أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - طلال الربيعي - الماركسية, نقادها, التحليل النفسي, وامثلة من العراق















المزيد.....

الماركسية, نقادها, التحليل النفسي, وامثلة من العراق


طلال الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 5250 - 2016 / 8 / 10 - 01:41
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يعيب البعض على الماركسية "اختزاليتها" و"شموليتها". وهذا النقد يتأتى عادة من اتباع مدرسة ما بعد الحداثة التي ترفض السرديات الشمولية والحقائق المطلقة. وهذه المدرسة تعتبر حاليا بمثابة جثة تحتضر من قبل الاوساط العلمية والاكاديمية. ان هذه المقالة لا تهدف الى معالجة مشاكل ما بعد الحداثة, وانما تهدف الى الكشف عن تهافت نقدها للماركسية, كما يتجلى ذلك في نقد احد اهم ممثلي هذه المدرسة, ميشيل فوكو, للماركسية. الهدف الثاني للمقالة هو فهم البعض من اوضاع العراق عن طريق استكمال الماركسية بالتحليل النفسي. وهنالك تداخل بين الموضوعين او الهدفين.

يعتمد نزاع ميشيل فوكو مع الماركسية على ما يعتبره عدم قدرتها على تجاوز نمط الإنتاج لتوضيح أشكال الهيمنة في مجالات أخرى في الفضاء الاجتماعي. وبالإضافة إلى ذلك، فهو يعتبر أطروحة أشكال الهيمنة الاخرى متميزة من الناحية المفاهيمية عن علاقات الإنتاج. كما ورد في نيتشه، يرى فوكو الصراع الطبقي كمثال واحد فقط من حوافز الدفع الأكثر جوهرية في مجال النشاط الانساني او ما يسميه "إرادة امتلاك القوة /السلطة". ويرفض فوكو اتخاذ موقف محدد بين "القمع" و "السلطة" المتجسدة في الحركات الاجتماعية المقاومة للقمع. على مدى أكبر، أنه يرفض أن يصنف علاقات القوة سياسيا أو اجتماعيا أو أخلاقيا. فهو يرفض تحديدا فكرة موضوع الإنسان: إن الفرد ليس كيانا معينا تٌمارس عليه السلطة. الفرد، بهويته وخصائصه، هو نتاج علاقة السلطة التي تمارس على اجسام الافراد, تعدداتها,، وحركاتها، ورغباتها، وقواها.

رد الماركسية على فوكو يبدأ مع السؤال "أين تنشأ "إرادة السلطة" إذا كان ذلك نتيجة حتمية بيولوجية, وأنها تسبب كل انواع الصراع الاجتماعي؟ ويجدر الذكر ان الحتمية البيولوجية ايضا هي التي حفزت فرويد, مؤسس مدرسة فينا الاولى للتحليل النفسي, لاعتباره العنف البشري امرا لا بد منه ولا يمكن التقليل منه او التخلص منه باجراءات اجتماعية او سياسية لانه نابع من غريزة الموت. كما ان الفريد ادلر, مؤسس مدرسة فينا الثانية في التحليل النفسي, قد سبق فوكو في اعتبار السعي الى السلطة محفزا بشريا رئيسيا, واعتبره تعويضا عن عقدة النقص التي يمتلكها كل انسان, طبعا بدرجات متفاوتة. وكان آدلر مواظبا على الكتابة في الصحيفة العمالية في النمسا في بدايات القرن العشرين, واعتبر التحليل النفسي مكملا للماركسية, حيث ان الحساسية تجاه الاهانة والأساءة هي التي تشكل اساس الوعي الطبقي. ولهذا فان شيوعيي السلطة في العراق, الذين يعملون, بشكل خفي او ظاهر, الى تقليل مستوى الحساسية وجعل تقبل الاساءة امرا معياريا ونمطيا ينبغي التعود عليه والتكيف معه بشكل او بآخر, يفتقدون بالضرورة الى هذه الحساسية وينعدم عندهم الوعي الطبقي. وانعدامه يفقدهم شيوعيتهم المزعومة ويحيلها الى ادعاء منافق يكرّس الظلم بسبب منحه اياه صفة الطبيعية, حيث يُتوقع من الناس التعود عليه وعدم الثورة عليه. وهدف الشيوعية عندهم هو ليس التخلص من الاساءة او الظلم بل تخفيفهما, او جعل الرأسمالية المتوحشة رأسمالية "انسانية!" تفتح الابواب على مصراعيها لولوج الشعب جنتها, ومن ثم تنعمه بسعادة "خيراتها!". وهذا يحتم على الساسة-اللصوص التحلي بصفات "جنتلمانية!" تضفي عليهم مظهرا ناعما وبالتالي متفقا مع ما يدعوه فوكو "السلطة الناعمة" او السلطة الخفية. والسلطة الناعمة تزيد من حجم ما يسميه فوكو البقعة التي تحجب النظر. فما يفعله مدعو الشيوعية هؤلاء, ادركوا ام لم يدركوا, هو انهم يطمسون الوعي الطبقي ويحرقون جذور المقاومة. والمحصلة انهم, رغم زعمهم اعتناق الشيوعية, اعوان الظلم واعداء العدالة التي يتشدقون بها ويرفعون شعارها.

حسب فوكو, ان الإنسانية ملعونة وراثيا وستعاني من القهر الى الابد, والقهر يصبح بذلك قدر الانسان. نظرية فوكو، وما بعد الحداثة بشكل عام، لا تقدم أكثر من مجرد نسخة معدلة من النظرية الدينية عن الخطيئة الأصلية. ولكن إذا كانت الرغبة في السلطة لديها جذورها الاجتماعية، سنكون محقين في التساؤل: ما الذي ينتج اجتماعيا ويعيد انتاج ارادة تملك السلطة؟ وهل هي موجودة قبل ذلك؟ ومن أين يتأتى "الصراع على السلطة"؟

فوكو يرى ان آثار صعود الرأسمالية على العلاقات الإنسانية لا تنحصر فقط بمستوى الصراع الطبقي، ولكنها تشمل ايضا مجال العقاب، والتدريب، والظلم الاجتماعي, والقمع الجنسي. ويجادل فوكو, في حين ان الإقطاع فرض السلطة السياسية من فوق, فرضت الرأسمالية "الانضباط الذاتي" من خلال مجموعة متنوعة من المؤسسات الاجتماعية الجديدة.

حجة فوكو ضد الماركسية تقوم على زعمه ان الماركسية تحيل التاريخ إلى مجرد مجموعة واحدة من علاقات القوة-البنية الطبقية, في حين أن "السلطة" في حد ذاتها هي فئة أكثر جوهريةً. لكن ماركس نفسه، على الأقل، لم يفعل هذا. بالنسبة لماركس, جوهر الإنسان الأساسي ليس الصراع الطبقي، ولا القوة، بل العمل. لأن الناس عليهم العمل للعيش, ولأن عملهم هو فعل اجتماعي، لذا عليهم خلق مجتمعات كوسيلة (لتحقيق) العمل. اي ان الطفيلية الفردية وريعية الدولة مناقضة لجوهر الانسان وتحققه اثناء العمل. لذا نشهد افلاسا سياسيا واخلاقيا فظيعا في دولة ريعية, كالعراق, التي تقبر الانسان العراقي او تمنع تحققه عن طريق العمل المنتج, وما يصاحب ذلك من امراض اجتماعية مستفحلة كشيوع الفساد والظلم واعتبار هذه المارسات تبدو اعتيادية ونمطية وتتحول بدورها الى اقكار "تستعمر" عقل الفرد العراقي والى انتشار هذه الافكار والسلوكيات كالسرطان في مؤسسات السلطة, وبذلك تنغلق الكثير من نوافذ الثورة والتغيير بسبب تطابق عقلي شامل او شبه شامل بين السلطة والشعب. وهذا لربما يفسر تكرار انتخاب الشعب لنفس المفسدين في دورات انتخابية متوالية. باعتبار فرويد, ان التكرار مشتق من غريزة الموت. اما بالنسبة الى المحلل النفسي لاكان, فان التكرار هو عودة الى المتعة والالم في آن واحد. فمثلا لطم الصدور وفلج الرؤوس بالقامات يسبب الشعور بالالم والمتعة في آن احد, وهو طقس يعاود تكراره كل سنة. ان هذه الممارسة الفيزياوية, عند ترجمتها اجتماعيا, فانها تعني ان المتعة تتجاوز حدود مبدأ اللذة وتسعي نحو الموت. والشئ نفسه ينطبق على موضوعة الفساد, لذا فان الدعوة الى مكافحة الفساد في دولة كالعراق هي نتاج عقل سقيم, لان جمع الثروة من قبل الفاسدين ليس هو رغبة هؤلاء. ان رغبتهم هي السعي المتكرر الى جمع الثروات وليس الثروات نفسها. الرغبة تصبح هنا الرغبة في الرغبة. لذا فان مكافحة الفساد يجب ان تقضي على المتعة التي تتحقق فقط من خلال السعي الى جمع المزيد من الثروات, وهذه المتعة لن يتخلى عنها المفسدون, طوعا او قسرا, لانهم لا يستطيعون الوجود بدون الرغبة (في الرغبة), التي تظهر في حالة هؤلاء كسعي مستمر لجمع الثروات. ولذا ان الدعوات الى مكافحة الفساد, رغم حسن نياتها لربما, تفشل في ادراك ان هدف هؤلاء الفاسدين هو ليس الثروات بحد ذاتها, بل ان الهدف هو السعي الدائم والمتكرر لجمع الثروات, او ما يسمى عادة المتعة الفائضة, قياسا الى القيمة الفائضة عند ماركس. ان هؤلاء الفاسدين محكومون هم انفسهم ايضا بتجاوز مبدأ اللذة والسعي الى الموت. والسعي الى امتلاك الثروات والدعاوى الى مكافحة الفساد (كصورة العملة الاخرى السعي الى امتلاك الثروات) والارهاب الداعشي او الحكومي, تعني كلها تطبيقا لتجاوز مبدأ اللذة والسعي الى الموت. انها كلها تجسيد لموضوعة الرغبة في الرغبة, وليس تحقيق الرغبة بحد ذاتها. ولذا فان استغراب البعض عن سبب تضحية الشخص بحياته بتفجير ارهابي هو تغافل لموضوعة المتعة المتحققة في سعي الشخص الى الموت. والسعي الى الموت هو ما يحقق المتعة, وليس بالطبع الموت نفسه, او كما يزعم البعض بسبب حلم الارهابي في امتلاك الحوريات والغلمان. الرغبة (في الرغبة) هي موضوعة حياتية ,وجودية, وليست مسألة ماورائية.

لنرجع الآن الى التهم الرئيسية الثلاثة الموجهة ضد الماركسية من قبل اتباع ما بعد الحداثة, وهي انها ختزالية, و"شمولية للغاية"، وتغفل دورعمل النساء. النقطة الأولى تزعم ان المادية التاريخية تختزل هياكل القمع إلى الاستغلال الطبقي، وبالتالي تتجاهل أو تقلل من التمييز على أساس الجنس والعنصر والجنسية (المثلية). وان كان صحيحا ان المادية التاريخية تجعل علاقات الانتاج الأساس في بناء المجتمع، لكن لا يوجد شيء بسيط أو مختزل حول هيكل القمع. المادية التاريخية، بدلا من دراسة شكل واحد فقط من القمع, فانها تستكشف الوسيلة التي تمكن كل نوع من انواع القمع على العمل داخل منظومة شاملة للسيطرة الطبقية التي تحدد خيارات النساء وخيارات الرجال على حد سواء. فمثلا, العمال بأجور بخسة في مدينة نيويورك يعانون التمييز على أساس الجنس والعنصرية, بشكل مختلف, كميا ونوعيا, عن معاناة نساء الطبقة المتوسطة. العنصرية التي تستهدف الفقراء الشبان من أصل إفريقي تحدث في سياق مختلف عن تلك الموجهة للنساء من أصل إفريقي في المجال الأكاديمي. بواسطة "توضيع" كل أشكال الظلم في السياق المادي والإطار التاريخي التي تحدث فيها، يمكننا تسليط الضوء على الآليات المتمايزة والمتغايرة التي تلعب دورا رئيسيا في الرأسمالية باعتبارها نظاما.

في النهاية، ليس فقط ان نقد فوكو للماركسية محتم عليه الفشل، بل ان "اختزاله" كل الفوارق الى مفهوم القوة ليس اختزالا على الإطلاق، بل انه تعمية . فلا يمكن تفسير أسباب القوة دون الرجوع إلى القوة او السلطة. وعلى عكس ماركس، فوكو لا يقدم اي بديل للعلاقة بين الظالمين والمظلومين.
----------
المصادر
1. Michel Foucault, in Colin Gordon, ed., Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings 1972-1977 (New York: Pantheon Books, 1980), p. 135
2. Evans, An Introductory Dictionary of Lacanian Psychoanalysis: pdf, repetition , p. 191
http://www.davidbardschwarz.com/pdf/evans.pdf
3.Kenan Malik, “The Mirror of Race: Postmodernism and the Celebration of Difference,” in Ellen Meiksins Wood and John Bellamy Foster, eds., In Defense of History: Marxism and the Postmodern Agenda (New York: Monthly Review Press, 1997), p. 127
4. Carol A. Stabile, “Postmodernism, Feminism, and Marx: Notes From the Abyss,” in Wood and Foster, eds, op cit,. pp. 142-43





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,423,741,502
- الامبريالية الجديدة وخصائصها
- حزب نيوليبرالي يتَجَلبَبَ بجِلْبَابَ الشيوعية!
- باراك اوباما الوجه -الاسود- للامبراطورية!
- غزو العراق ومنطق ديكارت السقيم
- تقرير تشيلكوت يُثبِت صحة ما قلناه مرارا وتكرارا
- هجمات إرهابية تهز نظام بغداد العميل
- النقد الذاتي/الجلد الذاتي في الحزب الشيوعي العراقي
- فلسفة الطب ومجزرة اورلاندو
- العداء للمثلية الجنسية لا يقتصر على الاسلام
- جريمة بشعة لها جذورها في مجتمع مشبع بالعنف والكراهية!
- تسبيب النيوليبرالية للعنف واستفحاله مستقبلا
- النيوليبرالية نفسها تعترف بمثالبها وخطاياها
- -الفاشية الإسلامية-: -شاورما بدون بهارات!-
- رسالة عاملة منزل فلبينية الى ملك السعودية
- شاعرية الثورة في العراق من 1932 لغاية 1960
- اليسار الاوربي والاسلام: تجربة شخصية
- نيوليبرالية بريمر حطمت الزراعة العراقية
- الحزب لم يتخلى عن اللينينية لكونه لم يعتنقها اصلا!
- استخدام علوم الدماغ في مكافحة الماركسية المبتذلة
- السلطة في العراق تلجأ خداعا حتى الى ملكة بريطانيا لانقاذها


المزيد.....




- حكومة جبل طارق تمدد احتجاز ناقلة النفط الإيرانية 30 يومًا أخ ...
- ميركل تعلن تضامنها مع نائبات الكونغرس: تغريدات ترامب -تقوض ق ...
- “المنطقة 51-.. ودعاوى اقتحامها لمشاهدة الكائنات الفضائية
- في يوم الباستيل.. هذا ما رآه المحلّق الفرنسي باللوح الطائر
- نازحو عفرين يطالبون بالعودة لقراهم
- الـ -أف بي آي- تكشف عن وثائق تدين ترامب بدفع رشاوى لممثلة إب ...
- منع زوجي إوز من إقامة حفل زفاف!
- أمريكا تعرض مكافأة تصل إلى 7 ملايين دولار للإدلاء بمعلومات ع ...
- سياسي فرنسي يدعو الفرنسيين من أصول جزائرية للعودة إلى الجزائ ...
- ميركل تتضامن مع عضوات بالكونغرس تعرضن لهجوم من ترامب


المزيد.....

- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - طلال الربيعي - الماركسية, نقادها, التحليل النفسي, وامثلة من العراق