أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سيرة أخرى 54














المزيد.....

سيرة أخرى 54


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5702 - 2017 / 11 / 18 - 20:09
المحور: الادب والفن
    


1
" فلان من الناس رزقته واسعة "؛ إنه مثل معروف يشير غالباً إلى الشخص المحظوظ. قريبنا ما غيره، " قربينة "، يمكن الإشارة إليه بذلك المثل. ولأقل أولاً، بأنه من أسرة قليلة العدد تضمه مع والديه وأخويه. إلا أن حياتهم، لم تكن ميسورة. راتب الأب التقاعدي، كدركي قديم، كان يكفي سجائره. ولأن الابن المعني لم يكمل دراسته، فلم يكن أمامه سوى العمل. سَرَحَ في البدء مع عربة يُحمّلها بمسلوق الفول أو الحمّص أو الذرة. ثم عمل لاحقاً كجابي باص على خط الحيّ.
في منتصف الثمانينات، إكتسحَ متعهدو البناء حيّنا بغية إغراء الأهلين بتحويل منازلهم إلى عمارات حديثة. منزل أسرة " قريبنة "، كان بالأصل ملكاً لجدّنا ومنحه لشقيقته الوحيدة. كان المنزل من الاتساع، أنه أنشئت عليه عمارتان. غير أن " قربينة "، وقد هبطت عليه الثروة فجأة، لم يقتنع بحظه. إذ طالب بميراث جدته ـ كذا ـ في بيتنا، مردداً كلّ مرة بتبجُّح: " لي فيه الثلث شرعاً..! ". المحكمة، لم تعطِ الرجل حصّته بالميراث. وها هيَ فرصة أخرى تلوح له مجدداً. جرى ذلك بعد الأحداث الأخيرة في سورية، حيث انتقل " قربينة " إلى تركيا ( ولاية ماردين ) أينَ يعيش أقاربٌ بعيدون. استضافه أولئك الناس البسطاء، مع أنهم بالكاد عرفوا درجة قرابته بهم. وإذا به يفاجئهم ذات يوم، حينَ طالبهم بميراث جدّ أجداده من البيوت والبساتين.

2
" لنساء الشام غرام زائد بالأزهار "؛ هكذا كتب رحالة فرنسيّ زار المدينة في القرن الثامن عشر. ومن يتجول في دمشق القديمة، سيلفت نظره عرائش الياسمين والمجنونة وهيَ تتعانق في الأزقة. الأشجار المثمرة، تنهض هناك بقاماتها السامقة من وراء الجدران، فيما أصص الأزهار تتمايل في فخاريات كبيرة أمام أبواب المنازل. أما لو وجدتَ نفسك داخل أحد تلك البيوت، فإنك لا بد وتظن إنه الفردوس من يفتح ذراعيه الخضراوين لإستقبالك.
ذلك الغرام الموصوف، وُجد أيضاً في حارتنا. وقد أشتهرت لدينا في الزقاق عدة جنائن منزلية؛ منها تلك المرتبطة باسم امرأة مسنّة، طريفة الطبع، كان منزلها يقع بمنتصف الزقاق. كانت هذه المرأة تسقي حديقتها ليلاً بوساطة نربيش ممدود إلى صنبور السبيل، الذي سبق أن تكفل جدّي لأمي بتكلفته. حديقة بيت آخر، أخذت لقبَ جارة لنا. إلا أننا في طفولتنا كنا لا نجرؤ على الإقتراب من بيت جارتنا تلك، لما كان من طبع أبيها الشرس. ثمة بيوت كانت قد اندثرت حدائقها منذ ذلك الزمن، بسبب قيام أصحابها بتشييد حجراتٍ إضافية كي يتم تأجيرها للأغراب. إلى أن أندرست أخيراً معظم بيوت الزقاق مع حدائقها، لينهض بمكانها أبنية حديثة ذات واجهاتٍ متجهّمة.

3
أيام زمان، كان الحمّام جزءاً من المطبخ في معظم بيوت الحارة. الماء، كان يسخّن بطريقة بدائية إن كان على موقد الفحم أو بابور الكاز. ذلك أنّ الأهالي أعتادوا على الذهاب مرة في الأسبوع إلى حمّام السوق، الكائن في سوق الجمعة. جدّي لأمي، وكان وجيهاً غنياً، أنشأ في منزله حوضاً كبيراً للاستحمام ( مصنع ). الجدّ الكريم، كان يدعو أيضاً جيرانه للاستفادة من هذا الحمّام المُعتبر.
في طفولتنا، تفتح وعينا على السخّان ( القازان ) وكان يعمل على المازوت. كنا معتادين على إعطاء ظهورنا لهذا الجهاز المعدنيّ، الذي ينبعث منه الدفء والبخار. إلا أن للسخان سيئة معروفة، وهيَ أنه عندما يكون محصوراً بالسخام فإنه ينفثه بقوة مُصدراً صوتاً مرعباً كالإنفجار. ذات ظهيرة، كنت ألعب في منزل جيراننا مع أولادهم. وإذا بصوت إنفجار يأتي من حمّام بيتهم، تبعه خروج ابنتهم ( وكانت تماثلني بالعُمر ) وكانت تصرخ من الرعب. هُرعت إلى دكان عمّها، وكان جالساً مع بعض جيرانه الباعة. قلت له ملهوجاً: " القازان انفجر في بيتكم! ". سألني وهوَ ينتفض من مجلسه: " ماذا؟ ". فأضفت قائلاً ببراءة: " خرجت فلانة من الحمّام وهي عارية تستنجد بأمها! ". فانتهرني صارخاً: " انقلع من هنا!! ".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,862,348,588
- المبنى المهجور
- سيرة أخرى 53
- سيرة أخرى 52
- سيرة أخرى 51
- الأغراب
- الإشارة الحمراء
- أردوغان ولعنة الكرد
- سيرة أخرى 50
- مسؤولية الرئيس بارزاني
- تركيا؛ دولة غاصبة
- سيرة أخرى 49
- الإرهابيون؛ من تنظيمات إلى دول
- تشي غيفارا؛ الملاك المسلّح
- سيرَة أُخرى 48
- الفردوسُ الخلفيّ: الخاتمة
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الغين 3
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الغين 2
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الغين
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الظاء 3
- الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الظاء 2


المزيد.....




- لماذا عادت أنجيلينا جولي إلى أمريكا؟
- هل نستطيع إعادة سرد الرواية الفلسطينية.. من خلال كتاب طبخ؟
- الثلاثاء : المغرب يخلد الذكرى الـ 39 لاسترجاع إقليم وادي الذ ...
- خبر حزين لكل محبي الممثل المصري جميل راتب
- روتردام تستضيف مشروع 4000 عام للموسيقى الشرقية
- دراسة: مايكل جاكسون استخدم مقطوعات لبيتهوفن في صياغة أغانيه ...
- صدور كتاب -الفن الإسلامي في الصين- عن -برنامج دراسات الحضارة ...
- المغنية الأمريكية أريثا فرانكلين -في حالة صحية حرجة-
- ويني الدبدوب السوفيتي يتفوق على الأمريكي!
- شاهد: جدارية عملاقة لأسطورة الموسيقى التصويرية موريكوني في ا ...


المزيد.....

- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سيرة أخرى 54