أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سليم نصر الرقعي - الشخص الآخر ذو الوجه المألوف !؟















المزيد.....

الشخص الآخر ذو الوجه المألوف !؟


سليم نصر الرقعي
الحوار المتمدن-العدد: 5348 - 2016 / 11 / 21 - 23:20
المحور: الادب والفن
    


بطل قصتنا هذه هو شخص هامشي وحيد ، يعيش على هامش الحياة وهامش المجتمع ، مع أنه حاول كثيرا ، مرارا وتكرارا ، أن يقتحم قلب الاحداث ويغوص في اعماق محيطات الحياة ويدخل ملعب اللعبة الاجتماعية اليومية كلاعب يقيم له اللاعبون الآخرون ، بما فيهم اللاعبون الكبار ، الف حساب ولكنه اخفق في تحقيق ذلك ، اذ أنه في كل مرة يقوم فيها بإلقاء نفسه في قلب امواج البحر محاولا الغوص في اعماق المحيط الاجتماعي يجد نفسه اولا يعود للسطح كما لو انه يرتدي حزاما هوائيا يحول دون نزوله الى اعماق القاع ثم ثانيا يجد أمواج هذا البحر المتلاطم الأمواج تنتشله وتحمله بقوة وتدفعه غصبا عنه خارج البحر ليجد نفسه ملقيا على رمال الشاطئ مع اعشاب واحجار وزبد البحر !! ، لهذا انتهى به المطاف ان يقرر التخلص نهائيا من كافة طموحاته الشخصية واحلامه الوردية التي عششت في دماغه من أيام الطفولة والمراهقة وان يعيش حياته بشكل (بوهيمي) كما اتفق يوما بيوم ، ساعة بساعة ويمضي مع الأحداث اليومية حيث تحمله !! ، فلم تعد له خطة مستقبلية ولا مخططات استراتيجية ولا مفكرة مواعيد ولا جدول اعمال ولا شيء من هذا القبيل ، لم يعد لديه سوى تعامل يومي اعتيادي مع مجريات احداث اليوم والساعة كما هي تجري في الواقع بشكل رتيب شبه آلي، فهو يستيقظ في الصباح ليس لديه من خطط ومخططات سوى خط السير اليومي المعتاد ! ، من البيت الى العمل كموظف في مخازن وزارة التعليم ثم مغادرة العمل بعد انتهاء ساعات الخدمة ليعرج على المكتبة العامة ليغوص في عالم القصص والروايات فيجد نفسه في عوالم اخرى وحيوات اخرى غير عالمه المعاش وغير حياته الشخصية اليومية ليعود آخر المساء الى البيت يتناول وجبة العشاء ، يشاهد قناة عجائب الطبيعة وروعة الخلق في التلفاز ثم يخلد الى النوم ليستيقظ صباحا مكررا كل الخطوات والمشاهد اليومية السابقة بلا انقطاع اللهم ما خلا بعض التغيرات الطفيفة هنا وهناك بسبب متغيرات الحياة الواقعية اليومية كأن يتم تكلفيه فجأة بالقيام بعملية تسليم حمولة كتب مدرسية الى احدى المدارس بسبب مرض الموظف المختص وتغيبه عن العمل ذلك اليوم ، أو كأن تصدمه سيارة عابرة وهو يقود دراجته في الطريق على الرصيف المخصص للدراجات بشكل مفاجئ ويتم نقله للمستشفى لتضميد جراحه وتجبير يده المكسورة ويتضح مع التحقيق أن سائق السيارة مصاب بمرض السكري وتعرض اثناء قيادته لسيارته لهبوط مفاجئ في مستوى سكر الدم ففقد الوعي فخرجت السيارة عن نطاق السيطرة واعتلت الرصيف وصدمته ! ، فهذا حادث طارئ استثنائي قد يقع ويعكر صفو السير الاعتيادي الرتيب لحياته اليومية ولكن بشكل عام يظل الطابع التراتبي والرتيب هو خط السير اليومي المعتاد دون تعديل أو تبديل ، وهكذا ، دواليك ، تمضي ايامه ببطء شديد وبشكل رتيب على هذا الحال وهذا المنوال كما لو أنه يجلس على ظهر سلحفاة ضخمة تدور حول صخرة كبيرة !! ، تلف وتدور بدون نهاية ودون انقطاع !! ، وظل صاحبنا في هذه الحياة التراتبية الرتيبة أكثر من عشرين عاما ، لا جديد تحت الشمس ولا تحت القمر ولا تحت المطر ولا تحت الحجر ! ، كل شيء يجري كما هو معتاد ، ولم يعكر صفو هذا الانسياب التكراري المعتاد في حياته اليومية المكرورة شيء يذكر لعقدين من الزمان الى ان وقعت عيناه ذات نهار في المكتبة على شخص غير معروف له ولكنه بدا له فجأة وبشعور يقيني أنه ذو وجه مألوف! ، أين رأيته من قبل !!؟ ، أين ومتي التقيته !!؟ ، هل تربطني به علاقة قديمة !!؟ ، هكذا تلاحقت الأسئلة في ذهنه حول ذلك الشخص فور وقعت عيناه على محياه !! ، لكنها أسئلة ثائرة و حائرة بل جواب ! ، وهكذا حدث انقطاع في ذلك المسار اليومي الانسيابي الرتيب المعتاد ، اذ أن رؤيته لهذا الشخص (ذي الوجه المألوف!؟) وانتباهه لوجوده في المكتبة قلبت حياته رأسا على عقب واطاحت بذلك الهدوء الانسيابي التراتبي الرتيب الذي كان يسود حياته منذ دهور، فهو كان قبل هذه اللحظة الفارقة يدور مع حياته اليومية بشكل انسيابي حيث تدور! ، وظل في هذا الدوران الاعتيادي الى ان لاحظ ذات يوم ، حينما كان جالسا في المكتبة العامة يطالع احدى الروايات، وجود هذا الشخص الذي بدا له من الوهلة الأولى وبمجرد رؤية محياه أنه شخص مألوف ! ، شيء ما في أعماقه أكد له جازما بأنه ليس أول مرة يراه ! ، لكنه ظل لعدة ايام يعتصر ذاكرته ليل نهار لمعرفة من يكون هذا الشخص المألوف على وجه التعيين!؟ وأين رآه ومتى التقاه من قبل على وجه التحديد !!؟ ، راجع كل صور الاشخاص في خزانة ذاكرته ، أولئك الاشخاص الذين عرفهم طوال حياته الماضية منذ أيام المدرسة الابتدائية حتى التحاقه بالوظيفة دون نتيجة وبلا جدوى ! ، وكل محاولاته للحصول على معلومة من ذاكرته كانت تبوء بالفشل ! ، فقلبه ، يؤكد له أنه يعرف هذا الشخص معرفة شخصية و قديمة ، فهو شخص معروف ووجهه مألوف ، أي انه (معرفة) وليس (نكرة) بكل تأكيد !! ، هكذا قال له صوت شعوره دون ان يقدم له عقله أي تعريف لصاحب هذا الوجه المألوف و تركه يتخبط في حيرة دون ان يسعفه بأية معلومات عن هوية هذا الشخص ولا حتى ، على الأقل ، ما يكون اسمه !!؟ ، دائرة ذاكرة الصور في دماغه تؤكد ،بثقة ، وجود صورته ، صورة وجهه ومحياه ، ضمن ملفات ومجلد الصور فيها لكن دائرة حافظة المعلومات والهويات في دماغه تأبى تقديم اية معلومات عنه وتظل ترفض وتراوغ وتماطل كأنها موظف عربي مكتبي يراوغ احد المواطنين في احدى دوائر البيروقراطية العربية العتيقة ! ، هكذا ظلت ذاكرته وشعبة الهويات والمعارف في دماغه تراوغه وترفض تقديم أي معلومة له مهما حاول الضغط عليها ومهما اعتصرها كما لو ان تلك المعلومات المرتبطة بصورة ووجه هذا الشخص المألوف هي (معلومات غاية في السرية والحساسية) لذا يتدخل جهاز (العقل الباطن/اللاواعي) ، بطريقة أمنية سرية محترفة ، من وراء كواليس العقل الواعي ، فيقوم بحجب هذه المعلومات ويجعلها بعيدة المنال وليست في متناول الذاكرة والارادة والوعي !! ، فيظل بالتالي هذا الشخص ذو الوجه المعروف بلا اسم ولا هوية ودون اية معلومات مرفقة مع صورته المخزنة والمحفوظة في مجلدات ذاكرة الصور وحافظة الوجوه المألوفة في دماغه !! ، صورة شخص معروف بوجه مألوف ولكن دون اسم او أية معلومات تعريفية تتعلق بهويته ولهذا ظل صاحبنا يراقب هذا الشخص ويدقق ويحقق النظر فيه ويتفرس في معالم وجهه من حين الى آخر ويتابع تحركاته داخل المكتبة بل ويتتبع الكتب التي يطالعها لعل وعسى أن ينشط هذا التصرف البصري ذاكرته ويساعدها في ايجاد طرف خيط ملف محفوظ في ذاكرته يتضمن اية معلومة تساعده في حل هذا اللغز المحير وهذه المعضلة وتساهم في تذكر هذا الشخص صاحب الوجه المألوف ومعرفة هويته وما يعرفه دماغه عنه من معلومات قديمة قد تكون بهتت بسبب مرور الايام وطول الاعوام او تاهت وضاعت بسبب طول الانشغال وكثرة الازدحام ! ، العجيب هنا أنه اكتشف ان هذا الشخص ذا الوجه المألوف مثله تماما يعاني من حالة ادمان قراءة القصص والروايات بل ، والاغرب من ذلك ، اكتشف أنه ما من رواية اختارها ذاك الشخص وأخذ يقرأها الا وكانت نفس الرواية التي كان هو نفسه قد اطلع عليها من قبله !! ، انه يقوم بالاطلاع على نفس الكتب التي يقوم هو بالاطلاع عليها وقراءتها !!! ، الى درجة انه ارتاب في أمره بل وداهمته شكوك غريبة ومفاجئة مفادها أنه قد يكون من (الجماعة إياهم؟؟) !!! ، فلا يمكن تصور ان تكون المصادفات والموافقات بمثل هذه الدقة بحيث يقوم هذا الشخص بعده بقراءة كل الكتب ونفس الروايات التي كان هو قد طالعها من قبل ، لا يمكن ان يقع ذلك لمجرد الصدفة ! ، بل لابد أنه وقع ذلك عن عمد واصرار وترصد ! ، لهذا لم يستبعد هذه الفرضية المريبة والمخيفة ، اي أن يكون هذا الشخص من (الجماعة إياهم!؟) ، اقصد من رجال المخابرات والبوليس السياسي وأمن الدولة !!! ، ربما تكون الجهات الأمنية والمعنية شكت في أمره بسبب انطوائه وتحفظه الشديد وانكبابه على قراءة الكتب !! ، فأنظمة الحكم الشمولية لا ترتاح للمثقفين بوجه خاص بل ولمن يقرأ الكتب بوجه عام اللهم الا الكتب المدجنة التي تخدم الوضع القائم ! ، فالكتب قد تزود الناس بمعلومات اكثر من اللازم ! ، قد تقوي وعيهم وتثير فضولهم للتطلع نحو المناطق الغامضة والمحرمة والحساسة (!!؟؟) وقد تزيد من مساحات ادراكهم للواقع ولما هو كائن وما ينبغي ان يكون !! ، بعض الكتب بالغة الخطورة فهي قد تدغدغ احلام وأماني العامة وتعطيهم أملا بحياة افضل وتلفت انتباههم الى وجود وضع انساني افضل من الوضع القائم الذي يعيشونه وولدوا فيه وتعودوا عليه !! ، هنا تكمن خطورة الكتب وخطورة وأهمية الثقافة ! ، فهي تفتح أعين القطط العمياء والقطط الصغيرة الغريرة مغمضة العينين على العالم الفسيح بل وتقوي حاسة البصر لديها بصورة تجعلها قادرة حتى على الرؤية في الظلام !! ، وهذا بالنسبة لجهاز أمن الدولة الشمولية الموقرة ، امر خطير للغاية ويمس أمن الدولة بل أمن النظام !! ، أجل ! ، لماذا لا يكون هذا الشخص مكلفا من الجهات المعنية بمراقبتي والتحري عني ومعرفة اتجاهي الفكري من خلال الاطلاع على كل الكتب والروايات التي اطالعها !!؟؟ ، فهناك مثل شائع يقول ( قل لي ماذا تقرأ أقول لك من انت !؟ وكيف تفكر !!؟) ، هكذا قال صاحبنا لنفسه ، وهكذا قفز هذا الاحتمال المخيف فجأة من الأعماق البعيدة نحو بؤرة تفكيره وظنونه !! ، لكنه سرعان ما استبعده وضرب عنه صفحا ، فوجه الرجل لا يوحي لا بالخبث ولا الشراسة ولا التنمر ولا الغدر ولا يعطي انطباعا انه من الكلاب البوليسية !! ، فكل امارات وجهه ونظرات عينيه تدل على طباع رقيقة وطيبة عميقة وعلى شخصية فردانية هامشية انطوائية حالمة مثله ! ، ثم انه يشعر من اعماق قلبه بأنه شخص معروف له ، او كان يعرفه شخصيا من قبل ذات يوم ، ولكنه نسي هويته واسمه وسط تعقيدات الحياة ووسط ضجيج المدينة !! ، ربما يكون زميلا له من ايام الدراسة او يكون احد ابناء حي قريب من حيهم يتكرر مروره في حيهم بشكل شبه يومي ، فالتقطت عدسات عينيه صورته بشكل متكرر ودون قصد ووعي وحملت الاعصاب اشارات هذه الصورة الى مكاتب وخلايا الدماغ ، فأصبحت صورته محفوظة في ذاكرته مطبوعة في صفحات وملفات ذاكرة الصور دون وجود اية معلومات عن ماهيته وهويته واسمه ومن يكون صاحب هذه الصورة المحفوظة بالتحديد !؟؟ ، لهذا يشعر بأنه شخص معروف لديه ووجهه مألوف له بسبب وجود صورة وجهه فقط في حافظة الصور وفي مجلد ذاكرة الوجوه المعروفة والمألوفة في ذهنه !! ، فقد يكون شخصا ألف وجوده بسبب توافق زماني ومكاني غير مقصود فألف رؤية وجهه وجسمه ورسمه دون أن يعرف هويته وحيثيته واسمه !! ، ربما تكون العميلة حدثت بطريقة تلقائية وغير واعية بهذا الشكل وتكون القضية بهذه الطريقة لا أكثر ولا أقل !! ، ربما !! ، من يدري !!!؟؟ .
وهكذا تستمر حيرة صاحبنا حيال هذا (الشخص غير المعروف ذي الوجه المألوف!؟) حتى كاد لشدة ضيقه وحيرته ورغبته الملحة في كشف سره وهويته أن يتوجه ذات مرة اليه ويصارحه بشكل مباشر ، دون لف ولا دوران ، بما يشعر نحوه ويبث له حيرته نحوه ليقطع الشك باليقين ويتخلص من هذه الحيرة المحيرة! ، بحيث اما ان يقوم هذا الشخص بالتعريف عن نفسه ويتذكره ويذكره بوجه العلاقة بينهما فيتضح انهما على معرفة سابقة بينهما بالفعل فيما مضى من الأعوام الفارطة او ينكره ويخبره بأنه لا يعرفه ولم يسبق التعارف بينهما من قبل ! ، فتنتهي القصة عند هذا الحد وبالتالي يعود الى سابق عهده والى روتين حياته المعتادة وينسى امر هذا الشخص !! ، كاد ان يفعل ذلك ذات مرة ، اي ان يتوجه لذاك الشخص في مقعده بالمكتبة العامة ويقوم بسؤاله مباشرة وبصوت خافت : ( عفوا ! ، عذرا على المقاطعة ! ، هل سبق ان التقينا من قبل !؟ ، فوجهك ليس بالغريب عني ! ، كأنني اعرفك !!؟) ولكن شجاعته من جهة خانته خيانة كاملة وبحث عنها بين حشايا وخبايا نفسه ولم يجد لها أثرا ! ، كأنها تركته وحيدا بين جدران المكتبة وفرت كطفلة خجولة الى البيت واختبأت في غرفتها تحت السرير ! ، ومن جهة اخرى غلب عليه طابعه الفردي الانطوائي المتحفظ العميق فشعر بنفور تام من هذه الفكرة (السخيفة) التي خطرت في ذهنه وطرد هذه الرغبة من قلبه ، وقال له صوت تحفظه العميق : ( كفى ! ، لا تكن متطفلا على الناس كما لا تحب أن يتطفل أحدهم عليك ! ) ، فتخلى عن تلك الفكرة واستبعدها عن محور تفكيره بل ألقاها في سلسلة المهملات كأن شيئا لم يكن ! ، ومع ذلك ظلت الرغبة في معرفة حقيقة هذا الرجل تلح في نفسه عليه ليل نهار وتقض مضجعه كما لو انها طفل صغير مدلل عنيد لا يكف عن الشنشنة و الصراخ حتى يلبي له ابواه مطلبه ! ، ومع ذلك ظل يطردها ويحاول نسيانها واشغال نفسه وعقله بمطالعة الكتب ومشاهدة التلفاز ولكنها ظلت حاضرة ثائرة تعاند وتطارده ليل نهار وتعود لتعبر عن نفسها وفضولها في المعرفة في كل مرة ! ، وظلت تقض مضجعه وتقلق منامه بل وفوق هذا اقتحمت عليه عالم احلامه حينما يتخطفه سلطان النوم وينتزعه من عالم الوعي والواقع ويحمله ويغرقه في محيطات عالم اللاوعي في سبات عميق ، فتارة يكتشف في أحد أحلامه أن هذا الرجل هو احد رفاق الطفولة في حيهم القديم وتارة يكتشف أنه ابوه !! ، فيقول له في الحلم : ( ولكنك مت في الحرب كما قيل لي يا أبي !!؟؟) ، فيجيب هذا الأخير مبتسما في حنان : ( هكذا ظن الجميع يا ولدي ولكنني في الحقيقة كنت اسيرا لدى العدو وقد تم اطلاق سراحي مؤخرا !) ، فيشعر بفرح غامر بعودة ابيه ويريد احتضانه بسرور ولكن سرعان ما يختفي الرجل ولا يجد له اثرا فيركض باحثا عنه دون جدوى ، ويمر رجل آخر بثياب رثة يخبره بأنه قد رأى اباه عند محطة القطار فيسارع نحو المحطة ليجد امرأة عجوزا جالسة على الأرض وحينما تراه تنهض فجأة وهي تصرخ وتبكي : ( لقد فاتك القطار يا ولدي وأبوك رحل !) فيشعر بحزن شديد وعميق يعتصر قلبه ويحس بحاجة ملحة للبكاء ولكنه يستيقظ من النوم ويجد نفسه في غرفته وحيدا ! ، ويتذكر ذلك الشخص صاحب الوجه المألوف فتعود تلك الرغبة في التعرف على هويته ومن يكون؟ تلح عليه من جديد ، تبدئ ثم تعيد ، لينتهي الامر بقرار حاسم مفاده أنه سيقوم بملاحقة هذا الشخص سرا ، من وراء ظهره ، وليكن ما يكن ! ، وذلك لإنهاء حالة الضياع واشفاء هذا الصداع الذي عكر عليه صفو حياته الاعتيادية ! ، سيراقبه ويتتبع أثره خطوة خطوة لمعرفة محل سكناه وعمله والأماكن التي يتردد عليها لعله بذلك يصل الى معلومات نهائية وكافية وحاسمة تضع النقاط على الحروف وتشفي فضول هذه الرغبة في معرفة حقيقة وهوية هذا الشخص غير المعروف ذي الوجه المألوف ! ، هذا الشخص الذي يؤكد له قلبه ، بأنه يعرفه معرفة شخصية قديمة دون أن يتعرف عليه عقله ودون أن تقوم ذاكرته بتزويده بأية معلومات تعريفية عنه تثبت هويته وتفك طلاسم هذا اللغز المحير وتزيل هذا الغموض الرهيب ، وتحدد ما اسمه؟ واين وكيف ومتى التقى به وتعرف عليه !! ، وبالفعل يقوم بتنفيذ ذلك ويظل يلاحق هذا الرجل سرا من مكان الى مكان كما لو انه بوليس سري يتابع احد المشبوهين ! ، ويظل يتبعه كما لو انه ظله يوما بيوم يسأل عنه الجيران وصاحب الدكان المجاور ولا يجد جوابا منهم سوى نظرات حائرة وأحيانا مشفقة أو ساخرة !! ، ، ويظل يراقبه مثل ظله ليكتشف بعد ذلك الحقيقة المذهلة والصادمة وغير المعقولة !!! ، حيث يتضح له أن هذا الشخص ذو الوجه المألوف ليس سواه ! ، إنه هو شخصيا ، هو بشحمه ولحمه وشخصه واسمه !!؟؟ ، نعم هذا ما يتضح له من محل سكناه ومقر عمله بل ومن المعلومات الشخصية التعريفية التي عثر عليها في بطاقة الهوية التي سقطت ذات مرة سهوا من ذلك الشخص على قارعة الطريق اثناء ملاحقته له !! ، أمر سريالي غير ممكن وغير معقول ، وعندئذ يقول متسائلا في حيرة واضطراب وخوف : (اذا كان هذا الشخص بشحمه ولحمه وجسمه واسمه ليس سوى انا جسما واسما ، اذن فمن أكون انا !!!؟ ) .
وهكذا تنتهي هذه القصة القصيرة ، عند هذه النقطة الملتبسة و بهذه الخاتمة الغريبة الغامضة وهذه الكيفية العجيبة التي يصعب تصديقها أو استيعابها !!.
************
سليم الرقعي
مدون ليبي من اقليم (برقة) يقيم في بريطانيا.
2016





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- هل للسوق تأثير على الحاكم العربي!؟
- هل هي ثورة،وهل هي فاشلة!؟
- الوجودية كما فهمتها !؟
- نظرية المؤامرة ونظرية الانتقام الالهي!؟
- فلسطين للفلسطينيين،كيف ولماذا !؟
- العرب وشماعة وعد بلفور !؟
- تأثير كمية المعرفة والقدرة في كمية الحرية!؟
- بين مفهوم (النخبة) و مفهوم (الأئمة)!؟
- مشكلة نخب أولا لا مشكلة شعب !؟
- العرب وسن المراهقة والمهدي المنتظر!؟
- هل الديموقراطية أسيرة للرأسمالية!؟
- عن شميت ، لوحة سينمائية رائعة!؟
- بين عاشوراء المسلمين وعاشوراء اليهود!؟
- أمريكا والتوحش المقنع بالديموقراطية!؟
- الفرق بين مفهوم الهوية ومفهوم الشخصية!؟
- الراوي وقصة العربان والديموقراطية!؟
- الانسان والأسرة المضطربة ودور الدولة!؟
- المتورط!؟،الفصل الثالث والأخير.
- المتورط!؟.الفصل الثاني.
- المتورط !؟ ، الفصل الأول.


المزيد.....




- رحيل الأديبة والفنانة التشكيلية المغربية زهرة زيراوي
- فنانة أردنية تحتفل على الهواء بعيد ميلادها قبل أوانه
- سرقة الشاعر الفلسطيني محمود درويش
- الموناليزا بشارب ولحية في مزاد علني
- في ستوكهولم حوار ثقافي عن آلفرد نوبل ومعضلة جائزة الأدب
- في ملتقى الإذاعيين والتلفزيونيين .. احتفاء بالتدريسي السينما ...
- الممثلة جولييت بينوش تتكلم لأول مرة عن فضيحة هارفي وينشتاين: ...
- الممثلة جولييت بينوش تتكلم لأول مرة عن فضيحة هارفي وينشتاين: ...
- تحديات الدخول السياسي الجديد في ندوة الأحداث المغربية وأحداث ...
- مهرجان انطاليا للفيلم السينمائي: مشاركة دولية قوية وغياب عرب ...


المزيد.....

- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر
- بتوقيت الكذب / ميساء البشيتي
- المارد لا يتجبر..بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- من ثقب العبارة: تأملات أولية في بعض سياقات أعمال إريكا فيشر / عبد الناصر حنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سليم نصر الرقعي - الشخص الآخر ذو الوجه المألوف !؟