أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - موفق كمال قنبر وفي - محادثات فلسفية مع صديقي حول الأسلام (24)















المزيد.....



محادثات فلسفية مع صديقي حول الأسلام (24)


موفق كمال قنبر وفي
الحوار المتمدن-العدد: 5476 - 2017 / 3 / 30 - 20:30
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


محادثات فلسفية مع صديقي حول الأسلام (24)
د. موفق كمال قنبر وفي.
المحادثة ألأخيرة:
تسائلت مع نفسي أثناء فترة الاستراحة هل لنسخة أسلام القرون الغابرة التي تعم العالم الاسلامي اليوم ان تتغير الى أسلام معاصر يحتفظ بروح الدين ولكنه ينأى عن التكفير والعنف والتعالي على المختلف والطائفية المقيته أم إننا فعلاً لم نعد بحاجة الى الاسلام وكل الاديان الاخرى كما يردد صديقي دائماً؟ أخرجت من حقيبتي قلم وورقة وبدأت اسطّر رؤوس الاقلام حول رؤيتي للأسلام المرتجى بينما كان صديقي مكتوف اليدين يتطلّع ومن دون ان ينبس بكلمة الى الاستاذان محمد وبهنام والسيدان خالد وحسين وهم في نقاش محتدم والشابان سمير وقصي يراقبونهم بقلق ...
التمّ الجمع مرة اخرى بعد حوالي نصف ساعة في دائرة ليس فيها محاضر من جهة ومستمعين من جهة اخرى ... ساد صمت وجمود يترقّب من سيتكلّم اولاً حتى كسره صديقي بالقول: أقول بصراحة ... أنا لا أعترف بكل الاديان وأعتقد ان معظم مصائب البشرية هي بسبب صراعات دينية الظاهر سياسية الجوهر ... أقول بصراحة إن نبذي للدين لم يأتيني براحة البال لأنه لم يجيب على تساؤلات وجودية ... فأن لم تكن هناك حياة أُخرى فيها عقاب وثواب على ما اقترفت ايدينا في حياتنا ... ولمّا كانت حياتي ستنتهي الى الابد بموتي وموت كل ما أحمله من افكار وعواطف فما ضرورة الكفاح والتضحية من اجل الآخرين ... من اجل ذرّية واهل وقوم ووطن ... كل ذلك يصبح بلا معنى ... العقل يحثّك على سلوك حياة بوهيمية ... لا ولد ولا تلد ولا مسؤوليات تحملها على ظهرك ... واتبعت في حياتي ما جادت به قريحة عمر الخيّام وحنجرة اُم كلثوم

لا تشـــغل الـــــبال بماضي الزمان
ولا بـــــآت العيش قبل الأوان

واغنم من الحـــــاضـــر لــــــــذاته
فلـــيس فى طبع الليالى الأمان

مرّة ... قال لي موفق ان الملحد هو من يقول ان الحياة عبثية لا جود لهدف فيها وكلّما راجعت فكري تزعزعت قناعتي بعبثية الحياة ... فلا يمكن ان تكون الحياة محض صدفة وبلا هدف.
قلت: انت تؤمن بعبثية الحياة ... لأن هناك دلائل عقليه تقودك لهذا الاستنتاج ... وهنالك دلائل عقلية تقود الى الايمان بعدم عبثية الحياة وان لها هدف ما ... الدليل العلمي ينقض الحالتين.
واصل صديقي حديثه: لا يمكنني الايمان بحياة الآخرة ليس فقط لعدم وجود الدليل القاطع لوجودها بل لأن ذلك يعني الإيمان بكل ما جاء في الدين من خزعبلات فهو من ضمن حزمة واحدة لا يمكن ان تختار ما يروق لك منها ... لا يمكنني ان أعبد إله لا يحتاج الى عبادتي لأنه كامل كما يقول الدين ... ولكنه يتصرف كطفل مدلل ولئيم ... يغار ويمكر وهو خير الماكرين فيضع غشاوة على الابصار ووقر في الآذان لكي لا يهتدي الكفرة ... نعم ... اعترف اني كنت على خطأ ... أنا مؤمن الان بأن الحياة ليست عبثاً ولها هدف يتعدّى حياتنا الشخصية المحدودة ... ولكنه قطعاً ليس من ضمن التصوّر الديني الساذج ... فما هو؟
قلت: الدماغ فيه عدد هائل من الخلايا العصبية ... كل خليّة عصبية تقوم بواجها المحدود ولا تعرف شئ اعقد من هذا الواجب المحدود ولكن الفكر والعاطفة تظهر من مجموع تركيبها المعقد والعمليات الكهرو-كيمياوية فيها ... حياتنا الشخصية المحدودة هي كحياة تلك الخلايا العصبية المفردة.
ساد صمت قطعه قيس: استاذ قلت ان الختان والحجاب ليس ملزماً في الاسلام ولكني وجدت ان المرأة في كثير من الاحيان تصر على الحجاب ... فعندما زرت مصر مع عائلتي علمت ان ختان البنات منتشر بشكل كبير وتشجّع عليه وتقوم بختان البنات الصغيرات نساء ... فما هو سر هذه القناعة الراسخة بما ينتقص من حقوقهم وانسانيتهم؟
قلت: دوافع الحجاب والختان متعددة ولكن ابرزها هو الدافع النفسي ... فكما يقول الكاتب التونسي العفيف الاخضر "الاشتراك في لباس شرعي واحد، أداء شعائر جمعية في وقت واحد... تقدّم مثل هذه الممارسات الجمعية للعصابي القلِق شعورا مطمئنا بالانتماء إلى الأمة الإسلامية الذي يعطيه الانطباع بأنه لم يعد مجرد ذرّة ضائعة في المجتمع ولا كمّاً مهملا في حوليات التاريخ" ... ويقول ايضاً "ارتداء الحجاب عن قناعة راسخة هو ما أسماه السوسيولوغ بيير بورديوالعنف الرمزي ، أي اقتناع الضحية برأي جلادها فيها؛ فتُسلّم بأن جسدها فعلا عورة، وأنها فعلا خائنة بالقوة، إذن، في حاجة إلى رادع شرعي حتى لا تمر من النية إلى الفعل، من الإغواء إلى الزنا" ... بل ان كثير من الفقهاء يقول ان جسد المرأة كلّه عورة ويجب تغطيته.
قال الاستاذ محمد: كلما زاد الفقيه من تشريعات لتغطية المرأة يبرز شئ آخر يثير غرائز الرجل الطبيعية ليشمل حتّى وقع اقدامها وهي تمشي بالحذاء ذو الكعب العالي فيلوم المرأة على إثارته وينبري الفقه الاسلامي الذي كتبه الرجال لتحريم لبسها للكعب العالي!
قال قيس: ولكن لماذا تصر بعض النساء على لبس الحجاب وعدم الخروج بدون محرم والمبالغة بمظاهر العفة إرضاءاً للرجل.
قال الاستاذ بهنام: يقول علم الاجتماع ان اللغة والمجتمع الانساني الاوسع من العائلة الواحدة خلقته المرأة التي كانت تجتمع مع الاخريات واطفالهم حول النار الموقدة بينما الرجل يسعى للصيد خارج القبيلة ... تكتسب المحافظة على المجتمع بما فيه من عادات عند المرأة اهمّية قصوى حتى لو كان ذلك على حساب مصالحها.
قلت: انا في الحقيقة أُرجع قضية التعصّب الديني الى تزعزع القناعة بمكّونات الهوية الشخصية ... الانسان عقل وجسد والعقل فكر يترسّخ أقدمه منذ الطفولة بمفاهيم ومعتقدات اجتماعية نبني عليها المزيد من المفاهيم والمعتقدات ونحن نكبر ... هويتنا الشخصية تنبع هي الرابط بين اجزاء البناء الفكري من المفاهيم والمعتقدات وعندما يتخلخل البناء لعدم تجانس مكوناته مهدداً بأنهياره يلجئ الانسان الى ما يمكنه ربط البناء من الخارج بحزام قوي من المعتقدات الغير عقلانية ليوقف التصدّع الى حين ... لم تنجح الحكومات المتعاقبة ذات الايدولوجيات القومية والاشتراكية اللابسة ثوب الحضارة الغربية بعد سقوط الدولة العثمانية الاسلامية من تحسين حياة الشعب المغلوب على امره ... ولم تنشئ هوية وطنية لمواطنين يحملون موطنة فكراً متجانساً فتلقّف الشباب الضائع ما جاد به من فكر ومال دعاة الوهابية وامثالها.
قال صديقي: يجب مراجعة تلك المفاهيم والمعتقدات والتخلّص من اسوءها وإعادة البناء على اسس قوية ... ولكن ذلك يحتاج الى شجاعة تتحدى ما كنّا نقدّسه.
قال الاستاذ محمد: بل تحتاج الى المفكّر الصادق الشجاع الذي بوسعة تقديم البديل العقلاني ويصمد بوجه اعداء البديل.
قال الاستاذ بهنام: ما قاله الاستاذ موفق يذكرني ببعض ما أدرّسه في علم الاحياء ... بعض انواع الاحياء ذات الخلية الواحدة تلجأ عند مواجهة محيط صعب غير ملائم لحياتها الى بناء غلاف سميك حولها والتقوقع داخلة حتى تتحسن الضروف.
قال الاستاذ محمد: هذا الغلاف عند الجماعات الدينية هو فكر الطائفة الضيّق الّذي يحيطهم بالمحرمات والممنوعات فيعزلهم عن المجتمع داخل شرنقة مليئة بالاوهام المخدّرة لعقولهم.
قال صديقي: تجد ذلك حتّى في الغرب حيث تجد ما يسمى بال (Cult) ينقطع أعضائه عن المجتمع ليعيشوا تحت إمرة من يغسل ادمغتهم بأفكار طوباوية بعد ان تخلّيهم له عن كل ما يملكون.
قالد السيد خالد: لنرجع الى الموضوع الاصلي ... يا استاذ ... لقد هدمت معظم ما كنّا نظن انه من الاسلام ... وحسناً فعلت فقد ساورنا الشك في بعضه ... شك كتمناه في صدورنا خوفاً من عقاب الله ولأننا لم نجد لتلك المعتقدات بديل يتماشى مع القيم الحضارية ونحتفظ فيه بأيماننا ... فما هو البديل عدى ما أقترحه الاستاذ ، واشار الى صديقي ، من كفرٍ بالدين؟
قلت: هذا البديل الذي اشرت اليه ممكن ... فهمي للدين هو انه جوهر من مشاعر روحية تسعى للتوحد مع الوجود الحي ويسعى خيال الانسان لتفسيرة من خلال النصوص والشعائر الدينية ... يظن معظم المؤمنين ان الدين هو ترتيل تلك النصوص واقامة الشعائر من صلاة وصوم وحج الى اخره بحذافيرها وفي اوقاتها وينسون الجوهر الذي هو اصل الدين ... الذي يعرف الجوهر الذي يكشف عن نفسه من خلال التأمل ومن خلال بعض النصوص الدينية لا يحتاج الى الشعائر ... عرف هذه الحقيقة فلاسفة ومتصوفة عرفانيو فرفض بعضهم الشعائر الدينية كلها او بعضها وأبدلوها بالتأمل العرفاني.
قال الاستاذ محمد: قال لي احد معارفي من ألاكراد ان شيوخ الطريقة الصوفية من البرزانيين لا يؤدون الصلاة.
قلت: لا أعلم ذلك وهو شئ محتمل ... فإستناداً الى الاية 99 من سورة الحجر "واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين" يمكن ترك العبادة المتمثلة بالصلاة عندما يتيقّن العقل والحس من وجود الله.
أعترض السيد حسين قائلاً: أستاذ اليقين هنا بمعنى الموت فيكون معنى الاية اعبد ربّك حتى الموت.
قلت: هذا تأويل لمعنى اليقين ... ولكن المعنى المباشر الواضح من قاموس اللغة العربية هو طمأنينة القلب على حقيقة الشيء وتصديق جازم لا يقبل الشك ... لماذا نلجئ الى التأويل عندما يكون المعنى المباشر واضحاً كوضوح الشمس ... الكثير من الفرق الدينية التي خرجت من التشيّع لا تؤدي الصلاة المعروفة عند المسلمين بل لهم طقوسهم الخاصة ... سوف أتطرق الى موضوع الفكر العرفاني الصوفي في الاسلام بعد موجز يجيب على تساؤلات الاخ خالد والمتعلق بأسلام بديل يتماشى مع قيم الحضارة ويحتفظ بالجوهر الروحاني الذي هو بغية المؤمنين ، ارتشفت ما تبقّى من الشاي الذي فقد حرارته من القدح الذي امامي وسط سكوت مصحوب بترقب المستمعين ثم واصلت حديثي:
اول ما يجب ان يفعله المؤمن هو نبذ كل الاستنتاجات الدينية المبنية على مفاهيم فلسفة افلاطون المثالية الجامدة وتبنّي المفاهيم الفلسفية العصرية التي تدمج النظرية الفكرية بالتجربة والملاحظة الحسية وكذلك ابدال المثالي المطلق بالنسبي في كل موضوع يجري البحث فيه ... لقد قادني البحث عندما وضعت النبي محمد والقرأن تحت المجهر وفق هذه المعايير الى الاستنتاجات التي ذكرتها في القسم الثاني من المحاضرة ... سأتبع نفس الطريقة التي اتبعتها في الجزء الثاني من المحاضرة بأعتماد ما جاء من القران ومن النبي لأستنتج منه ما يلي :-
اولاً: عملاً بالاية القرأنية "قل انما انا بشر مثلكم ..." وحديث النبي "لا تكتبو عني ... " فلا عصمة للنبي ولا لآل البيت فليس على المسلم اتّباع السنّة النبوية وهذا لا يعني أبداً عدم إجلالهم وإحترامهم... ولكن هذا يزيل الكثير من الاحراجات التي كان على المسلم المقتنع بعصمة النبي ان يجد تبريراً لها في الممارسات المشينة لبعض المسلمين بدلاً ان يقول ببساطة انها اخطاء ونزوات قام بها بشر مثلنا.
ثانياً: المؤمن الحق يتبع القرأن وحده وقد يهتدي ببعضٍ السنّة النبوية التي لا تتعارض مع المبادئ الانسانية ...
قال الاستاذ محمد: هذا يطابق ما قال به القرأنيون ... هم جماعة ظهرت في مصر يدعون الى اتباع القرأن وحده ... ولكن السلطات قمعتها.
تابعت حديثي: بعد نبذ التفسيرات المثالية الجامدة يظهر لنا القران بصورة ديناميكية جديدة ... نفهم من الاية 7 من سورة عمران
"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخرى متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب" ... برأيكم ما هي الآيات المحكمات؟
قال السيد حسين: اظن ان المقصود بها الاساس العقائدي للأسلام المتمثّل بالآيات المكّية
قال السيد خالد: اختلف الفقهاء فيها ولكني اعتقد انها الايات المكّية وبعض من الايات المدنية التي هي الجوهر الروحي الاسلام.
قلت: تماماً ... الايات المحكمات هنّ ام الكتاب واساسه المتين الذي بنيت فوقه باقي آيات القران .... وما دامت تلك الايات هي اساس بناء القرأن فأن من المنطقي ان نستنتج ان البناء الذي فوقها لا يخرج او يحيد عنها وإلا انهار ...
ثالثاً: الجوهر الروحي الاسلام هو جوهرسرمدي متمثل بأمّهات الايات التي ولدت السُوَر المدنية الأخرى بعد ان تزاوجت مع الضروف الزمنية فولدت التشريعات المدنية للمجتمع الاسلامي الجديد ، فهي ايات لمعالجة حالات مستجدّة في ظروف مكانية وزمانية معينة واجهت المجتمع الاسلامي ... وقد أتت ايات تنقض بعضها في ظروف زمانية ومكانية مغايرة ... القران كان واضحاً بعدم نسخ اي آية ولا يمكن تفسير ذلك في رأيي إلا إذا كان المقصود هو ان الايات القرأنية متساوية في إطار خارج إطار الزمن ... أسئلكم .. ما المقصود إذاً بالاية 106 من سورة البقرة " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير"؟
قال الاستاذ محمد: نفس المعنى في الآية السابقة مع اضافة المعلومة ان الله يأتي بآية ثم يأتي بخير منها اومثلها ... لا أعلم لماذا من الأوّل لا يأتي الله بالآية الأخير؟
قال صديقي ساخراً: ألا تؤكد هذه الآية ان في القرأن ايات اقل خيراً او حسناً ... اي اقل كمالاً!
قلت: هنا بيت القصيد الذي يحل مشكلة عدم النسخ فيجعل من القرأن وتشريعاته كتاباً ديناميكياً ... فتخضع آيات القران فيما عدى أمهات الكتاب الثابتة للضروف الزمنية والمكانية المعيّنة فيختارالمشرع الآية المناسبة لتلك الحالة المدنية بغض النظر عن التسلسل الزمني لنزولها فهي الآية الخير من أية اخرى مشابهة تتطرق لنفس الموضوع ولكنها لا تنطبق على ذلك الظرف الزماني والمكاني ... على المؤمن إذاً اهمال كل التشريعات السابقة ، سنية كانت ام شيعية ، والبدء من جديد في ضوء الصورة التي اوضحتها... يجب الاستفادة من المجددين الضليعين بالفقه الاسلامي من مثل الشيخ جمال البنّا الذي لا يزكي من تاريخ الاسلام الا فترة اربعين سنة ، هي فترة الخلفاء الراشدين ، ويدعو الى اهمال كل ما شُرّع بعدها واصدار تشريع اسلامي حديث.
سأل سمير: أستاذ من هو الشيخ جمال البنّا؟
قلت: جمال البنّا هو شقيق حسن البنّا مؤسس حزب الاخوان المسلمين ولكنه يختلف جذرياً عن اخية في اطروحاته الاسلامية. لقد جرى التعتيم على افكار الشيخ جمال البنّا النيرة بالرغم من غزارة انتاجه الذي يربو على 250 مؤلفاً.
سأل السيد خالد: وما هي الاُسس الفقهية للتشريع الجديد برأيك؟
قلت: انا لست فقيه ولكن يمكنني ان اتصور الخطوط العامة لهذا التشريع ... فكما بينت سابقاً ان روح القرأن الانساني الرحوم تكمن في الايات المكيّة القصيرة وان في الايات المدنية تشريعات واحكام لفترة نشوء الاسلام الفتي وهو يواجه ضراوة اعداءه في دولة المدينة. ففيه احكام قاسية وتشريعات موقتة زال حكمها وبقى اثرها في القران بعد وفاة النبي ولذلك وجب ان لا يؤخذ بها الان بعد ان تصلّب عود الاسلام فلم يعد لها مكان للتطبيق في المجتمع الاسلامي الحالي ... من هذه الاحكام ما ورد في هذه الاية "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم" المائدة : 3 ، او "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله" مائده: 38" ... انا لم اقرا او اطّلع على نص يدلّ على تنفيذ امر صادر من النبي بقطع يد او رجل حتى في الظروف الحرجة التي مرّ بها فكيف نأمر بهذا العمل الوحشي إذا اردنا ان نقتدي به ... إن القران يذكّرنا في البسملة التي تُفتتح بها السور بأن الله رحمن رحيم ولذلك وجب تغليب الرحمة في احكام الشريعة واهمال ما جاء في ظروف تاريخية ماضية لا تتناسب مع عصر حقوق الانسان المعاصرة ... دعني انتقل الى فقرة جديدة مكمّلة لما سبق ...
رابعاً: لا تتساوى ايات التحريم مع ايات تعطي معنى المنع في رأيي ... فالمحرم مصطلح ديني وجزاء اقتراف المحرم عند الله هو عذاب في الآخرة ... ومن المحرمات ما هو مكاني و زماني ، كالمسجد الحرام وبيت الله الحرام والشهر الحرام ، لأنها اماكن وفترات زمنية مقدسة ... ومن المحرّم ما يخص المأكولات ، "إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم " سورة البقرة ...
قال الاستاذ محمد: لاحظ ان الآية تحرّم لحم الخنزير فقط وليس مكوناته الاخرى مثل عظمه وشحمه وجلده ... وهذا يذكرني بصديق ذكر لي ان احد معارفه مهوس ومبالغ بدقائق الحلال والحرام وحدث ان زاره في بيته ولكنه جلس على الارض رافضاً الاريكة الجلدية التي ظن انها مصنوعة من جلد الخنزير.

واصلت حديثي: أمّا المنع وما يعطي معنى المنع ، من مثل " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" سورة المائدة: 90" فجزاء خرقه ينص عليه تشريع دنيوي وفق الظروف الموضوعية التي يمر بها المجتمع والتي قد لا تطبقها السلطة الدنيوية لأسباب معينة تبررها وتتحمل مسؤليتها. فجزاء عدم تجنب شرب الخمر ، الذي لا يعني تحريمه ولا يعني غلق حانات الخمر وملاحقة الشاربين وعقابهم اينما كانوا ، يختلف بأختلاف الزمان والمكان في الدولة الاسلامية ... ففي ايام الخليفة عمر مثلاً كان شارب الخمر يجلد ثمانين جلدة.
قال السيد خالد: كان الخليفة عمر رضى الله عنه متشدداً في حكم الخمر ويقال انه عرف ان ابنه قد جلد جراء ضبطه وهو يتعاطى الخمر في مصر امر بجلبه اليه وامربجلده مرة اخرى وهو لم يتعافى بعد من جلده الاول فمات جراء ذلك.
قلت: ولكن هذا الاجراء القاسي لا يتناسب مع العصر والدولة المدنية ذات السلطات المستقلّة ، فالدولة الحديثة لا تأخذ به ، وما دام لا نسخ لايات القران فقد يلجئ المشرع المتنور الى ايات في نفس الموضوع تناسب العصر.
قال الاستاذ محمد: لاحظ ان الاية تقول تجنبوه وليس تجنّبوهم ... الله يمرنا في هذه الاية بتجنّب الرجس بتجنب لا تجنّب الاربعة المذكورة في الاية.
سأل صديقي: وما هو الرجس فيهم؟
قال الاستاذ محمد: الرجس في الخمر هو حدّ السُكر ... في الايات الاربعة الاخرى عن الخمر في القرأن تجد ان فيه فوائد ومضار واخرى تقول لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى ... فلا يمكن منعه بتاتاً لأن فيه فوائد بل منع ما هو مضر فيه وهو السُكر
قال الاستاذ بهنام: في المسيحية السكر مذموم ايضاُ ... ففي العهد الجديد "إن كان أحد سكيراً.. لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا"
قلت: دعني انتقل الى فقرة جديدة مكمّلة لما سبق ...
خامساً: يجب تفسير الآيات تفسير إنساني ما أمكن وهنالك الكثير الذي يمكن ان نفعله في هذا الصدد بعد اهمال التفسيرات القديمة المتحجرة. ففي مجال المرأة وحقوقها فالاية "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا" سورة النساء: 34 ... هذه الآية أُتخذت ذريعة للإمعان في اضطهاد المرأة ولكنها تعني من وجهة نظر اخرى عكس ذلك ... فقيامة الرجال على النساء هو قيامهم برعايتهم و وبواجباتهم الاخرى نحو شريكة حياتهم ... ولا يستقيم الجزء الثاني من الاية اي "واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا" إلا اذا كان معنى كلمة اضربوهن هو الاضراب عنهنّ كما في اضراب العمال عن العمل ... وبذلك يكون المعنى "ان الذين تخافون خروجهم عن طريق الصواب فعظوهن ثم اهجروهن واضربوا عن مضاجعتهن في مضاجعهم"
قال الاستاذ محمد: يبدو هذا التفسير معقول جداً فلا يُعقل ان يكون معنى الآية ان نضع الناشز في مضجعها أولاً ثم نضربها ... تبّاً لكم ايها الفقهاء الظالمون!
قال السيد حسين: قلت انك سوف تتطرق الى موضوع الفكر العرفاني الصوفي في الاسلام واقول الحق ان رأيي الذي لا أظن انه يختلف عن رأي صديقي خالد عن التصوف هو انه خروج على الاسلام وقد كفّره كبار علماء السنّة والشيعة كما كفّروا الفِرَق الباطنية والعلي اللّهيّة والاخرى مثل الاسماعيلية والبهائية والأحمدية وغيرها ... فما هو رأيك؟
قاطع ردّي قيس: أستاذ هل من الممكن قبل ان تجيب على العم حسين ان تقول لي ولو بأختصار ما هو التصوف وما هي الفِرَق الباطنية و العلي اللّهيّة
قلت: كثر الكلام في تعليل كلمة صوفي فمنهم من يقول هي لمن يلبس الصوف من الزاهدين وقال آخرون هي من كلمة صوفيا اليونانية بمعنى الحكمة ومهما كان اصل الكلمة فالتصوف في رأيي هو امتداد للعرفانية التي تكلمت عنها سابقاً فهي لجماعات زهدت بالدنيا الفانية ونذرت نفسها لمعرفة والتواصل مع الخالق السرمدي الذي لايحدّه مكان ولا زمان ... أمّا الفِرَق الباطنية فقد سُمّيت كذلك مِن قِبل مناوئيها لأنها تُبطن غير ما تُظهر من عقائدها عند مواجهتها لعدو قوي لا تقدر عليه مبررة ذلك بمبدأ التقّية الشيعي ... والعلي اللهية هي تسمية من قبل المناوئين لهذه الفرق التي تقدّس الامام علي وترفعه الى مطاف الاله كما يدّعون.
سأل سمير: وكم من هذه الفِرق موجود وما هي دوافع ظهورهم؟
قلت: منذ زمن الامويين ومروراً بالعبّاسيين والعثمانيين وحتّى اليوم ظهرت من الفِرق الصوفية وما يسمى بالباطنية المئات ولكن معظمهم زال بفعل قمع السلطات له ... اما دوافع ظهورها فكثيرة ولكن اهمها ... فيما يخص التصوّف هو مستمد من نصوص ايات روحانية في القرأن تلهم ذوي التوجه العرفاني ... وفي ما يخص الفرق الاخرى بصورة رأيسة هو الظلم الاجتماعي من قِبل فئة صغيرة تسلّطت بأسم الاسلام الذي كان يوعِدُ بالعدل والمساواة فأتخذت ملاذاً في فِرَق توعد بالعدل والمساواة بأسم إسلام مناوئ يتّخذ من أئمة العلويّن قيادة له.
قال الاستاذ محمد: إسلام السلطة السنّي وإسلام الشيعة الاثنى عشرية الذي هو ايضاً إسلام سلطة فرضه الصفويون هو دائماً أداة للحكم وقمع المناوئ فلا عجب ان تجد مناوئي السلطة يتخذون من إسلام مناوئ أداة لمحاربة السلطة ... الكثيرمن هذه الفِرق بدأ من شخص يدّعي انه المهدي المنتظر ليقود جماعة تبلورت في فِرقة ... منها فرقة الدروز الذين يسمون انفسهم الموحدون ... والبهائية وآخرها الأحمدية ... لماذا يلجئ هؤلاء الى هذا الأدّعاء؟
قرأت من حاسوبي آيتين من سورة آل عمران والاحزاب: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ"


"ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما"

واصلت حديثي: في الاية الاولى محمد رسول قد خلت من قبله الرسل وفي الثانية محمد خاتم النبيين ... الرسول له رسالة سماوية جديدة والنبي من ينبئ الناس برسالة سماوية قد تكون لرسول قبله ... الرسول أعلى شأنناً من نبي يدعو الى رسالة سابقة فقط ... محمد حسب القرأن رسول ونبي فشأنه عند االله اعظم من شأن الرسول وشأن النبي ... ذكر القرأن ان محمد خاتم النبيين ولكنه لم يذكر أنه خاتم الرُسل وفي العقيدة الاسلامية المهدي المنتظر يحمل رسالة سماوية تنهي ظلم الضالمين ليسود العدل بين البشر ... لهذا يدّعي او يظن البعض ممن له رسالة تجديد واصلاح في الاسلام أنه المهدي المنتظر ويصدّق به من يصدّق ... أسأل من يتّهم كل هؤلاء بأنهم خارجين عن الاسلام هل ان الاسلام الذي خرجوا عنه هو نفس هذا الاسلام السنّي او اشيعي الذي بينت كل نزواته في محاضرتي اليوم؟ ... ليس من حق اي مسلم ان يتّهم مسلم آخر ... او في الحقيقة اي من له دين اوليس له دين بأنه خارج عن الاسلام او كافر لأن اسلامه هو موضوع شك في إستقامته ... هكذا هو الاسلام ... فيه طرق متعددة وكل سالك لطريق يظن انه على المسار الصحيح والباقين منحرفين عنه.
قال صديقي: اليس من الافضل عدم سلوك اي من الطرق فكلّها طرق مسدودة لا تصل الى الحقيقة.
قلت: أنا أؤيد ما قلت يا صديقي ولكني استثني منه الفكر العرفاني من شيوخ التصوف الاولين.
قال صديقي: وكيف ذلك؟
قلت: ولدت مسلماً ولكني لا أُصلّي ولا أصوم ولا أُزكّي ولم ولن اذهب الى الحج ... ان اعظم ما في القران هي تلك النظرة الفلسفية للوجود التي تغنّى بها شيخ المتصوفة محي الدين بن عربي .. في القرأن الله هو الحق ... والحق هو الحقيقة ... البحث عن الحقيقة والتواصل معها هو صلاتي ... وإنسانيتي هي صومي وزكاتي وحجّي ... فأن كان إسلامي هذا ليس من اسلام السنّة او الشيعة فهو إسلام الحق عندي ... كل الأديان في جوهرها فكر روحي وجداني يسعى بطرق مختلفة الى تواصل الذات المنفصلة عن ركب الوجود الكلّي والتائهة في لجّة العدم مع منبعها الاول وعندما ننزع عن الاديان ثوب الطقوس الدينية والاساطير والتقاليد المختلفة تتکشّف امامنا حقيقتها الجوهرية الواحدة متمثله بتوق التواصل الجارف مع الواحد ... هذا هو الحب الالهي ... وهو جوهر كل الاديان ... والذي عبّر عنه ابن عربي
لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ
وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـبةُ طـائـــفٍ وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن
أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـت ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني
ردد صديقي بأعجاب: الله .. الله ... هذا انسان رائع فهم حقاً معنى الدين ... فماذا وجد في القرأن؟
قلت: الله هو الحق .. وتتكر كلمة الحق ومشتقاتها في القرأن 267 مرّة ولكنك ستجد الله من خلال معنيين رئيسين فتجد الله في الحقيقة الوجودية أي ان الله هو كل ما في الوجود من خفي وظاهر ... وتجده في العدل بين المخلوقات على الارض ... يجد ابن عربي في الاية 115 من سورة البقرة "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم" وفي الاية 6 من سورة ق "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ " الدليل على أن الله هو الوجود الكلّي فهواين ما توجهت وجوهنا ... وهو في داخل نفوسنا ... أسألكم ... ما المقصود بوجه الله وما المقصود بحبل الوريد؟
قال الاستاذ محمد: لا أعلم ما المقصود بوجه الله ولكني اعرف ان حبل الوريد هو هذا ، واشار الى الشريان في الرقبة والاقرب منه هو دواخل عقولنا التي يغذيها هذا الشريان.
قلت: ... في الوجه العيون التي ترى والانف الذي يشم والاذان التي تسمع والفم الذي نتكلم من خلاله ... الأية الاولى لم تقل ان بوسعنا ان نرى الله بل نستدل عليه من خلال ما حولنا ... وجه الله هو الظواهر الطبيعية ... اعتقد ان هذا التفسير للوجود الالهي هو اقرب للعقل من التفسير المسيحي المثالي الذي يرى ان الله فكر فعّال خالق لعالم المادة.
ردد الاستاذ بهنام أول سفر التكوين: "في البدء كانت الكلمة وكانت الكلمة مع الله وكان الله هو الكلمة".
قلت: لا اخفي عليكم ان المتصوفىة وقعوا ايضاً في فخ المثالية ... ففي فكر ابن عربي أن هنالك محمد "الحقيقة المحمدية" الموجود قبل خلق آدم وهنالك محمد الذي تقمّص الجسم البشري ونشر الدعوة الاسلامية ولعله استوحى هذه الفكرة من المسيحية
قال الاستاذ بهنام: طبعاً ... هذا بالضبط هو معتقد النساطرة ... فهنالك مسيح الكلمة الازلية مع الله في السماوات التي تقمصت المسيح الارضي عندما عمّده يوحنا المعمدان في نهر الاردن.
تابعت حديثي: التفكير في عظمة الوجود والتأمل يسبر اعماق النفس لتنكشف المشاعر الروحانية وتكون في ارقى تجلياتها واعمقها عند النبي لتجد تفسيرها في الوحي ... ولكن هذا التأمل العميق الذي يتلاشى فيه العقل في ما يمثل البشرية في دماغ الانسان قد يوهم المتصوف ان الله قد حلّ في جسده ... فيردد وهو في وجدٍ كالحلّاج "ما في الجبّة إلا الله" ويتغني وهو في سكرة الحب كالبسطامي "سبحاني ما عظم شأني".
سأل قيس: فهل هؤلاء الدراويش الذين يلتهمون النار ويدخلون السيوف في خواصرهم متصوفة ايضاً؟
قلت: هؤلاء وامثالهم إبتذال للتصوف الحقيقي ... وناقري الدفوف في حلقات الذكر لا احسبهم كذلك من المتصوفين الحقيقين.
قال السيد حسين: لقد اوضحت لنا حقيقة كنّا نجهلها عن التصوف العرفاني ... اقول الحق انا معجب ايما إعجاب بالشيخ الصوفي جلال الدين الرومي ... استمع على الانترنت الى اشعاره الجريئة والجميلة يرددها مغنّي إيراني ذو صوت شجي.
قلت: مساهمات المتصوفة العرفانيين الكبار من امثال محي الدين ابن عربي ورابعة العدوية وحسين بن منصورالحلاج وشهاب الدين السهروردي وجلال الدين الرومي وصدر الدين الشيرازي اغنت الحضارة الأسلامية والعالمية بما هو روحاني وانساني جدير بنا ان نفتخر به. لقد فهم المتصوفة العظام حقيقة الحق في انه عين الوجود الكلّي ، وفهموا ان جوهر العبادات هو في معرفة الحق ، بتواصل الانسان الساعي الى المعرفة وموضوع المعرفة (الله الحق) من خلال التجربة الصوفية. ولكن المعرفة الصوفية لم تتعدى المعرفة الحسية القلبية ... وعندما اراد بعضهم تفسير الوجود من خلال المعرفة العقلية المنطقية وقع في في فخ الفلسفة المثالية كما اشرت سابقاً ... ولذلك لم يؤدي الفكر الصوفي الى تقدم في العلوم ولو انه سار على الطريق الصحيح في فهم حقيقة الوجود.
سأل السيد حسين: انا اعرف ان مرقد الرومي في مدينة قونيه في تركيا فلماذا اشعاره بالفارسية ولماذا سمّي بالرومي.
قلت: هو أيراني ولكنه هاجر منها ليستقر في قونية واستمر بكتابة شعره بالفارسية وتسمية الرومي جائت من ارزروم (ارض الروم) وهي الديار التي سكنها.
قال الاستاذ محمد: الان فهمت ما الذي جعل الامة الاسلامية تحيد عن دين فيه ما يشجّع المعرفة وحديث نبوي يحثً على العلم "إطلبوا العلم ولو كان في الصين" ... تلك التي ذُكر اهمها هي الاسباب المنطقية التي أدّت بالأمة الاسلامية الى جمود عقائدي ، ودينها يحث على التغيير ، وتخلف علمي ، ودينها يحث على العلم ، وتشرذم وتفرق ، ودينها يحث على التوحد والتأالف ... لا يمكن ان يجري اصلاح الاسلام على النحو الذي ذكرته من دون تغيير يشمل التشريعات الدينية والمدنية والدولة بمؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية تقوم به قيادات واعية يسندها معظم الشعب ... مثل هذا المشروع الجذري الواسع لا يتحقق بين ليلة وضحاها.
قلت: ولا يمكنه ان ينجح قبل تغيير ما في النفوس من مفاهيم غير انسانية لا تتناسب مع عصر الديمقراطية وتكنلوجيا المعلومات ... ولكن لا يمكن ان نغطّي تفاصيل هذا المشروع الجذري الواسع كله في لقائنا المحدود هذا ... كل ما يمكنني قولة فيما يتعلّق بالاصلاح في السلطات الثلاثة هو اننا نحتاج الى دستور جديد اكثر شفافية ودقّة وقانون انتخابات اكثر نزاهه وقانون للاحزاب وقانون برلماني ورئاسي لا يسمح بالتلاعب بمقدرات الشعب وقضاء مستقل ونزية ... لنقصر اقتراحاتنا على مجال التراث الديني والتاريخي وعملية الاصلاح التربوي والتثقيفي ... فهل من مقترحات لتحقيق هذا الحلم المرتجى؟
أنبرى صديقي بمقترح: لا بد اولاً ان نذكر ما هو اساسي ... يجب على الدولة ان تنتهج نهج الدول المدنية العلمانية ... اي فصل الدين عن الدولة فصلاً تاماً ... لذلك وجب ان يكون في الدستور مادة تمنع رجل الدين من اعتلاء منصب تنفيذي او تشريعي او قضائي رسمي ... وكذلك تمنع الاحزاب الدينية.
قلت: في المانيا حزب كبير اسمه الحزب الديمقرطي المسيحي ولكن منهاجه ديمقراطي بحت لا يفرّق بين المواطنين الالمان ... الاسم غير مهم ولكن يجب منع اي حزب لا يؤمن بالديمقراطية او يفرق بين المواطنين على اساس الدين والمذهب والعرق.
انبرى الأستذ محمد بأقتراح آخر: ثانياً... نبدأ بالاعتراف بأننا لسنا "خير امّة اخرجت للناس" وذلك مقارنتاً بالأمم المتحضرة مثل اليابان ... وحالما تصل بنا الجرئة الى الاعتراف بالاخطاء في تراثنا التاريخي والاسلامي الذي تربّينا وأنفنا الاعتراف بها كعرب ومسلمين يتكشّف لنا الطريق القويم لاصلاحها بالتحليل والنقد الموضوعي ... لا أخالنا سنبدأ من الصفر ... فهنالك العشرات من الكتّاب المتنورين الذين كتبوا حول تلك الفترات من التارخ الاسلامي وعانوا الكثير من هجمات القوى الرجعية والمنافقة ... لقد كتبوا عن اسلام عصري يواكب قيم الحضارة الانسانية وحللوا يصدق مواطن الخلل والقوة فية بجراة تثير الاعجاب.
قلت: اذكر منهم الباحث الاجتماعي علي الوردي وعلّامة الشريعة الاسلامية جمال البنّا والباحثون في التراث الاسلامي سيد القمني ونصر حامد ابو زيد ويوسف زيدان ومن الشيعة علي شريعتي واحمد الكاتب ... تفرز الدولة من التربويين فريقاً لتخليص الكتب المدرسية مما شوّه تاريخنا وليعيدوا صياغته في ضوء نتاجات الباحثين الموضوعية. ويجري التركيز في دروس الدين على الايات القرانية ذات الطابع الروحي والانساني وعلى مواقف واقوال للنبي والائمة والصحابة تعزز العدل والاخوة الانسانية.
قال السيد حسين: كما في حكمة الامام علي "الناس صنفان اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق".
قال صديقي: وتضاف الى حصة درس الدين بعض الدروس عن مبادئ الديانات الاخرى في العراق ، المسيحية واليهودية والمندائية والايزيدية ... وحبّذا لوقُدمت تلك الدروس من معتنقي تلك الاديان ، فبذلك نكون قد وسعنا من افاق الطالب الفكرية وجعلناه اكثر تقبلاً للتسامح الديني.
قال سمير: يجب اعادة صياغة مناهج الدراسة في مدارسنا وجامعاتنا واعادة تأهيل كوادرها لتشجيع الطلبة على المبادرة والمشاركة الايجابية والنقاش الموضوعي في كل مجالات الدراسة ومن ضمنها مواضيع تخص التاريخ والدين والابتعاد عن القسر والتعنيف والتكفير وكل ما له صلة بالتفرقة على اساس ديني اوعرقي او قومي.
قلت: ومن المفيد ايضاً تشجيع قيام جمعيات طلابية لممارسة النقاش الموضوعي الحر في شتى المواضيع الاجتماعية والسياسية واخرى لشتّى الاهتمامات العلمية والادبية ... في زمننا كان إتحاد طلبة العراق ذو الاتجاه اليساري والذي تأسس سنة 1948 هو الذي يقوم بهذا الدور التنويري فقام البعثيّون بتأسيس الاتحاد الوطني .. اعتقد سنة 1967 للأستحواد على المجال الطلابي ... كانت رئاستهم مجموعة من السرسريّة (عديمي الاخلاق) وكان رئيسهم في كلية الطب اياد علّاوي يحمل مسدساً ...
واصلت حديثي: ثالثاً ... ادخال درس يعرّف بمبادئ الفلسفة وفروعها الخمسة (المعرفة ، المنطق ، ما فوق الطبيعة ، الاخلاق والجماليات) في الصفوف الثانوية العليا. وبذلك نُغني ونوسع اكثر من افق الطالب الفكري فلا نجعله محصوراً في ما تلقّنه في مجال محدود من المعرفة ، ليدخل بعدها المجال الدراسي الجامعي او التدريبي المهني وهو مهيئ للتفاعل بشكل ايجابي مع المعارف الحديثة ومن ثم يتخرّج ويساهم في بناء مجتمعه الحضاري المنفتح على الحضارة الانسانية.
قال الأستاذ بهنام: أعتقد ان ما سأذكرة يمكن اعتباره رابعاً ... عند زيارتي لأقاربي في امريكا لاحظت ان الكثير من رجال الدين يحملون شهادات أخرى بجانب شهادة تأهيلهم لأدارة كنيسة والقاء المواعظ ... هذا لا يقتصر على رجال الدين بل يتعداه الى مهنة الطب فلا يمكن قبول الطالب في كلية الطب قبل حصوله على شهادة أخرى فقد حصل أحد أقاربي على بكلوريوس هندسة قبل دخوله للدراسة في كلية الطب ... بل ان احد شروط الترقية في الجيش الامريكي الى رتبة جنرال هو الحصول على شهادة جامعية خارج نطاق الجيش ... هذا شئ جيد لأنه يوسع من افق المسؤولين عن حياة الناس والبلد فيجعل اقوالهم وافعالهم ذات صلة بواقع العصر الذي يعيشونه ... لعل أحد الاسباب الرئيسة في تدهور مجتمعاتنا هو ان أغبى الناس من الحاصلين على اوطئ المراتب الدراسية هم من يصبحون رجال دين او ضبّاط في الجيش ثم يترقّىون ليقودوا الناس الى الجحيم ... انا لا اقول ان نمنع هؤلاء من الدراسة في مؤسسات دينية او عسكرية ولكن شروط ترقّيهم الى مناصب عليا مسؤولة عن حياة الناس يجب ان تخضع لأجراءات شبيهه لما في امريكا.
ردد صديقي بأعجاب: احسنت .. أحسنت يا أُستاذ.
قلت: هذا مقترح الاخير لا يرقى الى اهمية سابقية ولعله نتيجة ملاحضة تخص اللغة العربية القاصرة عن التعبير الصوتي عن بعض الاحرف الاعجمية مثل احرفP , G V , كما في اسماء الشخصيات المعروفة التالية مثلاً Vladimir Putin, Bill Gates والتي تكتب فلاديمير بوتين وبل غيت ، فلو ذكرت تلك الاسماء المعرّبة لشخص اجنبي لما عرف من تقصد. العراقيين بصورة عامة يتمكنون من نطق الاحرف الاعجمية وذلك لدخولها في العامية العربية بفعل تأثير شركاء الوطن من غير العرب وجيراننا الفرس والاتراك. إن أضافة تلك الاحرف الاعجمية الى العربية يمكن ان يأتي بفوائد على العملية التعليمية بتقليل الاشكالات اللغوية ، حيث تتواجد كلمات اجنبية متعصية على النقل الى العربية بصورة صحيحة في كثير من العلوم المترجمة الى العربية كما في علم الاحياء ... اود ان أختم سلسلة المحاضرات التي القيتها من هذا المنبر بنصيحة لكل المؤمنين بأي دين:-
• لا اقبل فتوة رجل الدين مهما علا شأنه قبل تمحيصها بمنطق العقل واخضاعها للمقاييس العلمية إن امكن.
• لا اقبل بأي تفسير للدين يتعارض مع مبادئ حقوق الانسان التي قال فيها الله في القرأن "ولقد كرمنا بني ادم".
• لا ارفض اي شئ توصل اليه الانسان عن طريق العقل والمعرفة المتراكمة لأنه يخالف المعتقد الديني.
شكراً لحضوركم وسعة صدوركم ومشاركتكم الفعّالة في إغناء المحاضرات.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,005,723,318
- محادثات فلسفية مع صديقي حول الأسلام 23
- محادثات فلسفية مع صديقي حول الأسلام 22
- محادثات فلسفية مع صديقي حول الأسلام 21
- محادثات مع صديقي حول الاسلام 20
- محادثات فلسفية مع صديقي حول الدين 19
- محادثات فلسفية مع صديقي حول الدين 18
- محادثات فلسفية مع صديقي حول الدين 17
- محادثات فلسفية مع صديقي حول الدين 16
- محادثات فلسفية مع صديقي حول الدين 15
- محادثات فلسفية مع صديقي حول الدين 14
- محادثات فلسفية مع صديقي حول الدين (13)
- محادثات فلسفية مع صديقي (12)
- محادثات فلسفية مع صديقي (11)
- محادثات فلسفية مع صديقي (10)
- محادثات فلسفية مع صديقي 9
- محادثات فلسفية مع صديقي 8
- محادثات فلسفية مع صديقي 7
- محادثات فلسفية مع صديقي 6
- محادثات فلسفية مع صديقي 5
- محادثات فلسفية مع صديقي (4)


المزيد.....




- السلطات الفرنسية تغلق مركزاً إسلامياً تابعاً للطائفة الشيعية ...
- السلطات الفرنسية تغلق مركزاً إسلامياً تابعاً للطائفة الشيعية ...
- -الدولة الإسلامية- أعادت تأسيس جيش من 30 ألف مقاتل
- السلطات الفرنسية تغلق -جمعية الزهراء- الشيعية في البلاد
- إدلب... -جبهة النصرة- الإرهابية تستولى على عقارات مسيحيين
- الهندوس يغيرون اسم مدينة إسلامية عمرها 4 قرون بالهند
- واشنطن تخصص أموالا للجماعات الدينية المضطهدة في العراق
- الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لا تستبعد تعليق مشاركتها في -قدا ...
- الكرملين يتابع بقلق تطورات الأوضاع بين الكنيسة الروسية الأرث ...
- بين موائد الصائمين المسلمين والمسيحيين .. ما هو أصل الفتوش؟ ...


المزيد.....

- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- الطهطاوي وانجازه المسكوت عنه / السيد نصر الدين السيد
- المسألة الدينية / أمينة بن عمر ورفيق حاتم رفيق
- للتحميل: أسلافنا في جينومنا - العلم الجديد لتطور البشر- ترج ... / Eugene E. Harris-ترجمة لؤي عشري
- الإعجاز العلمي تحت المجهر / حمزة رستناوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - موفق كمال قنبر وفي - محادثات فلسفية مع صديقي حول الأسلام (24)