملٍ واحدٍ كبيرٍ", وبتحويل الجميع إلى موظفين عند الدولة. تلك كانت نظرته للاشتراكية. النظرة التي لم تجد وريثاً لها سوى في معسكرات ستالين للعمل الإجباري. فبينما كانت الثورة الاشتراكية (الشيوعية, الأمر سيان) وفق ماركس ستقوم بإلغاء العمل (23) (ماركس وإنجلز, 1845), وتبني "رابطةً حرةً من أفرادٍ متساويين" (ماركس وإنجلز, 1848) (ماركس, 1867), فهي ستفضي, وفق لينين, إلى تحويل المجتمع لصناعةٍ يتم إدارتها على شكل خدمة البريد (لينين, 1917).
كيف استطاع لينين التهرب من نقاده؟

استعمل حيلةً ماكرةً لازالت مع الأسف تنطلي على الكثيرين حتى اليوم.
"نحن نسعى لبناء الاشتراكية وليس الشيوعية", يقول لنا. ولكن ما الفارق بينهما؟
يجيب لينين بأن الشيوعية, التي ساواها بمرحلة ماركس العليا (ماركس, 1875), لايمكن الانتقال إليها مباشرةً, وإنما تدريجياً بعد فترة طويلة من أشد أشكال الرقابة صرامةً على الانتاج و التوزيع (لينين, 1917). ولكن في هذا خطاً كبير. فعند ماركس و إنجلز لم يكن هناك فرق بين الاشتراكية و الشيوعية, إذ استعملا كلا المصطلحين كمترادفين. والفرق الوحيد بين المرحلة الدنيا والمرحلة العليا عند ماركس كان في شكل توزيع المنتجات وفي التقسيم الاجتماعي للعمل, الذي لا يمكن أن يزول بين ليلةٍ وضحاها (ماركس, 1875). الاشتراكية (أو الشيوعية), سواء في مرحلتها الدنيا أو العليا, ستكون رابطةً من منتجين أحرار "متشاركين يتحكمون في تبادلهم المادي مع الطبيعة تحكماً عقلانياً, و يضعونه تحت رقابتهم الجماعية, بدلاً من أن يسيطر عليهم هو كقوةٍ عمياءٍ." (ماركس, 1894). وليس مجتمعاً يكون الجميع فيه عمالاً أجراء للدولة.

ولكن ما الذي دفع لينين, بعد بضعة أسابيع فقط على سقوط القيصر, للتخلي عن شعار "الديكتاتورية الديمقراطية الثورية للعمال والفلاحين" و "الطريق الأمريكي للتطور البرجوازي" (لينين, 1907), و استبدالهما ب"ديكتاتورية العمال والفلاحين الفقراء", و"الاجراءات الانتقالية على طريق الاشتراكية" (الرسالة الخامسة من بعيد, لينين, 1917)؟ الإجابة موجودةٌ في تحليلات لينين "الظرفية" في "الرسالة الأولى من بعيد" و في خطاباته خلال اجتماعات الحزب البلشفي التي عُقدِت بعد عودة المنفيين, وبشكل صريح في كًراسي " الكارثة المحدقة وكيف نحاربها" و"مراجعة برنامج الحزب".
ففي كونفيرانس منظمة بيتروغراد, وكونفيرانس الحزب السابع الذي عُقِد في نيسان (1917), ندد لينين بكامنيف واتهمه ب"البلشفية القديمة" لأن الأخير أبدى استغرابه من تنكر لينين لشعار "الديكتاتورية الديمقراطية الثورية للعمال والفلاحين", في حين أن حكومةً مؤقتةً من ممثلي البرجوازية وملاك الأراضي كانت تحكم البلاد, ومن دعوته للانتقال إلى "المرحلة الثانية من الثورة", في حين أن الفلاحين لم ينجزوا بعد مهام الإصلاح الزراعي. (لينين, 1917). رَدُ لينين كان حازماً واستند إلى تحليلات الظرف الإمبريالي الذي قادت له الحرب. فروسيا (الحلقة الإمبريالية الأضعف والأكثر فوضةً وثوريةً حسب "الرسالة الأولى من بعيد") كانت مهيئةً للاشتراكية بسبب الاحتكار, ورقابة الدولة, والإمبريالية. المرحلة الحالية هي مرحلة انتقالية, مما يعني أن الاجراءات الاشتراكية ليست كلها ناضجةً بعد. أما فيما يخص شعار "الديكتاتورية الديمقراطية الثورية للعمال والفلاحين", فالظروف التاريخية نفسها, وواقع ازدواجية السلطة بين الحكومة المؤقتة من جهة, والسوفيتات المتعاظم دورها من جهة أخرى, طبق ذلك الشعار بشكل لم نكن نتوقعه. لذلك فليس المطلوب الآن سوى نقل السلطة بأكملها للسوفيتات, والولوج بالمرحلة الثانية للثورة.
و لكي ننزع السحر, الذي يُعمي البصر ويغشي البصيرة, عن كلمة "سوفيات" و "سوفيتات", الخ... علينا أن نذكر بأن تلك السوفيتات, الذائعة الصيت, لم تكن سوى المجالس العمالية المنتخبة من قبل عمال المصانع في حيٍ أو مدينةٍ ما, والتي تنتخب بدورها مجالساً في التقسيمات الإدارية الأعلى, كالنواح و المقاطعات, حتى الوصول إلى مؤتمر سوفيتات عموم روسيا, المنتخب من المستوى الأدنى منه على سلم التقسيمات الإدارية.
ظهرت السوفيتات لأول مرة في روسيا أيام ثورة 1905 كتنظيمٍ عماليٍ مستقلٍ, بديلٍ عن النقابات, التي كانت غير قانونيةٍ في العهد القيصري. وانطلاقاً من ثورة شباط عام 1917, غدت ظاهرةً ثوريةً متنمايةً, وانتقلت عدواها إلى الفلاحين والجنود. حاول البلاشفة منذ البدء استغلال السوفيتات والركوب على ظهرها, وأعلنوها كشكلِ أعلى من الدولة. إلا أنهم لم يشكلوا سوا أقليةِ فيها, أمام المناشفة والثوريين الاشتراكيين الذي كانوا أغلبيةً.
أما الظرف الإمبريالي, حسب لينين, الذي ظهرت السوفيتات عفوياً في وسطه, كان يمثل المرحلة التي انتقلت من خلالها الرأسمالية في كل البلدان المتحاربة من رأسمالية احتكارية إلى رأسمالية الدولة الاحتكارية, التي أخذت تجبر الصناعيين على الاندماج بمجموعات كبيرة لتنظيم الموارد الضرورية لاستمرار الحرب, وتفرض خدمةً إلزاميةً على المواطنين, وتراقب توزيع المنتوجات الأساسية لتلافي المجاعة. وإذا ما استلمت السوفيتات هذه المهام بدلاً من الدولة الرأسمالية, وفرضت تأميم المصارف والرقابة العمالية وإلزام المواطنين بالانتظام في التعاونيات, سنكون قد - et voilà - حققنا الاشتراكية! حيث ليس هنالك حلٌ وسطٌ بين رأسمالية الدولة الاحتكارية والاشتراكية. والاشتراكية هي الخطوة الحتمية القادمة على سلم التطور التاريخي (لينين, 1917). ولكن مهلاً. أليس ذلك رأسمالية الدولة؟
نعم, يقول لينين. ولكن الاشتراكية ليست سوى "رأسمالية الدولة الاحتكارية التي تم توجيهها لمصلحة الشعب بأسره" (لينين, 1917).
وبذلك نرى أن لينين توصل إلى وجهة نظر مشابهة لتلك الخاصة بتروتسكي, وإنما من باب تحليله لرأسمالية الدولة الاحتكارية.
وذلك سمح له برسم استراتيجيةٍ جديدةٍ للحزب البلشفي, بعد أن نجح في إقناع القادة البلاشفة المدهوشين, مبنيةٍ على رهانٍ متاطبقٍ مع الرهان الذي قَرَنَ تروتسكي ثورته الدائمة به. فلم يكن الانتقال الاشتراكي و نجاح الثورة في روسيا مرهوناً باندلاع ثورةٍ في أكثر الدول تقدماً (كألمانيا) فحسب, بل وحتى مجرد تطبيق تدابير السلام التي دعا إليها الحزب البلشفي كانت تتطلب نقل السلطة في أوروبا الغربية للسوفيتات (الغير موجودة هناك!) (لينين, 1917).

من الثابت أن الحظ والأقدار لعبا دوراً هاماً لصالح البلاشفة منذ "أحداث تموز" و الأسابيع التي تلته. فبعد أن أمر كيرينسكي, رئيس الحكومة المؤقتة, بشن هجومٍ مباغتٍ على القوات النمساوية في الثامن عشر من حزيران (التقويم القديم), دون أي معارضةٍ تُذكر من طرف المناشفة و الثوريين الاشتراكيين, تمكن الحزب البلشفي من الظهور بمظهر المعارض الصلب للحرب بعيون أكثرية الجنود و الفلاحين المنهكين من القتال. وعبر استثمار شعار "الأرض,الخبز, والسلام", نجح الحزب باستقطاب أعدادِ هائلةٍ من المؤيدين, على الطريقة الشعبوية, إذ بلغ عدد أعضائه ما يزيد عن المائتي ألف في فترة انعقاد مؤتمره السادس. وتمكن الحزب بعد إسهامه بدحر محاولة انقلاب الجنرال الرجعي كورنيلوف في آب أن يظفر ب 49% من المقاعد في انتخابات مجلس مدينة موسكو, وبثلث المقاعد تقريباً في مجلس مدينة بيتروغراد, فضلاً عن أغلبية المقاعد في سوفيتات موسكو و بيتروغراد, بعد أن كان مجرد أقليةٍ في "مؤتمر عموم سوفيتات روسيا" الأول, المنعقد في حزيران.
ولكن صعود الحزب لم يكن مبنياً على خلق أغلبية من المواطنين قادرة على فهم الاشتراكية, أي أنه لم يكن مبنياً على "صنع الاشتراكيين" بتعبير ويليام موريس (William Morris), ولا على "تغيير وعي الناس على نطاق واسع" (ماركس و إنجلز, 1845), إنما كان قائماً على استغلال الشعارات الشعبية.
فمنذ أن عاد لينين من سويسرا رفع شعار "كل السلطة للسوفيتات" على أمل أن يصل البلاشفة عبرها للسلطة. وعلى إثر "أحداث تموز" وخلاف البلاشفة الحاد مع بقية الأحزاب "اليسارية" في السوفيتات, التي استنكفت عن الدفاع عن البلاشفة حينما توجهت حكومة كيرينسكي لقمعهم, قام لينين وقتئذ بسحب شعار "كل السلطة للسوفيتات" حيث تبين له أن البلاشفة لن يحصلوا على أغلبيةٍ فيها. و رفع بدلاً منه شعار "الانتفاضة المسلحة", الأكثر ملائمةَ للظروف, وتمكن من جعل المؤتمر السادس يتبناه, (لينين, 1917). وحين حصل البلاشفة على الأغلبية في السوفيتات الرئيسية. كما ورد, عاد لينين, وأحّيَ شعار "كل السلطة للسوفيتات" مجدداً (لينين, 1917).
آنذاك, اكتملت الوصفة السحرية, وحان وقت الانقضاض. فأخذ يمطر اللجنة المركزية, وهو مختبئ في فنلندا, برسائل يدعو فيها لتحضير انتفاضةٍ مسلحةٍ بهدف نقل السلطة من كيرينسكي لأيديهم. الأغلبية معنا. نحن وحدنا قادرون على دعوة الجمعية التأسيسية. التأخير جريمةٌ. يجب ألا ننتظر حتى انعقاد المؤتمر الثاني ل"عموم سوفيتات روسيا". الثورة العالمية قريبة (لينين, 1917). وطبعاً هذا ما حدث يوم السابع من نوفمبر.
ومن المثير للعجب مقدار خداع النفس الذي مارسه لينين في ذلك الوقت. فمجرد عصيانٍ عسكريٍ في ألمانيا, أو إضراب في البلقان كان كافياً لجعله يتكهن بأن الثورة العالمية تقف على الأبواب. وفشل البلاشفة في حساب موازين القوى و الخصوصيات في الغرب كان كارثياً و جر لهم آلاف الويلات. فاستراتجيتهم القائمة على أخذ المبادرة الثورية في "الحلقة الأضعف", أي في روسيا, لتحريض العمال في الغرب على استلام الحكم, والإسراع لنجدة الثورة الروسية, كان من المحتم أن تبوء بالفشل في ظل غياب الوضعية الثورية هناك (24).
و تبين لاحقاً بأن العوامل الذاتية لنجاح الثورة في أوروبا الغربية كانت شبه منعدمة. فمن بين جميع الثورات التي قامت في أوروبا عقب انتهاء الحرب, يمكننا القول بأن الثورة الألمانية, و بدرجةٍ أقل النمساوية, كانتا الثورتين الوحيدتين اللتا كان بوسعهن اتخاذ أفق اشتراكي. معظم الثورات التي اندلعت في أراضي الإمبراطورية النمساوية–المجرية القديمة وفي الشرق كانت ذات طابعٍ قوميٍ. و بحلول عام 1923, باءت آخر محاولةٍ ثوريةٍ للعمال الشيوعيين الموالين لموسكو بالفشل (25). هذه الواقعة كانت هي السبب, في التحليل الأخير, وراء فشل ثورة أوكتوبر.
سيقول البعض بأن الثورة لم تفشل, وبأنها حققت انجازاتٍ خارقةٍ. هذا ما تريدنا جوقة "بلد لينين العظيم" تصديقه. ولكن, وبغض النظر عن الانجازات التي حققتها, فالثورة فشلت في بلوغ الهدف الرئيسي الذي اخذت على عاتقها تنفيذه, ألا و هو أن تجعل من نفسها مهمازاً لثورةٍ اشتراكيةٍ عالميةٍ.
 
كيف كانت ردة فعل القيادة البلشفية؟
أخذت تلك الأخيرة تُبعد نفسها أكثر فأكثر عن ماضيها, وتنعزل عن باقي القوى الاشتراكية المعادية للإصلاحية و الانتهازية, ولكن الغير موافقة على الأساليب البلشفية. و شنت حملةً صليبيةً ضاريةً على كاوتسكي وهيلفردينج ومارتوف و غيرهم. وأمام الواقع المجافي لنظرياتها و آمالها, دشنت حملةً شاملةً من التراجعات التي قرنتها بتبريراتٍ انتهازيةٍ.
ففي مؤتمر الحزب السابع اعتنق البلاشفة تسمية "الشيوعية" بدلاً من "الديمقراطية الاجتماعية" (لينين, 1918). وبعد أن نفَّذت الحكومة السوفيتية وعدها بإجراء انتخاباتٍ لجمعيةٍ تأسيسيةٍ, سارعت أوائل العام 1918 لحلها عندما تبين أن البلاشفة لم يملكوا الأغلبية فيها. وعندما سُئل عن الجمعيةٍ التأسيسيةٍ (26), ولماذا لم يتم استشارة الشعب في موضوع حلها عن طريق استفتاءٍ. أجاب لينين بأن الاستفتاءات شكل من أشكال الديمقراطية البرجوازية! وأن السوفيتات هي شكل أعلى من الديمقراطية لأنها تتيح التصويت فقط لمن يعمل. أي أن الديمقراطية السوفيتية أكثر ديمقراطيةً لأنها تسمح لعددٍ محدودٍ من الناس بالمشاركة في التصويت!
و عندما أسس البلاشفة الأممية الثالثة عام 1919, وجعلوا من موسكو مقراً دائماً لها, فرضوا على الأحزاب التي تريد الانضمام للأممية انشاء منظماتٍ حزبيةٍ سريةٍ, إلى جانب تلك العلنية, كشرط من شروط الانتساب الواحد والعشرين. أي أن الأحزاب التي كانت تنظم نفسها بشكلٍ علني, ستضطر تحت نفوذ البلاشفة لأن تُحيِّ من جديد ما مات في تنظيمها الداخلي منذ عقودٍ خلت. هذا وبجهود زينوفيف, رئيس الأممية, تمكن السوفييت من بلشفة كافة الأحزاب الشيوعية الأخرى, ونقلوا إليها تنظيمهم العسكري والمركزي, وجعلوا منها فروعاً تابعةً  للخارجية السوفيتية.
أما التنظيم الداخلي للأحزاب الديمقراطية الاجتماعية, القائم على الأقاليم والمناطق الجغرافية, فشُنِع أشد التشنيع, واعتُمد تنظيمٌ سينديكاليٌ قائمٌ على أماكن العمل بدلاً منه (27). أما الرقابة العمالية على الانتاج, ولجان المصانع, التي غازلها لينين منذ "أطروحات نيسان", فغدت بعد صلح بريست-ليتوفسك (28) شكلاً من أشكال "النقابيةٍ" التي يجب محاربتها, وسُحبت كافة صلاحيات الإدارة الحقيقية من اللجان والنقابات, و جرى تركيزها بيد "المجلس الاقتصادي الأعلى" والحكومة السوفياتية التي عينته.
 ماذا عن إلغاء حكم موظفي الدولة و جعل الجميع بيروقراطيين؟ (لينين, 1917)
هذا المبدأ ضُحيَ به أيضاً بعد ستة أشهرٍ فقط على الثورة, وتم مركزة إدارة كل المنشآت العامة, من أكبرها (29) إلى أصغرها بيد مديرٍ واحد يُعين من قبل السوفيتات. هذا المدير كان من حقه ممارسة ديكتاتوريةٍ (30) كاملةٍ على كافة الموظفين العاملين لديه (31). ومن يعارض إدارة المدارء فهو فرداني و برجوازيٌ صغيرٌ... إلى آخر قائمة التهم الخطيرة (لينين, 1918).
ماذا عن إلغاء الجيش الدائم وتسليح الشعب؟
عندما استلم تروتسكي قيادةَ الجيش الأحمر في خضم الحرب الأهلية أعاد بناء جيشٍ أشد انضباطاً من الجيش القيصري نفسه, وتم التخلص من إجراء انتخاب الضباط الذي فرضته السوفيتات أيام الحكومة المؤقتة, وأيده البلاشفة من قبل.
أما التدبير الأشد انتهازيةً في حقبة الحرب الأهلية و"شيوعية الحرب" فكان بلا شك إعادة حكم الإعدام, الذي كان إلغاؤه مطلباً اشتراكياً قبل الحرب, والبلاشفة أنفسهم صوتوا على هذا المطلب عام 1910 في مؤتمر كوبنهاغن للأممية الثانية, وعارضوا إعادته من قبل كيرينسكي لمحاكمة الفارين من الجبهة, وألغوه عندما استلموا السلطة في البداية (مارتوف, 1918).
ولكن الأهم من هذا كله. ماذا عن حكم السوفيتات؟ ماذا عن الاشتراكية المزعومة؟
السوفيتات لم تحكم بشكل فعلي في روسيا بعد الثورة على الإطلاق. فالحكومة السوفياتية كانت تتخذ القرارات بمفردها في المدة الواقعة بين مؤتمرات "سوفيتات عموم روسيا" (32), وتحصل فيما بعد على موافقة المؤتمر عليها. والمؤتمر, وبحكم غالبيته البلشفية (33) كان لا يملك سوى الموافقة على القرارات التي تم اتخاذها من قبل و بدون مشاركته.
و "دولة العمال" الاشتراكية لم تملك, في سبيل الدفاع عن العمال, سوى تقديم نظام "تايلور" اللإنساني في العمل, والأجور بالقطعة, ومحاولة فرض تركيبةٍ معينةٍ على إدارة وعضوية التعاونيات (لينين, 1918), أُس الاشتراكية, مما ويتعارض مع مبادئها الطوعية.
هذا كله لأن الحكومة بدأت تستشعر حقيقة الواقع الروسي والعقبات التي فرضها. فالانتاجية ضعيفة. والمنتوجات الزراعية لم تكن وافية. والخبرات التقنية كانت نادرة (لينين, 1918).
و لينين, من بين كل القادة البلاشفة في تلك الفترة, كان الأشجع والأكثر صدقاً والأشد قدرةً على قول الحقيقة. فهو لم ينف بتاتاً أياً من هذه المثالب. واعترف في جداله مع الشيوعيين اليساريين (لينين, 1918) بأن روسيا لم تكن اشتراكيةً, وبأن تحقيق رأسمالية الدولة سيكون خطوةً للأمام (34). وكان هو العقل المدبر وراء سياسة "النيب" عام 1921, التي قادت إلى نمطٍ أكثر توافقاً مع ممكنات المرحلة.
أما ستالين وتروتسكي وبوخارين فلم يعترفا قط بأي هزيمةٍ. وفي جوٍ من المزايدات, قام ستالين, الذي تفرد بالسلطة بعد استلامه منصب الأمين العام, بنقل الاتحاد السوفياتي (35) إلى مرحلةٍ جديدةٍ: مرحلة التصنيع السريع وتجميع الزراعة. والستالينيون اليوم يعتقدون بأن ستالين نقل الاتحاد السوفياتي من رأسمالية دولة "النيب" إلى الاشتراكية الحقة.
لا شيء أبعد من ذلك على الحقيقة.
إن الفارق بين "شيوعية الحرب", و"النيب", و"الخطط الخمسية" هو فارقٌ كميٌ محضٌ. ففي عهد ستالين, ملكية الفلاحين و التجار زالت واختفت تماماً لصالح ملكية المزارع الحكومية (36) ومصانع الدولة. لكن الفصل بين العامل و وسائل إنتاجه, الشرط الأساسي لوجود الرأسمال وفق ماركس (ماركس, 1867), بقي على حاله. فالعامل السوفياتي, كما العامل في كل مكان في العالم, كان حراً بالمعنى المزدوج: حراً لأنه ليس شرطاً من شروط العمل, وحراً أيضاً لأنه لا يملك وسائل إنتاج.
و الرأسمال, حسب ماركس, ليس شيئاً, وإنما "علاقة اجتماعية تنعقد بواسطة الأشياء" (ماركس, 1867). ولا يمكن له أن ينوجد, كطرفٍ في العلاقة, دون نقيضه, العمل. أي, العمل المأجور. و عنصرا العلاقة كانا موجودين في الاتحاد السوفياتي طوال تاريخه (Paresh Chattopadhyay, 1994).
و ستالين نفسه يؤكد في "القضايا الاقتصادية للاشتراكية في الاتحاد السوفياتي" بأن قانون القيمة ما يزال يفعل فعله بالاقتصاد (ستالين, 1953). وإذا كان قانون القيمة ما يزال يعمل فهذا يعني أن القيمة, المقولة التاريخية التي ستزول في الاشتراكية حسب إنجلز, كانت ما تزال موجودةً, إلى جانب المقولات الاقتصادية الأخرى كالمال والتبادل والأسعار والأجور إلخ...
و القاعدة المادية التي خلقتها رأسمالية الدولة بدأت تدخل بتناقضٍ مع البنية الفوقية السياسية والإيديولوجية الرسمية بحلول الثمانينات. و هذا التناقض على مستوى القاعدة كان لا يمكن حله سوى عبر شكلٍ جديدٍ من العقلانية التنظيمية(الأخلاقية), وهويةٍ جديدة من التكامل الاجتماعي (هابرماس, 1976). و جاء التنظيم الجديد للدولة و الاقتصاد أخيراً عام 1991 على ظهر بيروقراطيي الدولة السابقيين, و مسؤولي الحزب الشيوعي, الذين تسربلوا بعبائة الأوليغارش, و تسلموا بشكلٍ علنيٍ كافة المفاصل الهامة في الدولة الجديدة.
لكن على رسلك, سيقول لنا أحد التروتسكيين. فالاتحاد السوفياتي بعد لينين كان "دولة عمالٍ مشوهةٍ", وليس رأسمالية دولة.
هذا الرأي المغلوط نابعٌ من فهم تروتسكي السطحي للاشتراكية, وبدرجةٍ أكبر من رفضه رؤية النظام التي ساهم في بنائه بين عامي (1917-1922) يدخل في متاهة الكابوس الستاليني. لكن كل الأدلة تشير إلى أن الجمهورية السوفيتية كانت قد تحولت إلى ما يشبه الدولة الشمولية عشية مرض لينين. أي قبل أن يستلم ستالين الحكم, وفي الفترة التي كان فيها لينين و تروتسكي أنفسهم على رأس الحزب.
فما أن استلم البلاشفة الحكم حتى قاموا بإغلاق الصحف الليبرالية (لينين, 1917). وأعلن لينين أمام اللجنة المركزية لمؤتمر السوفيتات أن من لا يؤيد هذا القرار هو ليس باشتراكي! لاحقاً, وفي نهاية العام, قام لينين بتكليف فيلكس دزيرجينسكي بتشكيل لجنة ل"مكافحة الثورة المضادة", المعروفة بالتيشكا, والتي كانت عملياً تتبع فقط للحكومة و رئيسها, ولا تضطر للإجابة على تساؤلات وزارة العدل, الواقعة تحت سيطرة الثوريين الاشتراكيين اليساريين (لينين, 1917). و من يتابع جرائم التشيكا القبيحة يرى حقيقة أنها كانت سلفاً صالحاً للشرطة العسكرية ووزارة الداخلية في عهد ستالين.
و فيما صدع لينين و البلاشفة رؤوسنا عن الديمقراطية السوفياتية, المفترض بها أن تكون نمطاً أعلى من الديمقراطية, نجد لينين يخبرنا في " المهام المباشرة أمام الحكومة السوفياتية" و "حول إعادة الإعمار الاقتصادي (1920)" أن الديمقراطية السوفياتية لا تتنافى بتاتاً مع ديكتاتورية شخصٍ واحدٍ تكون مجسدةً فيه إرادة الطبقة!
تروتسكي, في النقاش الحاد الذي استعر في مؤتمر الحزب التاسع, دعا إلى عسكرة العمل والنقابات و إلى إلحاق تلك الأخيرة بالدولة. فالعمال, حسب قوله, لا يملكون شيئاً ليخافوه من "دولة العمال"! (تروتسكي, 1920).
و بحلول عام 1921, تم حل كافة الأحزاب, بما فيهم المناشفة و الثوريون الاشتراكيون اليساريون, الذين كانوا حتى وقتٍ قريبٍ شركاء البلاشفة في الحكومة. وتم حظر تشكيل الفصائل داخل الحزب الشيوعي.
 
 
لماذا نُفرِد كل هذه المساحة للحديث عن ثورة أوكتوبر, وتتبع مآلاتها, وتحليل أسباب فشلها, على الرغم من أنها تبعد عنا زمناً قدره قرن؟
في نظري تأتي أهمية هذا التحليل, وراهنيته, من السلطان الذي بسطته تقاليد هذه الثورة على قطاعٍ واسعٍ مما يسمى "اليسار" العربي والعالمي اليوم.
على أي حركةٍ اشتراكيةٍ جادةٍ اليوم, تضع نصب أعينها صون البيئة, وحذف اغتراب الإنسان, وتحرير كافة الفئات المضطهدة من العمال والنساء والأقليات القومية, أن تُبعِد نفسها عن تقاليد ثورة أوكتوبر, وتأخذ طريقاً مغايراً.


اليوم أكثر من أي وقت مضى يستحيل علينا التعويل على رهاناتٍ من النوع الذي عول عليه البلاشفة. واليوم أقل من أي وقتٍ مضى يسعنا أن نتخيل حزباً طليعياً يقود جمهوراً من العمال المأخوذين بشعاراته الشعبوية.
المطلوب اليوم ليس حزباً من الطراز اللينيني, وإنما حزبٌ بدون قادة, يكون قادراً على تنوير غالبية الشعب عما يحدق بالبشرية من مصائبٍ, كالتدهور البيئي و "البطالة التكنولوجيا" وغيرها.

حتى يومنا هذا ما يزال هنالك من هم على اليسار ينتظرون مهدياً مخلصاً اسمه "مجالس العمال" أو "السوفيتات". لندعهم غارقين في أحلامهم الوردية. فصحيح أن التاريخ يضرب لنا أمثلةً عن أشكالٍ قاعديةٍ من الديمقراطية تنظمها الجماهير بأنفسها. لكن هذا لا يعني في حالٍ من الأحوال أن على هذه الأشكال أن تتكرر دوماً في الصيغة نفسها.
الجوهري في استراتيجية اليوم ليس "مجالس العمال", و لا "الديمقراطية القاعدية", وإنما محاولة اجتراح طريقةٍ تربط بين "النضال من الأسفل" و"النضال من الأعلى"  للانتقال إلى نظامٍ عالميٍ جديد بإمكانه أن يحل المشاكل الطارئة والتي يعجز النظام الحالي عن حلها. إن أي حركةٍ من هذا النوع عليها أن تشيح ببصرها عن ثورة أوكتوبر, وتولي وجهها بعيداً عنها.
 ----------------------------------------------------------------------
الهوامش:
 
 
1-  أنظر "ثورة أوكتوبر الاشتراكية وحركة التحرر الوطني" على موقع "الأخبار".
2-  في مقال معنون ب"أهلاً بكم في بلد لينين".
3-  راجع "مرسوم تأميم المصارف" وغيره من مراسيم التأميم التي أصدرها "مجلس مفوضي الشعب" بالإضافة إلى كَراس "المهام المباشرة أمام الحكومة السوفياتية" للينين, على سبيل المثال لا الحصر. سنقف عند هذا الموضوع بتفصيل أكبر فيما يلي.
4-  المقال ظهر بتاريخ السادس والعشرين من تشرين الأول.
5-  تجدر الإشارة بإن تجميع الزراعة القسري, وهي السياسة التي اعتمد عليها ستالين لإنجاز تراكم موسع, لم تجد معارضين لها في طبقة الفلاحين فقط, وإنما في صفوف الحزب الشيوعي نفسه عبر المجموعة التي التفت حول بوخارين.
6-  بالإمكان مشاهدة مقطع فيديو للمقابلة التي يقول فيها ذلك على الرابط التالي https://www.youtube.com/watch?v=K4Tq4VE8eHQ
7-  ومع ذلك, لا يُعتبر تروتسكي من "الحرس القديم", إذ لم ينضم للبلاشفة سوى في تموز من عام 1917. أي قبل شهرين تقريباً من استلام البلاشفة للسلطة!
8-  استعمل هنا تسمية "الديمقراطية الاجتماعية" كترجمة لمصطلح social-démocratie الفرنسي و Sozialdemokratie  الألماني. بينما جرت العادة في الترجمات العربية على الإشارة لهذا  المصطلح  بتسمية "الاشتراكية الديمقراطية" الخاطئة.
9-  إلغاء القنانة جرى عام 1861.
10-                في الواقع, حصلت صيغة مارتوف على الأغلبية أثناء التصويت على بند العضوية, بينما حصل اقتراح  لينين على الأغلبية أثناء التصويت على تركيبة مجلش تحرير "إيسكرا", ومن هنا استحوذ فصيله على اسم البلاشفة (أي الأغلبية).
11-                من المعلوم أن هذه الاصطفافات لم تبق ثابتة. إذ انضم بليخانوف فيما بعد للمناشفة, بينما بقي تروتسكي خارج التيارين في الحزب حتى عام 1917, حين انضم, كما أشرنا سابقاً, للبلاشفة.
12-                أي ثورة عام 1905 الفاشلة.
13-                التصفوية كانت تياراً في داخل الحزب يدعو لحل منظمات الحزب السرية.
14-                هذا قبل أن تسطو القيادات البيروقراطية في النقابات وأنصار "الدفاع عن الوطن" والإصلاح على تلك الأحزاب وتساهم في تحويلها إلى "جثة هامدة", حسب تعبير روزا لوكسمبورج.
15-                راجع مقدمته للطبعة البولندية للبيان الشيوعي عام 1904.
16-                في آواخر عام 1905, صرح لينين بأنه "من الثورة الديمقراطية سننتقل للثورة الاشتراكية" حسب "قوتنا".
17-                لينين رفض في البداية تصديق عدد الصحيفة الرسمية للحزب الألماني الذي أعلن فيه تأييده للحرب. واعتبره عدداً مزوراً من قبل الأركان.
18-                انفصل كاوتسكي وبرنشتاين وروزا لوكسمبورج وكارل ليبيخنت وهيلفردينج عن "الاشتراكيين" الألمان المؤيدين للحرب, و أسسوا الحزب الديمقراطي الاجتماعي المستقل عام 1917.
19-                مارتوف كان من المناشفة الأمميين الذين عارضوا الحرب.
20-                و هذا دقيق فقط إذا كان المعنى المراد منه محصوراً بموقف أولئك القادة, الذين ضربوا بمقررات الأممية عرض الحائط, من الحرب.
21-                برنامج إيرفورت كان البرنامج الرسمي للحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني منذ عام 1891 حتى عام 1921.
22-                راجع خصوصاً (الكارثة المحدقة وكيف نحاربها – لينين,1917) و(مهام البروليتاريا في ثورتنا, لينين, 1917).
23-                العبارة واردة في "الإيديولوجيا الألمانية". والمقصود هنا "العمل المغترب" وليس أي نشاط انتاجي بوجه عام.
24-                في خطابه أمام المؤتمر الثالث ل"عموم سوفيتات روسيا", أكد لينين على أن الجمهورية السوفيتية ستفنى دون ثورة اشتراكية في الغرب.
25-                وجميع هذه المحاولات كانت انقلابية وأقلوية واصطناعية, كانتفاضة سبارتاكوس عام 1919, و"جمهورية المجر السوفيتية" عام 1918. وآخرها كانت انتفاضة هامبورج عام 1923.
26-                في مؤتمرٍ لعمال سكك الحديد عام 1918.
27-                هذه النزعات السينديكالية كانت انعكاساً لتطور الرأسمالية وبنية الطبقة العاملة في ذلك الوقت. اليوم لم يعد للتنظيم على أساس أماكن العمل معنى في "الرأسمالية المابعد صناعية". لذلك يبقى التنظيم وفق المناطق الجغرافية هو الأفضل.
28-                  بعد الصلح مع ألمانيا ركزت الحكومة السوفياتية على مسائل التنظيم ورفع الإنتاجية. بإمكان القارئ مراجعة "المهام المباشرة أمام الحكومة السوفياتية, لينين 1918" و"الطفولة اليسارية والشيوعييون اليسارييون, لينين 1918".
29-                راجع قرار مركزة إدارة سكك الحديد عام 1918.
30-                التعبير للينين (ورد في كراس "المهام المباشرة أمام الحكومة السوفياتية")
31-                تطبيق هذا المبدأ سبب قطيعةً مع الشيوعيين اليساريين (أغلبهم من أعضاء منظمة موسكو كبوخارين). راجع " الطفولة اليسارية والشيوعييون اليسارييون".
32-                  تلك الفترات كانت في البداية لا تتجاوز الثلاثة أشهر.
33-                انطلاقاً من المؤتمر السادس كان البلاشفة هم الحزب الوحيد المُمَثل في السوفيتات.
34-                ولينين بقي حتى مماته على هذا الموقف.
35-                الذي تأسس عام 1922.
36-                الكلخوزات والسفخوزات كانت كلاها مزارعاً حكوميةً. فاستقلال التعاونيات في الاتحاد السوفياتي أمام الحكومة كان, كما يعلم الجميع, شكلياً فقط.
 
-----------------------------------------------------------------------------­
 

المراجع العربية:
لينين, مختارات
تروتسكي, مهامنا السياسية, 1904
تروتسكي, نتائج و توقعات, 1906
رسائل ماركس إلى كوغلمان, 1871
ماركس, رأس المال, 1867
ماركس, رأس المال, 1894
ماركس, نقد برنامج غوتا, 1875
ماركس و إنجلز, الإيديولوجيا الألمانية, 1932
ماركس و إنجلز, البيان الشيوعي, 1848
هابرماس, بعد ماركس, 1976
 
المراجع الإنجليزية:
Joel Kovel , The enemy of nature, 2002
Plekhanov, Socialism and the political struggle, 1883
Plekhanov, Our differences, 1885
Rosa Luxemburg, Organizational questions of the Russian Social Democracy, 1904
Witnesses to Permanent Revolution, Edited and translated by Richard B.Day and Daniel Gaido, 2009
Kautsky, To what extent is the Communist Manifesto obsolete?, 1904
Kautsky, The American worker, 1906
Kautsky, The Driving Forces and the Prospects of the Russian Revolution, 1906
Martov, Down with the death penalty!, 1918
Stalin, Some questions concerning the history of Bolshevism, 1931
Paresh Chattopadhyay, The Marxian concept of capital and the Soviet experience, 1994
 
 
 





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ورطة في المقهى
- ظلّ الخليل
- تركتْ حقيبتها
- خارطة ذات
- رفاق فدوى ( إلى شهداء حركة 20 فبراير )
- على ضفة العشق
- ثلاثيات وطن 4
- الوأد
- ثلاثيات وطن 3
- ثلاثيات وطن 2
- ثلاثيات وطن
- إغفاءتان
- أمينة
- إباء
- في البدء كانت .. ثورة
- انسحاب
- لعينيك من تربتي شبه
- لستُ الملك!!
- وطني
- أماه عفوك..


المزيد.....




- تركيا.. السجن المؤبد لقاتلي لاجئة سورية ورضيعها
- هيئة التفاوض السورية تحذر من أن تفضي قوة واشنطن الحدودية إلى ...
- كيف يمكن محاربة الإدمان على الهواتف؟
- الشرطة السودانية تفض مظاهرات وسط الخرطوم وتعتقل محتجين
- هكذا سيبدو وجهك لو قضيت الشتاء في ياقوتيا الروسية!
- الإفراج عن موظفة دولية بعد 3 أيام من اختطافها في ليبيا
- السلطات السعودية تخلي سبيل خالد الملحم
- البنتاغون: لا علاقة للتحالف الدولي بعملية أنقرة في عفرين
- خلاف داخل روسيا حول القوة الأمريكية الجديدة في سوريا
- أردوغان: عملية عفرين ستدعمها قوات سورية


المزيد.....

- ثورة أكتوبر وتحرر النساء / رضا الظاهر
- في ذكرى ثورة دجنبر.. ذكرى تأسيس المجالس السوفياتية / عبد الحق الزروالي
- أيام يوليو.. لماذا لم يستولي البلاشفة على السلطة؟ / دانيل جايدو
- جرامشي والثورة الروسية كيف رأى الثوري الشاب ثورة أكتوبر؟ / دانيللا موسى
- من محطة قطار فنلندا / يوري كولومبو
- من الحلول الوسط إلى السلطة 100 عام على ثورة اكتوبر / كيفين مورفي
- ثورة أوكتوبر في مئويتها: الرهان الذي فشل / محمد السباعي
- كولونتاي والبلاشفة وتحرر النساء: قراءة نقدية / جاكلين هينين
- ثورة أكتوبر و-القوة العظمى- للشيوعية / كريستيان لافال
- تأملات في مآل ثورة أكتوبر -الاشتراكية- / رضا الظاهر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - محمد السباعي - ثورة أوكتوبر في مئويتها: الرهان الذي فشل