أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل عبدالله - الشعر و التصوّف ، تكامل أم ممانعة ؟















المزيد.....

الشعر و التصوّف ، تكامل أم ممانعة ؟


عادل عبدالله
الحوار المتمدن-العدد: 4994 - 2015 / 11 / 23 - 08:52
المحور: الادب والفن
    


الشعرُ و التصوّف
تكامل أم ممانعة ؟
عادل عبدالله
لا تتحدد علاقة الشعر بالتصوف باسلوب واحد، ولا تلتزم في ظهورها بشكل ابداعي واحد تعبّر به هذه العلاقة عن نفسها.
فاذ يمكن لهذه العلاقة أن تبدو لنا – تارة - في هيئة قصيدة عمد صاحبها الى الالتزام بقواعد الشعر وأدواته الشكلية للتعبير عن مضامين ذاته الصوفية وحدوسه العرفانية، يمكن لها - في تارة أخرى- أن تبدو لنا في هيئة نص حرّ يعتمد الشعرية مبدءاً ووسيلة له، لاحتواء مضامين ذاته ومعانيها الصوفية العرفانية، أي دونما التزام منه بأي من القواعد الشكلية التي تجعل من النص ذي الطبيعة التخييلية الحسية (قصيدة).
ولعلنا نجد في تلك القصائد التي وضعها محيي الدين بن عربي كمقدمات لفصول كتابه الشهير “الفتوحات المكية” خير تمثيل للنوع الأول من هذه العلاقة،
أما النوع الثاني منها فيمكن الاشارة اليه -عربيا- الى العديد من نصوص “نهج البلاغة” للامام علي(ع) وكتاب “المواقف والمخاطبات” للنفري، على انهما مصداقان واقعيان للتدليل على هذه العلاقة.
أما عالمياً، وعند حدود استخدام الفكر للشعرية وسيلة لانتاج النص فيمكن الاشارة الى كتاب نيتشه “هكذا تكلم زرادشت” بوصفه ممثلاً دالاً عليها بامتياز كبير.
ما أريد التوصل اليه عقب التعرض لجدلية هذه العلاقة هو القول الواضح، بأن القيمة الابداعية لهذا النوع من النصوص، - التي يشتبك فيها الشعر بالفكر والتصوف- تحددها سلفاً جهة صدورها، أعني، هل ان صاحب النص هذا، هو شاعر “بالأصل” أراد افراغ معانيه الصوفية التي فرضتها عليه تجربة ما في قالب شعري؟ أم انه صوفي مفكر “بالأصل” وجد أن الطريقة الأكثر ملائمة و صلاحية للتعبير عن أفكاره وحدوسه الوجدانية، انما تتم له عبر استخدام مبدأ الشعرية الحسي التخييلي، وسيلة لبلوغ أفكاره المتعالية وانتاج نصه الابداعي؟
في نموذج الشاعر الذي يخوض تجربة صوفية، لن تجد مثلُ هذه العلاقة كمال شكلها الابداعي وحالتها النوعية المثلى،
لأن التصوف تجربة روحية قوامها الغنى، و”تجريد الوجد”
وتخليص المحبة من موضوعاتها الحسية،
سبيلاً للتوحد بالمحب الذي لا تمثيل حسي له.
ومعنى هذا،
ان هذه التجربة تخلّف بتكرارها أثراً لها في ذات الصوفي يسمى “مَلَكة”
وهي حيازة نفسية خاصة به وحده، ينظر الى العالم من خلالها .
الأمر الذي يعني من بعد،
ان منزلة الصوفي الروحية ونوعه الثقافي، أرفع شأناً وأعزّ مكانة من النوع الثقافي الذي تحوزه ملكات الشاعر المنتجة لقصيدته،
لذا، ونتيجة لذلك، يمكن القول:
ان التصوف لا يصلح أن يكون موضوعاً للقصيدة التي يراد لها أن تنقل تجربة الصوفي بكل غرابتها وجلالها، مالم يعش الشاعر وعلى مدى طويل تفاصيل وأسرار وآثار تجربة التصوف في حقيقتها العرفانية العميقة الخافية.
أما نموذج الصوفي / الشاعر، وهو الذي تمت الاشارة له في مثال قصائد ابن عربي وابن سينا وسواهم،
فهو المثال الآخر الذي ندلل به على عدم بلوغ هذه العلاقة لشكلها الابداعي الأكثر كمالاً،
لا لأن ارادة ضبط المعاني الصوفية بقالب شعري، هي المحرك والباعث الذي يوّجه العلاقة كلها حسب،
بل لأن للشعر “القصيدة” أسراره وخصوصياته التي لا تسمح ولا تمنح نفسها، الاّ للشاعر وحده،
أي لذلك المبدع الذي يتعامل مع الشعر بوصفه غاية و ارادة ووسيلة ومضموناً لأبداع نفسه وعرض ذاته على الوجود،
وهي حالة تختلف “نوعياً” عن “استخدام” القصيدة وتسخيرها لضبط معاني الصوفية وحفظ تعاليمها.
نفهم من خلال ما تقدم، ان العلاقة النصية للشعر بالتصوف، لن تجد شكلها الأكمل،
لا في نموذج “الشاعر-المتصوف”
ولا في نموذج “المتصوف-الشاعر”
الأمر الذي يستدعي منا البحث عن هذا الكمال في نماذج أخرى لاشتباك الشعر بالتصوف وبالفكر أيضاً،
ولما كانت الاشارة منا، قد سبقت الى نموذج استخدام الشعرية وسيلة للتعبير عن المضامين الدينية والفكرية والصوفية للذات بقصد واعٍ مبيّت يجنّبها الالتزام والاحتفاظ بشروط القصيدة، بسبب من توجهها الى الآخر واتخذاه مخاطباً لها،
الأمر الذي يعني ضرورة افهامه القصد واضحاً، دونما مجاز أو استعارة أو تأويل يضّحي من خلالها بالمعنى على حساب جمالية الاداء، أقول لما كانت الاشارة قد سبقت منا لمثل هذا النموذج، فان ما يتبقى لدينا من نماذج ممكنة لهذه العلاقة،
هو نموذج “الشاعر/ الصوفي”
أو “المتصوف / الشاعر”
أي النموذج الذي تجتمع فيه ملكتا الشعر والتصوف في ذات واحدة أعني :
ان هناك شاعراً أولاً،
أو ربما عارف أولاً،
عاش التجربتين في ذاته معاً
وكان بطلهما على حد سواء،
ثم هناك من بعد حاجة نفسية،
هي حدوس ورؤى ومعارف وكشوف وأسرار صوفية،
تجد أن التعبير عن مضمون الذات عبر القصيدة، هو أكثر الأشكال كمالاً وملائمة لها.
بمعنى أن هناك موازنة عادلة كبرى بين المعنى العميق والكشف السري الذي يحصل الانسان عليه من خلال كونه صوفياً،من جهة
وبين الخبرات التنفيذية التي يعرف هذا الانسان، ان أكمل الأشكال الممكنة لظهور حدوسه، انما تتمثل في شكل القصيدة، لا في غيرها من جهة اخرى.
لكن، هل وجدت مثل هذه العلاقة نموذجها الأكمل، وهل سبق لنا التعرف اليها بالفعل؟
هل أخبرنا التاريخ عن شخصية واقعية تمثلت هذا النموذح المتوازن الكامل بذاتها؟
أعني - بعبارة صريحة - هل أخبرنا تاريخ التدوين الابداعي العربي، عن وجود مبدع عربي واحد، جمع في ذاته كمال شعرية المتنبي أو أبي تمام، مع عمق المعاني العرفانية للبسطامي أو ابن عربي أو النفري أو الحلاج ؟
ثم اذا كان الواقع التاريخي يخبرنا فقط، عن وجود المتنبي بوصفه الشاعر الأكثر كمالاً بين الشعراء العرب،
ثم كنا نعرف من جانبنا بأنه كان شاعراً فقط،
أي ليس صوفياً أو مفكراً،
ويخبرنا التاريخ أيضاً عن وجود “ابن عربي” أو النفري”
بما هو متصوف خالص فقط،
ألا يعني هذا الاخبار، بأن كمال شاعرية المتنبي،
انما هي حرفة ومكانة وصفة أتت له من خلال كونه شاعراً فقط،
لا علاقة له، بالتصوف ابداً،
وان كمال صوفية النفري،
انما أتت له من خلال كونه متصوفاً فقط،
لا علاقة له مع الشعر أبداً،
حتى وان جرى استخدامه له وسيلة لتنفيذ حدوسه المعرفية بقصد من أو غير قصد؟
ان أخبار التاريخ لنا بعدم وجود مثل هذا النموذج الواقعي للشاعر المتصوف،
ينبغي أن لا يفهم على وفق صيغة مفادها،
أن مثل هذا النموذج لم يجر التعرف عليه واقعياً بسبب عدم توفر ظروف انتاجه في الماضي،
وان علينا أن ننتظر ظهوره في يوم قابل ما،
انما ينبغي أن يفهم – فقط - على وفق صيغة مفادها:
ان مثل هذا النموذج لم يوجد في الماضي بالفعل - ولا يمكن له أن يوجد مستقبلاً- لأنه غير قابل للوجود الشخصي أصلاً،
بسبب من تعارض أوربما تضاد بين الملكيتن،
ملكة الشعر وأدواته من جهة،
وملكة التصوف وأدواته من جهة أخرى، عند حدود ومستوى كمالهما ونضجهما أيضاً.
فاذ تستخدم الأولى منهما، الحس والخيال والشعور واللذة،
تتعالى الملكة الأخرى عن كل هذه المفردات لتعرج في فضاء التجريد والتأمل الحر والصفاء الذهني والسكينة،
الملكة الأولى تنجز مهمتها عبر الانفعال والاثارة الحسية والامتلاء بالعواطف،
بينما تنجز الملكة الأخرى عمقها الصحيح حين يتم لها افراغ النفس من انفعالاتها ومن كل مضامينها الحسية، سبيلاً لاتحادها بفطرتها الأولى أي بقاعها، القاع التي تقبع بعيداً هناك، خلف تاريخ الحواس، متشبثة بتاريخها الخاص، التاريخ الذي يحاول المتصوفة وحدهم تدوينه.
اذن، فمعنى عدم تضمن التاريخ لمثل هذا النموذج،
يعني أولاً ان النماذج التي عرضها والتي وجدت بالفعل،
هي النماذج الوحيدة الممكنة التي تتمثل هذه العلاقة،
ثم يعني من بعد،
أن ثمة تضاداً واختلافاً - عند مستوى كمال الصنعتين -
صنعة الشاعر وصنعة الصوفي،
اختلاف في المهمة وفي الوظيفة وفي الأداة وفي الرسالة، وفي نوع العلاقة مع الذات من جهة، ومع الآخر من جهة أخرى،
حتى ليمكن القول، ان الشاعر ليسيء الى الصوفي في قصدّية اتخاذه المعرفة الصوفية مضموناً لقصديته،
تماماً كما يسيء الصوفي الى الشاعر حين ينظم تعالميه في قصيدة، لأن هذه التعاليم الحرة الخاصة به وحده والمستحصلة من فضاء التجربة والحرية والتأمل تضطر الى الدخول في العالم الضيق للحواس والشكل وا للغة.
بقي أن أضيف - لمن يعتقد أن شاعرا مثل ( ابن الفارض) أو سواه من االشعراء، قد تم له جمع الملكتين في ذاته – أن ابن الفارض و سواه هم شعراء حسب و ليسوا متصوفة بالمعنى الفلسفي / العرفاني العميق للتصوف .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,097,825,334
- الصوفية و السريالية، مساواة أدونيس الجائرة
- إنتحار واقعي في عالمٍ افتراضي
- صراخ على جبل ( إتنا)
- في النصوص الميتا - شعرية، نهج البلاغة نموذجا
- المثقفون و المجتمع في دكتاتوريات العالم الثالث
- الذين يقرأون و هم يركضون - بحث في تشويه الدرس العربي لشخصية ...
- فضائح الفكر العربي المعاصر- قراءة جديدة لكتاب الاسلام و أصول ...
- إعتراف
- الموت والوجود - تأملات في مفهوم الكائن الحي و النقيض له
- منطق الواقع يطيح بمنطق أرسطو
- قصائد صوفية
- نيتشه : مولد المأساة من روح الموسيقى
- وقائع موت الشعر في فلسفة هيجل 2
- موت الشعر في فلسفة هيجل
- الموهبة الشعرية - بحث في أصولها و معناها
- الكتابة بوصفها خلاصا من الكتابة - مقاربة شعرية لفهم (اختلاف) ...
- هيجل - نيتشه الصراع على هيراقليطس
- .زرادشت نيتشه - من الأخلاقي الأول الى اللا أخلاقي الأخير
- شخصية هيراقليطس - من تحامل أرسطو الى تشويه النقاد العرب
- المطلق الهيجلي - إنقاذ مفهوم الله من التصور الديني اليهودي و ...


المزيد.....




- بشار الأسد يخطئ مجددا بحق العروبة.. هكذا تحدث عن تاريخ اللغة ...
- نادي قضاة المغرب: نرفض كل ضغط على القضاء
- مجلس النواب يناقش تقرير لجنة مراقبة المالية العامة حول صندوق ...
- ما السبب وراء ظهور الممثل السوري حسين مرعي عاريا في تونس؟
- فيلم -غودزيلا- الأسطوري قادم بنسخة جديدة (فيديو)
- هذه أبرز مضامين التقرير الجيواستراتيجي لمركز السياسات من أجل ...
- ماجدة الرومي تحتفل بعيد ميلادها الـ 62
- رئيس الحكومة يؤكد على أهمية الانطلاقة الفعلية لعمل مجلس المن ...
- بالصور .. هؤلاء أبرز القادة السياسيين الذين حضروا افتتاح ملت ...
- العثماني يدعو الوزراء لمزيد من التفاعل الإيجابي مع البرلمان ...


المزيد.....

- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل عبدالله - الشعر و التصوّف ، تكامل أم ممانعة ؟