أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عادل عبدالله - في النصوص الميتا - شعرية، نهج البلاغة نموذجا















المزيد.....


في النصوص الميتا - شعرية، نهج البلاغة نموذجا


عادل عبدالله

الحوار المتمدن-العدد: 4912 - 2015 / 9 / 1 - 10:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في دراسة سابقة لنا عن تأصيل الاجناس الادبية، كنا قد افترضنا، ان الشعرية، مبدأ الشعرية في العمل المسمى عملا ادبيا منتميا الى الادب هي الاصل ،الكل والعلة التي تكتسب النصوص الادبية بحيازتها وانطلاقا منها تسميتها وشرعية انتسابها الى الادب بوجه عام.
من هنا فالشعرية هي كمال النصوص الادبية وهي شكلها الاعلى بوصف هذه الصفة ميزة جوهرية تحدد النوع الادبي بوجه عام اولا وبوصفها من جانب اخر علامة على بلوغ النص الادبي كمال شكله االتجريدي، مثالها النوعي ومرتبته العليا لحظة القصيدة بوصفها الشكل والوسط الامثل لظهور الشعرية ولانفتاح المخيلة على كل ممكناتها.
غير ان الشعرية هذه اذ تنفذ في حيز القصيدة وهو الشكل العرفي والوسط المثالي لظهور الشعرية ،لابد لها من ان تكون مرتبطة ومتصفة باحتوائها على ثلاثة عناصر اولية، هن، قصد المؤلف المسبق ونيته في اداء خطابه الادبي بشكل شعري، ثم مراعاته للشروط الموضوعية الخارجية العرفية التي يجري شعر امته ولسانها على نهجها اما العنصر الثالث فهو المعطيات الاسلوبية والمعاني الايحائية التي يقدمها ويساهم في ايجادها داخل القصيدة الجنس الادبي الذي نكتب فيه ، تلك التي غالا بعض الفلاسفة المحدثين في مكانتها حد عدها العلة الرئيسية لتكوين الجنس الادبي.
من جانب اخر يمكن القول- دونما حرج- بان الكثير من النصوص الشعرية التي كتبت مسبوقة بهذا القصد وتم انجازها تحت رعايته لم تكن مستكملة لشروط النوع( الشعري) الموضوعية ولم تتوفر على الحد الكافي منه بحيث يمكـّنها ذلك الكم الذي تحتويه من مبدأ الشعرية من عدّ نفسها شعرا بالرغم من مجيئها وجريانها على الشكل العرفي للقصيدة . اما السبب في ذلك فهو كما نعلم قصور في موهبة منشئها وقلة في خبرته بخفايا هذا الفن واسرار صناعته ،الامر الذي يعني ان شروط الموضوعية العرفية السائدة لانجاز القصيدة مضاف اليها الامكانات الداخلية المساهمة في انتاج القصيدة ، ليست هي الاخرى العناصر الاخيرة التي يعزى لها بشكل دقيق وكامل مسألة انتماء نص ما الى الشعر او الى سواه من النصوص، لان امتلاك القصيدة لهذه الشروط ،الوزن والقافية وجدانية الاداء، ايحائية اللغة، حسية وتخيلية علاقاتها، لايستطيع في حال عطل موهبة الشاعر ونقص خبرته وضعف علاقته بتلك العناصر، رفع قصيدته الى منزلة الشعر الحقيقي العميق الذي تنتمي بامتلاكه قصيدة ما الى الشعر ، مثلما هي العلة التي لايكون معلولها شعرا اذ خرج من غيرها ، بحيث يمكنها ادعاء هويته دونما حرج .
اذن فنحن نريد القول من خلال ماتقدم بان شعرية النص وحدها هي الجوهر الذي تنتمي بموجبه كتابة ادبية ما الى الشعر باستحقاق منصف ومقنع ايضا .
لكن ماهي الشعرية هذه وماعناصرها ؟
بايضاح اولي عام سنقول : ليست مجموعة الشروط الموضوعية الاصطلاحية لانجاز القصيدة سواء كانت مجتمعة ام متفرقة، هي هذه الشعرية التي نقصد بيانها ،انما هي على وجه الدقة والحصر،، البنية النفسية الشعورية التي تساوي الموهبة لدينا، اولا، ثم هي من بعد ، العلم والخبرة بطبيعة تلك العناصر، اي انها صلة الشاعر الحميمة وعلاقته المعرفية العميقة بتلك الشروط الموضوعية ونوع علاقاتها بعضا ببعض بحيث يتمكن من خلال موقعه من هذه العناصر وقربه الحميم من اسرارها، من مسك قوانين صناعتها الكبرى وشروط تكوينها الذهنية المتعالية الامر الذي يمكّنه بالتالي من انجاز خطابة الشعري،لامن خلال الذاكرة والشروط الموضوعية وتاريخ النوع، اي من خلال المنجز الشعري الحاضر للسان امته، بل من خلال ماهيات هذه الشروط الموضوعية وعلاقاتها اللغوية الانطولوجية الاولية المرتبطة بكينونة الذات نفسها ،الامر الذي يفسر لنا سببب امتلاك بعض النصوص التراثية- نهج البلاغة والمواقف والمخاطبات- مثلا، لهذا الكم الطاغي من مبدا الشعرية بالرغم من عدم مجيئها على وفق الشروط الموضوعية لاشكال الشعر الشائع .
ذلك لان الشروط الموضوعية(والذاتية) للقصيدة اصطلاح خارجي، لاحق بالنسبة لشاعرية هذه النصوص التي انجزت خطابها في رتبة السبق منها منزلة ومكانة وموقعا منطقيا، ، مثلما يفسر لنا في الوقت ذاته، مايمكن ان اسميه بعبارة اخرى، النوع الايحائي للعمليات الذهنية، اي الخطاب اللغوي الذي تقوم ماهيته على نوع من العمليات الذهنية يجري خلالها استخدام اللغة بطريقة تخيلية اي غير منطقية.
ان مانريد التوصل اليه عقب هذه المقدمة ،، هو القول الواضح بوجود نوعين من النصوص الادبية لايمكن لنا عدها شعرا استنادا الى واقع ومحتوى النص نفسه وموقعه ودرجة انسجامه ونوع علاقته مع مبدأ الشعرية انف الذكر. اي استنادا الى مبدأ التفريق الذي هو علة الانشاء نفسها في الوقت ذاته.
فاذا ما جردنا النوع الاول من تلك النصوص، من حق النظر اليها والتعامل معها بوصفها شعرا،فانما يتم لنا ذلك بسبب من عطل هذه النصوص الفعلي عن الكم الشعري اللازم لها او المستتند في تحصيله كما اسلفنا الى عنصري الخبرة والموهبة في التعامل مع الشروط الموضوعية والذاتية للقصيدة، بالرغم من تحقيقه العرفي لهذه الشروط.
اما النوع الآخر من النصوص الادبية التي لايمكن لنا عدها شعرا فهي تلك النصوص المتجاوزة للحد الاعلى لمبدأ الشاعرية كما هو مطروح في نظام القصيدة، اي انها تلك النصوص التي لايكون بوسع الشكل العرفي للقصيدة احتواء كم شاعريتها بسبب من طبيعة افكارها الكبرى، من دقة معانيها وموضوعاتها الكلية، من قصد منشئها ومعرفته المسبقة بضيق فضاء القصيدة على نوع موضوعاته ثم من طبيعة المكان الذي صدرت عنه، اعني المكانة الانطولوجية التي تجمع الذهن واللغة في علاقة ايحائية تخيلية حسية وغير منطقية لتنفيذ مضامين الفكر الانساني.
اذن فهو نوع النصوص الممتلئ بشاعريته، الطاغي بكمه الوجداني، العامر بمعانيه الحسية، تلك التي لاتنال الا عبر وسائل التخييل الفاعلة، اي وسائل الشعر، لكنه وبرغم ذلك لايريد- صاحبها - لنفسه ولا لنا ان نعد نصوصه من الشعر بسبب من اختياره وقصده المسبق لذلك.
من هنا فليس من الصحيح القول باتباع هذه النصوص لطريقة شعرية في اداء افكارها ومضامينها- ان اردنا بقصد مبيت منح الشعر افضيلة و أسبقية نوعية عليها- انما الصحيح هو القول بأن الشعر،أي نمط ظهور الافكار التخييلية على وفق نظام عرفي ما يسمى قصيدة ،هو احد اشكال تمثلات ذلك النوع الايحائي للعمليات الذهنية التي تصدر هذه النصوص الكبرى عنها ممثلة اياه بنوع حضورها هذا ،اي ان هذه النصوص هي الجنس الذي يمثل نمط الافكار الصادرة عن العمليات الذهنية الحسية –ولابأس بتسميته مبدأ الشعرية- والذي يقابل بصفته هذه، جنسا آخر هو الافكار الصادرة عن العمليات التجريدية المنطقية التي تمثلها النصوص النظرية والفلسفية.
لذا فإن الشعر ، منظورا اليه من حيث كم احتوائه لمبدأ الشعرية ونمط ظهوره في القصيدة هو نوع لهذا الجنس الكلي السابق عليه، تماما مثلما يكون الانسان "نوعا" في "جنس" الحيوان، يميزه "الفصل" الذي هو النطق حسب القضية المنطقية ، كذلك يكون الشعر،نوعا، في جنس "العمليات الذهنية الحسية" مميزا ومحددا "بالفصل" الذي هو مجموعة الشروط العرفية الموضوعية للقصيدة.
ان السؤال الذي يمكن ان يطرح هنا استنادا الى حقيقة غنى هذه النصوص بشاعريتها وقدرة مؤلفيها الواضحة على انتاجها باشكال شعرية رسمية نسميها قصائد ،هو لماذا امتنع مؤلفو هذه النصوص عن اداء ذات مضامين افكارها بطرق شعرية شائعة – اعني قصائد- خصوصا ان ثقافة العصر الذي عاشوا فيه ونوع نظرته السامية الى الشعر، أمر يحرض على اداء مثل هذا الفعل ويسوغ لهم حدوثه؟
ان الاجابة عن مثل هذا السؤال المشروع تدعونا الى القول اولاً بان هذه النصوص التي نتحدث عنها، هي نصوص تراثية كتبت في عصر معين وفي نمط ثقافة معروفة لدى المؤلف مصادر تكوينها الداخلي ومكوناتها المعرفية، الامر الذي يبقي لعنصر التاريخية هنا اهميته البالغة ،اعني ان اهمال المؤلف المقصود لامكانية اداء افكاره شعرا مسالة يمكن ان نعزو اسبابها بدقة الى نمط ثقافته هو الاخر، مكانته الاجتماعية والاخلاقية والمعرفية، او بعبارة موجزة علاقة شخصية بنصه من حيث قدرة هذا النص – نوع النص- على التعبير عن مضامين افكاره،ولما كانت الشخصية التي نتحدث عنها هنا هي، الامام علي "ع" – بكل ماعرف عنه من ندرة في المواهب- وهو حديث يحيلنا بشكل مباشر الى نمط ثقافته ومكانته الاجتماعية والاخلاقية والمعرفية فلسنا نحسب ان هناك من يبقى مطالبا لنا باجابة عن السؤال نفسه، اي راغبا بعد في أن يرى مضامين كتاب نهج البلاغة محفوظة مقيدة في ما جرى الاصطلاح على تسميته ( ديوان شعريا) - وهي مسالة تخص طائفة من اكبر مفكري العالم ،من هيرقليطس مرورا بنيتشة وليس انتهاء ببريغسون -،
وهنا اريد ان اؤكد بأن مثل هذا الكلام لا يعني اي انتقاص او حطا من قيمة الشعر ومكانته ابدا ، بل هي الفرصة الناهزة التي يمكن القول من خلالها بان الذي يحدد شعرية النصوص الكبيرة في القصيدة وينتزع اعجابنا بها ودهشتنا ازاءها، هو خصوصية معاني بعض الابيات وطريقة تكوينها وتأليف معانيها،،
فبيت المتنبي الرائع مثلا :
"ولو لم تكوني بنت اكرم والد لكان اباك الضخم كونك لي اما"
هو بيت اصاب الشعر من خلال تحقيقه لمعناه الغريب العميق والمدهش ،غير انه من جانبه الفني البنائي الاخر بيت شعري وعر، بيت ذو سياقات تركيبة لغوية نثريه – غيبت ايقاعيته وطغا معناه النظري على وجدانيته- لذا فانه مدهش في معناه حسب، اي انه بلغ خصوصيته الشعرية العالية من خلال هذا المعنى العميق فقط،
لكن وهذا هو السؤال الاكثر اهمية ،،هل يمكن بلوغ مثل هذا المعنى نفسه، في غير شكل النص المسمى قصيدة ؟
ان الاجابة عن مثل هذا السؤال اذ تكون بالايجاب فهي اجابة صحيحة ، بل يمكن القول بامكان بلوغ معنى اكثر دقة، اغنى تنوعا واكثر دهشة،في المعنى نفسه، في حال تخلي الشاعر عن شكل القصيدة الرسمي، الامر الذي يعني ان هذه المعاني العظيمة لا تستمد نفسها من شكل القصيدة ولايمكن لهذا الشكل ان يقدم لها اي مساهمة في تحقيق هذا المعنى ،اي ان القصيدة - البنية الشكلية للقصيدة - ليست هي السبب والعلة في غنى معاني هذه النصوص وامتلائها،الحال التي تسوغ لنا القول هنا بمسألتين:
اولاهما، ان الشعر العظيم - وهذه حقيقة يؤكدها الشعر عبر تاريخه- هو شعر المعاني "المعاني الشعرية" او بعبارة اخرى هي الحالة المعرفية الجمالية الابداعية المتحققة من خلال عمل المخيلة، اما المسألة الاخرى، فهي القول بان تحكم الشعرية في النص او امتلاءه بها،هو المبدأ الذي يحدد ابداع نص ما واصابته لغايته المعرفية والجمالية وامكان دخوله حيز الشعر سواء أجاء النص بشكله العرفي – قصيدة - ام تجاوز هذا الشكل الى سواه .
حتى اذا اتضح لمؤلف القصيدة ان الشكل الشعري العرفي لم يعد كافيا او ملائما لتنفيذ افكاره فقد يرى – وهذه قضية واجهها الكثير من المفكرين الذين بدأوا حياتهم شعراء- ان من المناسب له التخلي عن هذا الشكل مع ضرورة الاحتفاظ بنمط اداء افكاره وسياقات عملها ضمن مبدا الشعرية نفسه ،اي ضمن الطريقة التي انجز بها العديد من المفكرين العظام اعمالهم "افلاطون، هيدجر، نتشه"
المسألة المهمة الاخرى التي يمكن اثارتها هنا هي القول بان هذا المعنى الذي يتحقق للشاعر في قصيدته،لايمكن ان يمثل بالنسبة له معنى نهائياً وحدّا اعلى ينبغي التوقف عنده ،اي ان توقّف الشاعر عند هذا المعنى لم يكن مصحوبا بضرورة موضوعية معينة ينبغي التوقف عندها، بل ان امكان التنوع، الاضافة والحذف والتغيير في بنية المعنى لاحد لها، الامر الذي يمكّن من القول، ان توقف الشاعر عند هذا الحد من المعنى مسألة رهينة بثقافة الشاعر وحاجته النفسية والمعرفية اولا، ثم قناعته الخاصة من بعد ببلوغه لغايته في المعنى على وفق معرفته المقارنة بابداع الاخرين من الشعراء اقرانه، فهو قد يعتقد تجاوزه بهذا ا لمعنى لما قيل قبله، او يعتقد ابتكار وجدة معناه بالنسبة للموضوع الذي اراد لنفسه اعلانه،،، اذن فهي (المعاني الشعرية) المنجزة بطريقة شعرية عند حدود آلية عمل الذهن، اسلوب تكوينها، معرفة حدود الشاعر الاخر في انجاز قصيدته ،كمية دهشتها لدى المتلقي النوعي، ولدى الشعراء الاخرين، او هي بعبارة وجيزة ما يسميه النقاد احيانا "سر الصنعة"،، هذه المزية، التي لا يتعرف على وجودها في نص ما الا من مارس الصناعة ذاتها اعني ذلك الشاعر "القارئ الذي يتمكن ببصيرته النافذة من رؤية عظمة المعاني، طريقة تركيبها، قلق مؤلفها وفتحه المعرفي في النص ذاته، قبل ان يحتويه شكل ما، قصيدة او سواها. وهذه المسألة هي جوهر اعجابنا ودهشتنا في نص معرفي ابداعي منجز على وفق مبدا الشعرية كـ"نهج البلاغة"
حيث ينطوي هذا المؤلف على قيمة شعرية معرفية وابداعية عظمى في نظر كل شاعر حقيقي خبر صناعة الشعر وجرّبها عن قرب بل هو الكتاب الذي يسفر عقب كل قراءة في معانيه وطريقة صياغة عباراته عن هزيمة القارئ الشاعر وعجزه ، عن قصر وفاقة ما هي عليه من حال شؤون صنعته ثم عن اعترافه المرير بفقر موهبته وقلة خبرته، اي اعترافه بفارق المكانته التي يؤدي من خلالها صنعته الشعرية عن علو المكان والمكانةالتي يتبوأها هذا الكتاب لا بالنسبة لشعره حسب بل بالنسبة لكل دواوين الشعر العربي ايضا ، ثم عن اقراره من بعد ،بالوفاء والولاء لدرس استخدام الذهن في قول المعرفة بطريقة تخييلية ،،
يقول "ع" في كلام له "الا وان الخطايا خيل شمسٌ حُمل عليها اهلُها وخلعت لجمها فتقحّمت بهم في النار، الا وان التقوى مطايا ذللٌ حُمل عليها اهلها واعطوا ازمتها فأوردتهم الجنة، حق وباطل ولكل اهل، فلئن امر الباطل لقديما فعل، ولكن قل الحق فلربما ولعل، ولقلما ادبر شي فاقبل" (148)،، ثم يعقب كلامه هذا -عليه السلام- ممتدحا منزلته وعظيم فصاحته، مشيرا الى نخبة من الناس حسب ،هم اصحاب الصناعة نفسها ، ناعتا اياهم بانهم الاعرف بسر هذه الصناعة ،،
يقول علي – ع- (اقول ان في هذا الكلام الادنى من مواقع الاحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان، وان حظ العجب منه اكثر من حظ العجب به وفيه مع الحال التي وصفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان ولا يطلع بها انسان ولا يعرف ما اقول الا من ضرب في هذه الصناعة بحق وجرى فيها على عرق "وما يفعلها الا العالمون".)
حتى اذا اردنا التدليل على صدق هذه العلاقة اي كون الشعراء الكبار هم الاعرف برفعة المنزلة الابداعية لمضمون هذا الكتاب وعلو نوع صناعته فليس لنا من شاهد اقرب من القول بتأثر اعظم شاعرين في تاريخ الامة الشعري بنوع صناعته وطريقة قول معانيه،،وهما ابو تمام والمتنبي .
اورد هنا بعض الامثلة - في قراءة لم تكن غايتها اثبات هذه المسألة-
يقول الامام علي (عليه السلام) في احدى خطب نهج البلاغة ص38 – بشرح محمد عبدة :
(وقر سمعٌ لم يفقه الواعية، وكيف يراعي النبأة من اصمته الصيحة).
ويقول ابو تمام في مطلع احدى قصائده الرائعة، (أصمّ بكل الناعي وان كان اسمعا)، يقول الامام علي ص225 – اخذوا الراحة بالنصب- التعب- والري بالظما،
ويقول ابو تمام، في قصيدته الشهيرة عن فتح عمورية القصيدة التي نعتقد ان صناعتها نسخة شعرية جرت على مثال صناعة عبارات نهج البلاغة.
بصرتَ بالراحة العظمى فلم ترها تنال الا على جسر من التعب.
يقول الامام علي في خطبة له عن ابتداء خلق السماء والارض ص18
فمخضته مخض السقاء ترد اوله الى آخره... حتى عبء عبابه ورمى بالزبد وكان.
ويقول ابو تمام في نفس القصيدة..
حتى اذا مخض الله االسنين بها مخض البخيلة كانت زبدة الحقب.
يقول الامام علي عليه "ع" ، ص182 مشبها عدوى الفتنة واشتدادها وامتدادها بالناس، بداء الكلب المهلك .
(بعد ان مازج غيهها واشتد كلبها)
ويقول ابو تمام مستخدما نفس المعنى في القصيدة ذاتها:
كان الخراب لها اعدى من الجرب
يقول الامام علي في خطبة له يصف فيها قبض الموت لأنفس الناس" ج1 ص212 ثم ازداد الموت فيهم ولوجا..... فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه سمعه... ويقول في خطبة اخرى عن الموضوع نفسه "وعظمت فيكم سطوته" اي سطوة الموت ،،،
ويقول ابو تمام في احدى قصائده (وقد تفرعن في اوصاله الاجل)
يقول الامام في خطبة له ج2 ص113( وخذوا من اجسادكم وجودا بها على انفسكم )
ويقول ابو تمام والجود بالنفس اقصى غاية الجود.


اما ابيات المتنبي التي نعتقد صلتها ببعض عبارات نهج البلاغة فهي.
يقول الامام علي في وصف اصحاب محمد "ص"
(كأن بين اعينهم رُكبُ المعزى من طول سجودهم اذ ذكر الله هملت اعينهم حتى بكل جيوبهم..)
ويقول المتنبي: كأن العيس كانت فوق جفني مناخاةٍ فلما ثرن سالا.
ويقول الامام علي في نفس الخطبة
وما دوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العتاب... ويقول في مكان اخر (وسجدت له بالغدو والآصال الاشجار الناظرة وقدحت له من قضبانها النيران المضيئة).
ويقول المتنبي في احدى قصائده :
لو تعقل الشجر التي قابلتها مدت محيية اليك الاغصنا .
يقول الامام علي في صفة الملائكة.. فهم اسراء ايمان لم يفكهم من ربقته زيغ ولا عدول.
ويقول المتنبي..
ومن وجد الاحسان قيدا تقيدا..
نخلص من خلال ما تقدم الى القول ....
بوجود نوع خاص من النصوص تحمل القيمتين معا، المعرفية والابداعية في آن واحد، فهي نصوص شعرية كبرى اذا ما تم النظر لها من ناحية الكم الغني الذي تمتلكه من مبدأ الشعرية الذي يقع منها بمنزلة النسغ الداخلي الذي يغذي شجرة معانيها المفعمة بالحياة،، في ذات اللحظة التي تكون بها هذه النصوص من جنس (ادبي – فكري) آخر "غير شعري" اذا ما تم لنا النظر لها من حيث ارادة مؤلفها وقصده المعرفي والنفسيوالمتمثل باخراج نصه وتحريره من مجموعة الشروط العرفية لانتاج القصيدة.
المهم في هذا كله، هو التصريح بان اهمية هذه النصوص،المعرفية والجمالية المتحققة، قد تأتت لها من اتباعها الاسلوب الشعري في قول معانيها العميقة -اي اختيار الشعرية وسيلة لتنفيذ مضمون الفكر، بكل ما ينطوي عليه من بني اخلاقية نفسية، ومعرفية، خارجية وداخلية.
انها اذن النصوص المتجاوزة لحد الشعرية الاعلى كما هو موجود في نظام القصيدة هذا التجاوز الذي تفترضه وتقيمه ضرورة معرفية تشفق وتضيق طاقة الشعر العرفي عن حملها والتعبير عنها واحتوائها ،، اي انها النصوص التي تحمل في روحها مبدأ الشعرية كمحرض لبلوغ غايتها غير "الشعرية" بوصف الشعرية هنا وسيلة لغاية معرفية اكبر منها (اذ تكون هذه الشعريةهي الغاية الكبرى في نظام المعرفة الموجود في القصيدة) اعني ان الجمال والمعرفة المقدمة بصيغة ابداعية في القصيدة هي الحد الاعلى لكل شعرية ممكنة تقدم عبر القصيدة ،وهوالامر الذي لايمكن ان تتوقف عنده وترضاه هذه النصوص الميتاشعرية لطبيعتها المعرفية وغايتها.
حتى اذا تجاوزنا مسألة تقييم "نهج البلاغة" من حيث محتواه المعرفي الثر المتنوع وبقينا عند مستوى الحدود النقدية لصناعة عباراته لغويا فان أول ما يمكن اكتشافه هنا هو نوع العلاقة القائمة بين الفكر واللغة، او ما يمكن ان اسميه معادلة ( الحقيقة والاستعارة) فهناك اولا، علم غزير وثقافة لاهوتية وارضية لا حد لها، اذ تصدر العبارات عنها بهذه الطريقة الفريدة، فانها تشهد بحقيقة الغنى المعرفي للمكان الذي صدرت عنه، اي ان العبارة تقيم الدليل على ثراء ما عبرت عنه عند حدود تأليفها اللفظي بحيث يمكن الحكم والاقرار لها من خلال القراءة الاولى بالقدرة التي لا حد لها في مسالة التصرف بالالفاظ اي في مبدا تحويل الافكار الى كلمات.

ولا باس هنا من ذكر عينات من خطب الامام علي تشهد لنا على علو نوع ما ذهبنا اليه :

يقول "ع" في قصر عمر الانسان وفي الموت الذي هو غايته:
(وما بين احدكم وبين الجنة او النار الاّ الموت ان ينزل به، وان غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة ، وان غائبا يحدوه الجديدان –الليل والنهار – لحري بسرعة الأوبة )
ويقول ع في توحيد الله: (وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة انها غير الموصوف وشهادة كل موصوف انه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثنّاه ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله ومن جهله فقد اشار اليه، ومن اشار اليه فقد حدّه ومن حدّه فقد عدهّ ومن قال فيم فقد ضمنه ومن قال علام فقد اخلى منه)
وقال عليه السلام: (فكفى واعظاً بموتى عاينتموهم حملوا الى قبورهم غير راكبين وانزلوا فيها غير نازلين فكأنهم لم يكونوا للدنيا عمّارا وكأن الآخرة لم تزل لهم دارا، اوحشوا ما كانوا يوطنون، وأوطنوا ما كانوا يوحشون) ج2 ص128.



#عادل_عبدالله (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المثقفون و المجتمع في دكتاتوريات العالم الثالث
- الذين يقرأون و هم يركضون - بحث في تشويه الدرس العربي لشخصية ...
- فضائح الفكر العربي المعاصر- قراءة جديدة لكتاب الاسلام و أصول ...
- إعتراف
- الموت والوجود - تأملات في مفهوم الكائن الحي و النقيض له
- منطق الواقع يطيح بمنطق أرسطو
- قصائد صوفية
- نيتشه : مولد المأساة من روح الموسيقى
- وقائع موت الشعر في فلسفة هيجل 2
- موت الشعر في فلسفة هيجل
- الموهبة الشعرية - بحث في أصولها و معناها
- الكتابة بوصفها خلاصا من الكتابة - مقاربة شعرية لفهم (اختلاف) ...
- هيجل - نيتشه الصراع على هيراقليطس
- .زرادشت نيتشه - من الأخلاقي الأول الى اللا أخلاقي الأخير
- شخصية هيراقليطس - من تحامل أرسطو الى تشويه النقاد العرب
- المطلق الهيجلي - إنقاذ مفهوم الله من التصور الديني اليهودي و ...


المزيد.....




- أدى لحريق هائل.. سائقة تفقد السيطرة على سيارتها وتخترق جدار ...
- بتهمة القتل غير العمد.. السجن 5 سنوات لممثل مشهور
- موجة قطبية تاريخية تضرب الولايات المتحدة وكندا
- صحيفة: آمال زيلينسكي في استخدام الأسلحة الغربية ضد روسيا لن ...
- مراهقة كندية تربح 36 مليون دولار أمريكي بفضل أول تذكرة يانصي ...
- إثيوبيا: آبي أحمد ومسؤولون حكوميون يعقدون أول اجتماع مع قادة ...
- بسبب قلة المعاشات التقاعدية.. كبار السن في كوريا الجنوبية يض ...
- مقال بموقع إنترسبت: لا علاقة له بمعاداة السامية.. لماذا يكره ...
- العراق.. قرى بالسليمانية لم تصلها الكهرباء منذ عقود
- قنبلة قديمة تعطّل خطا رئيسيا للقطارات في ألمانيا


المزيد.....

- وجهات نظر في نظريات علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية - نق ... / حسام الدين فياض
- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عادل عبدالله - في النصوص الميتا - شعرية، نهج البلاغة نموذجا