أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله مهتدي - بلاغة الجسد وعنف التحول في رواية-الطلياني-لشكري المبخوت















المزيد.....


بلاغة الجسد وعنف التحول في رواية-الطلياني-لشكري المبخوت


عبدالله مهتدي

الحوار المتمدن-العدد: 5029 - 2015 / 12 / 30 - 16:43
المحور: الادب والفن
    



بلاغة الجسد وعنف التحول
في رواية "الطلياني" لشكري المبخوت

"إذا كانت الرواية تقول ما يمتنع التاريخ عن قوله(كارلوس فوينتس)،فان الإبداع بشكل عام،ينفلت من زمام السلط،ويشخص ما ترغب السياسة والمجتمع في إحالته إلى الصمت."
-في ضيافة الرقابة- زهور كرام
"لغة الأجساد حين تشرح والشهوة حين تكبر والرقة حين تحوم في الفضاء الذي يعبق بأنفاس رجل وامرأة لا تحتاج الترجمة فيها إلى قواميس مهما تباعدت اللغتان"
-الطلياني- شكري المبخوت
1-
من المقبرة حيث تنطلق أحداث رواية"الطلياني" للكاتب والأكاديمي شكرى المبخوت،سيعاد بناء ذاكرة مثقلة بخيبات كثيرة، موسومة بجراح دفينة،ليس في جسد "عبدالناصر" باعتباره يجسد شخصية مأساوية ،- عبدالناصر الذي لم يذهب إلى المقبرة كمكان ذو دلالة عميقة في الموروث الثقافي والرمزي،ليدفن أباه وما يرمز إليه هذا الأخير من مرحلة سابقة في تاريخ تونس الحديث،إنما ليصفي حسابه مع ماض مرعب،انوشم في جسده وخدش روحه بخدوش لم تندمل قط،- ولكن في جسد مجتمع ،وفي مآل طموحات وأحلام،وفي تاريخ كتبه الدم والصرخات والآلام أحيانا ،والصمت والكتمان أحيانا أخرى،تاريخ كتبه الصراع بين القديم والجديد،بين المرغوب والممنوع،بين المقدس والمدنس،بين الجسد والروح.بين الخرس والبوح.
على أنه في المنجز الإبداعي لشكري المبخوت"الطلياني"،الفائز بجائزة"البوكر"،
تكتب الرواية تاريخها الخاص بدلا من أن تكتب التاريخ،فهل يمكن القول بأن الرواية هي لا شعور التاريخ،وهل لغة الرواية هي لغة حفر عميقة في الصمت،ما تدفعه السياسة والمجتمع-التاريخ الواقعي- إلى المناطق الرمادية،فيحتاج من ذلك الروائي إلى عدة الرمز والمخيلة والحلم؟.هل بهذا تخفق الرواية في قول التاريخ حين تنزاح عن ذلك بكتابة تاريخ آخر؟لكن ما هو التاريخ إذن الذي على الرواية أن تقبض على جمره؟وأن تطاوع أحداثه في مختبر تشتغل فيه بمنطق غير الذي يشتغل به منطق المؤرخ؟وأليس من العبثي مطالبة الرواية أن تكتب التاريخ على حساب أن تقول تاريخها الخاص،طرائق الكتابة وتحولاتها،المنطق الذي يتحرك به الرمز والخيال،توظيف لغات الجسد والصمت،.....داخل عملية الكتابة ذاتها ،المستثمرة للذاكرة والذات في سياقاتها المتعددة؟.
والروائي حتى وأن اشتغل على مادة تاريخية ، فليس المطلوب منه أن يلبس عباءة المؤرخ،لأنه لن يكتب خطابا حول التاريخ بمنطق تراكماته وقطائعه،على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ،وإنما ليلعب دور الحافر في جسد "الصمت الجمعي"،إذ من خلال هذا الحفر،يسائل،يستفز،يعيد قلب الطاولة،يشكك،يرتب الأشياء بمنطق الحلم،يشاكس الممنوع،يتمدد عميقا في مناطق المسكوت عنه،يقرأ ما بين سطور الهامشي ،يزيل الحدود بين المقدس والمدنس،يترك للجسد أن يتكلم بلغاته المقموعة،وأن يعري ما يراد له أن يتكلس في دائرة المكبوت،وفي قعر النسيان،وفي منطقة الهجر.
فرواية "الطلياني"،حتى وان اشتغلت على التاريخ المتحول لتونس "الحديثة"،فطرحت بعض قضايا اليسار المتعثر في أزماته،وتحولات مصائر المرأة بين التحرر والنكوص،والأحلام المجهضة لأجيال متعاقبة،والخيبات المتراكمة لذوات تبحث عن نفسها لتداري بؤسها العاري.....فإنها بذلك استثمرت التاريخ من أجل إعادة إنتاج تمثلات حول الذات والعالم،حول المكان والزمان،حول المناطق العاتمة لصيرورة مجتمع وتاريخ في طور التحول، بلغة المجاز والحلم.
وهي رواية حافلة بلغات الجسد وتعبيراته ،بدءا من المكان كجسد عام وضمنه الجسد العام الصغير-المقبرة التي ستبتدئ منها الرواية-الجسد العام الكبير - تونس التي ستتحول من فضاء شاسع للحلم والحرية إلى مقبرة كبيرة لذوات تعيش تجاربها الخاصة مع الماضي والحاضر،مع الممنوع والمرغوب،مع المعلن والسري،مع المقدس والمدنس....- وانتهاء بالجسد الخاص ، جسد المرأة والرجل باعتبارهما كاشفين في الرواية للتحولات التي طرأت على المجتمع التونسي، ،ومفجران لأزماته،وحاملان لمشاغله وهمومه المعلنة والسرية ،في العلاقة بالرغبة الجنسية كرغبة مكبوتة في الماضي،سيعريها حادث الاغتصاب،ليس كفعل ذكوري بامتياز،وإنما كفعل صادر عن المرأة نفسها-تجربة "لالة جنينة" مع "عبدالناصر"- وليس كفعل صادر عن جانح،وإنما من إمام مسجد- شخصية الشيخ "علالة" التي تمثل المقدس في الرواية -،والتي ا ستطاع الكاتب أو السارد أن يقدمه بأوصاف سلبية خاصة العجز الجنسي والضعف أمام الزوجة "لالة جنينة"، وكرغبة معلن عنها ومفتوحة-حالة"عبدالناصر"،"لالةجنينة"،"زينة"،"ريم"،"نجلاء".-
رغم التمنع والتشنج الذي طبع التعبير عن هذه الرغبة على هذا المستوى ذاته باعتبارها شأنا خاصا بالجسد منظورا إليه في بلد عربي إسلامي انطلاقا من ثقافة المحظور والمدنس والمكبوت.
كل شيء في الرواية يحيل على تيمة الجسد،ابتداء من العنوان "الطلياني" الذي يعود بنا إلى صورة جسد تتكثف فيه صفات الشباب والجمال والوسامة،"عبدالناصر" هذا البوهيمي المارق غير المنضبط،ابن "الحاج محمود" الموظف الكبير بوزارة المالية،و"ولد الحرام" كما تصفه أمه،أو "شيطان القيلولة"، ومرورا بفعل الإغتصاب كظاهرة صامتة،وكعامل مفجر للبنية السردية- ما جرى بين "عبدالناصر" وريم-،على أنه إذا كان جسد" ريم" بثنائية الخلف والأمام،قد دفع بمكبوت "عبدالناصر" إلى العلن،فان جسد" زينة" كان بمثابة الجسد المنفلت الهارب الغير المطواع،وكأننا بزينة تعيش اغتصابا متواصلا بعد إغتصابها الأول الذي ظل فاعله مجهولا في الرواية،لكن أثره انحفر على شخصية" زينة"،وفي علاقاتها بجسدها نفسه وبالآخر.مما حدا بها إلى أن تنمو وتتطور بفعل أزمات داخلية،حكمت على شخصيتها بالغربة والضياع،وعلى تصرفاتها بالتشنج مع ذاتها ومع الآخرين(نقدها لليسار،للرجل،للثقافة السائدة،لكل ما يحيل على الممارسة الجنسية كعلاقة جسد بجسد،للمجتمع،للوطن....)،عكس عبدالناصر الذي ما أن استيقظت فيه صورة اغتصابه حتى ارتكب فعله"المدنس"-ضرب الإمام-في مكان "مقدس"-المقبرة-وهو الحادث الذي شكل دافعه لغزا عمل السارد على كشفه مع تطور عملية السرد.وانتهاء بالحيز الذي شغلته"الرائحة" في علاقتها بالجسد نفسه،إذ كثيرا ما كانت في الرواية باعثا على تفجير شهوات الجسد،ولغة من لغاته،بل ومفجرا لبؤرة الحكي،ف"زيتة "لم تتبين من مغتصبها سوى رائحته،رائحة السنابل والتراب،أما "لالة جنينة"،فكانت رائحتها تسبقها،تلك الرائحة التي سكنت خياشيم وجسد "عبدالناصر"،وما أن شمها في "ريم"حتى تأججت فيه شهوة الجنس،أو رائحة الميضاة،التي ارتبطت في ذهن البطل بحادث الإغتصاب،كما في متن الرواية"...وحين استدارت،وهي على السرير،أفعمت أنفه رائحة الميضاة وبصاق اللوطي العاجز،"الخنادقي"علالة"
2-
كل العناوين الفرعية في رواية "الطلياني"لها علاقة بالمكان كفضاء / كجسد عام يتحرك فيه الحكي،(الزقاق الأخير،شعاب الذكريات،المنعرج،رواق الوجع والألم،منحدرات،طلاع الثنايا،مسالك موحشة،السكة المقفلة،مفترق الطرق،الدروب الملتوية،المضيق،رأس الدرب)المكان المفارق الموحش،العاكس لنفسية شخصيات الرواية،وهي شخصيات مأزومة في مجتمع متحول،نفسية الإنسان المنكسر والمهزوم،الضائع والممزق،هذا المكان كجسد ينتهي بالزقاق الأخير منطلقا من رأس الدرب،عابرا شعابا ومنعرجات،مسالكا ودروبا،مضايقا مثقلة بالغربة والوحشة والألم.ولعل هذا المكان هو نفسه الذي منه ستبتدئ وتنتهي الرواية،(المقبرة كمكان موحش)،في حركة مغلقة هي حركة شخصيات وأحداث الرواية.وربما حركة اليسار التونسي والعربي المتعثر والمأزوم،فهل هي جنازة تيار فكري وسياسي وإيديولوجي لطالما ناضل من أجل الحرية والديمقراطية والقيم النبيلة،لكنه أخفق في امتلاك أدوات تحقيق أهدافه؟أم جنازة جيل في مرحلة عنوانها الانتقال والتحول المعطوب؟
على أنه إذا كان شكري المبخوت يكتب عن مرحلة الثمانينات،الحبلى بالصراعات بين اليسار المتعدد والإسلاميين والسلطة،وعن تداعيات ما سماه "عبدالناصر" في الرواية ب"انقلاب عسكري بشهادة طبية"،وعن التحولات العميقة التي طرأت على المجتمع والثقافة والقيم،وضمنها تحولات الجسد والتعامل مع رغباته،فان عين الروائي التي لا تخطئ كانت على الزمن الذي تمت فيه الكتابة بقدر ما كانت على الزمن الذي تناولته،أي راهن ما يسمى ب"الربيع العربي"،الذي دشنته "ثورة الياسمين"،الحبلى بأسئلة حارقة ،والمفتوحة على المجهول،وهو ما يصرح به الكاتب نفسه حين يرى بأن"الربيع العربي لم يمنعني من الكتابة....كل ذلك دفعني للتساؤل والبحث لماذا اليساريون والحداثيون لم يتمكنوا من توجيه وقيادة هذه الثورة،لماذا تركوها وحدها أمام مصيرها في وقت كانت فيه في أشد الحاجة إليهم...."
3-
في رواية "الطلياني" تبدو شخصية "عبدالناصر" مهيمنة على الأحداث ، شخصية تتمحور حولها عملية السرد ،وتحيل على عالم ذكوري لا يعرف حدودا لحماقاته وعربدته.
ولد "عبدالناصر" الملقب ب"عبدو" سنة 1960،يصفه السارد بأنه "يجمع بين جمال الأصول الأندلسية لأمه وجدته،ومخايل الوسامة التركية لأبيه وجده"،تدل عليه ملابسه وهيئته وشربه الخمر وعيشته البوهيمية كما يعلن خاله في إحدى مقاطع الرواية،وهو ما يبدو من خلال شكله "الطلياني"،بسروال "الدجينز"،وسترة"الدنقري"،والشعر الأشعث،واللحية المعفاة،وحداء "البرودكان" أما أمه المتسلطة،فتراه بعين صعلوك خارج السرب،الحبة السوداء الفاسدة في بيدرها.
فهو الطالب اليساري الذي كان يرفض النجاح ليظل قائدا لتيار نقابي سياسي بالجامعة،وهو الطفل الذي تعرض لعملية اغتصاب ،وأفلت بجلده من ذلك مرات،دون أن يستطيع النسيان أو الغفران،وهو الجسد المارد الذي تتكسر تحت كماشته رغبات الجسد الأنثوي وشهواته،وتسكنه روائح الشبق والإغواء،خاصة مع "لالة جنينة"،و"زينة"،ثم "أنجليكا"،و"نجلاء"،و"ريم"،وهو الأمل في أن يحترف الطب في نظر أبيه،وأن يختار إدارة الأعمال والتجارة في ظن أخيه صلاح الدين،وأن يصبح محاميا في مأمول نفسه،لكنه ارتمى في أحضان صحافة تأتمر بأوامر النظام الذي طالما انتقده،موقعا على عقد الخيانة المقدس ،الخيانة التي ابتدأت عنده من خلال إطلاق العنان للجسد وفتوحاته الجنسية،وانتهت بالإنقلاب الفكري والسياسي على مبادئ اليسار.حيث الانتقال من مدافع عن أفكار كبرى،إلى مجرد راصد لتحركات الجسد الأنثوي،قصد الإيقاع به ، وهو ما فطنت إليه "زينة" التي لم تتردد في وصفه ب"..المناضل الثوري الذي ترك الثورة ليطبع مع النظام السائد،ويعمل كلب حراسة في أحد أجهزته الإيديولوجية،في صحيفة ناطقة باسم الحكومة تبرر سياسة القمع والإستغلال.."أو وصف ثوريته ب"..القشرة التي إذا كشطناها بانت حقيقتك الرجعية.." .
إذا كان "عبدالناصر" يشكل في الرواية نموذج البطل المأساوي،من خلال تقديمه في صورة شخص تعرض لعملية اغتصاب في مراحله الأولى،فاشل في العلاقة مع الأم الحاجة "زينب"،أفق مسدود في العلاقة العاطفية والزوجية مع" زينة"،الشعور بالعجز الجنسي والارتماء في أحضان نساء المقاهي والحانات،اندحار طبقي وسياسي وإيديولوجي واصطفاف ضمن صحافة النظام الصاعد وحول موائده، فان اللافت للانتباه هو الحضور الأساسي للمرأة في صورها المتعددة المتناقضة مما يعكس انوجادها في المجتمع،ويعيد طرح صورة المرأة في المتخيل الروائي،كتيمة اشتغل عليها النقد الحديث كثيرا ،وهو ما يصرح ب شكري المبخوت نفسه"النساء كن كثيرات في روايتي كما أنهن كن مرآة لتوجيه مسار البطل،البطل الحقيقي في الرواية هو النساء".في الرواية أربع شخصيات نسائية لعبت دورا أساسيا في توجيه مسار البطل، في تأثيث معمار الرواية ،وفي التأثير في الأحداث،وهي:" لالة جنينة"،"زينة"،"نجلاء"،ثم "ريم".
- "لالة جنينة": "مبغى "الحاج الشادلي" الذي دخله الكل مرات ومرات"حسب عبدالناصر،ابنة "الحاج الشاذلي"،وزوجة "علالة" الإمام،زوجة على الورق،لأنها لم تختره،ولأنها توصمه بالعجز الجنسي،امرأة ذات وضع مادي ورمزي اعتباري، متحجبة لكنها لا تِؤدي الواجبات الدينية،غادرت المدرسة مبكرا وأحرقت كراريسها كأنما تحرق آمالها وأحلامها،لكنها أبدعت في الحرف التي تعلمتها من أم عبدالناصر،غير مثقفة،عاشقة مدمنة للذة،وساعية خلفها أنا كانت،إذ ما أن فقدت عبد الصمد،حتى ارتمت في أحضان أخيه الأصغر عبدالناصر ، وكأنما اغتصبته،وما أن فقدت عبدالناصر حتى صارت تعوض عنه بفتيان وشباب الحي .
لجسد "لللا جنينة" رائحة خاصة،ستسكن جسد "الطلياني" وروحه لسنوات، لذلك سيسأل صديقه في آخر الرواية سؤالا ماكرا :"هل تعرف رائحة لالة جنينة؟"،ليلاحظ السارد "أن عينيه انفتحتا وعلت ابتسامة حنين أو بقايا لذة يتلمظها بين شفتيه وهو يتحدث عن لللاجنينة".فهي التي جعلته يكتشف جسده،وينفتح على متع الجسد الأنثوي.ولشخصيتها في الرواية دور هام في التعبير بلغة الجسد،فهي المرأة التي تمشي بدلع على" وقع "طقطقة" طماقها كاشفة رجليها إلى مستوى الربلتين"،وهي الرائحة التي تميزها عن غيرها من النساء،بتوابلها وخلطاتها الخاصة،ثم السلسلة الذهبية المتبثة في عقب الرجل،العينان الواسعتان،البشرة المحمرة،الشعر الليلي الفاحم،وهي الكائن الذي يتكلم بصمته،بابتسامته،بنظراته،حتى أمام حادث المقبرة،كانت الوحيدة التي فهمت إلى جانب "الطلياني" والشيخ "علالة"،ماحدث،لكنها اختارت الصمت والإبتسام،تاركة الأمر في "مجمع أسرارها"،حيث يقول السارد:"الشخص الوحيد الذي كان يبتسم،ابتسامة غامضة ملتبسة تجمع الرضى إلى شيء من الخبث وبعض الشماتة هو زوجة الإمام،جارة العائلة بنفس الزقاق،للا جنينة".
سيكون على "لللا جنينة" أن تنسي "عبدالناصر" حادثة اغتصابه من قبل الإمام "علالة"،وذلك باغتصاب من نوع خاص،سيعيد له اكتشاف جسده من جديد،وإطلاق العنان لرغباته،كانت في البداية تعوض عن فقدان صلاح الدين،ثم ما لبثت أن توغلت عميقا في لعبة الجسد ،ابتدأت مغامراتها بالإعتناء ب"عبدالناصر"عند الإغتسال ،بالتدلل والتقبيل والملاعبة،ثم إطالة النظر بعينين ساهمتين وحالمتين مع الإبتسام والشرود،بعدها تم الإنتقال الى لعبة المريض والطبيب حيث استغلت" لللا جنينة" هذه اللعبة ،وقالت ل"عبدالناصر": "إن مرضه هذه المرة في "بنيته" كما اعتادت أن تكني آلته،كادت تلتهم شفتيه إلتهاما.مرغت صدرها الممتلئ في جسده المتقد شهوة،غرست رأسه بين النهدين،لم تترك موضعا في جسد الصبي لم تمرر عليه لسانها.كان ينظر إليها وقد أخذته رعدة،شعر بارتعاشة ورغبة في التبول،أراد إيقاف كل شيء،ولكن الأمر قد قضي.قربت وجهها من وجهه مبتسمة ابتسامة تجمع المكر إلى الغنج...شعر باسترخاء ولم تفارقه الرعشة"
- "زينة":تقدمها الرواية في إحدى صفحاتها على أنها"ابنة بورقيبة الذي جعل النساء مستقويات على الرجال والآباء والإخوة". اسمها أنروز،بربرية من إحدى القرى بالشمال الغربي،تزوجت "الطلياني"جوازا مشروطا لم يتجاوز السنتين، ،شخصية مركبة ،بقوام ممشوق كالرمح،وجه قمحي وضاح،بعينين خضراوين"خضرة أخاذة غامقة يزيدها جحوظ لطيف في محجريها بروزا وإشعاعا"،مناضلة في الحركة الطلابية ،مع اعتبارها العمل النقابي إصلاحي يتطلب الحوار مع السلطة،والحركة الطلابية ليست طليعة الحركة الثورية بل المكون الهش منها،مع تركيزها على دور المثقفين،،ديناميكية وحركية ومتمرسة على النقاش مع الإسلاميين في مسائل الهوية، والجدل،والنقد اتجاه اليسار –الوعي الطلابي البائس،المركزية المفرطة،التشرذم السرطاني لليسار البيروقراطي ،غياب العمق الفكري لليسار،والإكتفاء بقوالب جاهزة، الجهل بالماركسية،وبتطويراتها،واصفة اليسار بالكلب الذي يجس في مزابل اللينينية والستالينية العفنة. لقبت ب"بقرة القيادة الثورية"أو "عاهرة الثورة البروليتارية" ، امرأة باحثة عن موقع رمزي وثقافي في مجتمع متحول،مثقفة،قارئة نهمة، مشاكسة وصعبة المزاج،تعيش خللا كبيرا في علاقاتها العاطفية والجنسية ،وعلاقة شك في الأب والأخ بعد حادث اغتصاب ،وهي عكس عبدالناصر الذي له علاقة وصل مع أبيه وفصل مع أمه، ،كما تعيش علاقة صراع على مستوى الذات والجسد،بهواجسها المتعددة والمتناقضة لترمى في النهاية في أحضان جسد كهل،جسّده في الرواية "إيريك ش"،الباحث في المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا، والمختص في علم الإجتماع ، تاركة الوطن يحترق بما فيه،منهية أية علاقة يمكن أن تربطها به(عملية الإجهاض التي قامت بها دون علم عبدالناصر الزوج،الضمور العاطفي والجنسي مع حصر الزواج شكلا والتواصل داخل البيت بالكتابة على الورق،دفن الأم في القرية واعتبارها صارت أم نفسها مع قرار ترك الوطن الأم،كتابة الهواجس باللغة الفرنسية كقطيعة مع اللغة الأم مع استعمال قاموس خاص(سكين اللحم،فاتح المغالق،القبل موضع الأسرار،الدبر قفا الورقة،الحزن اللوح المحفوظ،الموت ترياق الأسى...)،وداخل هذا القاموس،هناك قاموس جنسي يحيل على أزمة مع جسدها كامرأة اغتصبت في طفولتها، ومع الآخر(الرجل،المجتمع..)،إذ تنظر إلى الحب على أنه: "أفيون الحيوان النائم في قلب الإنسان،يقلم مخالبه ويروض غرائزه"،والى الرجال : "كالذباب يحطون على أول امرأة يرونها "،و تعيش حالة اغتصاب متكررة،وحالة اغتراب حاد،تعري بموجبه شخصيتها مجتمعا مشبعا بالنفاق الاجتماعي،والكبت الجنسي،والتفسخ الأخلاقي.
شيدت "زينة مجدها الفكري باحتفائها الخاص بالقراءة وهي فتاة صغيرة ،من خلال إلتقاط الورق المكتوب،ثم ورق الجرائد الذي تلف فيه المشتريات،بعدها ستنفتح على كنز معرفي كبير،مكتبة المعمر "روبير" الذي كانت تشتغل عنده أمها،التي كانت تأتيها بالكتب لقراءتها سرا.لم تكن أم "زينة" تواظب فقط على جلب الكتب،بل كانت أيضا تواصل عادتها في دهن قبل ودبر ابنتها الصغيرة بالزيت،لم تكن تدري أن هذا الجسد الذي تحتفي به بهذه الطريقة،سيحمل بين قسماته وفي ذاكرته خيباته التي ستعيش معه إلى الأبد. حادث الإغتصاب سيغير "زينة"الى شخص آخر،كان الزمن زمن حصاد،وكأن مغتصبها أراد أن يحصد أحلامها ويقبر براءتها ويطفئ ألق الطفلة بداخلها،يشهد على ذلك وصف حادث الإغتصاب من قبل السارد:"أحست ليلتها أو فجرها أوقبيل الفجر،بسكين من لحم يخترقها من الخلف متجها نحو الدبر مرة والقبل مرة أخرى،كان السكين ينزلق بفعل الزيت الذي دهنت به أو بفعل ماء آخر سال من السكين أو بفعل الدم الذي نزف منها ووجدته على ملابسها وفوق الحصير حين استفاقت...السكين كان داخلها صلبا قاطعا يتحرك داخلها كالمنشار،يد على فمها تكتم أنفاسها تمنعها من الصراخ والأخرى تلصق رأسها بالحائط حتى تشل حركتها".
كان الاغتصاب بالنسبة ل"زينة "وشما غائرا في الجسد،ترك نتوءاته بارزة في علاقتها بالآخر –الرجل- وبجسدها نفسه،فهي تعتبر ماجرى لها"وخز في موضع السر،ريشة حادة الذؤابة مزقت قفا الورقة،..سري وورقتي مهتوكتان..شيء بغيض كريه في اللحم لا في الدهن.."وهي هنا تستعمل قاموسا يتعلق بشيء مادي-الوخز،الريشة الحادة،التمزيق،الهتك-في مكان مادي-الجسد- وهو ما تأكده من خلال قولها:"وجعي في الجسد ولكن لا دواء له.." وكذلك قولها :"لا أجرأ على تأمل وجهي في المرآة،أخجل من وجهي..أمقت جسدي.."
- نجلاء: تكبر "عبدالناصر" بسنة أو سنتين،تزوجت قريبا لها دون رغبة منها،زواج لم يتعدى ثلاثة أشهر لتعود بعدها إلى البيت،بسبب خلل جنسي يعاني منه الزوج،"بطيئ الإراقة أثناء الجماع مما يسبب لها ألما وأوجاعا..".هي البنت الكبرى في أسرة لا تنجب إلا الإناث، أستاذة الرياضة وصديقة" زينة"،لها عقدها الخاصة تحاول أن تخفيها خلف سعيها للإثارة والمال والجنس،شابة مطلقة،مستعدة لأن تخون صديقتها مع زوجها،لأنها كائن واقعي بلغة "العهد الجديد" ،إذ تحمل في طموحاتها إرهاصات ما بعد "الانقلاب الأبيض" على المرحلة البورقيبية،وانتشار قيم الفساد والتسلط بشكل لم تعرفه البلاد قبلا. إذ ما لبثت أن تحولت مع الحلاقة إلى عاهرة محترفة على أسرّة قروش المال والسياسة من أبناء زمن بن علي.
لعبة الجسد كانت دائما حاضرة في علاقة "نجلاء" ب"الطلياني"،لنتذكر أنهما سينقلبان على "زينة"،في الليلة التي ستوضع فيها اللمسات الأخيرة لإنقلاب "بن علي"على "بورقيبة"،وهي الليلة أيضا التي ستموت فيها أم "زينة"،لتقرر هذه الأخيرة إسدال الستار عن مرحلة وبداية مرحلة أخرى.
4-"ريم": طول فارع، وشعر عسلي،بشرة وردية رطبة،قوام ممشوق. هي الشخصية/ الجسد الذي سيرينا كيف أن"الذاكرة الجنسية"لعبدالناصر مرتبطة بعنصرين أساسيين:الرائحة،أي رائحة جسد "لللا جنينة "التي سكنته،ثم الدبر كواجهة خلفية للجسد،والذي عبره تمت عملية اغتصاب عبد الناصر من طرف الإمام "علالة"، يقول السارد عن لحظة استفراد "الطلياني " ب"ريم" رغم علمه بموت أبيه :"استدارت،فهم أنها تعرض عليه شيئا آخر،جن جنونه ولكن لم يحرك ساكنا..التفتت اليه فوجدته شاخصا بعينيه،شارد الدهن،كمن يتذكر شيئا.رأت قطعة الحبل مرتخية.فأصبح وجهه المليح كوجه شيطان رجيم..كان يرتعش..".
إن "ريم" قد جمعت هذين المتناقضين في جسد واحد،فهي من أمام تذكر "عبدالناصر" بمتعه الجنسية مع "لللا جنينة"،وبرائحتها التي سكنته،ومن خلف استطاعت أن تفجر المكبوت،وتدفعه إلى السطح، إذ ما أن عرضت عليه دبرها حتى صحا في ذاكرته تعرضه لعملية الاغتصاب،التي ستفسر لغز ما حدث في المقبرة،وكأننا بجسد ريم يعكس ازدواجية مجتمع يسير باتجاهين متناقضين،مثقل بالتناقضات،ومفتوح على انفجارات كان أهمها ما حدث مع ثورة البوعزيزي،الذي فجر الأحداث في تونس كما فجر جسد ريم بؤرة الحكي بالكشف عن حادثة الإغتصاب .
فإذا كانت "ريم" تحتل حيزا ضئيلا في عملية السرد،لكن التوظيف الرائع للثنائية الكامنة في جسدها جعل منها شخصية مهمة استعمل جسدها بذكاء إبداعي باذخ للتعبير عن أشياء كثيرة يحفل بها منجز رواية "الطلياني"كرواية استطاعت أن تلامس عبر توظيف الجسد قضايا في غاية الأهمية.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,761,541,852
- قليل من الورد في الجرح يكفي
- هايكو
- محاولة في التعريف بكتاب-القوات المسلحة الإيديولوجية--التحالف ...
- نمنمات شعرية
- فسحة الغائب
- الابداع الفني لا يناقش بمنطق المقدس/المدنس
- أغاني الحداد والشهادة
- مثل بصار خذلته مرآته
- قالت لي الفراشة...
- حول مشهدنا الثقافي
- قلت للفراشة
- تقاسيم الى وردة البوح
- لعبة الأسماء الماكرة
- درس الحواس
- حكاية بغل
- ضحك الكلام
- تمضي الى وجع رممته الريح
- أتذكر ..يا أبي!
- لعلك الآن تسكنك وحشة الأمكنة
- حين..ستهجر الفراشات الزقاق


المزيد.....




- سوريا.. الإعلان عن وفاة الفنان الفلسطيني الكبير عبد الرحمن أ ...
- الأديبتان الفلسطينيتان سلمى الجيوسي وابتسام بركات تحصدان جائ ...
- عمر الشريف الذي لم يخذله الحظ في السينما المصرية والعالمية
- الأجهزة التدريبية في الأندية تضع شروطها الفنية
- مقترح قانون.. الفريق الاشتراكي يدعو لحماية المكترين من الإفر ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الجمعة
- تصوير مسلسل تلفزيوني مستوحى من حكايات شعوب الشمال الروسي
- لوحات جسدت مفهوم العزلة في الفن التشكيلي
- فيديو لفنانة خليجية ترقص في السيارة يثير موجة تعليقات
- مسرحية شكسبير التي تنبأت بتعامل إدارة ترامب مع جائحة فيروس ك ...


المزيد.....

- ديوان غزّال النأي / السعيد عبدالغني
- ديوان / السعيد عبدالغني
- مأساة يغود الجزء الأول : القبيلة، الدولة والثورة / امال الحسين
- البحث المسرحي بين دراماتورجيا الكتابة والنقد المقارن / أبو الحسن سلام
- رواية الملكة ودمعة الجب كاملة / بلال مقبل الهيتي
- قصة قصيرة الناس و التمثال / احمد دسوقى مرسى
- قصة قصيرة الناس و التمثال / احمد دسوقى مرسى
- الأسلوبية في السينما الغربية / جواد بشارة
- مقالات في الرواية والقصة / محمود شاهين
- مسرحية الطماطم و الغلال (مسرحية للأطفال) / زياد بن عبد الجليل


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله مهتدي - بلاغة الجسد وعنف التحول في رواية-الطلياني-لشكري المبخوت