أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عادل عبدالله - فضائح الفكر العربي المعاصر- قراءة جديدة لكتاب الاسلام و أصول الحكم















المزيد.....



فضائح الفكر العربي المعاصر- قراءة جديدة لكتاب الاسلام و أصول الحكم


عادل عبدالله

الحوار المتمدن-العدد: 4819 - 2015 / 5 / 27 - 11:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


عادل عبد الله

فضائح الفكر العربي المعاصر
قراءة جديدة لكتاب
(الإسلام وأصول الحكم)




مقدمة

إلى الآن لم تهدأ الضجة الكبرى التي أثارها قبل نحو تسعين عاما، كتاب الشيخ علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم)، إلى الآن لا يبدو أن هدوءا وشيكا لعصف موضوعه قابلا لأن يلوح في الأفق، بل يمكن القول بثقة بالغة، ان أملاً ما في هدوء هذه الضجة واستقرارها معرفياً يوما ما لصالح احد الأطراف المعرفية المتنازعة على الموضوع ذاته، غير متاح هو الآخر ولا هو بممكن، لا في القريب العاجل ولا في البعيد الأجل من مستقبل الفكر والنقد والثقافة العربية .
الأمر الذي يستدعي ان نتعرف هنا، وفي وقت مبكر من سياق كتابنا على الأمور التي تحول دون هدوء ضجة الكتاب هذا، وعلى الأسباب الواقعية التي تبقي فتنة هذا الكتاب مستعرة على الدوام، دونما أمل قريب أو بعيد في إمكان انطفائها، ثم نتعرف من بعد، وكنتيجة لأجابتنا، على النوع المعرفي للأطراف المباشرة وغير المباشرة المتنازعة على هذا الموضوع ولماذا جرى التنازع بينها، ومن كان منها على صواب في ادعائه النصر على خصيمه .






ما هو موضوع الكتاب؟
ما من كتاب سبق صدوره أو مقالة أو دراسة أو بحث، جرى تعامله مع كتاب الشيخ عبد الرازق (نقدا - شرحا – توظيفاً- اقتباسا ) إلاّ تضمن هذا القدر اليسير أو الشامل من التعريف بموضوعات هذا الكتاب، أما بشكل موجز يكتفي بعرض طروحاته الاساسية، حسب ما تمليه الحاجة المعرفية للكاتب قيد التعامل تارة، أو مستغرقا في تفاصيله الفرعية ودقائقه وخفاياه تارة أخرى .
وسواء أتعلق الأمر بحجم المؤلـَف ونوعه - كتخصيص مادة كتاب بأكمله لغرض مناقشة اراء الشيخ عبد الرازق -، أو تعلق بتخصيص فصل واحد في كتاب يتناول إحدى طروحاته المثيرة، لهذا الغرض المعرفي أو ذاك، أو تعلق الأمر نفسه بمقالة تتخذ من الكتاب مادة أساسية أو تكتفي فقط باقتباس مجموعة من عباراته لتوظيفها معرفياً، أو كان الأمر يتعلق - من جهة أخرى - بنوع تلك الطروحات التي تضمنتها فئة المؤلفات تلك أو مجموعة الفصول أو صنف المقالات، من حيث انتصارها للأفكار الواردة في كتاب الشيخ عبد الرازق تحت ذرائع أو حقائق شتى، أو كانت تلك المصنفات على اختلاف مسمياتها وحجومها قد وضعت للنيل من أفكاره وتفنيدها والتهجم عليه وعليها في أن، وسواء أتعلق الأمر بحجم المؤلف أو نوعه، أو طبيعة العلاقة المعرفية التي اقامها مع الكتاب، اقول، ان كل تلك المدونات التي تعاملت مع الكتاب -سلباً أو ايجاباً- وبأحجام وصلات نوعية شتى، لم تحسن التعامل مع حقيقة مضمونه، ولم تنصفه في نوع قراءتها له، وهذا معناه بعبارة أخرى، ان كل تلك القراءات السابقة كانت نتيجة لنوع قرائي خاص وموجه ايديولوجيا بإحدى الضرورتين: أما ضرورة الانتصار لموضوعه حسب ما تم لها فهمه أو ضرورة النيل من الموضوع على وفق أسلوب فهم آخر له، وهما نوعا قراءتين لا يخلوان ابداً مما يمكن تسمية صراحة (سوء الفهم) أو (سوء القراءة) للاسباب المقنعة التي سنأتي على ذكرها في حينه، الأمر الذي يعني أولاً، اننا نريد بهذا الحكم إسقاط الاعتراض المساق بضرورات نفسية، تلك التي قد يتبناها القارئ إذ يفترض،ان ثمانين عاما من التعامل المعرفي مع هذا الكتاب كانت كافية لعرض مضمونه كاملا والتعرف على طبيعة موضوعاته كلها، من جهة، وما اثارته تلك الموضوعات من مواقف متباينة لدى القراء، من جهة أخرى – الأمر الذي يعني ضرورة التشكيك في صدق وزعم احد ما – والقصد هنا يخصني -، حول إمكانيته تقديم قراءة أخرى جديدة ومغايره لموضوع الكتاب نفسه.
ولما كنا ننسب لأنفسنا في هذا المؤلف القدرة على تقديم مثل هذه القراءة الجديدة المختلفة لمضمون كتاب الشيخ عبد الرازق، أرى اننا سنكون ملزمين بهذا الادعاء – من أجل اقناع الآخرين بصدق دعوانا – بتقديم الادلة الفعلية المقنعة على مقدار اختلاف قراءتنا الجديدة المغايرة لهذا الكتاب،
القراءة التي يختلف نوعها بالتأكيد عن كل من القراءتين المتنازعتين -قراءة الاصوليين والعلمانيين للكتاب على حد سواء- مما يعني أولاً ان النوع المعرفي لقراءتنا سيكون غير منتم من حيث منهجه إلى أي من تلكما القراءتين أو انه سيضع في باله إمكان الانتصار لاحداهما على الأخرى، لأننا نعتقد ان نزعة وإرادة الانتصار لكل قراءة منهما على الأخرى هو السبب الفاعل -الذي سناتي على ذكره- في انحراف وفساد وسوء فهم كلتا القراءتين، فضلاً عن القول الأكيد، بأن ليس في هذا الكتاب من حقائق و أفكار كبرى، صحيحة ومثيرة يمكن الانتصار لها بكل هذا الضجيج واستثمارها بالفعل، لدى أي من القراءتين المذكورتين اللتين لم تبذلا معا المزيد من الجهد المعرفي للكشف عن المضامين الحقيقية التي أراد الكتاب قولها .



















الفصل الأول : بين التبشير بالحداثة السياسية
والمطالبة بالمثول للعدالة

يخبرنا الواقع المعرفي العربي المعاصر، عن وجود موقفين مختلفين نتجا معا عن قراءتين خاصتين لأفكار كتاب واحد، هو (الإسلام وأصول الحكم)، فاذ ينتصر أحد الطرفين لمضمون هذا الكتاب ويحتفي به مبشرا بولادة الحداثة السياسية العربية التي حملها مضمون هذا الكتاب معه، يدينُ الطرفُ الآخر بشدة مضمون هذا الكتاب ذاته ويشجب أفكاره بمقدار من الحزم بلغ حد المطالبة بمصادرته واحراقه وملاحقة صاحبه وتقديمه للعدالة .
الأمر الذي يفترض ببساطة، وضوحَ مضمون هذا الكتاب لدى كل من الفئتين المتنازعتين قيمته، وفهم واستيعاب كل منهما لذلك المضمون، بدليل بناء كل منهما لموقفه المعرفي ولإجراءاته ولتصرفه العملي على وفق ذلك الفهم الخاص له وبالانسجام معه، لأن القول بغير فرضية الفهم هذه يبيح لنا نعت تلك التصرفات العملية من الكتاب بانها صدرت عن غير فهم لمضمون الكتاب أولا، ثم يعني من بعد ان السبب في اختلاف موقف كل من الفئتين، انما يعود للتركيبة الذهنية والنفسية التي جرى استقبال مضمون الكتاب بها لدى كل منهما، بدليل وجود قراءتين متناقضتين لمضمون واحد.
لكن، هل كان احتفال الفئة الأولى من قراء الكتاب بمضمونه، وهم هنا العلمانيون واللبراليون والعقلانيون والقائلون بتحديث الفكر العربي انطلاقاً من دعوة الكتاب المركزية لفصل الدين عن السياسة، حسب زعمهم، أقول هل كان احتفائهم بمضمون الكتاب مقاما على أرضية من الفهم الصحيح والكامل لمضمونه ولكل الطروحات المركزية الفرعية التي وردت فيه؟
بعبارة أخرى صريحة ومشككة، اقول هل كانت الدعوة الرئيسة لكتاب الشيخ عبد الرازق تقول بمثل هذا الفصل بين الدين والسياسة بذات الوضوح والفهم الذي قدمته قراءة (العلمانيين) لمضمون هذا الكتاب نفسه كما وجد هذا المضمون فيه، لا فيها؟ أم ان وهماً ما، وقراءة نفسية مبتسرة مغرضة، سوغت لهم إمكان القول بمثل هذا الفهم لذلك المضمون، ومن ثم اعلان الانتصار المفترض لتيار التحديث السياسي، الذي أمدهم وسوغ لهم مضمون الكتاب القول به؟
ثم هل كانت الفئة الأخرى التي أدانت مضمون الكتاب، ووقفت ضدا عليه، وهم هنا، علماء الأزهر وشيوخه الأصوليون وذوو النزعات الإسلامية الظاهرة، منصفين في فهمهم وقراءتهم لمضمون هذا الكتاب، بحيث تكون الإجراءات الصارمة التي اتخذوها بحق الكتاب وصاحبه، مساوية لحجم التجاوز المعرفي المفترض على قيم الإسلام الروحية والفكرية التي افترضوا ان مضمون الكتاب كان ان تعرض بالاساءة لها والتي (اعتقدوا) ان كتاب (الإسلام وأصول الحكم) يحاول إلصاقها بالإسلام عقيدة وشريعة؟
احسب ان الفريقين معاً، كانا على خطأ مبين في الموقف العقلي والإجراء الذي اتخذه كل منهما بإزاء مضمون الكتاب،، الأمر الذي يعني بالنسبة لنا موقفا محددا مفاده هو :أن لا احتفاء العلمانيين به، كان مقاما على فهم واضح صريح لمضمون الكتاب بحيث يمكن ان نسلم لهم بهذا الانتصار الذي يؤسسه لهم كتاب الشيخ عبد الرازق، انطلاقاً من حقيقة وجود مضمون فكري متماسك مقنع بمنظومة أفكاره وبراهينه يسمح ويقول بهذا الفصل بين الدين والسياسة بلا لبس، ولا تأويل منهم - من جهة – ولا لعنة الأصوليين على مضمون هذا الكتاب وحنقهم عليه كانت تجد لها بالفعل في مضمون هذا الكتاب ما يبررها ويساوي ردة فعلهم الغاضبة عليه.
هذه هي الخطوط الكبرى لنوع القراءة التي سنقدمها لكتاب الشيخ عبد الرازق والتي ستقوم على فعل مزدوج مفاده، ان مضمون كتاب الشيخ عبد الرازق لا يقول صراحة بفصل الدين عن الدولة على وفق الطريقة التي فهمها العلمانيون وأسسوا احتفاءهم عليها، لأن الشيخ عبد الرازق لم يقل بأطروحة الفصل المفترضة هذه في سياق فكري نقدي منظم واضح وصريح يسمح لهم بتكوين مثل هذا الفهم عنه،
فضلا عن قولنا بالنقص أو الهشاشة الفكرية التي يمكن ان نصم بها الفكر العلماني العربي المعاصر في الرأي الذي يذهب اليه بعدّه واعتباره مضمون هذا الكتاب مولدا للحداثة السياسية العربية.
أما ردة فعل الأصوليين على مضمون هذا الكتاب فهي حكاية أخرى، غريبة ومحزنة، ساهم في تحريرها وإمكانها، الجرأةُ التي تكلم فيها عبد الرازق عن أشياء يريد الفكر الأصولي لها ان تبقى مسكوتاً عنها معفاة من الحوار والمساءلة بحكم الحصانة القدسية التي أضفاها الفقهاء عليها، فأصبحت بذلك أفكاراً محسومة القيمة، مستقرة بثبات في نظام المعرفي الديني الإسلامي وهو الأمر الذي استفزت أسئلة عبد الرازق عنها استقرارها، ملوحة - دون دراية منها - إلى الجهة الوحيدة التي يمكن لهذه الأسئلة ان تجد فيها إجاباتها الكافية المقنعة، غير انها جهة لم يجر الاعتراف بها، لا من قبل عبد الرازق، ولا من قبل هيئة علماء الازهر والأصوليين أيضا كما سنبين ذلك بالتفصيل.

1- القراءة العلمانية للكتاب
تصور القراءات العلمانية اللبرالية التي تعاملت مع الكتاب-عرضاً، نقداً،حجاجاً، توظيفاً- ان الاطروحة الرئيسة والفكرة المركزية في الكتاب هي دعوة الشيخ علي عبد الرازق إلى فصل (الدين عن الدولة)، فإذا سلـّمنا بأن مثل هذه الدعوة موجودة بالفعل كفكرة مهمة من أفكار الكتاب المركزية، فإن ما لا نسلم به قطعا، هو القول بأنها الفكرة المركزية الوحيدة، وما لا نسلم به أيضا هو تجاوز واغفال القراءات اللبرالية، بقصد مبيت مغرض، لكل المقدمات والأسباب والاصول التي دعت الشيخ عبد الرازق للقول بدعوى هذا الفصل، وهو الأمر الذي سنشرع بتفصيله هنا، لنلاحظ بعد تفصيله، حجم وأهمية القول بدعوى الفصل هذا بالقياس إلى حجم واهمية السياق الذي وردت فيه، من جهة، والأفكار المركزية التي قدّمت لفكرة الفصل هذه والتي حتّمت بوصفها اسباباً تأريخية عقلية قاهرة ومقنعة، القولَ بهذه الفكرة،من جهة أخرى.
لذا نجد انفسنا ملزمين هنا بتقديم هذا العرض النقدي الموجز للأفكار المركزية لكتاب (الإسلام وأصول الحكم) مستخدمين - فقط - مجموعة الأفكار التي تنتمي لطبيعة بحثنا وعلى النحو الآتي:
في الباب الثاني من كتاب الشيخ علي عبد الرازق –وهو المعنون، (الرسالة الحكم) يهوّن الشيخ علي عبد الرازق من مخاوف البحث في مسألة: إن كان الرسول محمد (ص) على وجه الحقيقة (ملكاً أم لا) ولكي يجيب عن هذا السؤال الذي هو موضع بحث لديه يقول :
(أنت تعلم ان الرسالة غير الملك، وانه ليس بينهما شيء من التلازم بوجه من الوجوه، وان الرسالة مقام والملك مقام آخر، فكم من ملك ليس نبياً ولا رسولاً، وكم لله جل شأنه من رسل لم يكونوا ملوكاً. بل ان أكثر من عرفنا من الرسل،أنما كانوا رسلا فحسب)،-ص 46- ثم يضيف عبد الرازق معززاً هذه الفكرة الأولية، أي فكرة، ان الرسول محمد كان نبياً فقط، لا ملكاً ولا سلطاناً، بالقول:
كان عيسى ابن مريم عليه السلام، رسول الدعوة المسيحية وزعيم المسيحيين، وكان مع هذا يدعو إلى الإذعان لقيصر، ويؤمن بسلطانه وهو الذي أرسل بين أتباعه تلك الكلمة البالغة، (أعطوا ما للقيصر لقيصر وما لله لله) –ص 46-
يضيف الشيخ عبد الرازق "ولا نعرف في تأريخ الرسل من جمع الله له بين الرسالة والملك إلا قليلاً".
ولأن الشيخ عبد الرازق يريد بوسائله وطريقة عرضه لأفكاره بلوغ وجهة معرفية محددة ضمن خطة معرفية ومنهج يعتمد الإقناع وسيلة، فأنه يعمد إلى عرض آراء خصومه القائلين بفرضية جمع الرسول محـــمد للسلطتين الدينين والسياسة في شخصه الكريم، من أجل تنفيذها؟
هكذا، وبعد هذا التمهيد الموجز، يتقدم الشيخ عبد الرازق ليطرح سؤاله بكل جرأة ووضوح قائلاً (فهل كان محمد صلى الله عليه وسلم ممن جمع الله له بين الرسالة والملك، أم كان رسولاً غير ملك؟) -ص46-
يبتدئ عبد الرازق إجابته عن هذا السؤال بالقول :
بأننا (لا نعرف لأحد من العلماء، رأياً صريحاً في ذلك البحث ولا نجد من تعرض للكلام، ولكننا قد نستطيع بطريق الاستنتاج ان نقول، ان المسلم العامي يجنح غالباً إلى اعتقاد ان النبي (ص) كان ملكاً رسولاً، وأنه أسس بالإسلام دولة سياسية مدنية، كان هو ملكها وسيدها، لعل ذلك هو الرأي الذي يتلاءم مع ذوق المسلمين العام، ومع ما يتبادر - من أحوالهم في الجملة- ولعله أيضا رأي جمهور العلماء من المسلمين، فأنك تراهم اذا عرض لهم الكلام في شيء يتصل بذلك الموضوع يميلون إلى اعتبار الإسلام وحدة سياسية ودولة أسسها النبي(ص)، وكلام ابن خلدون في مقدمته ينحو ذلك المنحى فقد جعل الخلافة التي هي نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا، شاملة للملك، والملك مندرجاً تحتهاً ..الخ ) -ص46-
نفهم من هذا النص، ان المسلم العامي، والرأي الذي يتلاءم مع ذوق المسلمين، وكذلك رأي جمهور علماء المسلمين، وابن خلدون احد هؤلاء العلماء، يميل إلى الاعتقاد الصريح والواضح بأن (النبي (ص) كان ملكاً رسولاً وأنه أسس بالإسلام دولة سياسية مدنية كان هو ملكها وسيدها ) وهم يميلون أيضا " إلى اعتبار الإسلام وحدة سياسية ودولة أسسها النبي (ص).
ولئن كان هذا هو رأي علماء الجمهور ورأي عامة المسلمين في العصور الإسلامية الماضية، فأنه هو ذاته الرأي الذي يتبناه علماء الأمة الإسلامية في عصورها الحاضرة كما يشير الشيخ عبد الرازق إلى ذلك باستحضاره لنص نقله المرحوم رفاعة بك، عن "كتاب تخريج الدلالات السمعية" ولأن لهذا الرأي الذي يجمع للرسول بين الملك والرسالة العديد من الوقائع والمظاهر والممارسات الواقعية التي تدعمها وتعززها كالجهاد والغزوات وفتح البلدان وغنم الأموال وتقسيمها، وأول هذه المسوغات هو القول بحجة الجهاد بدعوى انه (لا يكون لمجرد الدعوة إلى الدين ولا لحمل الناس على الايمان بالله ورسوله، وانما يكون الجهاد لتثبيت السلطان وتوسيع الملك )
يجيب الشيخ عبد الرازق على دعوة اتخاذ الجهاد دليلاً وحجة على نسبة الملوكية والسلطان لرسول الله، موضحاً ان الدعوة إلى الدين تختلف بطبيعتها ووسائلها عن وسائل دعوة لتثبيت السلطان لأنها – اي الدعوة إلى الدين- دعوة إلى الله تعإلى، وقوام تلك الدعوة لا يكون إلا البيان وتحريك القلوب بوسائل التأثير والإقناع فأما القوة والإكراه فهما سياسيان، الدعوة يكون الفرض منها هداية القلوب، يقول تعإلى "لا اكراه في الدين ".
اذن (فرسالة النبي كرسالة إخوانه من قبل انما تعتمد على الإقناع والوعظ وما كان لها ان تعتمد على القوة والبطش). ومن أجل تعزيز الشيخ عبد الرازق لفكرته
يشرع بعرض الوقائع والممارسات التاريخية في زمن حكومة الرسول مما قد يظن القائلون بجمع الرسول للحكمة والرسالة انها أدلة واقعية على جمع الرسول للسلطتين والدينية والسياسية.
ولأن الشيخ عبد الرازق يتبنى عقيدة أخرى مختلفة كلياً عن هذه الأفكار التي تقول بجمع النبي للسلطتين، فأننا سنراه يخصص هذا الفصل أجمعه لعرض المظاهر والوقائع والممارسات السياسية، التي كانت على عهد "حكومة" النبي محمد والتي تسمح طبيعتها "غير الدينية"بإضافة صفة الملك، أو أية صفة سياسية دينية لمقام نبوته.
يجيب الشيخ الرازق على دعوة اتخاذ الجهاد دليلاً وحجة للقائلين بنسبة الملوكية والسلطان للرسول، "لاشك ان الحكومة النبوية كان فيها بعض ما يشبه ان يكون من مظاهر السياسة وآثار السلطة والملك"
ثم يمضي الشيخ عبد الرازق بعرض هذه المظاهر نيابة عن القائلين بها فيقول: "أول ما يخطر بالبال مثالاً من أمثلة الشؤون الملكية-التي ظهرت ايام النبي - ص- مسألة الجهاد، فقد غزا (ص) المخالفين لدينه من قومه العرب، وفتح بلادهم وغنم أموالهم وسبي رجالهم ونساءهم، ولاشك في انه (ص) قد امتد بصره إلى ما وراء جزيرة العرب، واستعد للانسيـــــاب بجيشه في اقطار الأرض، وبدأ فعلاً يصارع دولة الرومان في الغرب، ويدعوه إلى الانقياد لدينه، كسرى الفرس في الشرق ونجاشي الحبشة ومقوقس مصر الـــــــخ"
غير ان مثل هذه الوقائع التاريخية ذات الدلالة السياسية الواضحة، لا تبدو كافية أو صحيحة من وجهة نظر عبد الرازق لإمكان القول بنسبة الفعل السياسي لشخصية الرسول ذات الطابع الديني المحض، الذي يريده لهُ، لذا سيشرع الشيخ عبد الرازق بالدفاع عن شخصية الرسول الدينية وإقصاء كل هذه المظاهر السياسية، عنها عبر الوسائل المعرفية الآتية التي يبدؤها بقوله:
(ظاهر أول وهلة، ان الجهاد لا يكون لمجرد الدعوة إلى الدين، ولا لحمل الناس على الإيمان بالله ورسوله، وإنما يكون الجهاد لتثبيت السلطان وتوسيع الملك).
هنا ندعو القارئ الكريم لملاحظة العبارة "ظاهر أول وهلة" التي تعني في النص ان مسألة الجهاد اذا ما تم النظر لها على انها فعل لتثبيت السلطان وتوسيع الملك-وانــــــهُ -الجهاد- لا يكون لمجرد الدعوة إلى الدين ولا يصلح وسيلة لحمل الناس على الايمان بالله ورسوله، فأن هذه النظرة بمجملها، نظرة خاطئة،لأنها نظرة"الوهلة الأولى" الأمر الذي يعني من وجهة نظر الشيخ عبد الرازق ان هناك "وهلة متأنية عميقة" أخرى تفسر الجهاد على عهد رسول الله تفسيراً مغايراً وتفهمه على وفق رؤية معرفية وواقعية أخرى،
يقول الشيخ عبد الرازق مفنداً رأي من يقول بإمكان النظر إلى الجهاد على انه فعل مدني سياسي في دولة النبي :-
((دعوة الدين، دعوة إلى الله تعالى، وقوام تلك الدعوة لايكون الا البيان وتحريك القلوب بوسائل التأثير والاقناع، فأما القوة والإكراه (والجهاد إحدى وسائلها) فلا يناسبان دعوة يكون الغرض منها هداية القلوب وتطهير العقائد، وما عرفنا في تأريخ الرسل رجلاً حمل الناس على الايمان بالله بحد السيف ولا غزا قوماً في سبيل الإقناع بدينه، وذلك هو نفس المبدأ الذي يقرره النبي "ص" فيما يبلّغ من كتاب الله ))
ولكي يعزز الشيخ عبد الرازق مبدأه في ان تكون الدعوة إلى الدين سلمية لا إكراه ولا عنف فيها، يلجأ إلى القرآن الكريم ليعزز مذهبه، فيســـــــتحضر من كتاب الله قوله تعإلى "لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي" وقوله "ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" وقوله "فذكر إنما أنت مذكر ليست عليهم بمسيطر" وقوله "فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن، وقل للذين أوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم فأن اسلموا فقد اهتدوا، وان اهتدوا فإنما عليك البلاغ المبين والله بصير بالعباد" وقوله "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"
اذن فالرسالة والدعوة إليها من وجهة نظر الشيخ عبد الرازق (انما تعتمد على الاقناع والوعظ وما كان لها ان تعتمد على القوة والبطش) ولكن ماذا يمكن ان نسمـــــــي هذه الغزوات والفتوحات والجهاد الذي كان على عهد رسول الله وبأي منظار غير الفعل السياسي يمكن النظر إليها، يجيب الشيخ عبد الرازق :-
((وإذا كان "ص" قد لجأ إلى القوة والرهبة فذلك يكون في سبيل الدعوة إلى الدين وإبلاغ رسالته إلى العالمين، وما يكون لنا ان نفهم إلا انه كان في سبيل الملك ولتكوين الحكومة الإسلامية، ولا تقوم حكومة الا على السيف، وبحكم القهر والغلبة فذلك عندهم هو سر الجهاد النبوي ومعناه)
في هذا النص الاخير نجد اعترافا صريحاً بلجوء الرسول محمد إلى الرهبة والقوة، غير أننا نجد تبريراً مختلفاً وفهما آخر مغايرا لمبدأ اللجوء إلى القوة التي استخدمها النبي، حيث لا ينبغي ان نفهم أنها قوة ورهبة استخدمت من قبل النبي محمد (في سبيل الدعوة إلى الدين وإبلاغ رسالته إلى العالمين) لأن القول بمثل هذا الفهم يخالف ما سبق للشيخ عبد الرازق ان قاله قبل حين، من ان وسيلة الدعوة الإسلامية هي البيان وتحريك القلوب، لذا فلم يبق أمام الشيخ عبد الرازق من تفسير لمظاهر الجهاد والقوة التي حدثت بالفعل على عهد رسول الله سوى القول( ومايكون لنا ان نفهم إلا انه كان في سبيل الملك، ولتكوين الحكومة الإسلامية، ولا تقوم حكومة إلا على السيف، وبحكم القهر والغلبة، فذلك عندهم هو سر الجهاد النبوي ومعناه )
وهنا ينبغي التنويه إلى ان هذا الرأي الأخير، الذي نفهم منه نسبة العنف والغلبة إلى حكومة الرسول الإسلامية، هو الرأي الذي يقول به من يجمع السلطتين لرسول الله، اعني انه ليس رأي الشيخ عبد الرازق وإن بدا في السياق ما يوحي بنسبته إليه، لأن للشيخ عبد الرازق في هذه المسألة رأيا آخر مختلفا سنتعرف عليه بعد حين.
2- منهج التأليف
بذات المنهج المشدود بحزم لإرادة نفي الزعامة السياسية عن شخصية الرسول محمد وإنكار ان تكون المظاهر المدنية السياسية التي حدثت في عصره(ص) دليلا على الحكومة المدنية التي يدعّي خصوم الشيخ عبد الرازق عزم الرسول على تأسيسها تماهيا مع حكومته الدينية، يمضي الشيخ عبد الرازق في عرض مظهرين آخرين مستتبعا عرضهما كحوادث واقعية، بالحجة العقلية التي يعتبرها خصومه دليلا على تلك الممارسة السياسية المفترضة لحكومة الرسول (ص).
هذه هي الحركة الأولى في المنهج المعرفي للشيخ عبد الرازق، أما الحركة الثانية، فهي، تفنيده لحجج خصومه عن طريق تفسيره لذات تلك المظاهر على وفق تصورات وأفكار مغايرة أخرى تلتقي كلها عند مركز الثقل المعرفي لفرضيته القائلة بنفي الزعامة السياسية عن شخصية الرسول وإنكار الممارسات السياسية الساعية لتأسيس دولة مدنية على عهده (ص).
أول هذين المظهرين، هو الشؤون المالية (من حيث الإيرادات والمصروفات وجمع المال والزكاة والجزية والغنائم وتوزيع ذلك كله بين مصارفه)، يقول الشيخ عبد الرازق ازاء هذا المظهر المالي معترفا أولاً بانتساب نوعه لأعمال الحكومة الملكية، ومنكرا في الوقت ذاته إمكان عدّه من وظائف الرسالة، مرجئا رأيه في هذا المظهر لحين عرض المظهر الآخر، (ولا شك في ان تدبير المال عمل ملكي، بل اهم مقومات الحكومة، على انه خارج عن وظيفة الرسالة من حيث هي، وبعيد عن عمل الرسل باعتبارهم رسلا فحسب)
أما المظهر الثالث، - وهو اقوى الأمثلة في هذا الباب – على حد زعم الشيخ عبد الرازق فهو ما رواه الطبري بإسناده، من ( ان النبي –ص- وجّه أمارة اليمن وفرقها بين رجاله وافرد كل رجل بحيزه واستعمل عمر بن حزم على نجران وخالد بن سعيد بن العاص، على مابين نجران ويرمع وزبيد، وعامر بن شهد على همدان ....وكان معاذ معلما يتنقل في عمالة كل عامل بين اليمن وحضرموت)
يقول الشيخ عبد الرازق مقدما لدفاعه -غير المقنع هنا –في عدم صلاحية إتخاذ هذين المظهرين أدلة على حكومة الرسول السياسية : ان كثيرا من هذه المظاهر قد وجد مثيله في العصر الاموي مما يمكن اعتباره اثرا من آثار الدولة، ومظهرا من مظاهر الحكومة، فمن نظر إلى ذلك من هذه الجهة، ساغ له القول ان النبي –ص- كان رسول الله تعإلى وكان ملكا سياسيا أيضا،غير ان هؤلاء الذين يذهبون لمثل هذا الرأي وتطمئن قلوبهم إلى الحكم بانه –ص- كان رسولا وملكا، سوف يعترضهم حينئذ بحث اخر جدير بالتفكير، يقول الشيخ عبد الرازق متسائلا وكاشفا عن طبيعة العقبة التي تحول دون اعتبار النبي رسولا وملكا، ( فهل كان تأسيسه –ص- للمملكة الإسلامية وتصرفه في ذلك الجانب شيئا خارجا عن حدود رسالته –ص- أم كان جزءا مم بعثه الله له وأوحى له به اليه؟)
يجيب الشيخ عبد الرازق عن تساؤله باحتمالين ممكنين، أولهما،(أما ان المملكة النبوية عمل منفصل عن دعوة الإسلام، وخارج عن حدود الرسالة، فذلك رأي لا نعرف في مذاهب المسلمين ما يشاكله ولا نذكر في كلامهم ما يدل عليه) لكن، هل يشكّل القول بمثل هذا الرأي خروجا على ما تعارف المسلمون عليه من راي في المسألة أو هل يمكن ان يعدّ من قبيل الإلحاد أو الكفر ؟ يجيب الشيخ عبد الرازق ان مثل هذا الرأي (صالح لأن يذهب اليه ولا نرى القول به يكون كفرا ولا إلحادا) بل ان الشيخ عبد الرازق ليمضي خطوة ابعد، لا في تعزيز هذا الرأي حسب، بل في إقرار صحته أيضا، بالرغم من عدم تبنيه اجابة عن السؤال خاصة به، يقول الشيخ عبد الرازق ( ولا يهولنّك ان تسمع ان للنبي –ص- عملا كهذا خارجا عن وظيفة الرسالة، وأن ملكه الذي شيده هو من قبيل ذلك العمل الدنيوي الذي لا علاقة له بالرسالة، فذلك قول، إن أنكرته الاذن لأن التشديق به غير مألوف في لغة المسلمين، فقواعد الإسلام، ومعنى الرسالة، وروح التشريع، وتاريخ النبي –ص-، كل ذلك لا يصادم رأيا كهذا ولا يستفظعه، بل، ربما وجد ما يصلح له دعامة وسندا ولكنه على كل حال، رأي نراه بعيدا)
اذن، فنحن هنا إزاء ما يشبه الاعتراف والإقرار بإمكان ان يمارس الرسول إعمالا ملكية سياسية خارجة عن وظيفة الرسول، دون ان يضر ذلك أو ينتقص من مقام رسالته، من جهة، أو يسمح لنا، بأن نقول، بأن الرسول قد جمع إلى سلطة رسالته الدينية، سلطة سياسية أخرى تفترضها هذه الممارسة الدنيوية المحض .
بعبارة أخرى : إن الممارسات والمظاهر المدنية التي وجدت بالفعل في عهد رسول الله والتي أدى بعضها بنفسه بوصفه زعيما سياسيا لأمته، لا تتعارض مع روح الرسالة ووظيفتها، لكنها لا تسمح لنا ولا تكفي – من جهة أخرى –لإمكان القول باطمئنان وثقة، بأن الرسول محمد كان يجمع السلطتين في ذاته، وانه كان يسعى لإقامة دولة إسلامية، سعيه لإقامة دولة دينية.
كيف اذن يمكن ان نفسر هذه العلاقة، علاقة أداء النبي المكلف بأداء رسالة روحية، لأعمال سياسية تدل على إرادته انشاء دولة سياسية مدنية، ثم اين تقع هذه الممارسة السياسية /من دعوته الدينية / من حيث حجمها وحدودها ووظيفتها، بالقياس إلى الدعوة الدينية للرسول، وهي واضحة المعالم في كونها هي الاساس والحاضنة والأرضية التي تنبت عليها أفكار النبوة كلها، وهي أيضا المحرك والغاية التي بـُعث رسول الله من أجلها وتم اختياره لأدائها .. يقول الشيخ عبد الرازق متشبثا بإرادة فصل السلطتين وعدم جواز القول بجمعهما في ذات رسول الله ( أما ان المملكة النبوية، جزء من عمل الرسالة متمم لها وداخل فيها، فذلك هو الرأي تتلقاه نفوس المسلمين فيما يظهر بالرضا، وهو الذي تشير اليه اساليبهم وتؤيده مذاهبهم )
لكن – وهذا هو اعتراض الشيخ على من يقول بهذا الرأي (من البين ان ذلك الرأي لا يمكن تعقّله إلا إذا ثبت ان من عمل الرسالة ان يقوم الرسول، بعد تبليغ الدعوة الإلهية بتنفيذها على وجه عملي، أي ان الرسول يكون مبلّغا ومنفذا )
هنا تدخل إلى شبكة المفاهيم والأفكار، فكرة جديدة، مفادها : القبول بإمكان أداء الرسول محمد للأفعال ذات الطبيعة السياسية المدنية، بوصف هذه الأفعال جزءاً متمما لرسالة المدنية، غير انه قبول مشروط بضرورة ( إثبات ان من عمل الرسالة ان يقوم الرسول بعد تبليغ الدعوة الإلهية بتنفيذها على وجه عملي)
لكن، هل ورد في معنى الرسالة ومباحث علمائها، ان تنفيذ الرسالة من قبل رسول الله هي جزء من حقيقتها ؟ يجيب الشيخ عبد الرازق منكرا الإقرار بمثل هذا الرأي، (غير ان الذين بحثوا في معنى الرسالة، ووقفنا على مباحثهم، اغفلوا دائما ان يعتبروا التنفيذ جزءاً من حقيقة الرسالة، إلا ابن خلدون، فقد جاء في كلامه ما يشير إلى ان الإسلام دون غيره من الملل الأخرى قد اختص بأنه جمع بين الدعوة الدينية وتنفيذها بالفعل، يقول ابن خلدون:( والملة الإسلامية لما كان الجهاد فيها مشروعا، لعموم الدعوة، وحمل الكافة على دين الإسلام طوعا أو كرها، اتحدت فيها الخلافة والملك،- يعلق الشيخ عبد الرازق- فهو كما ترى يقول ان الإسلام شرع تبليغي وتطبيقي، وان السلطة الدينية اجتمعت فيه والسلطة السياسية، دون الأديان)
لكن، هل يجد رأي العلامة ابن خلدون، أي شكل من إشكال القبول، يمكن ام يخترق المبدأ الصلب المتماسك القائل بأطروحة الفصل لدى الشيخ عبد الرازق ؟
يبدو ان هذا الأمر غير ممكن أو متاح أبدا لا لابن خلدون ولا لسواه، يقول الشيخ عبد الرازق معلقا على نص ابن خلدون ( لا نرى لذلك القول دعامة ولا نجد له سندا، وهو على ذلك ينافي معنى الرسالة، ولا يتلاءم مع ما تقضي به طبيعة الدعوة الدينية كما عرفت، وليكن ذلك القول صحيحا، فقد بقي شكل آخر عليهم ان يجدوا له جوابا، وأن يلتمسوا منه مخرجا، ذلك هو المشكل الذي بدأنا عنده هذا البحث فدفعنا إلى بحث آخر)
هنا ينتقل الشيخ عبد الرازق إلى مرحلة أخرى مختلفة من وسائل دفاعه عن مبدأ الفصل الذي يقول به، فبعد ان رأينا خلال الفصل كله عرضه لحجج خصومه على لسانهم، ثم محأولته تفنيدها جميعا، يشرع الشيخ عبد الرازق هنا بطرح اسئلته الخاصة على خصومه، الأسئلة التي تعزز مذهب الانفصال لديه في ذات الوقت الذي تفترض احراجه لخصومه وعدم قدرتهم على الصمود والدفاع عن اطروحة القول بتأسيس الرسول محمد لدولة مدنية أيضا مكملة أو متماهية مع دولته الدينية، يقول الشيخ عبد الرازق بشكل مباشر: ( اذا كان رسول الله –ص- قد أسس دولة سياسية أو شرع في تأسيسها، فلماذا خلت دولته من كثير من أركان الدولة ودعائم الحكم ؟ ولماذا لم يعرف نظامه في تعيين القضاة والولاة ؟ ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وقواعد الشورى؟ ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه ؟ ولماذا ولماذا؟ نريد ان نعرف منشأ ذلك الذي يبدو للناظر كأنه إبهام أو اضطراب أو نقص أو ما شئت فسمه، في بناء الحكومة ايام النبي –ص- وكيف كان ذلك وما سره؟)
مرة أخرى يعود الشيخ عبد الرازق إلى أسلوبه في طرح السؤال أولا، ثم التماس الأعذار لخصومه بعرضه لإجاباتهم سبيلا لتفنيدها في حركة أخرى تنطلق من ثبات مبدئه باتجاه أطروحة الفصل ..
لذا فان الذين يصرون على اعتقادهم ان الرسول محمد، قام بدعوة إلى دين جديد وإلى تأسيس دولة جديدة، ويصرون على ان الدولة التي أنشأها النبي –ص- كانت توضع أسسها وتدار شؤونها وتنظم امورها بوحي الله تعالى، ثم يضطرهم ذلك إلى اعتقاد ان الدولة زمن النبي –ص- بلغ غاية الكمال التي تعجز عنها عقول البشر، لعل أولئك المصرّين على مثل هذه الطروحات اذا سئلوا عن سر هذا الذي يبدو نقصا في أنظمة الحكم، وإبهاما في قواعده قد يلتمسون للجواب إحدى تلك الخطط التي سيأخذ الشيخ عبد الرازق على عاتقه ببيانها نيابة عنهم .
أول هؤلاء المصرّين حسب عرض الشيخ عبد الرازق هو صاحب كتاب (تخريج الدلالات السمعية) ورفاعة بك، حيث أنهما وجدا مخلصا سهلا للإجابة على الأسئلة بزعمهما (ان الحكومة كانت تشمل في زمن النبي –ص- على كل ما يلزم للدولة من عمال وأعمال وانظمة مضبوطة وقواعد محدودة.. إن مثل هذا القول لا يستحق – حسب الشيخ عبد الرازق- إعادة ما سبق له قوله بصدده، وأما القائلون بأن نظام الدولة زمن النبي كان متيناً ومحكما ومشتملا على أوجه الكمال التي تلزم لدولة يديرها رسول من الله يؤيده الوحي وتؤازره ملائكة الله، غير اننا لم نصل إلى علم التفاصيل الحقيقية ووثائق ما كانت عليه الحكومة النبوية من نظام بالغ واحكام سابغ، لأن الرواة قد تركوا نقل ذلك الينا أو انهم نقلوه ولكن غاب علمه عنا وهي خطة لا ينبغي رفضها لأول وهلة عقل العلماء، لكن على اهل العلم ان يؤمنوا دائما بأن كثيرا من الحقائق محجوب عنهم وعليهم ان يدأبوا ابدا في كشف مغيّبها، لذا فالتدرج بهذا السبب غير مقنع هو الآخر، الأمر الذي يدعو إلى السؤال من جديد – والقول للشيخ عبد الرازق- عن منشأ ذلك الذي عرفنا إلى الان من الإبهام والاضطراب في نظام الحكومة النبوية وعن سرّه ومعناه، يقدم الشيخ عبد الرازق هنا مخرجا آخرا وذريعة أخرى لخصومه علّهم يجدون فيها اجابة كافية عن أسئلته، عبر فكرة القول ب(حكومة الفطرة).
يقول ان ما نسميه اليوم اركان الحكومة وانظمة الدولة، انما هي اصطلاحات عارضة وليست هي في الواقع ضرورية لنظام دولة نريد ان تكون دولة البساطة وحكومة الفطرة التي ترفض كل تكلف، فلعل ذلك الذي راينا في نظام الحكم ايام النبي –ص- هو النظام الذي تقتضي به البساطة الفطرية، لذا فأن هذا الذي يبدو لنا إبهأما أو اضطرابا أو نقصا في نظام الحكومة النبوية، لم يكن إلا البساطة بعينها، والفطرة التي لا عيب فيها والتي تنسجم مع شخصية الرسول الاكرم وأسلوب حياته وروح دعوته إلى الأميين الذين بعث فيهم رسولا.)
وطريق القول بالفطرة أشبه ما يكون بالدين وأقربها اليه، لكن ورغم ذلك كله يتنكر الشيخ عبد الرازق لهذه (الخطة)التي لا تصلح ان تُتخذ رأيا لانها تنطوي على مفارقة مفادها ان الكثير من أنظمة الحكم الحديثة، أوضاع وتكلفات، لا يدعو اليه الطبع السليم ولا ترضاه الفطرة، لكن ومع ذلك فهو ضروري ونافع ولا غنى لحكومة عنه، (فهل من سلامة الفطرة وبساطة الطبع ان لا يكون لدولة من الدول ميزانية تقيد ايرادها ومصروفاتها وان لا يكون لها دواوين ) لذا فليس من الصحيح إهمال مظاهر اقامة الدولة تذرعا وإكراما للحفاظ على سلامة الفطرة لأن تلك المظاهر أسس ضرورية لإقامة الدولة، لذا يقرر الشيخ عبد الرازق في نهاية هذا الفصل البحث عن (وجه آخر لحل هذا الإشكال )









الفصل الثاني : (رسالة لا حكم، ودين لا دولة)
أنماط علاقة الدين بالدولة

لا بوصفها عنوانا رئيسا لفصله الجديد حسب، بل بوصفها شعارا لأطروحته وإعلانا لعقيدته فاضحا عن ايديولوجيته أيضا، يختار الشيخ عبدارازق عبارة ( رسالة لا حكم ودين لا دولة ) عنوانا لفصله هذا موحيا بها ومعبرا عن كل تلك المعاني المعقودة للعنوان والشعار والايديولوجيا.
فاذا عرفنا – من جهة أولى – ان هذا الفصل يعقب في الترتيب المنطقي لأفكار الكتاب وخطته وفي السياق والمنهج، ذلك الفصل الذي خصصه الشيخ عبد الرازق لعرض حجج خصومه أولاً سبيلا لتفنيدها وإفراغها من معناها، من بعد، فان ما ينبغي ان نعرفه الآن هو، ان هذا العنوان سيتحول إلى تفاصيل ووقائع تاريخية وحجج لإثبات مضمونه، لكن، بحركة معاكسة، تبدأ من وجهة نظر الشيخ عبد الرازق وحده هذه المرة، وعلى امتداد الفصل كله، الأمر الذي يعني – ضمن هذا السياق – ان الشيخ عبد الرازق يريد لنا ان نفهم، بان كل ما تقدم من حجج وقرائن ادلى بها خصومه لإثبات فرضية جمع الرسول محمد للسلطتين الدينية والسياسية في عصره، كانت محض كلام فارغ لا يعوّل عليه أبدا، وان الفرضية الصحيحة البديلة والوحيدة لعلاقة الديني بالسياسي في شخصية الرسول محمد وحكومته الدينية، هي الفرضية التي سيقدمها الشيخ عبد الرازق في هذا الفصل، معززة بالأدلة التاريخية والواقعية، كما يشير هو إلى ذلك بقوله :( رأيت اذا ان هناك عقبات لا يسهل ان يتخطاها أولئك اللذين يريدون ان يذهب بهم الرأي إلى اعتقاد ان النبي (ص) كان يجمع إلى صفة الرسالة انه كان ملكا سياسيا ومؤسسا لدولة سياسية ولم يبق أمامك، بعد الذي سبق، إلا مذهب واحد، وعسى ان تجده منهجا واحدا لا تخشى فيه عثرات ولا تلقى عقبات ولا تضل بك شعابه، مأمول الغوائل خاليا من المشاكل، ذلك هو القول ان محمد (ص) ما كان إلا رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة، وانه لم يكن للنبي (ص) ملك ولا حكومة وانه (ص) لم يقم بتأسيس مملكة بالمعنى الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة ومرادفاتها . ما كان إلا رسولا كإخوانه من الخالين من الرسل، وما كان ملكا ولا مؤسس دولة، ولا داعيا إلى ملك).
اذن فهي كما يصرح الشيخ عبد الرازق بكل هذا الوضوح والمباشر والبساطة ( رسالة لا حكم، ودين لا دولة ).
هذا هو مركز ثقل كتاب (الإسلام وأصول الحكم ) وهو جوهر نظرية الشيخ عبد الرازق وفرضيته في النظر لعلاقة الديني بالسياسي على عهد رسول الله، وهي الفكرة المركزية التي تنمو عليها وتتفرع منها فصول الكتاب وأفكاره الثانوية كلها مهما اتخذت هذه الأفكار من أهمية وموقع معرفي في القراءات التي أقامها العلمانيون والأصوليون لهذا الكتاب، على حد سواء.
أقول، ان فكرة الفصل هذا التي تتفرع منها وتنمو على أرضية عنوانه الواضح، هي مركز ثقل الكتاب وغايته، واعني في الوقت ذاته، وبثقة بالغة سأذهب للتدليل عليها، انها الفكرة والفصل والعنوان الذي لم تتم قراءته جيدا، خصوصا وعلى وجه التحديد من قبل المفكرين العرب ذويي النزعة العلمانية، بل هو الفصل الذي اغفل وأهمل العلمانيون قراءته عن عمد وقصد مبيت لأغراض معرفية وغايات سياسية مهمة.
ولأننا نريد لقراءتنا لهذا الكتاب ان تنمو بذات السياق التعريفي لحقيقة مضمونه دون تدخل منا أو تأويل لأفكاره عند هذا الحد من عرض أفكارنا سنكتفي بالإشارة هنا إلى هذه الفكرة المهمة التي نعتقد انها ستوجّه قراءتنا لأفكار هذا الفصل، بل وستضمن بلوغنا لنتائج صحيحة وأحكام منصفة، لا عن حقيقة أفكار كتاب الشيخ عبد الرازق حسب، بل عن سيل القراءات الخاطئة التي اتخذت من الكتاب موضوعا ومادة لها، ولأغراض شتى، دينية وسياسية ومعرفية، قد تضطر أحيانا تحت ضغط ايديولوجيتها إلى فهم أفكاره بشكل مخالف تماما لما أراد الشيخ عبد الرازق ان يوصله لقراء كتابه.
مفاد هذه الفكرة التي نعقد أهمية كبيرة على قراءة كتاب الشيخ عبد الرازق بهدي منها وتحت رعايتها هي: ان لعلاقة الديني بالسياسي، بوجه عام، وقدر تعلق الأمر بحياة الرسول محمد و بالمظاهر التي صحبت أداءه السياسي والديني، إشكالا ثلاثة لا غير،
الأول منها، هو القول بجمعه (ص) للسلطتين الدينية والسياسية في شخصيته وأدائه، وهذا هو الرأي الذي ترفضه بحزم أطروحة وأفكار الشيخ عبد الرازق.
أما الرأي الآخر، فهو الذي يقول بفصل الديني عن السياسي انطلاقا من عقيدة ومبدأ، ضرورة فصل الدين عن السياسة حفاظا على الدولة والأداء السياسي من مؤثرات البنية الدينية التي يعتقد أصحاب هذا الاتجاه اختلافها جذريا عن الأداء الدنيوي السياسي المدني لأسباب معروفة .
أما الرأي الثالث، فهو الذي يقول بضرورة فصل الدين عن الدولة، اي فصل الرسالة، بوصفها شأنا دينيا متعاليا مقدسا، عن الحكم والسياسة بوصفهما شؤونا دنيوية لا يليق بمقام النبوة والرسالة الخوض فيهما، انه اذن فصل سلطة النبوة المقدسة ذات المنشأ الإلهي عن السلطة المدنية التي هي شأن من شؤون العقل البشري، لكن – وهذا هو المهم – على هذا الفصل ان يحدث هذه المرة انطلاقا من رغبة المحافظة على الدين، بكل ما يعنيه من قدسية وتعالٍ وجهة انتساب، عن الأداء والتنفيذ السياسي لشؤون البشر، فهي إذن رغبة تنزيه مقام النبوة عن الخوض في أداء المهام السياسية التي أوكل الله للعقل البشري مهمة أدائها، وهذا هو بالضبط نمط دعوة الشيخ علي عبد الرازق وهي إحدى أهم الأفكار الواردة في هذا الكتاب، بل ان أية قراءة منصفة لأطروحة هذا الكتاب القائلة بفصل الدين عن السياسة، لن تكون قراءة صحيحة أبدا ما لم تأخذ الطبيعة الخاصة لهذا النوع من الفصل، اي فصل الدين عن السياسة، حفاظا على مقامه المقدس الجليل من مقامها الدنيوي، بنظر الاعتبار .
ذلك لان الأفكار الأخرى كلها – قدر تعلق الأمر بفرضيتي الفصل والوصل- تنطلق وتتفرع على أرضية معرفية لا نجد تعبيرا لها ابلغ وأوضح وأدل عليها من التعبير وضعه الشيخ عبد الرازق عنوانا لهذا الفصل في لحظة تشبه الانتصار لفكرته على كل أفكار خصومه ( رسالة لا حكم، ودين لا دولة ) .
وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة التفريق بين المعلن والمخفي، بين الظاهر العياني والنوايا في مقدار علاقتنا بقراءة أفكار الشيخ عبد الرازق، اعني، ان سياق عرضه لأفكاره يقول صراحة بهذا الرأي الذي عرضناه – فصل الدين عن السياسة، حفاظا على الديني من تشويه السياسي له – أما القراءة التي تريد ان تفهم دعوة الفصل هذه على وفق سياقات حديثة، فهي قراءات تعتمد على النوايا والفرضيات التي نعتقد ان المضمون الموجود في هذا الكتاب لا يسمح بالفعل بتأسيسها عليه .
هذه هي الفكرة المركزية لكتاب الشيخ عبد الرازق، والتي سنعود – كما قلنا- في على الدوام لمناقشتها بالتفصيل، وأعيد هنا بغية التذكير وجعلها حاضرة في الذهن على الدوام : ان الدعوة القائلة بفصل الدين عن الدولة انطلاقا من رغبة التحديث السياسي كما وجدت في الطروحات العلمانية القائلة بضرورة ان يكون لكل منهما مجاله المعرفي والواقعي المنفصل عن الآخر، لا يمكن ان تستمد من كتاب الشيخ عبد الرازق ولا يصح الادعاء بأن هذا الكتاب هو المصدر المؤسس لها، مثلما لا يمكن القول أبدا بصحة استنباطها واستنتاجها من الأفكار المركزية الموجودة في كتاب (الإسلام وأصول الحكم ) لسبب في غاية الوضوح والدقة هو ان فكرة فصل الدين عن الدولة بالطريقة التي وضعها ونظّر لها الشيخ عبد الرازق في هذا الكتاب والتي تم لنا وسيتم بيانها، ينبغي ان تكون مقدمة وأصلاً لكل أطروحة فرعية أخرى تقول بهذا الفصل –وبالنوع الخاص الي وجد فيه - سواء وجدت لدى العلمانيين أو سواهم، ولأننا لا نجد مثل هذا التأصيل والمرجعية المعرفية لنمط القول لفكرة الفصل كما وجدت في القراءات العلمانية لهذا الكتاب، بل نجد على العكس تغييباً وإهمالا متعمداً وطمساً مغرضاً لهذه الفكرة، لذا فإننا لا نجد حرجاً من وصم القراءات العلمانية لهذا الكتاب بأنها قراءات مبتسرة مغرضة ومؤدلجة وغير منصفة أبدا .





2- محاولات تجريد حكومة الرسول من خصائصها السياسية
يحذر الشيخ عبد الرازق قارئه في مستهل هذا الفصل من إمكان الخلط بين زعامة الرسالة وزعامة الملك، لان الرسالة لذاتها تستلزم للرسول نوعا من الزعامة في قومه والسلطان عليهم، ولكن ذلك ليس من شيء من زعامة الملوك وسلطانهم على رعيتهم، لذا فان رأيت ان الرسول "ص" كان مطاعاً في قومه ذا هيبة وسلطة عليهم وحضور فيهم فينبغي علينا ان لا نفسر هذه السلطة من خلال منظور سياسي مستحضر ومستمد من هيبة الملك وسلطته على مواطني مملكته، لأن الأمر مختلف كلياً بين نوعي السلطتين، سلطة الملك على رعيته وسلطة النبي في قومه، يقول الشيخ عبد الرازق مبيّناً ماهية الفرق هذه، مضفياً على خصائص الشخصية المحمدية من الصفات ما يمكن عده من الخصائص الكارزمية للشخصية القيادية، وهي خصائص تختلف جوهرياً عن خصائص مصدر وهيبة وسلطة الملك، فالكاريزما التي هي هبة الله - معنى- صفات يكون الله مصدر عطائها للإنسان، أما مصدر هيبة سلطة الملك فالإنسان الملك نفسه، بما هو الذي يؤسسها لنفسه لما يكون له من أسباب القوة التي يخضع الناس بموجبها لحكمه، يقول الشيخ عبد الرازق، (ان طبيعة الدعوة الدينية الصادقة تستلزم لصاحبها نوعا من الكمال الحسي أولاً، فلا يكون و في حواسه ومشاعره نقص، ولا شيء يدعو إلى النفور، ولابد له -لأنه زعيم - من هيبة تملأ النفوس من خشيته وجاذبية تعطف الرجال والنساء إلى محبته ثم لابد له أيضا من الكمال الروحي ولما يفيض عليه ضرورة اتصاله بالملأ الأعلى،)
اذن فثمة عناية إلهية حسية ومعنوية لابد من اجتماعها في الشخص الذي تصطفيه السماء رسولاً لها، فضلاً عن رعاية خاصة ومنعه هو حفظ وأسباب وقوة يضفيها الله تعالى على كل من يكلفه الله بمهمة الرسالة وأعبائها وهي بطبيعة الحال أسباب قوة تختلف في مصدرها ومنشئها وشدتها عن أسباب قوة الملوك ونوعها، لأن الله هو الاقوى وهو الذي يريد لدعوة من يرسله ان تطاع وان تتم وترسخ أصولها وان تمتزج بحقائق العالم الذي ترسل اليه، وحاشى لله ان يرسل دعوة لتضيع وهنا يستحضر الشيخ عبد الرازق بعض آيات القرآن مما يعتقدها أدلة على ما يذهب اليه كقوله تعإلى "وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله" وكقوله تعإلى "ولقد استهزئ برسُل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين" وكقوله تعالى "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار" ولأن الشيخ عبد الرازق يريد ان يمضي في خطته المعرفية التي يعزز فيها مقام النبوة وسلطانها بمقابل مقام الملوك وسلطانهم يشرع في عقد هذه المقارنة بين السلطتين منتشياً ومنحازاً بوضوح لعلو مقام سلطة النبي التي يقول بها مقابل سلطة الملك.


3- في علو مقام النبي وتعاليه عن السلطان

يقول الشيخ عبد الرازق ص(57) ان مقام الرسالة يقتضي لصاحبه سلطاناً أوسع مما يكون بين الحاكم والمحكومين وأوسع مما يكون بين الأب وابنه... قد يتناول الرسول من سياسة الأمة مثل ما يتناول الملوك ولكن للرسول وحده وظيفة لا شريك له فيها، من وظيفته أيضا ان يتصل بالأرواح التي في الأجساد وينزع الحجب ليطلع على القلوب في الصدور، له عمل ظاهري في السياسة العامة وله أيضا عمل خفي في تدبير الصلة التي تجمع بين الشريك والشريك والحليف و الحليف والوالد وولده، وفي تدبير تلك الروابط التي لا يطلع عليها احد إلا الحليل وحليلته، له رعاية الظاهر والباطن، وتدبير الجسم والروح، وعلاقتنا الأرضية والسماوية له سياسة الدنيا والآخرة، الرسالة توجب لصاحبها من الكمال أقصى ما تسمو اليه الطبيعة البشرية ومن القوة النفسية منتهى ما قدر الله لرسله المصطفيين الأخيار، ومن تأييد الله ما يتناسب مع الدعوة الكبيرة العامة التي يدعو اليها الناس أجمعين ومن أجل ذلك كان سلطان النبي "ص" بمقتضى رسالته سلطاناً عاما وأمره في المسلمين مطاعاً وحكمه شاملاً ولا شيء مما تمتد اليه يد الحاكم الا وقد شمله سلطان النبي "ص" ولا نوع مما يتصور من الرياسة والسلطان الا وهو داخل تحت ولاية النبي (ص) على المؤمنين، واذا كان العقل يجوّز ان تتفأوت درجات السلطان الذي يكون للرسول على أمته، فقد رأيت ان محمدا (ص) أحق الرسل عليهم السلام بأن يكون له على أمته أقصى ما يمكن من السلطان ونفوذ القول، قوة النبوة وسلطان الرسالة، ذلك سلطان ترسله السماء من عند الله تعالى، على من تنزل عليه ملائكة السماء بوحي الله تعالى، تلك قوة قدسية يختص بها عباد الله المرسلون، ليست في شيء من معنى الملوكية ولا تشابهها قوة الملوك ولا يداخلها سلطان السلاطين، تلك زعامة الدعوة الصادقة إلى الله وإبلاغ رسالته، لا زعامة الملك، انها رسالة دين وحكم نبوة، لا حكم السلاطين – وهنا ينبغي قراءة معنى التحذير الضمني من الخلط بين نمطي السلطتين- ولاية رسول الله على قومه ولاية روحية، منشؤها إيمان القلب وخضوعه خضوعا صادقا تاما يتبعه خضوع الجسم، وولاية الحاكم ولاية مادية، تعتمد إخضاع الجسم من غير ان يكون لها بالقلوب اتصال، تلك ولاية هداية إلى الله، وإرشاد اليه، وهذه ولاية تدبير لمصالح الحياة وعمارة الأرض، تلك للدين وهذه للدنيا، تلك لله، وهذه للناس، تلك زعامة دينية، وهذه زعامة سياسية، ويا بعد مابين السياسة والدين )
لا أعتقد أننا سنكون بعد -قراءتنا لهذا النص –بحاجة إلى مزيد من الشرح أو التوضيح أو التأكيد على انحياز الشيخ عبد الرازق إلى نوع سلطة الدين والنبوة وتفضيلهما على سلطة الملوك السياسية، من خلال المقارنة التي تم له عقدها بين نوعي السلطتين .
هذا هو المعنى الأول الذي يصرح النص به، أما المعنى الآخر الذي يكشف النص ذاته عنه بوضوح بالغ فهو، وجود سلطتين مختلفين بالفعل، بحيث يمكننا ان نحدد ملامح كل منهما، وطبيعته وصلاحيته ومنظومة قيمه واختصاصه، الأمر الذي تمس الحاجة معه وبعده إلى ضرورة طرح السؤال الاتي:
لما كنّا قد رأينا في النص، التفريق الواضح بين السلطتين النبوية والملوكية، سلطة الدين، وسلطة السياسة، أولاً، ثم رأينا من بعد بوضوح شديد إنحياز الشيخ عبد الرازق السافر والمباشر لصالح سلطة الدين والنبوة على سلطة الملك والسياسة، أيمكن لنا ان نصدّق القول – بعد ان فرّق لنا الشيخ عبد الرازق بنفسه، وهو الشيخ الأزهري، بين السلطتين أولاً ثم فضّل وانحاز لإحداهما على الأخرى –بأن الشيخ عبد الرازق يدعو الناس إلى تبني خيار السلطة التي لم يخترها لنفسه هو ولم يفضّلها على ما اختاره ؟
بعبارة أخرى واضحة، لقد فرق الشيخ عبد الرازق بين سلطة الدين وسلطة السياسة، ولأنه اعتقد ان سلطة الدين أفضل واشرف واعلي مقاما من سلطة السياسة، أعلن موقفه المنحاز الواضح لصالح هذه السلطة الدينية كما راينا، لذا فالسؤال هنا سيكون عقب هذه المقدمة، أيمكن لهذا الشيخ نفسه ان يدعو الناس إلى تبني موقف اختيار النمط الآخر، نمط الحكومة السياسية – وهي التي لم يخترها لنفسه – بعد ان نادى ونظّر لضرورة فصل السلطتين عن بعضهما ؟ الفصل الذي أقر العلمانيون به، لكن مع تفضيل وانحياز سافر لقيم السياسي على الديني، كما يرد في الأفكار المؤسسة لطروحاتهم .
بل كيف يمكن لنا ان نعقل ان شيخا أزهريا، يصف الرسالة المحمدية إلى العالم، أولا، بانها رحمة ونعمة وبشرى ونور وسلام وهدى، وهي الألفاظ القرآنية ذاتها التي وصف الله بها سبحانه رسالة النبي محمد، واستحضرها الشيخ عبد الرازق في كتابه، وهي آيات ومواقف وأفكار وعناصر قوة وقيم ومثُل تنتمي كلها إلى جانب (الديني) وحده في المعادلة التي تجمع الدين والسياسة، ثم يصف بعد ذلك الدنيا بكل ما فيها من أغراض وغايات بأنها، (أهون عند رسل الله من ان يشتغلوا بها وينصبوا لتدبيرها )، أقول، كيف يمكن لمن يصف الرسالة بكل أوصاف الخير والصلاح هذه ان يدعوا بعد هذا الوصف إلى الفصل بين الدين والسياسة، اي انه يدعو – بعبارة أخرى – إلى قطع رحمة السماء والبشرى والنور والهدى الذي أرسله الله تعالى عبر الرسالة المحمدية، عن الأرض والبشر؟

يقول الشيخ عبد الرازق في نص آخر له –ص62- يوظّف فيه معاني رحمة الله بالناس عبر مفهوم الرسالة المحمدية :( تلك دعوة قدسية ظاهرة لهذا العالم، احمرهُ وأسوده، ان يعتصموا بحبل الله وأن يكونوا امة واحدة، تلك دعوة إلى المثل الأعلى لسلام هذا العالم وأخذه إلى ما يليق به من الكمال، وإلى ما أعد الله له من السعادة، تلك رحمة السماء بالأرض وفضل الله على العالمين )
لا غرابة اذن ولا إلحاح منا في طرح السؤال ذاته مرة ثالثة ورابعة !
كيف يمكن لشيخ أزهري، يبدأ الجملة الأولى من كتابه بالشهادتين معلنا بعدهما عن خشيته من الله وحده، ان يصف الرسالة المحمدية بكل أوصاف الرحمة والنعمة هذه ثم يدعو إلى قطع وفصل الدين عن الدولة، اي فصل النعمة الإلهية ورحمة السماء بالناس، عن الأرض والدولة التي يقيمون فيها، فصل الرعاية والعناية الإلهية والسلام والكمال والهدى الذي جاء به الرسول محمد عن أمر الله تعالى إلى الأرض من أجل أن يؤسس لسكانها ويشيد لهم وحدة دينية تقوم على كل هذه المعاني الروحية، فصلها عن الناس، من أجل ان يترك لعقولهم وحدها أو لأهوائهم ولإخلافهم في الرأي والجنس والعرق، ان تتولى مهام تأسيس دولتهم المدنية الخاصة بهم، بمعزل كامل عن كل رعاية دينية إلهية، كانت ممنوحة لهم، متاحة ميسورة عبر الدين والرسالة التي جاءهم بها رسول الله، والتي يدعو الشيخ عبد الرازق هنا إلى قطعه وفصلها عن الأرض، حسب ما أسفرت عن هذا الزعم قراءة العلمانيين لنص الشيخ عبد الرازق؟
بالرجوع إلى ما كنا بدأناه، اي إلى إصرار الشيخ عبد الرازق على فهمه الخاص الداعي إلى فهم الرسالة المحمدية مبعثا وغاية بشكل ديني محض، يقول الشيخ عبد الرازق، مختتما هذا (الباب)، بهذه الفقرة بالغة الوضوح والقناعة من كل ما سبق له طرحه، وعبر أداء معرفي للعبارات يريد الإيحاء به إلى ان نصرا مبينا قد تم له إحرازه على خصومه المخالفين له جميعا، يقول:( ترى من هذا، انه ليس القران وحده الذي يمنعنا من اعتقاد ان النبي (ص) كان يدعو مع رسالته إلى دولة سياسية، وليست السنة هي وحدها التي تمنعنا من ذلك، ولكن مع الكتاب والسنة، حكم العقل وما يقتضيه معنى الرسالة وطبيعتها .. إنما كانت ولاية محمد (ص)على المؤمنين ولاية الرسالة غير مشوبة بشيء من الحكم، هيهات هيهات، لم يكن ثمة حكومة ولا دولة، ولا شيء من نزعات السياسة ولا أغراض الملوك) –ص 64- .
بقي ان أضيف هنا مسألتين مهمتين، أولاهما، ان اعتراضا مفترضا قد يصدر عن القاريء مفاده :ان بعض التعليقات التي جرى لنا تثبيتها على نصوص الشيخ عبد الرازق، كانت توحي بنوع من الفهم الخاص، الحاد والمتشدد- من جهتنا -، وربما غير المرن لعلاقة الدين بالسياسة، ولأن لنا رأيا مهما خاصا ومناقشة واسعة لقطبي هذه العلاقة وتحولاتها والأنواع المختلفة لوجودها في خطابات المفكرين المعاصرة، فاننا نجد لزاما علينا أرجاء كل ذلك ألان إلى الفصل المخصص لحوارنا مع القراءات العلمانية لكتاب الشيخ عبد الرازق، الحوار الذي سنجيب خلاله على ما تم لنا تعليقه من أسئلة سبق طرحها، لمقتضيات السياق الذي اخترناه لعرض أفكار كتابنا .
أما المسألة الأخرى، فهي: قولنا الواضح بعدم موافقتنا لما يذهب اليه الشيخ عبد الرازق، من ان الإسلام رسالة دينية روحية فقط، لا شأن لها بالسياسة، كما سنذهب للتدليل المقنع على ذلك لاحقا، ثم قولنا الواضح أيضا، من اننا لا نعدم وجود نوايا خفية لأطروحة الشيخ عبد الرازق تتمثل في محاولته إنقاذ الديني من السياسي، إلا أنها نوايا جرى التستر عليها جيدا وتحصينها بمهارة، ربما لأ سباب شخصية تتعلق بإمكان تكفيره أو الحفاظ على حياته، أو انه أراد ان يفهم دعواه لأطروحة الفصل هذه عند الحدود المعرفية لها وعبر هذا الأداء والقناعات الدينية لها حسب.

4- وحدة الدين : بين كمالها النظري ونقصها العملي
في تصور معرفي ملتزم بالتعاليم الكبرى التي قدّمها الخطاب القرآني والسنة النبوية، عن شمولية الرسالة المحمدية، من حيث كونها جاءت إلى الناس كافة، من جهة، ومن حيث خيرية هذه الدعوة وسموّها وإرادة إنقاذها العالم من الضلال الذي يعيش فيه - من جهة أخرى - يستعرض الشيخ عبد الرازق أفكار فصله الجديد حريصا على الحفاظ على التصوّرين آنفي الذكر.
ولا بأس ان نقدم هنا هذا الموجز المعرفي الذي أعددناه من أفكار هذا الفصل، يقول الشيخ عبد الرازق( الإسلام، كما عرفت، دعوة سامية، أرسلها الله لخير هذا العالم كله، شرقيه وغربيه، أغنيائه وفقرائه...هو وحدة دينية أراد الله أن يربط بها البشر وأن تشمل أقطار الأرض كلها، وما كان الإسلام دعوة عربية، ولا وحدة عربية، ولا دينا عربيا، وما كان الإسلام ليعرف فضلاً لأمة على أمة ولا لغة على لغة، ولا لقطر على قطر، ولا لزمن على زمن، ولا لجيل على جيل إلاّ بالتقوى.. كان لا بدّ لدعوة الإسلام ان تخرج إلى هذا الوجود، وأن تبرز حقيقة ثابتة بين حقائق الكون، وان يحملها عن جانب القدس الأعلى، رسول يختاره الله تعالى ليبلغها إلى البشر ) – ص 69-
يضيف الشيخ عبد الرازق، ولما كان الرسول عربيا فقد بدأ دعوته بقومه العرب، حيث كانت البلاد العربية يومها تحوي أصنافا من العرب، متباينة اللهجات، متنائية الجهات، وكانت مختلفة أيضا في الوحدات السياسية، فمنها ما كان خاضعا للدولة الروحية ومنها ما كان مستقلا، المهم، ان هذه الأمم المتنافرة قد اجتمعت كلها في زمن النبي (ص) حول دعوة الإسلام، وتحت لوائه، وصاروا أمة واحدة، ذات زعيم واحد هو النبي عليه السلام .
جدير بالذكر ان هذه الوحدة التي وجدت زمن النبي –ع- لم تكن وحدة سياسية، بأي وجه من الوجوه، ولا فيها معنى من معاني الدولة والحكومة، بل كانت وحدة الإيمان والمذهب الديني، لا وحدة الدولة ومذاهب الملك، كما يصر ويكرر الشيخ عبد الرازق في هذا العرض التاريخي لعصر النبوة، مضيفا، والعرب وإن جمعتهم شريعة الإسلام لم يزالوا يومئذ على ما عرفت من تباين في السياسة وفي غيرها من مظاهر الحياة المدنية والاجتماعية والاقتصادية، ويساوي ذلك ان نقول، انهم كانوا دولاً شتى على قدر ما تسمح به حياة العرب يومئذ من معنى الدولة والحكومة.
تلك حال العرب يوم لحق (ع) بالرفيق الأعلى – ولم يزل الكلام لعبد الرازق الذي لا بد لي من نقل هذا النص الطويل عنه- وحدة دينية عامة من تحتها دول تامة التباين إلاّ قليلا، ذلك الحق لا ريب فيه.
هنا ينبّه الشيخ عبد الرازق إلى ضرورة عدم خداع التاريخ لنا، عندما يتحدث عن عدم وجود ذلك التباين، قائلا بهذا الصدد، انه في الحق ان كثيرا من تناحر العرب وتباينهم قد تلاشت آثاره بما ربط الإسلام بين قلوبهم وما جمعهم عليه من دين واحد، ولابد هنا من التأكيد على أثر الزعامة، الحضور الشخصي، التي كانت لرسول الله (ع)،فلا عجب ان يكون تباين الأمم العربية قد وهنت آثاره وخفيت مظاهره وخفّت حدته، ولكن العرب على ذلك مابرحوا أمما متباينة ودولا شتى، وهو أمر إن خفت حدته وتقللت آثاره، فهو مما لا يمكن التخلص منه بوجه من الوجوه، لذا، فلم يكد عليه السلام يلحق بالرفيق الأعلى، حتى أخذت تبدو جلية واضحة أسباب ذلك التباين بين أمم العرب وعادت كل أمة منهم تشعر بشخصيتها المميزة ووجودها المستقل عن غيره وأوشكت ان تنتقض تلك الوحدة العربية – ذات الطابع الديني- التي تمت في حياة الرسول (ع)، وارتد أكثر العرب إلاّ أهل المدينة ومكة والطائف، فانه لم يدخلها ردة .
هنا، لا بدّ لنا من وقفة طويلة متأملة تفحص وتحلل بعناية ودقة ما يقوله هذا النص، من حيث مقدار اتفاقه أو تعارضه مع مجموعة الأفكار الأساسية التي سبق للشيخ عبد الرازق طرحها، من جهة، ومع الإمكانات التي تتيحها هذه الأفكار لتكوين قراءة حديثة يزعم العلمانيون ان هذه الأفكار قد أسست لها .
يقول النص، ان الإسلام (هو وحدة دينية، أراد الله ان يربط بها البشر وأن تشمل أقطار الأرض كلها)
وفي السؤال عن: هل بلغت هذه الإرادة الإلهية التي أراد الإسلام ان يربط بها البشر غاياتها، وهل تحققت في الواقع الأرضي بالفعل، نجد الواقع التاريخي للاسلام يخبرنا بعدم تحقق مثل هذه الإرادة الإلهية واقعا، وهي الإجابة ذاتها التي يعترف ويصرح بها، بشكل غير مباشر، نص الشيخ عبد الرازق حين يقول، بان أسباب التباين قد ظهرت جلية بين أمم العرب و(عادت كل امة تشعر بشخصيتها، وأوشكت ان تنتقض تلك الوحدة العربية التي تمّت في حياة الرسول وارتدّ اكثر العرب )، لكن السؤال الأكثر أهمية، وهو الذي لم يطرحه الشيخ عبد الرازق على نفسه ولم يمتحن قابلية أفكاره الرئيسية – في نظرية الخلافة –على الصمود أمامه، هو: لماذا لم تبلغ الإرادة الإلهية في الرسالة المحمدية غايتها؟ اعني، لماذا لم يتم لدعوة الرسول محمد التي وصفها القرآن الكريم انها شاملة للناس كافة، ان تبلغ تمامها باعتناق اهل الأرض كلهم لها بالرغم من كونها الدعوة المؤيدة من قبل الله تعالى والمعززة بإرادته وبقدرته المطلقة ؟
لن أجيب عن هذا السؤال الواسع، ذي البعد العقائدي العميق، إلاّ قدر تعلق الأمر بأطروحة الشيخ عبد الرازق وأفكاره الخاصة التي تسمح لهذا السؤال ان يستجوبها حينا ويحاورها أحيانا .
يقول الشيخ عبد الرازق وهو قول مستمد من تعاليم القران الكريم، ان الرسول محمد لم يلحق بالرفيق الأعلى إلاّ بعد أن أتم رسالته، الأمر الذي يلزمنا هنا بأن نضع لمفهوم إتمام الرسالة بعدين أو معنيين، احدهما (نظري) وهو يتعلق بإكمال نزول القران وبيان شرائعه من قبل رسول الله وعلى عهده(ص) وهو المعنى المقصود بلفظة التمام في عبارة الشيخ عبد الرازق آنفة الذكر،العبارة التي تستمد معناها وصحتها من قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم)
أما البعد الآخر فهو عملي واقعي وهو الذي يتعلق بطبيعة الحال بنشر الرسالة المحمدية وبلوغها لأقطار الأرض كافة، فهو البعد والجانب الذي لن يكون احد على خطأ أبدا حين يقول عنه، بأنه الجانب الذي لم يتحقق بعد بالفعل لا في زمن الرسول ولا في هذا الزمن الذي نعيشه الآن كما تخبرنا الوقائع التاريخية بكل وضوح ومباشرة، وكما تعبر عن واقعة عدم التحقق هذا بكل وضوح عبارة الشيخ عبد الرازق التي تقول : وعادت العرب – اي بعد موت رسول الله – (كل امة تشعر بشخصيتها، وأوشكت ان تنتقض تلك الوحدة العربية التي تمت في حياة الرسول وارتدّ أكثر العرب ...)
لا شك ان هذا التفريق بين الجانب النظري من الرسالة – وهو الذي بلغ غايته وتمامه بوصفه تنزيلا وقرآنا وتبيانا لهذا التنزيل من قبل رسول الله- والجانب العملي منها – وهو الذي لم يبلغ حظه من التمام والكمال – ليضعنا أمام مجموعة جديدة من الفرضيات والأسئلة – قدر تعلق الأمر فقط بأفكار الشيخ عبد الرازق- وكما يلي :
يخبرنا الشيخ عبد الرازق، ان هناك وحدة دينية قد تمت للعرب وحدهم على عهد رسول الله (ص)، أي أنها لم تتم لسكان الأرض كلهم بعد، كما تفترض الإرادة الإلهية ذلك، وكما يخبرنا الشيخ عبد الرازق عن الخطاب القرآني، ولما كنا نعرف، من جانب آخر ان الله تعالى كان قد أراد للرسالة المحمدية ان تبلغ الأرض كلها، توجّب السؤال هنا، لا عن سبب عدم بلوغ الدعوة المحمدية لسكان الأرض كلهم بالرغم من ارادة الله تعالى لهذا البلوغ حسب، بل لماذا لم تجرِ المحافظة من قبل خلفاء الرسول على نوع تلك الوحدة الدينية التي تحققت في زمنه (ع)،التي يفترض منطقيا ان بلوغ الرسالة لأقطار الأرض كافة سيتم عبر إكمالها حتما، لا عبر إغفال أمرها وتجاهله . ثم ما هي الوسائل والسبل النظرية والعملية الواقعية التي يمكن بموجبها الحفاظ على تلك الوحدة الدينية التي أفنى رسول الله عمره الشريف في إقامتها، انطلاقا من كونه رسول الله الأخير إلى البشر؟
لم يجب الشيخ عبد الرازق عن اي من هذه الأسئلة إجابة صريحة مقنعة بالرغم من ضرورتها ومراودتها لنا في حضورها وإحالة البحث لها على الدوام من أجل بلوغه مرتبة إقناعه وكفاية طرحه، وهو لم يجب عنها لأن طبيعة بحثه بكل مقدماته ومبانيه الفكرية البسيطة لم تكن لتؤدي به إليها ولهذا فهو لم يطرحها على نفسه بالشكل المباشر الذي نطمح إليه، لذا فقد اكتفى بالقول، بما يعتقد انه إجابة كافية لأسئلة ممكنة مفترضة يمكن ان يثيرها بحثه: ( فاذا ما لحق عليه السلام بالملأ الأعلى، لم يكن لأحد أن يقوم من بعده ذلك المقام الديني، لأنه كان عليه السلام خاتم النبيين، وما كانت رسالة الله تعالى لتورث عن الرسول ولا لتؤخذ من عطاء ولا توكيلا ... وقد لحق (ص)بالرفيق الأعلى من غير ان يسمّي أحدا يخلفه من بعده ولا أن يشير إلى من يقوم في أمته مقامه، بل لم يشر عليه السلام طوال حياته إلى شيء يسمى دولة إسلامية أو دولة عربية، وما لحق رسول الله بالرفيق الأعلى إلاّ بعد أن أدى عن الله تعإلى رسالته كاملة، وبين لأمته قواعد الدين كله، فكيف – اذا كان من عمله ان ينشئ دولة- يترك أمر تلك الدولة مبهما على المسلمين ليرجعوا سريعا من بعده حيارى يضرب بعضهم رقاب بعض، وكيف لا يتعرض لأمر من يقوم بالدولة من بعده، وذلك أول ما ينبغي ان يتعرض له بناة الدول قديما وحديثا ! كيف لا يترك للمسلمين ما يهديهم في ذلك، وكيف يتركهم لتلك الحيرة القائمة السوداء التي غشيتهم وكادوا في غسقها يتناحرون، وجسد النبي لما يتم تجهيزه ودفنه ).
بحسب هذه الفرضية والقراءة الخاصة للتاريخ، يقول عبد الرازق أن رسول الله محمدا قد أسس وحدة دينية على عهده (ص)، غير انه لم يسمّ أحدا من بعده لخلافة هذه الوحدة الدينية، من جهة، ولما لم يكن من عمله ومن صلب ومهام رسالته أن ينشئ دولة سياسية، فأنه لم يصدر أيا من التعاليم التي تُعين وتسمح وتمكّن الأمة من بعده من ان تنشئ دولة مدنية سياسية على وفق قدراتها العقلية .
غير أن مثل هذا الحال والموقف قد ترك المسلمين حيارى متناحرين يضرب بعضهم رقاب بعض ولم يزل جسده بعد بلا دفن، فهل أراد رسول الله محمد بعدم تسميته أحدا يخلف وحدته الدينية التي أسسها، وبعدم إصداره الأوامر والتعاليم لأمته بإنشاء نظام مدني، بما في ذلك عدم توصيته بنظام الشورى لهم، وهو حال أدّى بهم إلى التناحر وضرب الرقاب وهو لم يزل بعد مسجّى، فهل أراد الرسول محمد بامتناعه عن الفعلين – فعل عدم تسمية من يخلفه وفعل عدم إصدار الأوامر بإنشاء نظام مدني- أن يسلّمهم إلى هذا الحال الذي آلوا اليه من بعده؟
ألا يحمّل الشيخُ عبد الرازق هنا رسولَ الله بامتناعه عن التوصية لأحد من بعده وبعدم تعليم المسلمين كيفية إنشاء دولة مدنية من بعد رحيله (ص)، المسؤولية ضمنا عن هذا التناحر الذي وقع المسلمون به من بعده، إذ ان هذا التناحر يقع بمنزلة النتيجة لمقدمتين -هما عدم تسمية الرسول لأحد من بعده وعدم تعليمه لأمته كيفية إقامة دولة مدنية- إذ لو كان رسول الله قد سمّى أحدا من بعده لخلافة وحدته الدينية أو أنه أوصى عليه السلام صحبه بإتباع مجموعة من التعاليم المدنية تعينهم على تأسيس دولة لهم، لما حصل بطبيعة الحال، ذلك الوضع المتناحر الصعب الذي آلوا اليه؟
يعلل عبد الرازق امتناع الرسول عن الوصية لأحد من بعده،من جهة،وعدم إشارته إلى ما يُعين أمته من بعده على تأسيس دولة إسلامية، من جهة أخرى،إلى فعل مقصود مفاده(إنما كان معناه ترك مسألة إنشاء الدولة لعقول الناس، لأنها غرض من الأغراض الدنيوية، وهي أهون عند الله من ان يقيم على تدبيرها غير ما ركّب فينا من عقول وأحيانا من عواطف وشهوات) .
غير ان واقع الحال أخبرنا، أن أول فعل صدر عن أداء العقول لمهامها ومسؤولياتها في بناء الدولة بعد رحيل رسول الله عن أمته، هو التناحر وإمكان ضرب بعضهم رقاب بعض، فهل أراد الله ورسوله للأمة ان تجنح إلى هذا المصير بعد رحيل رسول الله عنها ؟ أم ان الله لم يكن على علم بما يمكن ان تفعله عقول الرجال بعد تفويضه تعالى لها امر بناء الدولة الإسلامية بالاعتماد على قدراتها وحدها بعد رحيل رسول الله عنها ؟
لنرجع إلى النص ذاته مرة أخرى من أجل استنطاقه من زاوية معرفية أخرى.
يقول النص فيما يقوله ( أن الإسلام دعوة سامية شاملة أراد الله ان يربط بها البشر، وأن تشمل أقطار الأرض كلها).
وفي سؤالنا عن الزمن المفترض الذي يمكن ان تبلغ فيه هذه الدعوة غايتها، لا يستطيع أحد الإجابة بالقول،أن من الممكن لدعوة رسول الله أن تبلغ أقطار الأرض كلها خلال حياته الشريفة، أولاّ، لقصر حياة الإنسان بالقياس لجسامة هذه المهمة واتساعها، وثانياّ، لأن الوسائل المتاحة لنشر الدعوة وبسطها على أقطار الأرض كلها لم تكن لتسمح هي الأخرى بالقول، ان من الممكن لهذه الوسائل نشر الدعوة المحمدية في أقطار الأرض كلها خلال حياة رسول الله، سواء أكانت الوسائل هذه سلمية تتمثل عبر الحكمة والموعظة الحسنة، أم كانت عسكرية تتم عبر سبيل الجهاد والفتوح والغزوات .
الأمر الذي يعني ان الإرادة الإلهية في بلوغ دعوة الرسول الأقطار كلها، لم تكن منوطة ومحددة خلال حياته الشريفة فقط، بدءاً من زمن إعلان دعوته، أي خلال 23 عاما فقط.
الأمر الذي يعني بالضرورة، أن مهمة تبليغ الرسالة لسكان الأرض كافة يمكن أن تتحقق في القابل من زمن الدعوة حسب، ولما كان رسول الله قد رحل عن هذا العالم ولم يتمّها على عهده، فأن منطق العقل يقضي، بأن مسألة تبليغ الدعوة لسكان أهل الأرض كافة، سيكون شأناً من شؤون خلفاء رسول الله، سواء أسمّى الرسول هؤلاء الخلفاء أم لم يسمّهم، وهو الأمر الذي يفترض وعي وأدراك أولئك الخلفاء لهذه المهمة، أي مهمة إكمال دين الله ونشر الرسالة في أقطار الأرض كافة من بعده (ص).
من جانب آخر، وفي النص قيد البحث ذاته، يخبرنا الشيخ عبد الرازق، (أن الإسلام لا يعرف فضلاً لأمة على أمة ولا لقطر على قطر، ولا لزمن على زمن ولا لجيل على جيل، وكان لا بدّ لدعوة الإسلام أن تخرج إلى هذا الوجود وأن تبرز حقيقة ثابتة بين حقائق هذا الكون).
إنّ تعرّفنا على هذا النص عن قرب وربطنا ايّاه بعلاقة معرفية مع النص السابق الذي يتحدث عن الإرادة الإلهية في نشر الدعوة على أقطار الأرض كافة، يقودنا إلى وضع الأفكار والأسئلة وترتيبهما من خلال معطى النصين معا وعلى وفق السياق الآتي:
1- لدينا نص يقول (أن الإسلام وحدة دينية أراد الله أن يربط بها البشر وأن تشمل أقطار الأرض كافة)
2- أن تمكّن الرسول من تشكيل وحدة دينية ضمّت – فقط- (البلدان ) العربية المختلفة خلال حياته الشريفة، يعني أن مثل تلك الوحدة الشاملة التي تضم أقطار الأرض كافة والتي تطمح الدعوة لبلوغها، لم تتحقق بعد .
3- مرّ بنا أيضا نص آخر يقول،(أن الإسلام ليس دعوة عربية، ولا وحدة عربية ولا دينا عربيا وما كان الإسلام ليعرف فضلا لأمة على أمة ولا لغة على لغة ولا لزمن على زمن، ولا لجيل على جيل )،الأمر الذي يعني، ان نشر الرسول محمد لدعوته وبلوغه مرحلة تطبيقها على أقطار العرب خلال حياته الشريفة، لا يمكن ان يعني أبداً ان دعوته قد بلغت كمالها وتمامها، لأن الإرادة الإلهية تقضي بشمول أقطار الأرض جميعا بها.
4- ثمة نص آخر مرّ بنا يقول، (ما لحق (ص) بالرفيق الأعلى إلاّ بعد أن أدّى عن الله تعالى رسالته كاملة، وبيّن لأمته قواعد الدين كلّه، لا لبس فيها ولا إبهام)
الأمر الذي يعني أن هذا التمام والكمال الذي يخص الرسالة والذي يتحدث عبد الرازق عنه، ينبغي أن يفهم في الإطار النظري له حسب، أي الإطار الذي يخص إكمال نزول القرآن آيات وسور وبيان الرسول لأحكامه الفقهية أولاً، أما لفظ الأمة الوارد في النص فينبغي أن يفهم بوصفه الأمة الدينية المحدودة التي شكّلها رسول الله على عهده والتي مثّلتها واقعا بضعة أقطار عربية فقط، كما مرّ بنا.

اذن فمجموع هذه النصوص يقول:
ثمة وحدة دينية ناجزة عند حدود (الأقطار )العربية (فقط)
وثمة إرادة إلهية تريد للرسالة المحمدية ان تبلغ أقطار الأرض كلها
لأن الإسلام شامل، لا يخص بلدا دون بلد ولا جاء لزمن دون زمن .
فما الذي يمكن استنباطه من هذا الوضع المعرفي بالغ الترابط بين أحداثه، والذي يمكننا أيضا إعادة صياغته -طلبا لمزيد من الوضوح- على وفق البناء الآتي:
1- ثمة أولاً رسالة سماوية منجزة أكملها رسول الله في حياته، تمثّلت باكتمال نزول القران وبيان أحكامه، وهو نوع كمال واكتمال نظري لا يمكن الإضافة إليه لأنه تنزيل من ربّ العالمين، وقد عبّر النص القرآني عن هذا الحدث بقوله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)
2- لما كانت الإرادة الإلهية، تريد لهذه الرسالة المحمدية، أي للدين الإسلامي أن يبلغ أقطار الأرض كلها،، لأنه دين شامل لم يأتِ لزمن دون زمن ولا لجيل دون جيل، ثم لأنه حقيقة كونية من بعد، توجّب على الوحدة الدينية، بوصفها - مجموعة بشرية تربطهم عقيدة الإسلام- أو الأمة الإسلامية التي غادرها رسول الله إلى الرفيق الأعلى، أن تنهض بأعباء نشر الرسالة لأن محمدا لم يكمل مهمة نشر هذه الرسالة إلى أقطار العالم كافة على مدى حياته الشريفة .
من هنا – وبغض النظر عن وسائل نشر أعباء هذه الرسالة من حيث كونها سلمية تتم عبر الحكمة والموعظة الحسنة أو عسكرية تتم عبر الفتوحات والجهاد – المهم هو أن يعي المسلمون، قادة ورعايا، أن رسول الله قد خلّف لهم مهمة لم تكتمل، وأن أمر اكتمالها رهين بهم، لذ فإن عليهم مهمة إكمالها بنشرها في أقطار الأرض كافة .
واضح هنا، أن مهمة المسلمين في نشر الرسالة المحمدية وإكمالها بهذا المعنى، لا يمكن ان تخص إلاّ الجانب العملي التطبيقي منها، لأن الجانب النظري منها والمتمثّل بنزول القرآن، كامل تام ولا يمكن الإضافة إليه .
فهي أذن مهمة تحويل النص القرآني النظري الذي أكتمل على عهد رسول الله، إلى صيغ عملية حاضرة بين المجتمع العربي الإسلامي – في الأقل – إن لم يكن بين المجتمعات كلها، الأمر الذي يعني بالضرورة في نهايته أن للرسالة المحمدية جانبا عمليا تطبيقيا مكمّلاً لها، لا يقل أهمية وضرورة عن جانبها النظري، وهي المسألة التي أنكرتها فرضية الشيخ عبد الرازق، حين جعلت ونسبت للرسالة المحمدية جانبا نظريا فقط، مفترضة أن الرسل غير معنيين بالتنفيذ العملي لمضمون رسالاتهم السماوية، كما مرّ بنا هذا الإنكار عبر قول الشيخ عبد الرازق، آنف الذكر.
لكن، ما مصير هذه الوحدة الدينية التي أنشأها رسول الله على عهده (بلسانه وسنانه)، وكان سيدّها وقائدها وزعيمها ؟
كيف سيتصرّف المسلمون معها ؟ وما هي خططهم النظرية والعملية للدفاع عنها والحفاظ عليها، إذا عرفنا، حسب فرضية الشيخ عبد الرازق، أن الرسول محمد –ص- لم يوصِ لأحد من بعده بزعامتها دينياً أو وراثتها حفاظا على نوعها الديني النادر –لأن مقام النبوّة لا يورث-، مثلما لم يدفع أصحابه أو يعلّمهم شيئاً مما يصلح أو يُعينهم على تأسيس حكومة مدنية سياسية من بعده، أنما ترك الأمر كله لعقولهم وحدها،أو لأهوائهم أيضا، كما افترضتْ كل ذلك نصوصُ الشيخ عبد الرازق حلّها لهذه المسألة؟
باستثناء إشارته للنزاع الذي نشب بين المسلمين عشية رحيل رسول الله –ص- عن العالم، لا نكاد نعثر على أية أجابة نظرية كافية أو أفكار مقنعة عن المصير الذي آلتْ اليه هذه الوحدة الدينية التي شيّدها رسول الله للمسلمين وألّف بين قلوبهم بمادتها بعد أن كانت أهواؤهم وبلدانهم وأفكارهم شتى.
لذا نجد من المفيد هنا أن نفترض أكثر من حالة واحدة أو احتمال ممكن لتعامل المسلمين مع هذه الوحدة الدينية التي وجدوا أنفسهم فيها بلا قائد وزعيم لهم ولها بعد رحيل رسول الله عنهم.
أول الاحتمالات هذه وأكثرها إقناعا ومنطقية وقربا من التصديق – وبغض النظر الكامل عن قضية وصاية الرسول لأحد من بعده بخلافة مقامه أو تركه الأمر شورى من بعده، لأنني أتحدث هنا عن فرضية حسب – أقول أول احتمالات التعامل مع هذه الوحدة الدينية التي خلّفها رسول الله لقومه، هو الحفاظ عليها، أي على نوعها الديني والكتاب الكريم الذي أمر بإنشائها، ومن ثم العمل على نشرها في أقطار الأرض، تعلّقا بنوعها المعرفي والأخلاقي وقيمها السامية واكر أما لها ولسعادتهم فيها وللخير والنعم التي أصابتهم جرّاءها و وفاءاً لرسول الله، فضلا عن كونها خلاصا لهم وطريقا سالكة بهم إلى نعيم الدار الآخرة.
أما الاحتمال الآخر، فهو التنكّر لها والجحود بالنعمة التي إصابتهم من خلالها، ثم البداية من نقطة الصفر،لتأسيس دولة مدنية سياسية على وفق عقولهم ومقتضيات عصرهم الجديد بعد أن عاشوا التجربة الدينية مع رسول الله، فقرروا ان يختاروا لأنفسهم من بعده، تجربة حياتية دنيوية يبنون على وفقها دولة سياسية ووحدة دنيوية، هي البديل عن وحدة رسول الله ذات الطابع الديني .
في هذه الحالة الثانية وضمن هذا الاحتمال الأخير، ستتوقف – بطبيعة الحال – الرسالة المحمدية، من حيث انتشارها، عند الحدود التي أنشأها رسول الله لها، وهي الحدود العربية، ولن تتمكن من بلوغ أقطار الأرض جميعا – كوحدة دينية- لعدم وجود قادة أو أمة تنهض بأعباء نشرها وتؤدي مهمة شيوعها، الأمر الذي يعني، - كمقابل لهذه الحالة - أن مسألة تبليغ الرسالة لأقطار الأرض كافة، مسألة ينبغي أن تبدأ بالمحافظة على هذه الوحدة الدينية وأن تتخذها منطلقاً وأساساً ومحركّا نظريا وعملياً لها، فضلا عن القول بأن مهمة بلوغ الدعوة لأقطار الأرض كلها لا يمكن ان تكون سياسية ابدا، لأن مهمة الرسول محمد لم تكن سياسية، إنما كانت ذات طابع ديني محض، وهنا تجدر الإشارة المهمة إلى أن هذا النوع الديني بالذات هو الذي أُريد له أن يبلغ أقطار الأرض كلها .
هنا سنعثر على النقطة الثانية لتناقض طروحات الشيخ عبد الرازق في فصله هذا،إذ انه، مع أيمانه وتأكيده على ان الإسلام لم يأت لزمن دون زمن ولا لجيل دون جيل، وهي المسألة التي يكفل للشيخ عبد الرازق تحققها، تمسكُ المسلمين بالوحدة الدينية فقط، نراه يقول ويميل إلى تفضيل خيار ترك المسلمين لتلك الوحدة الدينية والقول بتفضيل المسلمين لخيارهم بالشروع بتأسيس دولة مدنية سياسية لا أساس ديني لها.
لكن هل قال الشيخ عبد الرازق مثل هذا المضمون صراحة وهل دعا اليه حقا بعد كل ذلك الإطراء والتوقير والجلال الذي نعت به وحدة الرسول الدينية، والذي اخبرتنا به بكل صراحة ووضوح بعض نصوص كتابه بالغ الغموض والتعقيد ؟
هذا ما سيجري التعرف عليه أيضا.










5- أفول وحدة الدين وانبثاق نظام الخلافة
في أداء مشبع بقناعة انقضاء الحقبة النوعية التي كانت عليها الرسالة على عهد رسول الله ونهايتها برحيله عليه السلام، وفي قناعة راسخة هي الأخرى، تعرضُ استحالة تكرار النمط الخاص والتجربة النادرة للحكومة الدينية التي تزعمها –ص- من حيث انه (لا يكون لأحد أن يخلفه في زعامته أو رسالته) يقرر الشيخ عبد الرازق بقناعة ثابتة جديدة ثالثة، عدم وجود زعامة دينية جديدة بعد زعامته –ص- الأمر الذي يعني ان نوعا من الزعامة جديدا، ليس متصلا بالرسالة ولا قائما على أساس من الدين سيشرع في الظهور في الأمة الإسلامية بعد رحيله عليه السلام، انها (ليست شيئا أقل ّ أو أكثر من الزعامة المدنية السياسية، زعامة الحكومة والسلطان، لا زعامة الدين، وهذا الذي قد كان )
يضيف الشيخ عبد الرازق، لقد كانت وحدة دينية محض (لا مملكة ولا حكومة سياسية، ولا دولة مدنية، ولم يكن زعيمها ورئيسها ملكا أو سلطانا، بل كان رسولا من الله، وآخر الأنبياء والمرسلين )
لذا فقد انتهت رسالته بموته (ص) مثلما (انتهت زعامته الدينية أيضا وما كان لأحد أن يخلفه في زعامته كما انه لم يكن لأحد أن يخلفه في رسالته ) لأن النوع الخاص من تلك الزعامة الدينية كان متماهيا مع كونه رسول الله وأن الأمة التي أسسها منبثقة من خصوصية كونه رسولا من الله (فاذا كان لا بدّ من زعامة بين إتباعه –ص- بعد وفاته، فإنما تلك زعامة جديدة غير التي عرفنا لرسول الله –ص- انها زعامة (جديدة ليست متصلة بالرسالة ولا قائمة على الدين، فهي اذن زعامة بنوع لا ديني) واذا كانت الزعامة لا دينية (فهي اذن ليست شيئا أقلّ أو أكثر من الزعامة المدنية أو السياسية، زعامة الحكومة والسلطان، لا زعامة الدين، وهذا الذي كان) –ص 75 وما بعدها-
هذه هي الأفكار التي يستهل بها الشيخ عبد الرازق (الباب الجديد) من كتابه، مستكملا ومعززا فكرته عن (الوحدة الدينية)، وهي مجموعة قناعات راسخة سبق لنا التعرف عليها قبل إقامة (الدليل) عليها –من وجهة نظره- وخلالها ومن بعدها، أي في التقديم لجعل هذه الوحدة ممكنة وخلال وجودها ومن بعد رحيل زعيمها .
انها الأفكار ذاتها التي رافقتنا على مدى صفحات الكتاب كله، حتى ليمكن القول بثقة بالغة، إن كتاب الشيخ عبد الرازق لا يكاد يقول شيئا أوسع منها ولا يريد ان يقدم من الأفكار ما يمكن ان يسبقها أهمية أو يتقدم عليها أساسا ومنزلة، مما يعني، ان كل الأفكار والقناعات الكبرى والصغرى التي توجد في هذا الكتاب بالفعل، أو تلك التي توجد في القراءات الأخرى لهذا الكتاب على اختلافها وأهميتها، هي أفكار فرعية ثانوية تنطلق وتأسس على هذه الأفكار والقناعات التي نعرضها هنا .
أما إن بدتْ هذه الأفكار – في القراءات الخاصة لها- بهيئة معرفية أخرى لا تكاد تمتّ بصلة ما إلى هذه الفكرة المركزية، حدّ إمكان القول بمفارقتها وغربتها عن هذه الأفكار التي تشكّل أصل الكتاب والقطب الذي تدور عليه رحى أفكاره كلها، فانما جرى لها ذلك عبر إتباعها منهجا مسرفا في تأويله حينا أو مغرضا في قراءته بتعمّده إهمال هذه الفكرة والتنكر لها، لكن، وهذا هو المهم، كيف جرى للشيخ عبد الرازق توظيف فكرته هذه لإنتاج أفكار أخرى مشتقة منها ؟ وهل كان موفقا، مقنعا ومنطقيا في طرق استدلاله واستنباطه لمجموعة الأفكار الجديدة التي ولّدها عن هذه الفكرة المركزية التي خصص الكتاب كله لجعلها ممكنة مقنعة تحمل الدليل معها على صحتها ؟
هذا من جهة، ثم هل كانت القراءات التي اتخذت من هذه الأفكار أساسا لها موفقة هي الأخرى، مخلصة لها، نزيهة وغير مغرضة في التعامل معها، من جهة أخرى؟
هذه هي الوجهة المهمة الأخرى التي سنسلكها سبيلا لإقامة الدليل على مركزية فكرة (الوحدة الدينية) ونوع زعامتها الديني، بالقياس إلى ما تلاها من حكومة مدنية ونوع حكم مغاير نوعيا لها .
قلنا بأن (الوحدة الدينية) التي تمّت للعرب على عهد رسول الله،بكل ما تحمله من خصوصية وقدسية ونوع الهي وزعامة دينية خاصة لا تورث، واختلافها عن اي نوع مدني سياسي من الحكم ممكن التشابه في سلطانه، لكونها مستمدة من السماء،، هي الموضوع الرئيس والفكرة المركزية التي وجدت في كتاب الشيخ عبد الرازق وتخللّت أفكاره من ألفها إلى يائها، وبغية إقامة الدليل، من هذا الكتاب على صدق ما نذهب اليه، لا بدّ لنا من تتبع نمو هذه الفكرة عبره بإيجاز شديد .
يقع كتاب الشيخ عبد الرازق في ثلاثة أبواب رئيسة، يعرض الأول منه لمعنى الخلافة في اللغة والاصطلاح، مفرّقا بوضوح بين معنى الخليفة (عندهم) -اي عند خصوم عبد الرازق – وبين المقام والزعامة الخاصة برسول الله، وهي الزعامة التي لا تصح ولا يُسمح لأحد بأن ينوب عنه فيها، لأن هذه الزعامة وهذا المقام مرتبطان برسالته وبالدين الذي تلقّته من جانب القدس الأعلى ويتولى تنفيذه والدفاع عنه، كما تولّى إبلاغه عن الله تعالى ودعوة الناس له – ص12-
هذه هي أول إشارة صريحة في كتاب الشيخ عبد الرازق لفكرته المركزية حول الزعامة الدينية الخاصة للوحدة الدينية التي أقامها رسول الله، و امتناع ان يؤول نوعها الخاص شرعا وعقلا لأحد من بعده، فاذا كان لا بد من حكومة بعد رحيله (ص) فينبغي الإقرار بانها من نوع دنيوي خاص لا يجوز فيه ان تكون شبيهة أبدا بنوع وحدة رسول الله الدينية، ولا يجوز الادعاء بأن سلطات الخليفة هي ذات سلطات رسول الله .
أما الإشارة الثانية التي تنتج عن معنى الإشارة الأولى وتعزز نوعها فهي ما تليها مباشرة في سياق نمو أفكار الشيخ عبد الرازق، والتي أراد الشيخ عبرها تنزيه الشريعة المحمدية المقدسة من أي غرض غير ديني، سياسي أكان أم دنيوي، فهو يقول مستعرضا رأي خصومه القائلين بإمكان ان يجمع رسول الله في نوع حكومته الخاص، مهمة حفظ سياسة الدنيا، فضلا عن مهمته الرئيسة في حفظ الدين، انه رأي خاطئ ونسبة لا تصح من وجهة نظر الشيخ عبد الرازق، كما رأينا.
فانطلاقا من هذا الفهم الخاطئ والخلط غير المبرر وغير الصحيح، بنسبة مهمة حفظ الدين وسياسة الدنيا لرسول الله، يرى عبد الرازق ان ميل خصومه إلى القول بمثل هذا الأمر، ربما كانوا قد أرادوا بنسبته إلى رسول الله، امتلاك المسوّغ لجمع نوعي السلطتين لديهم، أي لدى خلفائه من بعده –ص- فسمّي القائم من بعده، خليفة وإماما( ينزل عندهم من أمته بمنزلة رسول الله –ص- من المؤمنين)، ثم يمضي الشيخ عبد الرازق بتعداد صلاحيات الخليفة، الصلاحيات التي كان أكثرها على وجه الدقة، صلاحيات رسول الله نفسها الخاصة به وحده بسبب من كونه رسولا من السماء، لذا يرى عبد الرازق ان الزعامتين مختلفتان كليا من حيث النوع ومصدر السلطات والصلاحيات، فزعامة رسول الدينية ذات الطابع الإلهي الخاص به تختلف عن زعامة (الخليفة ) الذي جاء من بعده ذات الطابع الدنيوي المقطوع عن الصلة السماوية .
نتيجة لذلك وخلاصة له، يقول الشيخ عبد الرازق في هذا النص، بلهجة تعبّر عن عدم الرضا إزاء ذلك التحول النوعي الذي تمّت بموجبه عملية إسباغ سلطات رسول الله على خلفائه ( وجملة القول، ان السلطان، خليفة رسول الله –ص- هو أيضا حمى الله في بلاده وظله الممدود على عباده، ومن كان ظل الله في ارضه وخليفة رسول الله –ص- فولايته لأمته مطلقة كولاية الله تعإلى وولاية رسول الكريم )- ص 13-
ما ينبغي ملاحظته في النص السابق، هو، ان الفكرة المركزية حول الزعامة الدينية الخاصة لرسول الله تُظهر أولى تحولاتها الان إلى فكرة (سلطان) - المختلفة جذريا عن نوع الزعامة الدينية الخاصة برسول الله – له ذات صلاحيات رسول الله رغم ان هذه الصلاحيات كانت معقودة لرسول الله وحده بسبب من اتصاله بالسماء ومن كونه رسولا لها فقط .
ولنلاحظ هنا أيضا، وفي النص ذاته، اخلاقية عدم الرضا في التعبير عن أجراء ذلك التحول، مثلما نلاحظ الارادة المعرفية بضرورة التفريق ووضع الحدود بين نوعي الحكومتين، الدينية والدنيوية، بل نلاحظ كذلك الرغبة المخلصة لعبد الرازق في الانتصار للوحدة الدينية المنبثقة عن الرسالة المحمدية على كل شكل للحكومة يمكن أن يتأسس خلفا ً لها (ص 6).
فبعد ان أصبحت مثل هذه الزعامة الجديدة ممكنة عبر التحول الذي عرض لنا الشيخ عبد الرازق أسبابه، وهو التحول من نوع زعامة دينية سماوية خاصة، إلى نوع زعامة دنيوية سياسية مختلفة كليا عنها، لكن مع الاحتفاظ منها بسلطاتها الكبيرة وقدسيتها، يمضي الشيخ عبد الرازق في إنكار لمصدر هذه السلطات وبيان الأسس الخاطئة التي قامت عليها والتي كان في مقدمتها (تعريفهم) للخلافة بأنها( رياسة عامة في الدين والدنيا،خلافة عن النبي –ص-) ص 17
وهو التعريف الذي أرادوا بوضعه المبيّت المقصود- حسب عبد الرازق- استحصال صلاحيات رسول الله الخاصة به وخلعَها على خلفائه من بعده .
نحن هنا اذن إزاء وضع نقدي مقارن، يتخذ من نوعين مختلفين من الزعامات مادة له، ثم يذهب بوضوح بالغ – حسب ما عرضه لنا عبد الرازق- إلى تفضيل الزعامة الدينية لرسول الله على زعامة خلفائه الدنيوية السياسية التي استعارت بغير وجه حق سلطات الزعامة الدينية الخاصة وقدسيتها، وهو نقد بنيوي واخلاقي خاص بهذا الواقعة التاريخية المحددة و رهين بها حسب، بمعنى انه لا يسمح لنا ابدا اتخاذه أوالتعامل معه كمبدأ عام يسوّغ لنا ان نفهم منه –أولاً- موقفا شاملا للشيخ عبد الرازق يقول بفصل الزعامتين عن بعضهما، ثم يدعونا هذا الموقف ذاته من بعد إلى معاينة عن قرب لميل الشيخ عبد الرزق وانحيازه لقيمة ونوع الزعامة الدينية على النوع المختلف للزعامة الأخرى التي تقف في موضع المقارنة منها.
اذن فقد انتقلت السلطات الخاصة برسول الله والممنوحة اليه وحده من قبل السماء بحكم كونه رسولا لها، انتقلت إلى نوع مغاير ارضي من السلطة، مقطوع الصلة عن السموات وعن أسباب اتصالها به، ولأن مسلمي ذلك العصر (أفاضوا على الخليفة كل تلك القوة، ورفعوه ذلك المقام وخصّوه بكل ذلك السلطان، كان واجبا عليهم ان يذكروا لنا مصدر تلك القوة التي زعموها للخليفة، أنّى جاءته ومن الذي حباه بها وأفاضها عليه ) -ص24- وفي الإجابة عن السؤال المتعلق بمصدر قوة الخليفة، يضع عبد الرازق احتمالين لذلك، الأول منهما هو (أن الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله وقوّته من قوّته)- فهو ظل الله على الأرض - ص24-.
أما الاحتمال الآخر في مصدر سلطة الخليفة فهو الذي يقول بأنها مستمّدة من سلطة الأمة، فهي مصدر قوّته وهي التي تختاره لهذا المقام، ثم يمضي الشيخ عبد الرازق لتفنيد كلا الرأيين وإثبات عدم صحتهما وكفايتهما لأن يكون أيّ منهما مصدراً مقنعاً تم ّبموجبه وعلى وفق قناعاته استحصال الخليفة لسلطاته .




5- عن صلة الكتاب بحدث إلغاء الخلافة العثمانية 1924
كانت غايتنا من تدوين هذا الفصل، كما اشرنا لذلك، هي التأكيد وإقامة الدليل القطعي، على ان الفكرة المركزية في كتاب الشيخ عبد الرازق هي (الوحدة الدينية)التي أنشأها الرسول على عهده عبر رسالة سماوية خاصة كلّفته السماء بإنشائها وفوّضته ان يكون زعيم هذه الوحدة، وأن تكون له سلطات نفسية وحقوق دينية ومدنية خاصة على كل من دخل في هذه الوحدة، أما جميع الأفكار الأخرى التي وردت في الكتاب، فهي لا تساويها أهمية ولا تمثّل في حجمها ومكانتها سوى تفريع وحوار وتناغم واشتقاق واختلاف واتفاق مع هذه الفكرة المحددة التي تقع بمنزلة القلب من مضمون الكتاب كله، والتي مازلنا بطبيعة الحال قيد ملاحقة تجليتها والبحث عنها .
نعم لقد كان ثمة مناسبة حقيقية سياسية أو معرفية بين موضوع الكتاب والوقائع التي حدثت في زمن الشيخ عبد الرازق والمتعلقة بحدث إلغاء الخلافة عام 1924 وظروف إعادتها، وربما كان الحدث هذا هو احد دوافع تأليف الكتاب، وانه وضع لبيان رأي الشيخ عبد الرازق وموقفه من هذه المسألة، بحيث يمكن فهم الكتاب بطريقة مفادها، ن الشيخ عبد الرازق أراد ان يعبر عن موقفه من عدم شرعية الملك فؤاد بدعواه لأن يكون خليفة للمسلمين بعد إلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا، أراد ان يعبر عن هذا الموقف بتقويض الأساس الشرعي له من القواعد، عبر القول بلا شرعية مفهوم ومبدأ الخلافة الإسلامية أساسا، اي بلا شرعية نيابة الخلفاء الراشدين عن رسول الله نيابة دينية، ولا شرعية حكمهم للأمة الإسلامية من بعده وليس هناك من حق لأحد في ما يخلفه في وحدته الدينية، ولا شرعية ادعاؤهم بوراثة سلطاته الخاصة الممنوحة له وحده من السماء، وربما كان موقف الشيخ عبد الرازق مقنعا أو صحيحا في هذه المسألة وقدر تعلّق الأمر بها وحدها، لكن الأمر الأكثر أهمية من ذلك هو القول الصريح المعزز بالشواهد، بان الفكرة هذه لا يمكن ان تؤلف الموضوع الرئيسي للكتاب أولاً، فالكتاب في حقيقة الأمر يقول أشياء كثيرة تفوق بشكل واضح محدودية هذا الحدث، فضلا عن، ان إثبات صحة الفرضية التي يذهب عبد الرازق إليها والبناء الفكري والتاريخي الذي يعتمده عبد الرازق حول عدم عناية حكومة الرسول بالسياسة وحول دعوته (الخاصة) لفصل الدين عن الدولة ومن ثم حول بلوغه لغايته بالوقوف ضد رغبة الملك فؤاد ومطالبته بالخلافة لنفسه، أقول ان هذا المسار والمنهج المتبع، لبلوغ غاياته، انما يمر ويصل اليها عبر الإغفال والتجاهل الضروري لكثير من الحقائق، اعني ان منهج الشيخ لا يمكنه أن يبلّغه غاياته إلا عبر إغفاله ومصادرته الكثير من المفاهيم والحقائق التاريخية، ثم ان هذا المنهج ذاته ما كان له ان يصل إلى غايته إلا عبر قوله وإثباته واعتماده على حقائق أخرى، يقع القول واعتماد مفهوم (الحكومة الدينية ) في مقدمتها وهو المفهوم والواقع الذي رأينا انتصار الشيخ عبد الرازق لفكرته، ثم رأينا ان أطروحة الفصل بين الدين والدولة، وهي الأطروحة المستمدة من هذا الفضاء المعرفي، مسألة لا يمكن ان تفهم – حسب البناء الفكري الذي يعرضه الكتاب بها– إلا عبر القول بالانتصار للوحدة الدينية وزعامتها على كل نوع وحدة آخر سياسي أو مدني، بل الانتصار للدين على كل مفهوم سياسي أو مدني يحكم الناس انطلاقا من القدرات والممكنات العقلية للسلطان وحدها، وهو الأمر الذي أشار اليه عبد الرازق ممثَّلا بارتداد العرب ورجوعهم إلى التناحر بعد انتهاء حقبة الوحدة الدينية التي كانت على عهد رسول الله .








6- في نفي مصادر التشريع لمبدأ الخلافة
قلنا بان فكرة (الوحدة الدينية)هي الفكرة المركزية التي تقع بمنزلة القلب من أفكار الكتاب الأخرى كلها، وقلنا أيضا ان انتصارا واضحا وانحيازا فكريا وأخلاقيا واضح الملامح كان يعقده الشيخ عبد الرازق لمفهوم وواقع هذه الوحدة على حساب كل فكرة وواقع آخر سياسيا أكان أو مدنيا دنيويا كما رأينا، وهي مسألة يستدعي إثباتها – فضلا عما عرضناه –منهجا قرائيا خاصا يستدعي بالضرورة تعرفنا على أفكار الكتاب كله لإثبات حقيقة وجودها الكلية هذه، لذا فقد ارتأينا القيام هنا بأن نستكمل العرض الكلي الموجز لأفكار الكتاب كله- بعد عرضنا لبابه الأول- مستهدفين بإجرائنا هذا تتبّع مسار وموقع وتطور فكرة (الحكومة الدينية )التي نزعم مركزيتها واهميتها البالغة.
في الباب الثاني من كتابه، يناقش الشيخ عبد الرازق مهمة تنصيب الأمة لخليفة لها بعد رحيل رسول الله عنها،، من حيث كونها فكرة واجبة شرعا وعقلا (عندهم)،ثم يمضي لتعداد أسباب هذا الوجوب لدى فريق من المسلمين، وأسباب عدم هذا الوجوب لدى فريق آخر، ولأن مسألة وجوب نصب الخليفة للأمة هي الأكثر أهمية، فقد أفاض عبد الرازق في مناقشة أسباب هذا الوجوب في مذهب القائلين به، فكانت أدلتهم وقناعتهم المستمدة من القران والسنة والإجماع، وهي المصادر الأساسية الثلاث لتشريع المسلمين، عرضة للحوار والعرض والتفنيد،حيث يبادر الشيخ عبد الرازق بحزم لا يلين إلى نفي أن يكون في أي منها دليل أو حجة كافية على وجوب أقامة خليفة للأمة، بل يذهب إلى تحدّيهم بإمكان العثور على أيةِ آيةٍ في كتاب الله تعزز دعواهم، يقول عبد الرازق بصدد نفي أن تكون أي من آيات القران دليلا على هذا الوجوب ( لم نجد فيما مرّ بنا من مباحث العلماء الذين زعموا ن ان إقامة الأمام فرض، من حاول ان يقيم الدليل على فرضيته بآية من كتاب الله، ولعمري لو كان في الكتاب دليل واحد لما تردد العلماء في التنويه والإشادة به...فانصرفوا عنه إلى ما رأيت، من دعوى الإجماع تارة ومن الالتجاء إلى أقيسة المنطق وأحكام العقل تارة أخرى( -ص 20)
بإزاء هذا النص، سنكتفي هنا بإثارة مجموعة من التعليقات ضده، أولها،هو القول بعدم صحة الفرضية التي يتبناها عبد الرازق هنا والتي تقول بعدم نص القرآن على وجوب تنصيب الخليفة، أما السبب في تبنيه لمثل هذا الرأي فيمكن الإشارة اليه بكونه متعلقا بنوع الثقافة المذهبية التي يناقش الشيخ عبد الرازق هذه المسألة المهمة انطلاقا منها، بعبارة أكثر وضوحا ومباشر، ان ثقافة المذهب السني بوجه عام لا تنظر إلى مسألة الإمامة أو الخلافة بنفس المنظار العقائدي الذي تنظر به العقيدة الشيعية لهذه المسالة ذاتها، فإذ تناط مهمة تنصيب الخليفة بالأمة وحدها حسب تعاليم المذهب السني، يعتقد الفكر والثقافة الشيعية ان مهمة تنصيب الإمام هي مهمة إلهية يتعين على الرسول انجازها عبر أسلوب النص وتسمية الأمام من بعده بنفسه، ولأن الشيخ عبد الرازق لا يخفي ولا يتحفّظ على نوع رؤيته السنية لهذه المسألة فقد أعفى نفسه من مهمة مناقشة أو ذكر ما يقوله الشيعة بهذا الصدد، وهو القول الذي يحرص الشيعة على اعتماد آيات القران – والسنة النبوية-، صريحة تارة، ومؤوّلة أخرى، للتدليل على صحة مايذهبون اليه من حيث وجوب إنابة الأمام عن رسول الله وقيامه بكافة أعماله الدينية والسياسية في قيادة الأمة الإسلامية من بعده.
أما المسألة الأخرى – المربكة- التي يقولها نص عبد الرازق قيد البحث فهي ما يتعلق هنا بلجوء المسلمين إلى (أقيسة المنطق وأحكام العقل) للتدليل على صحة ما يذهبون إليه، وهو لجوء لا يتم إلاّ بعد يئسهم من الحصول على الدليل من خلال القرآن والسنة باعتبارهما المصدرين الحقيقيين الموقّرين المعترف بأهليتهما للتشريع بهذه المسألة، وهو الأداء الذي نلمس منه أولا تأكيد ما ذهبنا اليه من تفضيل المفاهيم والحقائق الدينية على سواها لدى عبد الرازق كما نلمس في الوقت ذاته ومن خلال النص نفسه ما يشي بسخرية الشيخ عبد الرازق من فعل لجوء المسلمين إلى أقيسة العقل للبحث عن دليل يعزز دعواهم بوجوب تنصيب الخليفة، وهو موقف يتناقض بطبيعة الحال، لا مع الدعوة التي يتبناها عبد الرازق بضرورة الاعتماد على العقل في بناء الدولة بعد نهاية عهد الدولة الدينية لرسول الله حسب، بل هو النص الذي يخذل القراءة العلمانية في تأسيس دعواها على فرضية تفضيل الشيخ عبد الرازق لمبدأ إقامة الدولة انطلاقا من قيم ومكانة العقل.
يضيف عبد الرازق – في مسألة فشل المسلمين في العثور على نص من القرآن والسنة يؤيد دعواهم بوجوب تنصيب الخليفة – ومثلما أهمل القرآن الكريم ولم يشر في أي من آياته، إشارة صريحة لوجوب نصب الأمام أو الخليفة للأمة بعد رحيل رسول الله، كذلك أهملت السنة النبوية، وهي مصدر التشريع الثاني لدى المسلمين، حيث لم يرد فيها اي حديث عن رسول الله يمكن ان يفهم منه صراحة ان مسالة تنصيب الخليفة هي واجب عليها، يقول عبد الرازق (ليس القرآن وحده هو الذي أهمل تلك الخلافة ولم يتصدّ لها، بل السنة كالقران أيضا قد تركتها ولم تتعرض لها، يدلّك على هذا ان العلماء لم يستطيعوا ان يستدلوا في هذا الباب بشيء من الحديث، ولو وجدوا لهم دليلا في الحديث لقدّموه في الاستدلال على الإجماع ) – ص21 –
ومثلما نفى عبد الرازق من قبل ان تكون بعض الآيات دليلا يُفهم منه وجوب نصب الإمامة ومضى لمناقشتها مفندّا، يناقش عبد الرازق بعض أحاديث الرسول التي يمكن ان تتخذ دليلا على وجوب نصب الأمام، ويبادر إلى تفنيدها في محاولة منه للتدليل على عدم صلاحيتها لهذا الغرض.
نرى من خلال ما تقدم، ان الباب الثاني كان مخصصا لمناقشة الأدلة التي يسوقها المسلمون للتدليل على فكرة(وجوب نصب الخليفة) بعد رحيل رسول الله عن العالم، وهي أدلة زعموا ان القرآن والسنة النبوية مصدر لها، وهو الأمر الذي ذهب الشيخ عبد الرازق إلى تفنيده ونفيه، حسب ما ساقه لذلك من قناعات .
من هنا، يمكن القول ان ما أرادت أفكار الباب الثاني ان تقوله بعبارات أُخر، هو، ان الخلافة التي كانت لرسول الله في الأرض وأن إمامته عليه السلام، كانت خلافة أقرّها القران العظيم له وأكدتها سيرته وسنّته، وان سلطاته كلّها، كانت ممنوحة اليه من قبل الله تعالى، وهي ذات السلطات التي مكّنته من تأسيس الوحدة الدينية والأمة الإسلامية، وهي المسألة التي لا نجد مثيلها – من حيث الصلاحيات ومصادر الوجوب- لدى أي من خلفائه، فلا القرآن يُقرّ لهم إنشاء مثل هذه الخلافة التي نسبوها لأنفسهم اعتمادا على قراءة لا نجد صدق الدليل على وجوبها في القرآن، ولا رسول الله اقر لهم عبر سنته وأحاديثه مثل هذه الخلافة .
اذن فنحن هنا- حسب عبد الرازق – إزاء نوعين مختلفين من الخلافة، خلافة شرعية أقرّها الله عبر قرآنه وكانت لرسول الله وحده عبر الرسالة التي تمكّن بها من إنشاء الوحدة الدينية الإسلامية، ونوع خلافة آخر، غير شرعي ولا يستند أو يجد له حجة ولا دليلا على وجوب إقامته، لا في القران ولا في السنة النبوية، ولأن (الإجماع ) هو المصدر الثالث للتشريع لدى المسلمين، بعد القران والسنة، وهما المصدران اللذان لم يجد فيهما المسلمون دليلا على وجوب إقامة الأمام أو الخليفة، ذهب فريق من المسلمين إلى اتخاذ الإجماع دليلا على وجوبها، وهي المسألة التي تشكّل الأدلة المضادة للشيخ عبد الرازق على نفيها موضوع الباب الثالث كله، وكما نخلص إلى إيجازه بالطريقة الآتية :
يقول الشيخ عبد الرازق ( أما دعوى الإجماع في هذه المسألة فلا نجد مساغا لقبولها على اي حال، ومحال اذا طالبتهم بالدليل ان يظفروا بدليل، على اننا مثبتون لك فيما يلي، ان دعوى الإجماع هنا غير صحيحة ولا مسموعة، سواء أرادوا بها إجماع الصحابة وحدهم أو الصحابة والتابعين أو علماء المسلمين أو المسلمين كلّهم بعد ان نمهّد لهذا تمهيدا) –ص 26-
في هذا التمهيد الذي يقدمه الشيخ عبد الرازق لفكرة نفي الإجماع على وجوب تنصيب الخليفة، نجد بعض الأفكار الفرعية المهمة الجديدة التي تدخل إلى حيز البحث والتي نرى ان من المفيد هنا التعرف عليها، وهي:
1- عدم اهتمام المسلمين بعلوم السياسة، رغم وجود الأسباب الكثيرة والمقنعة واقعا بضرورة اهتمامهم بهذا العلم، كتعرفهم على فلسفة اليونان وكظهور تيار سياسي معارض للخلفاء . ولأن هذا العلم لم يظهر رغم وجود الأسباب التي تحث وتستدعي وجوده، لا يعزو الشيخ عبد الرازق فكرة عدم الاهتمام هذه إلى غفلة العلماء عن هذا العلم، ولا إلى الجهل بخطره، ولكن السبب -حسب عبد الرازق- هو بعنوان كبير له (القوة والعنف) بوصفهما الوسيلة التي قامت عليهما الخلافة الإسلامية في كل عصورها يقول عبد الرازق، ( ان الخلافة في الإسلام لم ترتكز إلاّ على أساس القوة الرهيبة وان تلك القوة كانت -إلا في النادر- قوة مادية مسلحة، فلم يكن للخليفة ما يحوط مقامه إلاّ الرماح والسيوف والجيش المدجج والبأس الشديد، فبتلك دون غيرها يطمئن مركزه ويتم امره.) (ص27).
أما عن صلة هذه القوة بعدم اهتمام المسلمين بعلوم السياسة، رغم وجود الأسباب المهيأة لهذا الاهتمام، فيقول عبد الرازق( الغيرة على المُلك تحمل المَلك على ان يصون عرشه من كل شيء قد يزلزل أركانه أو ينقص من حرمته... لذلك كان طبيعياً ان يستحيل المَلكُ وحشاً سفاحاً ..اذا ظفرت يداه بمن يحاول الخروج عن طاعته وتقويض كرسيه .. ومن هنا نشأ الضغط الملوكي على حرية العلم واستبداد الملوك بمعاهد التعليم كلما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، ولاشك ان علم السياسة هو من اخطر العلوم على الملك بما يكشف عن أنواع الحكم وخصائصه وأنظمته.. لذلك كان حتماً على الملوك ان يعادوا وان يسدّوا سبيله على الناس (ص31).
اذن فلا القرآن الكريم ولا السنة النبوية ولا الإجماع، وهي العناصر الثلاثة التي يعتبرها المسلمون مصادر التشريع لديهم، يمكن أن نعثر فيها بالفعل على ما يصلح اتخاذه دليلاً على وجوب نصب الخليفة، يقول عبد الرازق (عرفت ان الكتاب الكريم تنزّه عن ذكر الخلافة والإشارة إليها وكذلك السنة النبوية أهملتها وان الإجماع لم يعقد عليها، أ فهل بقي لهم من دليل في الدين غير الكتاب والسنة والإجماع ؟) -(ص32).
يضيف عبد الرازق في محاولة لنفي الدعامة الأخيرة التي يمكن ان يلجأ إليها المسلمون في مسألة وجوب نصب الخليفة( نعم بقي لديهم دليل أخر،لا نعرف غيره، وهو أهون أدلتهم وأضعفها ...قالوا ان الخلافة تتوقف عليها إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية) وهنا يشحذ عبد الرازق أسلحته لتقويض آخر القلاع التي يلجا اليها خصومه في هذه المسألة فيقول (ما تعارف عليه علماء السياسة، انه لابد من استقامة الأمر في امة ما،أية امة كانت، متمدنة أو دينية، من حكومة تباشر شؤونها وتقوم بضبط الأمر فيها وقد تختلف إشكال الحكومة وأوصافها من حيث كونها دستورية أو مستبدة.. الخ. وهذا الرأي في جملته صحيح ويمكن قبوله، لان المسلمين بعد رحيل رسول الله، اذا اعتبرناهم جماعة منفصلين لوحدهم كانوا كغيرهم من أمم العالم محتاجين إلى حكومة تضبط أمورهم وترعى شؤونهم،) فان يكن الفقهاء، وهذا سؤال في غاية الأهمية أرادوا في الإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة، فقد كان صحيح ما يقولون من ان إقامة الشعائر الدينية وإصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة، بمعنى الحكومة في أية صورة كانت ومن اي نوع، مطلقة أو مقيدة استبدادية أو ديمقراطية، أما اذا أرادوا بالخلافة ذلك النوع الخاص بالحكم الذي يعرفون، فدليلهم اقصر من دعواهم وحجتهم غير ناهضة (43).
ولأن الشيخ عبد الرازق لا يوضح صراحة ما يمكن ان يكون عليه معنى عبارته( ذلك النوع الخاص من الحكم الذي يعرفون) توجّب ان نعرّفه صراحة فنقول، ان المقصود به هو، ان يكون (الخليفة) -الذي يُنصّب بإرادة الامة- خليفة لرسول الله -الذي ينصب بإرادة الله - في المقام الديني والسلطات القدسية والمنزلة، وهي صفات لا يصح نسبتها إلا إليه -ص - وهي المسألة التي لا يهادن في قبولها الشيخ عبد الرازق، لان منزلة رسول الله متماهية مع كونه رسولا من الله وهي غير قابلة للوراثة والاستخلاف، وهذه المسالة هي من ضمن ما نذهب اليه من ان الحفاظ على الوحدة الدينية التي أقامها رسول الله وضرورة تفريقها عن اي دولة أو وحدة جاءت من بعده هي ما يشكّل الفكرة المركزية لهذا الكتاب .
لذا فان (الخلافة) هنا – خلافة احد ما لرسول الله بأية وسيلة أرادوا – هي من نوع مغاير مختلف كليا عن الزعامة التي كانت لرسول الله، (لأنها – اي خلافة احد لرسول الله – زعامة سياسية دنيوية في دولة مدنية، حتى وان سمّاها من سمّاها " خلافة" لأسباب أراد بها استحصال ما كان لرسول الله من سلطات خاصة به، من حيث كونه رسولا، يقول عبد الرازق في نص غاضب يعتمد مبدأ التفريق بين الولايتين أو الزعامتين، زعامة رسول الله على المسلمين، ورئاسة الخلفاء عليهم من بعده، مؤكدا على ان الأخيرة هي ولاية دنيوية سياسية في حكومة مدنية، أدعت لنفسها ونسبت لمقامها من القداسة ما لم يكن لها من حق فيه حين أرادت ان تكون زعامتها على الوحدة الدينية التي خلّفها رسول الله برحيله شبيهة بزعامته "ص" وهذه مسألة لا تصح أبدا، لأن تلك الوحدة الدينية استمدت خصائصها النوعية وفضائلها كلّها من نوع ولاية رسول الله عليها، اي من خصيصة تأسيس " رسول من الله" لتلك الوحدة فقط، يقول عبد الرازق في نصّه الغاضب مفنداً الرأي الأخير الذي لجأ اليه المسلمون في وجوب نصب الخليفة بعد رحيل رسول الله وزوال نوع وحدته الدينية (إن شعائر الله تعالى ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة، الذي يسمّيه الفقهاء خلافة، ولا على أولئك الذين يلقّبهم الناس خلفاء، والواقع أيضا، ان صلاح المسلمين في دنياهم لا يتوقف على شيء من ذلك، فليس بنا من حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا، ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك، فانما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد، وربما بسطنا لك ذلك أبعد، أما الآن فحسبنا ان نكشف لك عن الواقع المحسوس لتؤمن بأن ديننا غني عن تلك الخلافة الفقهية ودنيانا كذلك ) – ص 34-
ثمة فرق كبير اذن، بين ان نقرأ النص هذا وهو مسبوق بكل تلك المقدمات التي ذكرناها والتي أدت اليه، وبين ان نقرأ هذا النص ذاته وهو مقطوع الصلة عن مقدماته تلك، المقدمات التي تدخل في عمق حميم في معناه والتي أدت اليه وجعلته ممكنا بهذه الطريقة التي تبدو كأنها نتيجة وحكم وخلاصة صدرت عن تلك المقدمات .
في نوع القراءة الأول، سيتم النظر إلى هذا النص، بوصفه نتيجة لمجموعة المقدمات التي سبقته والتي جعلته ممكن الظهور بهذه الطريقة النقدية اللاذعة شديدة الغضب على معنى الخلافة وعلى شكل الحكومة التي أنشأها المسلمون بعد رحيل رسول الله عنهم .
فهذا القول مقروءا مع سلسلة المقدمات التي سبقته، يمثّل على وجه الدقة مقارنة بين نوعين مختلفين من أنظمة الحكم لدى المسلمين، بل يمثّل مقارنة بين نوعين مختلفين أيضا من الزعامة التي تولّت تدبير أمورهم، زعامة رسول الله المستمدة من رسالته السماوية المؤيدة فعلاً بسلطان السماء، وهو الأمر الذي أدى إلى وحدة دينه تخضع لها القلوب والمشاعر برباط الإيمان والعقيدة، ونوع آخر من الزعامة الدنيوية مقطوعة الصلة بكل تلك المزايا الخاصة التي كانت لرسول الله وحده لكنها مع ذلك، جرى نسبتها وخلع فضائلها على الحكومة السياسية، الدنيوية التي تم إنشاؤها من بعد رحيله (ص).
إن حضور هذه المقدمات في نوع القراءة الأولى يجعل من النص مقروءاً بوصفه مقارنة بين نوعين من الزعامة تعاقبتا على المسلمين، زعامة رسول الله (ص) الخاصة المؤيدة من السماء، وزعامة الناس العاطلين عن صفة التأييد تلك، غير انها مقارنة تريد الانتصار لذلك النوع الديني الأول على النوع المستحدث الذي آلت إليه، إنها خلاقة ليست (دينية)، لأن الله وحده هو صاحب الدين وهو الذي يرسل رسولاً لإقامة هذا الدين أما هذه فهي (خلافة الفقهاء) خلافة يراد لها ان تكون دينية بالرغم من انقطاعها عن مصدر الدين الذي هو الله وصاحب الرسالة المنفّذة له .
إنها إذن حكومة لا دينية، بمعنى متشدد في المحافظة على معنى الدين، بوصفه نتاجا عن الله عبر الرسول،
مرة أخرى، نقول إن قراءتنا لذت النص هو مسبوق بهذه المقدمات :
1.مقدمة التعريف بالخلافة لغة واصطلاحاً
2.مقدمة التعريف بنوعين مختلفين من السلطات، السلطات الخاصة التي كانت لرسول الله وحده والتي كانت السموات والوحي مصدرها، من جهة، والسلطات الخاصة بخلفائه، وهي السلطات المقطوعة عن تأييد السماء والوحي لها، لكن ومع ذلك، تولّى الفقهاء منح تلك الولاية المطلقة ذات تلك السلطات الخاصة برسول الله، منحها لخلفائه من بعده.
3.مقدمة مناقشة مصدر تلك القوة التي زعموها للخليفة، واستمدوها له، ومساءلتهم حول مصدرها ( أنى جاءته، ومن الذي حباه لها وأفاضها عليه)- ص14-، ثم تفنيد رأي المذهبين وموقفهم منها، المذهب القائل بأن الخليفة (يستمد سلطانه من سلطان الله تعالى وقوته من قوته)، والمذهب الآخر الذي يقول (أن الخليفة يستمد سلطانه من الأمة)
4.مقدمة مناقشة مصادر التشريع الثلاث (القران والسنة والاجتماع) وتحدي القائلين بمسألة( وجوب نصب خليفة للأمة) ان يعثروا على اي دليل في هذه المصادر الثلاثة يمكن ان يدعم ويعزز الرأي الذي يقولون له.
5.مقدمة إثبات ارتكاز الخلافة الإسلامية في كل عصورها عن العنف والسيف والقوة ثم إقامة الدليل على ذلك من خلال عرض للوقائع المؤيدة لتثبيت السلطان عبر القهر والغلبة، حين كانت سلطات رسول الله على أمته ووحدته الدينية تقوم على الوعظ والحكم ورباط الإيمان وإخضاع القلوب بالعقيدة .
أقول بعد ذلك كلّه وبجملة واحدة مباشرة:
أيمكن لمن يقرأ هذه المقدمات كلها، ثم يصل إلى النص الغاضب الذي يقول عبد الرازق فيه، (إن شعائر الله تعالى ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك "النوع من الحكومة" الذي يسميها الفقهاء خلافة، ولا على أولئك الذين يلقبهم الناس خلفاء، والواقع أيضا ان صلاح المسلمين في دنياهم لا يتوقف على شيئ من ذلك، فليس بنا حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا، ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك، فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شرّ وفساد ) – ص 34-
أقول، أيمكن للقارئ الذي اطّلع على هذا النص وهو مسبوق بكل تلك المقدمات التي أدت اليه، ان تتساوى ظروف وشروط فهمه لذات هذا النص حين يقرأه مقطوعا عن تلك المقدمات كلها ؟
هذا هو الإجراء المغرض – وغير البريء- الذي لجأت إليه القراءات العلمانية كلها، حين استحضرت للقاري هذا النص عاطلا وعاريا عن مقدماته كلها، وهو الأمر الذي لا بد من ان يفهمه القارئ، على انه هجوم وممارسة نقدية لاذعة ضد الخلافة الإسلامية وأساليب الحكم فيها، وهو الغرض والفهم الذي أراد العلمانيون لأنفسهم ولقارئهم من بعد ان يقيموه على النص ويجدوا فيه عضدا ومرجعية لآرائهم .
الأمر الذي يحثّنا هنا إلى قراءة النص ذاته قراءة خاصة نشير خلالها – فقط – إلى العبارات التي تحيل إلى المقدمات التي سبقته والتي تم لنا تعريف القارئ بها وعلى النحو الآتي:
1- ان عبارة ( ذلك النوع من الحكومة الذي يسمّيه الفقهاء خلافة ) يشير ويحيل القارئ إلى شيء تم للشيخ عبد الرازق تعريف القارئ به من قبل، فمفردة ( ذلك)، اسم إشارة هنا إلى شيء تم التعريف به، أما قوله (النوع من الحكومة ) فيقضي ان نفهم منه، أن هناك أكثر من نوع واحد تم تعرفه لنا من قـِبل الشيخ عبد الرازق في المقدمات التي سبقت هذا النص، وهو الأمر الذي حدث بالفعل، حين عرّفنا عبد الرازق بنوع (الوحدة الدينية) ونوع ولاية رسول الله وسلطاته ومصادرها، من جهة، ونوع آخر تم لنا تعريفه به أيضا، وهو نوع حكومة الخلفاء.
أما عبارة ( الذي يسّميه الفقهاء خلافة) فان في أدائها اللغوي ما يكفي من الإشارة إلى الموقف المنكر لعبد الرازق من هذا النوع الخلافة .. فضلا عن إشارة عبد الرازق إلى ان مصدر هذه التسمية (خلافة) هم الفقهاء، وليس القرآن أو السنة أو الإجماع، وهي المصادر التي منحت رسول الله سلطاته، والتي لم يجد هؤلاء الفقهاء أنفسهم اي دليل، وفي اي منها، على وجوب نصب الخليفة بعد تأسيسه (ص) لنوع خاص من (الوحدة الدينية)، وكل هذا الذي نتحدث الآن عنه من عبارات النص إشارات سبق للشيخ عبد الرازق ذكرها في مقدماته للنص الذي يعدّ بمنزلة النتيجة لذلك المسبوق به .
أما قوله في النص ( ان صلاح المسلمين في دنياهم لا يتوقف على شيء من ذلك، فليس بنا حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا ) وقوله في نص آخر ( ان الفقهاء أرادوا ان يكون للخليفة ما كان لرسول الله من سلطات) فان العبارات هذه هي إعادة واستحضار للعبارات التي عرف الفقهاء بها معنى الخلافة، وهو ما سبق للشيخ عبد الرازق ذكره، حين قال على لسان خصومه، مستحضرا إحدى حججهم ( ان الخلافة تتوقف عليها إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية –ص32- وانها رياسة عامة في الدين والدنيا –ص11 وص 17) أما هذا الحكم الذي يطلقه عبد الرازق في نصه، من ان ( ليس بنا حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا ) فواضح ان المقصود ( بتلك الخلافة )هو ذلك النوع من الخلافة التي شرّعها الفقهاء وألبسوها للخليفة واستحضروا سلطانها اليه، عبر نسخ واستعارة وخلع سلطات رسول الله ( الخاصة) عليه .
أما لماذا لا يتوقف صلاح الدين على هذه الخلافة، فيرجع ببساطة إلى كونها خلافة بنوع (غير ديني) اي ان (الخلافة ) ذات النوع الديني، كانت لرسول الله وحده، فهو وحده من يعرف أسرار الدين لتلقيه إياه عبر الوحي والرسالة التي أُمر بموجبها _ص_ بتأسيس وحدة المسلمين الدينية، لذا فصلاح الدين لا يتوقف على ذلك النوع من الخلافة، كذلك لا حاجة بنا لها لصلاح دنيانا، لأن رسول الله كان معنيا بهذه المهمة عبر وسائله الخاصة المتاحة له وحده، وعندما انقطعت تلك الوسائل برحيله –ص- استحدث الخلفاء – خصوصا ما بعد عهد الراشدين – وسائل خاصة لصلاح الدنيا، قامت على القهر والسيف والبطش والغلبة، وهي مسائل جرى لعبد الرازق استعراضها كلها خلال الصفحات التي قدّمت وسبقت الإعلان عن هذا النص، لذا، وبعد ان أفاض عبد الرازق في عرض الوقائع التاريخية لممارسة الخلفاء، كقصة البيعة التي تمت ليزيد-ص 29-، واستباحته لدم الحسين بن فاطمة بنت رسول الله –ص-، وكواقعة انتهاك (عبد الملك بن مروان لبيت الله الحرام ) والأسباب التي غدا بها ابو العباس، عبد الله بن العباس سفاحا استحلّ دماء المسلمين، وكلها وقائع يسوقها عبد الرازق دليلا على ( حب الخلافة والغيرة عليها ) -ص30-
وهنا يحق لنا السؤال مع عبد الرازق، أليس في كل ما تقدم من تفاصيل وأدلة وتعريف (بنوع) الخلافة التي صممها الفقهاء لإنشاء نوع حكومة يقوم فيها ( الخليفة) – الذي هو رجل مقطوع الصلة بالرسالة النبوية وبمصدرها، يقوم بنيابة رسول الله في حفظ الدين ورعاية مصالح الدنيا، معتمدا – فقط- على السلطات التي تم للفقهاء استحضارها وخلعها عليه، ومن ثم استخدامه للدين سلطة تعزز مقامه السياسي المدني، أليس في كل تلك التفاصيل ما يسمح للشيخ عبد الرازق بالقول ( فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شرّ وفساد ) وواضح ان المقصود بلفظة (الخلافة)هنا هو ذلك النوع الخاص الذي تمّ لكل تلك المقدمات التعريف بنوعه ( اللا شرعي)، مستحدث الصلاحيات والسلطات من قبل فقهاء المسلمين ؟
هنا، لا بد من إعادة السؤال مرة أخرى، انطلاقا من واقعة استحضار كل المؤلفات العلمانية المتبنية لنزعة التحديث السياسي العربي لهذا النص الذي تمت لنا مناقشة أسلوبي فهمه، مع مقدماته مرة، ومن دونها مرة أخرى.
أقول، أيمكن لقراءة صحيحة منصفة تتوخى إفهام القاري وتعريفه بمضمون أطروحة عبد الرازق، كما هي، ان تستحضر هذا النص مقطوعا عن المقدمات التي أدّت إليه ؟ وهل يمكن ان يتساوى فهم القاري الواحد للنص ذاته في حال قراءته مرة عاريا عن مقدماته – كما استحضره العلمانيون له – وفي حال قراءته، مرة أخرى، مسبوقا بمقدماته، كما فعلنا نحن ذلك ؟
احسب ان جورا معرفيا عظيما ونيّة ايديولوجية مبيتة هي التي عمدت وتعمد إلى استحضار نص الشيخ عبد الرازق بهذه الطريقة المجردة مبيتة القصد والنية .
خلاصة لذلك، يمكن القول :الإسلام وحدة دينية أراد الله – حسب عبد الرازق- ان يربط البشر جميعا بها، اي ان تبلغ أقطار الأرض كلها، لكن إرادة الله لم تتحقق في هذه المسألة كما يخبرنا واقع الحال بعدم تحول الناس جميعا إلى مسلمين .
ولأن هذه الإرادة لم تتم على عهد الرسول توجب الافتراض بان هناك من سيخلفه لأداء هذه المهمة، غير ان عبد الرازق، بقطعه كل صلة حقيقة عميقة بين الخلافة والنبوة، فإنما يؤسس بهذا الفعل لمقدمة منطقية تسوّغ له القول من بعد، بعدم تحقيق إرادة الله في نشر الرسالة بين البشر،إذ لو انه قال، بمبدأ ضرورة حمل المهمة من بعد رسول وإكمالها في بلوغ أقطار الأرض، غير انها لم تكتمل لهذا السبب أو ذاك لاختلفت وجهة النظر إلى المسألة، لأنه بهذا النوع من الطرح الذي قدمه لنا، يحمل الخلفاء مسؤولية عدم وعيهم للإرادة الإلهية في انتشار دعوته .
ان اكتمال الوحدة الدينية على عهد رسول الله وإكماله دعوته نظريا، ليعني بكل وضوح ان المهمة القادمة التي ستتولى نشر الرسالة في الأرض لن تكون ذات ( طابع ديني نظري) لأن مثل هذه المهمة كان ان اكتملت على عهد رسول الله، الأمر الذي يعني منطقيا ان عملية إكمال تبليغ الرسالة إلى أقطار الأرض كافة ستكون ذات طابع عملي تطبيقي يسعى إلى النشر والتنفيذ الواقعي للمضامين النظرية التي أكملها رسول الله على عهده، الأمر الذي يعني ان للإسلام جانبا تطبيقيا مهما يكمل جانبه النظري، وهي المسألة التي أنكرها عبد الرازق على الإسلام- في أكثر من موضع في كتابه- بشكل صريح مرة، وبقطعه الصلة الايجابية قطعا كاملا بين النبوة والخلافة، مرة أخرى .
بعبارات أخر، ثمة دعوة نظرية منجزة تتمثل بإكمال نزول القران وتبيان الرسول لعقائد المسلمين كافة على عهده –ص- وخلال حياته الشريفة فقط، ولما كان الإسلام وحدة دينية يريد الله ان يربط البشر جميعا بها وان تشمل أقطار الأرض كلها، فان القراءة الصحيحة التي تضع هاتين الفكرتين معا في علاقة منطقية سليمة تفترض :
- ان الدعوة النظرية التي أكملها رسول الله على عهده، وهي التي لم تشمل اقطار الأرض كافة، كما يخبرنا الواقع بذلك، لتعني أن ثمة مهمة أخرى ينبغي ان تمضي لإكمال رسالة رسول الله، ولما كان الرسول قد لحق بالرفيق الأعلى، فان هذه المهمة ينبغي ان يتولى تنفيذها من بعده خلفاؤه ورجاله وأصحابه وأمته التي عمل على ربطها بوحدة دينية، بعبارة موجزة، ان الذي كمل على عهد رسول الله، هو البعد الديني النظري من الرسالة وان الذي لم يكتمل هو بلوغها وتبليغها لسكان الأرض كافة، لذا فان نوع إكمال الرسالة ومواصلة تبليغها لن يكون ذا طابع ديني نظري، الأمر الذي يعني ان إكمالها سيكون ويتمثل في نشر ذلك المضمون الديني الذي أكمله رسول الله، وهو بعد جديد يختلف حتما في وسائل تطبيقه ونوعيته وكيفيته عن ذلك النوع الأول، من حيث حتمية ان يكون تطبيقيا، سواء لعنينا بهذا التطبيق نشر مبادي الرسالة عبر الفتوحات أو عنينا به تطبيقها في الواقع الاجتماعي عبر الوسائل السلمية، المهم ان تبلغ الرسالة أقطار الأرض .
نحن اذن بإزاء مهمة لم تكتمل، وهي مهمة ذات طابع ومضمون ديني لا سياسي، بمعنى ان ما يراد له ان يكتمل ويبلغ أقطار الأرض كلها هو الوحدة الدينية لا شيء آخر غيرها .
لكن هل تكون عملية الإكمال دينية في جوهرها أم سياسية ؟






7- ( المسكوت عنه في أطروحة الشيخ عبد الرازق)
ثمة أنظمة حكم ثلاث يتعرض لها ويعرضها كتاب الشيخ عبد الرازق، الأول منها، هو نظام الحكم ذو الطابع الديني المحض، وهو ما كان على عهد رسول الله فقط، أما النظام الآخر فهو النظام السياسي المحض، نظام الخلافة مقطوع الصلة والنوع بالإطلاق عن ما سبقه من نظام حكم ديني كان لرسول الله وحده، أما النوع الثالث، وهو النوع، الذي تجري الإشارة البعيدة له هنا وهناك، فهو ما تستدعي السؤال عن غيابه، مجموعة المقدمات التي وُجدت في كتاب الشيخ عبد الرازق والتي تحتم بالضرورة استحضاره وتقديمه إلى الواجهة وعرضه، بسبب من علاقته الوثيقة بنوعي نظام الحكم آنفي الذكر، من جهة، ولأن موضوع عبد الرازق برمته يبقى ناقصا، مبهما، لا يمكن ان تكتمل أطروحته المعرفية وتكون مقنعة ومنصفة في طرحها إلا من بعد استحضارها لهذا النوع الثالث من نظام الحكم الذي أغفلته وسكتت عنه، بقصد أو بغير قصد أطروحة الشيخ عبد الرازق، فما هو النوع الثالث هذا وكيف يمكن له ان يفتح الأبواب المعرفية المغلقة التي أوقفت أطروحة الشيخ عبد الرازق قراءه جميعا – العلمانيين والأصوليين على حد سواء – عندها، دون ان تتجرأ على قرعه أو الدخول إلى هذا النوع الثالث من أساليب الحكم من خلاله .
أولى هذه المقدمات / الأسئلة التي نحاول من خلالها الكشف عن ذلك الشكل الثالث لنظام الحكم الذي نعتقد ان أطروحة الشيخ عبد الرازق تجاوزته أو سكتت عنه لأسباب معرفية تتعلق بقلة إحاطته بابعاد موضوعه تارة، وبالبنية النفسية الفكرية المستمدة من أصوله المذهبية، تارة أخرى، هي، ما مصير الوحدة الدينية والنموذج الذي أسسه رسول الله على عهده، وكيف تم للمسلمين التعامل معه واقعيا ونظريا من بعده؟
ما موقف رسول الله من دعوته ووحدته الدينية بإزاء أولئك الناس الذين ستؤول هذه الوحدة الدينية إليهم، اعني هل تحدث رسول الله إليهم عن مصيرها وكيفية التعامل معها من بعده ؟ هل أوصاهم بشيء يمكن استثماره لصالح المحافظة عليها ؟ هل أوصى لأحد منهم على وجه التحديد بالنيابة عنه في قيادتها؟ أم انه رأى ان ترك أمور تدبير وحدته الدينية أمر رهين بهم كليا من بعده وان السكوت عن اي توجيه أو إصدار اي قرار بشأنها هو الموقف الأصلح والأكثر ملائمة لأمته الإسلامية والوحدة التي أنشأها على عهده؟
ثمة مقدمة أخرى، مفادها:
كنا قد تعرفنا في أطروحة الشيخ عبد الرازق على نوع وحدة دينية كانت موضوع إعجابه واحترامه وإشادته العظيمة بنوعها السماوي الخاص، ثم تعرفنا من بعد على نوع حكومة آخر، سياسي الطابع مدني ومقام على العقل، وهو نوع حكومة مدان لدى عبد الرازق نسب اليه- كما رأينا- الكثير من النقص والعيوب والاتهامات واللا شرعية أيضا، وهو نوع ونموذج دولة الخلفاء كما ورد في الأطروحة .
السؤال هنا، هو، ما موقف عقلاء المسلمين وعلمائهم وأصحاب رسول الله من تلك الوحدة الدينية التي عاشوا تجربتها معه عليه السلام ؟
اعني أكان بإمكان احد منهم أو مجموعة ما، الحفاظ على تلك الوحدة الدينية التي سعدوا في ظلها وسادتها عدالة الرسالة وذاقوا خلالها نعم السماء وبركاتها، وهذه حال يشهد الواقع بصحتها ويذهب كتاب عبد الرازق لتأكيدها،الأمر الذي يعني منطقيا ان الاستمرار والمحافظة على هذا الواقع الذي تحقق للمسلمين هو الحال والخيار الذي ينبغي ان يذهب المسلمون اليه، ولما كان الواقع الذي آل اليه المسلمون بعد رسول الله يقول بعدم احتفاظهم بهذه الوحدة فان السؤال عن سبب ذلك يفترض إجابتين، الأولى منهما، هي عدم قدرة المسلمين من حيث، مؤهلاتهم الدينية والنفسية والفكرية على الاحتفاظ بهذه الوحدة وهي فرضية تقوم في جوهرها على حسن النية وإرادة المحافظة على هذه الوحدة غير ان الممكنات لم تكن كافية لإتمامها، أما الإجابة الأخرى فتفترض – استنادا إلى الواقع والمصير الذي آلت اليه وحدة رسول الله- ان أصحاب رسول الله لم يكونوا راغبين في بالاحتفاظ بنموذج بناء الدولة الإسلامية على وفق النموذج الديني الذي أسسه رسول الله، إنما كان هناك لهم رأي آخر، يتمثل بإقامة نموذج دولتهم على وفق سياقات سياسية مدنية يتولى العقل لا الدين مهمة إنشائها .
مثل هذه الأسئلة المشروعة التي تفترضها القراءة الواقعية للتاريخ، من جهة، فضلا عن افتراضها من قبل أطروحة عبد الرازق، بخلوها منها وبعدم عرضها وإحاطتها بالوقائع المرتبطة بها، هي التي تجعلنا نقترب خطوة مضافة من تحديد هذا النموذج الثالث المسكوت عنه لشكل الحكم الإسلامي، لكن عبر السؤال المباشر عنه هذه المرة، اي عبر القول :هل كان بإمكان عقلاء المسلمين وعلمائهم والمتقدمين منهم في رتبة الدين والزعامة القبلية ممن عرفوا القيمة الحقيقية لوحدة الرسول الدينية، أقول هل كان بإمكانهم ابتكار نوع حكم ثالث، لا هو بالديني المحض ولا بالسياسي المحض، انما هو نوع حكم مركب، تفترض لا دينيته الخالصة، واقعة موت (رسول الله) وتفترض دنيويته الصالحة اقتداءه بالنموذج الديني الذي انتهى على عهد رسول الله ؟ بعبارة أخرى هل كان بوسع المسلمين الذين عاصروا رسول الله الحفاظ على نوع وحدته الدينية وعدم خسارتها، باعتماد معطياتها أساسا ونسخها وتحويلها إلى نوع (دنيوي سياسي) غير مقطوع الصلة بالدين حين يعتمد العقلَ وسيلة لإشاعة الديني من وحدة الرسول ؟
من خلال عيّنات النصوص التي سنسردها بعد حين، يمكن القول ان كتاب عبد الرازق اجمعه يدور حول مناقشة مدى شرعية (نوع) من الخلافة، وُجد وتأسس بعد رحيل رسول الله، ويمكن ان يكون الكثير مما قاله عنه صحيح، كحديثه عن انتزاع السلطات للخليفة وعن النوع السياسي الخاص بالخلفاء والمقطوع عن النوع الديني الخاص برسول الله ووحدته الدينية، الأمر الذي يعني ان هناك نوعا آخر من الخلافة المغيّبة التي لم تحدث، هي نظام الخلافة المقام على مبدأ الوصية، والاستخلاف، اي النظام الذي يراد له ان يحفظ الوحدة الدينية التي أسسها رسول الله على عهده وذلك بتسميته –ص- لشخص محدد يعتقد رسول الله أهليته الدينية والسياسية لقيادة هذه الوحدة والحفاظ عليها من بعده، ولما كانت مثل هذه الفرضية لم تجر الإشارة لها في التاريخ الإسلامي إلا بقدر صلتها بعلي ابن أبي طالب بوصفه وصيا للرسول ونائبا عنه مرشحا لقيادة الوحدة الدينية من بعده توجب من أجل استكمال عناصر البحث مناقشة قضية الاستخلاف هذه باعتبارها حلا عقلانيا مقنعا لكل تلك الأسئلة التي تركتها أطروحة الشيخ عبد الرازق معلقة، وهي نوع أسئلة نعتقد ان لا حل منطقيا لها إلا عبر مرورها بأطروحة الوصية والاستخلاف لعلي، خصوصا ان أطروحة الشيخ عبد الرازق كلها تراود المفهوم هذا عن بعد وتشير إليه على استحياء وتؤدي إليه في سياقاتها، لكنها بالرغم من ذلك كله، تتحاشى الخوض في هذا الموضوع و تناى بنفسها عن الدخول في تفاصيله.
في مجموعة النصوص هذه سنتعرف إلى مقدار الحزم والصرامة التي يفرق بموجبها عبد الرازق بين نوعي الحكومة آنفي الذكر، دون ان نجد بطبيعة الحال مشقة في التعرف على عزم هذه النصوص ذاتها على تفضيل الديني على السياسي والانتصار له بلا تحفظ :
1- (الرسالة غير المُلك، وانه ليس بينهما شيء من التلازم بوجه من الوجوه، وان الرسالة مقام والملك مقام آخر ) –ص26-
2- (الخلافة لدى ابن خلدون شاملة للملك والملك مندرجا تحتها )-ص 46-
3- ( كان في الحكومة النبوية بعض ما يشبه ان يكون من مظاهر الحكومة السياسية وآثار السلطنة والمُلك )
4- (رسالة النبي تعتمد على الإقناع والوعظ وما كان لها ان تعتمد على القوة والبطش، فاذا لجأ الرسول إلى القوة، فلا يكون في سبيل الدعوة إلى الدين وبلاغ رسالته إلى العالمين، وما يكون لنا ان نفهم إلاّ انه كان في سبيل الملك ولتكوين الحكومة الإسلامية)- ص48-
5- ان مقام الرسالة يقتضي لصاحبه سلطانا أوسع مما يكون بين الحاكم والمحكومين وأوسع مما يكون بين الأب وابنه ) –ص57-
6- الرسالة تقتضي لصاحبها، وهي كما ترى وفوق ما ترى حق الاتصال بكل نفس،اتصال رعاية وتدبير وحق التصريف لكل قلب تصريفا غير محدد) –ص 57 –
7- ( من أجل ذلك كان لسلطان النبي –ص- بمقتضى رسالته سلطانا عاما وأمره في المسلمين مطاعا، وحكمه شاملا، فلا شيء مما تمتدّ اليه يدُ الحكم إلا وقد شمله سلطان النبي –ص- ولا نوع مما يتصور من الرياسة والسلطان إلا وهو داخل تحت ولاية النبي –ص- على المؤمنين ) –ص57-
8- (قوة النبوّة وسلطان الرسالة، حكم النبوة،لا حكم السلاطين ...ولاية الرسول ووحيه منشأها إيمان القلب، وولاية الحاكم ولاية مادية تعتمد إخضاع الجسم من غير ان يكون لها بالقلوب اتصال )-ص58-
9- (القران صريح في ان محمدا –ص-لم يكن له من الحق على أمته غير حق الرسالة، ولو كان –ص- ملكا لكان له على أمته حق المُلك أيضا، انما أنت منذر ولكل قوم هاد، ما على الرسول الا البلاغ المبين، والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) –ص60-
10- (القران صريح في انه-ص- لم يكن من عمله شيء غير إبلاغ رسالة الله إلى الناس وانه لم يكلف شيئا غير ذلك البلاغ ) –ص60-
11- (إلتمس بين دفتي المصحف الكريم أثرا ظاهرا أو خفيا لما يريدون ان يعتقدوا من صفة سياسية للدين الإسلامي، ثم التمس ذلك مبلغ جهدك بين أحاديث النبي –ص-، تلك منابع الدين الصافية متناول يديك فالتمس منها دليلا، فانك لن تجد عليها برهانا، الا ظناً والظن لا يغني من الحق شيئا)-ص62-
12- (الإسلام دعوة دينية إلى الله تعالى ومذهب من مذاهب الإصلاح لهذا النوع البشري و هدايته إلى ما يدنيه من الله جل ّ شأنه ويفتح له سبيل السعادة الأبدية ..وهو وحدة دينية أراد الله جل شانه ان يربط بها البشر أجمعين وان يحيط بها أقطار الأرض كلها) –ص62-
13- (معقول ان يؤخذ العالم كله بدين واحد وان تنتظم البشرية كلها وحدة دينية، فأما أخذ العالم بحكومة واحدة، وجمعه تحت وحدة سياسية مشتركة، فذلك يوشك ان يكون خارجا عن نطاق الطبيعة البشرية ولا تتعلق به إرادة الله ) –ص62-
14- (على ان ذلك انما هو غرض من الإغراض الدنيوية التي خلّى الله سبحانه وتعالى بينها وبين عقولنا- تأسيس دولة مدنية – وترك الناس أحرارا في تدبيرها على ما تهديهم عقولهم وعلومهم ومصالحهم و اهواؤهم ونزعاتهم، حكمة الله في ذلك بالغة، ليبقى الناس مختلفين، ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم، وليبقى بين الناس ذلك التدافع الذي اراد الله ليتم العمران " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين، ذلك من اغراض الدنيا التي انكر النبي –ص- ان يكون له حكم فيها أو تدبير، فقال –ص- انتم اعلم بشؤون دنياكم ) –ص 63-
جدير بالذكر هنا، ان النصوص هذه واضحة في عرض غرضيها، غرض التفريق بين ماهيتين للحكم، دينية وسياسية أولا، وغرض الانتصار السافر للديني على السياسي .
غير ان للنص الأخير الذي مرّ بنا للتو مضامين مهمة ظاهرة وخفية أيضا، تضع، لأنها تضع الأفكار الأساسية لأطروحة عبد الرازق في حرج وورطة كبيرة، وتفتح عليه بابا نقديا، ليس من السهل عليه إغلاقه أو تداركه بإجابة مقنعة، إذ يقول :
يقول النص الأخير هذا فيما يقوله، ان العمران والتقدم هو ثمرة للعقل ولتدافع الناس واختلافهم، لماذا إذن بعث الله محمدا، نبيا للعرب وأسس وحدة دينية على مدى 23عأما؟
لماذا لم يترك العرب يتدافعون ليحصل العمران ؟ ثم ما فضيلة أناس ذلك العصر على سواهم حتى يخصّهم الله وحدهم برحمة الرسالة، ويترك غيرهم يتدافعون ليحصل عمرانهم ؟
بعبارة أخرى اذا كان العمران يحصل في الأرض عن طريق التدافع، لماذا بعث الله محمدا ليؤسس (وحدة دينية) تلغي ذلك التدافع لأناس عصره فقط، ثم ألا يصف القران دعوة محمد بكل خير ونعمة، وان صلاح البشرية رهين بها، لماذا اذن حلّ التدافع هنا بديلا عنها ؟
يقول عبد الرازق في ما يشبه الإجابة عن سؤالنا ( ذلك من إغراض الدنيا من أولها لآخرها، وجميع ما فيها من إغراض وغايات، أهون عند الله تعإلى من ان يقيم على تدبيرها غير ما ركب فينا من عقول وحبانا من عواطف وشهوات، وعلّمنا من أسماء ومسميات، وهي أهون عند الله من ان يبعث لها رسولا – اي ليؤسس دولة سياسية للناس في الدنيا، انما بعث لأغرض دينية فقط- وأهون عند رسل الله تعالى من ان ينشغلوا بها وينصبوا في تدبيرها )- ص63-
نحن هنا إزاء عزل واضح بين الله ورسوله من جهة، وبين مقدار ونوع وزمن تدخلهما في الدنيا من جهة أخرى، (فهي أهون عند الله من ان يقيم على تدبيرها غير ما ركّب فينا من عقول وحبانا من عواطف وشهوات .. وهي أهون عند الله من ان يبعث لها رسولا ..).
ومعنى هذا ان الرسول الذي بعثه الله للدنيا لم يكن من أجل تدبير شؤونها الدنيوية، انما كان من أجل غايات دينية فقط، هي هداية الناس لله.
اذن، فقد تخلّى الله ورسوله عن تدبير شؤون الدنيا، مفوّضين الإنسان بما يمتلك من عقل وعواطف وشهوات مهمة التدبير هذه، لأن الدنيا أهون عند الله من ان يعتني بها ويرسل رسله إليها من أجل إصلاحها.
لكن اذا كانت الدنيا تحظى بهذه الصفات الثابتة الأصيلة لها، لماذا أرسل الله محمدا إلى أناس عصره ليؤسس بهم (وحدة دينية ) ولم يدع حياتهم ويتركها تتأسس على قدر عقولهم وعواطفهم وشهواتهم، شأنهم شأن باقي أبناء العصور الأخرى ليؤسسوا بأهوائهم وعقولهم دولتهم التي يريدونها ؟
ثم إذا كان إرسال محمد لأناس عصره رحمة بأناس ذلك العصر، وهذا أمر صحيح _ فإن هذا الحكم يستوجب السؤال الأتي بالضرورة، وهو : ما فضيلة أناس عصر محمد وما كرامتهم عند الله، حتى يرحمهم بارسال رسول من عنده لهم ليهديهم وينقذهم من الضلال، ولا يرحم أناسا غيرهم من العصور الأخرى ولا يرسل رسلا لأبنائها ؟
ثم لما كانت الوحدة الدينية التي أسسها رسول الله في عصره، هي أفضل من أية حكومة مدنية، وهي الأكثر سعادة ونفعا للبشر، وقد تمت هذه الوحدة وانجزت عبر الوسائل الدينية، وقد تنعّم بها أناس ذلك العصر وحدهم، أليس حريّ برحمة الله ان تشمل بهذه النعمة أناس عصور أخرى، خصوصا ان الإسلام دين شامل لكل سكان الأرض ولكل العصور؟
حسنا، لقد أسس الرسول محمد بوسائل الدين وبرسالته السماوية، وحدة دينية هي الأفضل والأكثر صلاحا للناس من أية خلافة أو حكومة مدنية استعملت السياسة والعقل وسيلة لها، فكانت الوحدة الدينية نموذجا أفضل، تنعّم بخيراته ومزاياه أناس عصر الرسول محمد،
لماذا لا يرحم الله أناس العصور الأخرى بإرسال رسل اليهم لتأسيس وحدات دينية من أجل سعادتهم ؟
ثم اذا تعذّر مثل هذا الأمر، من جهة، لأن الرسول محمدا كان آخر الأنبياء بارادة وحكمة إلهية، ورأينا باعتراف عبد الرازق – من جهة أخرى- ان النموذج الديني لتأسيس الدولة، اي تأسيسها على وفق وسائل رسالية دينية، هو النموذج الأفضل والأكثر سعادة للبشر، ألا يكون من الأفضل للمسلمين، ان يبنوا دولتهم على وفق معطيات وأخلاقيات هذا النموذج، انطلاقا منه واقتداء به ؟
إن اعتراف عبد الرازق بكون الوحدة الدينية هي الأفضل للمسلمين، يلزمه منطقيا، ان تكون دعوته للاقتداء بهذا النموذج عن طريق استخدام القدرات العقلية للإنسان قي تتبعه وانشائه نموذجه للدولة السياسية ملتزما بتلك التعاليم المحمدية للدين، لا ان تكون الدعوة – كما يراد لها ان تفهم – دعوة لفصل الدنيا عن الدين، لأن هذا الإجراء هنا، وعلى وفق هذه الخصوصية الظرفية، يعني دعوة عبد الرازق لإهمال وتجاوز التجربة المحمدية في الأفضل، وبناء دولة سياسية على وفق النموذج (الخلفائي ) الأسوأ .
بعبارة أخرى، ان فصل السياسي، الدنيوي، الخلافي، عن الديني، الإلهي، المحمدي، لتعني هنا دعوة عبد الرازق لأتباع النموذج السيئ للحكم (حكومة الخلفاء) ذات الطابع السياسي، وهجر النموذج الكامل الأفضل لها المتمثل بإقامة الرسول لدولة(الوحدة الدينية).
من خلال ما تقدم كله يمكن ان نصل إلى خلاصة مفادها :
ان دعوة عبد الرازق في فصل الدين عن السياسة، لإنقاذ السياسي من سلطة الديني ورجعيته وتزمته، سبيلا لترك الناس أحرارا في ما يريدون لهم من حياة ونوع حكم مدني، كما يريد العلمانيون ذلك، لا يمكن ان يكون أو يصلح، تفصيل وعرض عبد الرازق للعلاقة بين الديني والسياسي مرجعا واصلا صحيحا لها يمكن بالفعل استنباط هذه الأحكام منه، لأن نموذج عرض عبد الرازق لهذه العلاقة يقضي بتفضيل الديني على السياسي بالضرورة، بل والانتصار الواضح لبنيته وقيمه، فكيف يمكن إذن ان يدعو عبد الرازق إلى إقامة الحكومات على وفق أحكام العقل والسياسة وهما الوسيلتان اللتان تم بهما إنشاء دولة الخلفاء بحسب التفاصيل والمواصفات التي نسبها اليها والتي كان من بينها انها (ينبوع شر وفساد) ؟
ولأن سياق عرض عبد الرازق لهذه العلاقة قد يسمح أو يؤدي بالقارئ إلى إنشاء مثل هذه الأحكام بصددها، فاننا لا نملك إزاء وضع معرفي ملتبس الا الإشارة إلى خطأ عبد الرازق في عرضه لسياق هذه العلاقة بينهما، اذ تم له بالفعل تفضيل الديني على السياسي والانتصار له عبر كل تلك المقالات بالغة الوضوح والروعة عنه، كما تم له بالفعل إدانة السياسي المؤسس على العقل والذي كانت الخلافة بعد رسول الله نموذجه، وهو العرض الذي لا يسمح له منطقيا بإطلاق نتيجة مغايرة للتوقع العقلي الذي يقضي بتفضيل الديني على السياسي، غير ان الذي اختاره عبد الرازق هو تفضيل هذا السياسي الذي سبقت له إدانته، على الديني الذي تم لعبد الرازق نفسه تفضيله ومديحه وتنزيهه علوا ومقاما، أو هو _ من جهة أخرى تخص القراءة العلمانية للنص- الإهمال المقصود لكل تلك المقدمات التي تنتصر للديني على السياسي في طروحات عبد الرازق بحيث لم يتبقى لها من تفصيل العلاقة بينهما بعد حذف المقدمات سوى الانتصار للسياسي الذي عرضته النتائج في كتابات عبد الرازق التي اشّرنا عليها هذا الخطأ الجسيم في تنظيم العلاقة بين المقدمات الدينية التي انتصر لها وانحاز اليها، وبين النتائج المغايرة لها قيميا وأخلاقيا وسياسيا، لكن ورغم ذلك، يدعو الناس إلى تبنّي نموذجها في تأسيس دولتهم المدنية .
بعبارة موجزة شديدة التركيز، كيف يمكن لمفكر إسلامي ان يقدم لنا نموذجين للحكم، احدهما ديني يخلع عليه ما شاء من صفات التفضيل والقدسية، وآخر دنيوي سياسي يتم له نعته بأسوأ الصفات وأكثرها بعدا عن الإنسانية ثم يدعو الناس، في نهاية عرضه النموذجين عليهم، يدعوهم إلى إتباع النموذج السياسي الدنيوي الأسوأ ؟
هذا هو على وجه الدقة السياق الذي تفهم به علاقة الديني بالسياسي في أطروحة الشيخ عبد الرازق ولأن القراءة العلمانية مأخوذة بتفضيل النموذج السياسي وتغليبه على الديني، بأيما ثمن كان، وبأقل جهد عقلي ممكن يحتم الخوص في التفاصيل لخطورة الموضوع وأهمية الفكرية العالية، أهملت مقدمات عبد الرازق التي تنتصر للديني على السياسية، واستبقت لها من مجمل طروحاته، تلك النتائج الرائعة المفتعلة والمناسبة لأيديولوجيتها والتي يدعو فيها عبد الرازق الناس إلى تبني الخيار السياسي، وإنشاء الحكومة على وفق أحكام العقل بمعزل عن العامل الديني، الذي لم تجري إدانة عبد الرازق له في كتابة ابداً، بل كان على الدوام موضع التشريف والتنزيه وعلو المقام، بل ان ما جرى هو إدانته للسياسي ونقده له – كما تمثل في تأسيس الفقهاء على وفق الذرائع التي قدموها، لنظام الخلافة الإسلامي .
لكن، هل يمكن الذهاب باطروحة عبد الرازق في تفضيل الديني على السياسي في ذاته الى مديات تأويلية أبعد من ذلك؟
ان في كتاب عبد الرازق الكثير من هذا النوع الخاص من الأفكار الذي يسمح بمثل هذا التأويل ويدعو اليه، إذ انه، وإمعانا منه في الحفاظ على الروح الديني طاهراً، نقياً من تلويث السياسية له، يبرر الشيخ عبد الرازق مظاهر السياسية التي وجدت على عهد الرسول بأنها كانت لأغراض دينية، قائلا، (لا يريبنك هذا الذي ترى أحيانا في سيرة النبي ( ص )، فيبدو لك كأنه عمل حكومي ومظهر للملك والدولة، فأنك اذا تأملت لم تجده كذلك، بل هو لم يكن الاّ وسيلة من الوسائل التي كان عليه (ص) ان يلجأ اليها تثبيتاً للدين وتأييداً للدعوة وليس عجيباً ان يكون الجهاد وسيلة من تلكم الوسائل، هو وسيلة عنيفة وقاسية ولكن ما يدريك، فلعل الشر ضروري للخير في بعض الاحيان، وربما وجب التخريب ليتم العمران ) ص 63
يمضي عبد الرازق معززاً فكرة استخدام الدعوة الإسلامية – النقية السلمية - لأساليب الدنيا الشريرة، فيقول: ( اذا ساق الله ربيعا إلى ارض جدبة ليحيى ميتها، وينقع غلتها وينمي الخصب فيها، أ فينقص من قدره ان أتى في طريقه على عقبة فعلاها أو بيت رفيع العماد فهوى به )
لنلاحظ هنا عبارة (أينقص من قدره) التي تخص بتأويل ما، قصد استخدام النبي للسياسة، التي هي بمثابة نقصان لنوع الدعوة الشريفة الدينية الخالصة .
هل نحن هنا ازاء مذهب فلسفي يقول ويجاهد لتنزيه الديني متمثلاً برسول الله عن اي غرض سياسي دنيوي يمكن ان تمر به دعوته ؟ ربما كان هذا الافتراض صحيحا وربما يمكن قراءة كتاب الشيخ عبد الرازق كله مستهدين بهذه الفكرة، وأنا لعلى يقين من عدم وجود اي فكرة تتعارض معها أو تدحضها . غير أن الأمر أوسع من ذلك وأدهى .
لنتأمل الآن معا هذه الخاتمة الرائعة التي تفصح بوضوح وهدوء عن رأي الشيخ عبد الرازق في قوله بتنزيه رسالة محمد عن اي غرض سياسي أو دنيوي، وتعاملها فقط مع الجانب الديني الذي تصدر عنه وتتخذه وسيلة وغاية لها،
( ترى من هذا ان ليس القرآن هو وحده الذي يمنعنا من اعتقاد ان النبي (ص) كان يدعو مع رسالته الدينية إلى دولة سياسية، وليست السنة هي وحدها التي تمنعنا من ذلك، ولكن مع الكتاب والسنة، حكم والعقل وما يقتضي به معنى الرسالة وطبيعتها ) ص 64
(انما كانت ولاية محمد (ص) على المؤمنين ولاية الرسالة، غير مشوبة بشيء من الحكم .....هيهات، هيهات لم يكن ثمة حكومة ولا دولة ولاشيء من نزعات السياسية ولا أغراض الملوك والأمراء ) ص 64
اذن، فغياب (مظاهر الحكم وأغراض الدولة ) في العصر النبوي يسوغها هنا ويبدد (ظلام الحيرة في السؤال عنها ) هذه النصوص التي تقول بأن رسالة محمد كانت دينية محض لا يشوبها غرض سياسي دنيوي قط .
ان الأطروحة الرئيسية في كتاب عبد الرازق هي تمييز حدود الديني عن السياسي وبيان علاقة كل منهما بالآخر، حين يتداخلان مرة وينفصلان أخرى، وكيف يمكن للسياسي ان يستخدم ويوظف الديني وكيف يمكن للديني ان يعتمد على السياسي، كل ذلك عبر قراءة للتاريخ والواقع الإسلامي كما حصل، وهذه مسألة تختلف كليا عن الدعوة الفكرية المنظمة لفصل الديني عن السياسي وهي المسألة التي لم ترد عبارة واحدة صريحة أو غير صريحة بقولها .
لذا نقول، ان وصف السياسي في مدى علاقته بالديني، وبيان حدود كل منهما، مسألة تختلف كليا عن الدعوة إلى الفصل بينهما .
لنقرأ- دليلا على ذلك – الباب الثالث من الكتاب بهدي من هذه الفكرة، بل لنقرأ الكتاب كله هكذا، حيث أراد ان يقول ان الخلافة ليست مركزا دينيا، ثم بحث الأسباب التي ادت إلى ظهور مثل هذا الخطأ في أذهان الناس، هذا هو موضوع الفصل الثالث من الكتاب من الكتاب الثالث، الموضوع الذي نجد أنفسنا ملزمين بإيجازه لتأكيد صحة ما نذهب اليه
8- موجز الفصل الثالث
اتخذت حروب الردة في عهد الخليفة الأول طابعاً دينياً محضاً، مفاده، ان اغلب القبائل العربية التي دخلت في الإسلام، وأعطت مواثيقها لرسول الله في حياته نقضت عهودها، وارتدت عن الإسلام بعد رحيل رسول الله عن العالم، لذا فأن الخليفة الأول يحاول بحروبه هذه إعادة القبائل المرتدة إلى حظيرة الإسلام التي أعلنت هذه القبائل انفصالها عنها .
هذه هي المدونة الرسمية الأكثر شيوعاً لعنوان و مضمون حروب الردة كما اتفقت عليها اغلب المصادر التاريخية .
غير ان للشيخ عبد الرازق رأياً مختلفاً آخراً في النظر إلى هذه المسألة، اذ يحاول فيه إضفاء الطابع السياسي والأسباب السياسية الدنيوية على هذه الحروب – حروب الردة – يحاول في الوقت ذاته البقاء مخلصاً لأطروحة المركزية القائلة، بأن الخلافة بعد رسول الله كانت ( لا دينية ) وان الخليفة منصب سياسي استحدثه الخلفاء، لذا فلا يملك الخليفة الأول صفة دينية محض تجعله مسؤولاً عن امر من يرتد عن الإسلام ص 82
ولأن لعبد الرازق طريقه الخاص في تجريد السياسي (الخلافة) من الصفات الدينية التي أسبغها الفقهاء عليها، ارى من الضروري ان نتعرف على هذه العرض الخاص الذي يقدمه الشيخ لمفهوم حروب الردة في هذا الفصل، حيث يذهب إلى عدم معرفة المصدر الذي اخترع (لأبي بكر) لقب (خليفة رسول الله) بالرغم من إجازة أبي بكر لهذا اللقب ورضاه به. ثم يمضي عبد الرازق في عرض تفاصيل اكتساب ابي بكر لهذا اللقب واقعاً، لكن مع النبرة والأداء الملازم لإنكاره عليه وبيان اعدم استحقاقه له :
يقول عبد الرازق :
ان رسول الله كان زعيما للعرب ومناطاً لوحدتهم على النحو الذي شرحنا –يعني ان رسول الله كان زعيماً للعرب بوصفهم امة، اجتمعت تحت راية الإسلام ووحدته الدينية – فإذا قام أبو بكر من بعده ملكاً على العرب جمّاعاً لوحدتهم، على الوجه السياسي الحادث فقد ساغ في لغة العرب ان يقال انه بهذا الاعتبار خليفة رسول الله، بعبارة أخرى، ان عبد الرازق يريد ان يقول ان أبا بكر كان خليفة لرسول الله في الزعامة التي كانت للنبي محمد على قومه العرب، الزعامة المحدودة التي تدخل بوصفها جزء من زعامته الدينية عليهم، وليس في زعامته الدينية عليهم لأن مثل هذه الزعامة لا يمكن لأحد استخلافها، أو وراثة نوعها الإلهي الخاص . ولأن لهذا اللقب (خليفة رسول الله ) روعة وجاذبية، فلا غرو ان يختاره الصديق لكونه (ناهضاً بدولة حادثة يريد ان يضم إطرافها بين أعاصير من الفتن ... وبين قوم حديثي العهد بالجاهلية ... فهذا اللقب جدير بأن يكبح من جماحهم، ويلين بعض ما استعصى من قيادهم ) ص80
يضيف عبد الرازق –وقد حسب نفر منهم، ان خلافة أبي بكر للرسول (ص) خلافة حقيقية بكل معناها ) ولا يخفى ان المراد هنا بعبارة خلافة حقيقية، هو المعنى الديني للخلافة، اي خلافة الصديق لرسول الله في منصبه الديني، وهو الأمر الذي تتشبث به أطروحة عبد الرازق على عدم إمكان حدوثه أو استحالتها .
هكذا حمل جماعة من العرب والمسلمين، اللقب الذي كان لأبي بكر محملاً دينيا، فانقادوا لأمارته انقيادا دينيا كانقيادهم لرسول الله –ص- فاخذوا (يرعون مقامه الملوكي بما يجب ان يرعوا به كل ما يمس دينهم، لذلك كان الخروج على ابي بكر في رأيهم، خروجا على الدين وارتدادا على الإسلام ) – ص 80-
من هنا ارتبطت طاعة ابي بكر بطاعة الدين، فعُدّ خروج احد على خلافته، خروجا على الدين ) لأن المنصب الذي تم له الحصول عبر اللقب (خليفة رسول الله ) وبفضله، هو مقام ذو صبغة دينية واضحة.
لذا فقد سمّي الذين رفضوا طاعة ابي بكر مرتدّين، وتمت تسمية حرب أبي بكر معهم ( حروب الردة )، غيران هؤلاء المرتدين لم يكونوا في الواقع – من وجهة نظر عبد الرازق – مرتدين حقا، كفروا بالله وبرسوله، بل كان فيهم من بقي على إسلامه ولكنه رفض ان ينظمّ إلى وحدة أبي بكر، لذا (فما كانت محاربتهم لتكون باسم الدين، فان كان ولا بدّ من حربهم، فانما هي السياسة والدفاع عن وحدة العرب، والذود عن دولتهم ) – ص 80-
معنى هذا كله، ان حروب ابي بكر ذات الطابع السياسي كان ان اكتسبت تحت ضغط التدوين التاريخي لها صفة دينية أدخلتها تحت اسم الإسلام وشعاره، بحيث (كان الانضمام إلى ابي بكر دخولا تحت لواء الإسلام والخروج عليه ردّاً وفسوقا ) – ص83-
اذن فثمة خطأ هنا، اجراء يتعلق بداية، بمنح اللقب (خليفة رسول الله )مع كل ما يحمله من معان دينية خاصة، منحه وخلعه على شخصية الرجل الذي خلّف رسول الله في قيادة الوحدة العربية السياسية التي كانت لرسول الله على المسلمين العرب، كجزء من وحدته الدينية، فهذا اللقب –خليفة رسول الله – كان سبباً من أسباب الخطأ الذي تسرّب إلى عامة المسلمين فخيّل إليهم، ان الخلافة مركز ديني، وان من ولّيَ أمر المسلمين فقد حل ّ منهم في المقام الذي كان عليه رسول الله – ص 83- وهكذا ( فشا بين المسلمين منذ الصدر الأول، الزعم بأن الخلافة مقام ديني ونيابة عن صاحب الشريعة عليه السلام ) – ص83-
وقد كان السكوت على مثل هذا الخطأ أو التحول في المفهوم، وانتقاله من صيغة دينية إلى صيغة سياسية (مصلحة السلاطين ) روّجوا (لها بين الناس حتى يتخذوا من الدين دروعاً تحمي عروشهم وتذود الخارجين عليهم )-ص 83 –
ولم يتوقف عبد الرازق عند هذا الحد من تحولات مفهوم الخلافة، بل يضيف على ذلك : (ثم ان الخلافة قد أصبحت تلصق بالمباحث الدينية، وصارت جزءاً من عقائد التوحيد، يدرسه المسلم مع صفات الله تعالى وصفات رسله الكرام ويلقنه كما يلقن شهادة ان لا اله الاّ الله وان محمد رسول الله، ثم يصل عبد الرازق إلى هذا الحكم الصريح : ( تلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين، أضلوهم عن الهدى وعموا عليهم وجوه الحق، وحجبوا عليه مسالك النور باسم الدين، وباسم الدين أيضا استبدوا بهم وأذلوهم وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين خدعوهم وضيقوا على عقولهم، فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعاً حتى في مسائل الإدارة الصرفة والسياسة الخالصة، والحق، ان الدين الإسلامي برئ من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون وبرئ من كل ما هيئوا حولها من رغبة ورهبة ومن عز وقوة، والخلافة ليست في شيئ من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وانما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، لا أمر بها ولا نهى عنها وانما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسية .
كما ان تدبير الجيوش الإسلامية وعمارة المدن والثغور – ونظام الدواوين لا شأن للدين بها، وإنما يرجع فيها الأمر إلى العقل والتجريب وإلى قواعد الحروب أو هندسة المباني وآراء العارفين ) -ص84-
في هذا النص، نرى براءة الدين من الخلافة والسياسة، حسبما ظهرت لدى المسلمين، بممارستها الخاطئة التي عدّدها عبد الرازق في الصفحة السابقة " غير أنها في الحقيقة إدانة للنوع السياسي الخاص من الخلافة السياسية التي دمرت المسلمين، المهم في ذلك هو فهمنا ان الدعوة هنا خاصة مقيدة وليست عامة مطلقة حسب النص .
من حيث ان هذه الصفات التي جعلها الفقهاء للخليفة هي صفات رسول الله على وجه الدقة، وهي النموذج الذي عاشه كزعيم وحدة دينية، كان يعرف –ص- انها –اي الوحدة الدينية – لا يمكن ان تتم ويستمر نوعها الخاص بغير هذا النموذج، لذا فقد هيًأ عليا لهذا النوع من الزعامة، وهو الأمر الذي لم تلتزم الأمة بتنفيذه، متخذة الخيار السياسي بديلا عنه، ولما كان أصحاب الخيار على دراية تامة بمقومات ومزايا نجاح هذا النموذج وهو الذي كان يحكم به رسول الله، أسبغو على أنفسهم، خصائصه وألقابه إشارة منهم لنموذج زعامة الوحدة الباقية بالفعل للمسلمين والتي لا يمكن قيامها أبدا الاّ بهذا النوع من الزعامة – زعامة رسول الله الدينية-
لذا كانت التجربة السياسية المعتمدة لنظام الخلافة مسكونة بالفشل مريع بسبب من اختلاف نوع القائد، من حيث ان رسول الله كان قد خلّف وحدة دينية لا تصلح لقائد سياسي، انما تصلح لقائد من نوعه فقط، قائد ديني يستمد سياسته من النوع الديني نفسه، فهو الذي الأمر هنا يمضي باتجاه واحد هو اتجاه الخلافة السياسية، اي غير الشرعية، و يهمل نوع الخلافة الآخر، خلافة الوحدة الدينية.
















الفصل الثالث: الإجابة الشيعية لأسئلة عبد الرازق المحيرة

من خلال ما تقدم كله، يمكن القول ان اطروحة الشيخ عبد الرازق كانت تراود التصور الشيعي لنظامي الخلافة والإمامة، وان أطروحته كلها، لا يمكن ان تستقيم أو تجد أجاباتها المقنعة إلا في النظام المعرفي لعقيدة الشيعة في تصورها لهذين المفهومين، من حيث رؤيتنا ان اعتقاده زوال الوحدة الدينية التي كانت على عهد رسول الله وعدم وجود من يخلفه في نوعها، من جهة، واستحداث نظام الخلافة غير المكافئ للنيابة عن نوعها، من جهة أخرى، و هو الذي جرّ البلاء كله على الأمة الإسلامية، قد كان اعتقادا صحيحا، إذا ما جرى تسليمنا حسب بما كان يعتقده هو، أي أن رسول الله لم يوص لأحد من بعده، وانه عليه السلام قد ترك الأمر لقدرات أناس عصره في اختيار ما يريدون، لكن هل كان الأمر كما قد حدث بهذه الطريقة حقا؟ أعني اذا كانت العقيدة السنية التي كتب الشيخ عبد الرزاق مؤلفه بهدي من نظامها المعرفي قد سوغت له الطريق الى طرحه لافكاره بهذا الصدد، فإن العقيدة الشيعة لا ترى المسالة ذاتها على هذا النحو ابدا.
بعبارة أخرى مباشرة: ان العقيدة الشيعية تقوّض من القواعد كل ما جاء به عبد الرازق من حيث اعتقادها الراسخ أن نظام الولاية المقام عبر مبدأ وصية الرسول لمن سيخلفه في سلطتيه الدينية والسياسية ليعني على نحو قاطع استمرار نمط الوحدة الدينية في الأمة الإسلامية بعد رحيله عليه السلام عن هذه الدنيا.
وهنا أجد نفسي مضطرا في نهاية البحث هذا لبيان هذا المعتقد الشيعي من حيث إيمانه الراسخ بعقيدة الولاية التي تنص على استمرار وحدة الدين بعد رحيل رسول الله عن العالم والأمة التي عمل عليه السلام على تكوينها وكما يلي :

حماية الدين –
من أسلوب أدائها الشخصي الى أسلوب أدائها النوعي

على نحو بالغ الوضوح تشير المصادر التاريخية وكتب التفسير الى أن جميع محاولات (الكافرين) في احتواء دين محمد وإيقاف فعالية نموّ دعوته المتعاظمة، عن طريق محق همته بالمال والجاه والقهر والتهديد والعذاب والفتنة، قد مُنيت جميعها بالفشل. فأصبحوا ينظرون من خلال هذا الواقع المرير إلى عطل ولا جدوى وسائل مواجهاتهم معه عن طريق ما لديهم من قوة وإمكانات وأسباب متاحة. ولما كانت هذهِ الوسائل، هي كلّ ما لديهم من قوة متاحة ممكنة، وهي أقصى ما يمكن استخدامه ضد دين محمد، ثم كان هذا الفشل واضح المعالم والحضور، هو النتيجة الواقعية المترتبة على استخدامهم المباشر لأسباب قوتهم، خلد الذين كفروا الى اليأس وانقطعوا اليه من حيث قدرة ما لديهم من إمكانيات مواجهة، على النيل من دين محمد .

غير أنه يأس من هذهِ القوى المتاحة حسب، يأسٌ من أسلوب مواجهةٍ واحد، رغم عظمة إمكاناته وكبير الثقة التي وضعوها به، الأمر الذي يعني أن ثمة أساليب أخرى يمكن أن يعوّل عليها الكافرون في هذهِ المواجهة القدرية الشاملة مع دين محمد، غير أنها مواجهة مصحوبة بيقين مطلق حاضر من كونها لن تكون عن طريق امكاناتهم كلها .
من هنا قدحتْ في أذهان الكافرين، فكرة مواجهة من نوع آخر، فكرة لا سبيل لدين محمد من النجاة منها أبداً، كونها تستند الى حقيقة وجودية كبرى وناموس طبيعي أعظم لا تخطيء ولا تتخلف مفردات صيرورته وحقائق تحققه، إنه الموتُ هذهِ المرة، سنة الأحياء وقانون نهايتهم الجبري المطلق، ذلك الذي يؤول اليه الناسُ جميعاً، أيّاً كانت مراتبهم ومكاناتهم عند الله، ولما كان محمدٌ بشراً، فأنه من الميتين لا محالة، خصوصاً أن الله نفسه قد خاطبه ذات مرة وعبر وحي قرآنه ذاته {إنك ميت وإنهم ميتون}(1) .
إذن، فهي المواجهة التي ستتخذ من الموت مضموناً ومادة وقوة لها، وهو الموت هذهِ المرة، ذلك الأمل الأخير الذي تعلّقت به أذهان الكافرين بوصفه الأسلوب القدري الجديد لمواجهة دين محمد، الطريقة التي تعتمد القدر والجبر قوةً لها في المواجهة، لذا فلا ريب من امكان انتصارهم في هذهِ المواجهة، بل ان نصرهم المأمول ذاك هو في عداد النتيجة الواقعة المتحققة فعلا، النتيجة التي تخبر الكافرين بكل صدق: بأن موت دين محمد وزواله، رهينٌ بموت محمد ورحيله عن هذا العالم الدنيوي.
ذلك لأن (كمال الدين من جهة أحكامه ومعارفه – وإن بلغ ما بلغ – لا يقوى بنفسه على حفظ نفسه، وإن سنّة من السنن المحدثة والأديان المتبعة لا تبقى على نظارتها وصفائها، لا بنفسها ولا بانتشار صيتها ولا بكثرة المنتحلين بها، كما إنها لا تنمّحي ولا تنطمس بقهر أو جبر أو تهديد أو فتنة أو عذاب أو غير ذلك، إلاّ بموت حملتها وحفظتها القائمين بتدبير أمرها)(2) .
الأمر الذي يعني أن ثمة رابطةً وجودية تكوينية لا تنفصم بين الدين وبين حاملة والقيمّ به بحيث أن موت هذا الأخير سيقود ويؤدي حتماً الى موت الأول. بل أن موت الأخير يعني موت ما جاء به من الدين معه لا محالة. وهذا هو جوهر اعتقاد الكافرين ومضمون نظريتهم في مواجهتهم الأخيرة مع دين محمد .
غير أن لله تعالى أسلوبه الذي لا يُقهرُ في بلوغ أمره وإظهار دينه على الدين كلّه ولو كره الكافرون، مثلما له المثلُ الأعلى والحجة البالغة التي يُلزم الناس بإتباعها بعد ابطال حججهم وقهر أسبابهم، بإراءتهم معنى الحق حاضراً مصوراً نُصباً أعينهم، لا ريب فيه، بحيث لم يعد أمامهم إلاّ أن يُلزمهم تعالى بقوله ويآخذهم به، من خلال خيارهم لموقفهم بأنفسهم أذ يقول جل من قائل {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّا فأنظر كيف كان عاقبة المفسدين}(3). ولأنه تعالى يعلم ما تنطوي عليه قضية الولاية هذهِ من صيغ خلاف ونزاع مستقبلية بين الناس تحمل المضمون ذاته في الأزمنة القادمة كلّها جاءت صيغة الحل الإلهي النهائي لهذا المشكل حاملة لذات الصيغة الزمنية المستقبلية التي تواجهُ بحضور أشخاصها الفعلي في الأزمنة القادمة وتمثيلهم لجانب الحق الإلهي، جحود المتربصين بالدين من وجهة النظر هذهِ ذاتها حصراً، أي من خلال من يرى أن زوال دين محمد رهين بزوال ممثلة الشرعي الحاضر بشخصه في زمن ما. ولما كان هذا الممثل القائم بأمر دين الله المدبّر لشؤون الناس في الدين حاضراً بشخصه في الازمان كلها، حسب النظرية الشيعة التي تستمدُّ من الله والرسول تعاليمها، فقد بطلت حجة القائلين بهذا الزعم، بسبب من وجود هذا الممثل ذاته، من حيث كونه حجة لله على خلقه كلهم، تذكّرهم على الدوام ببقاء دين محمد وحضوره بينهم، مُمثلاً بحضور هذا الإمام الذي هو نائبه بأمر الله .
إذن فقد جنح الكافرون الى اليأس وانقطعوا اليه بعد أن انقطع لديهم حبل الرجاء الأخير الذي تمثل لهم، بحقيقة العلاقة الوجودية بين محمد ودينه، بحيث يؤدي موت الاول إلى موت ما جاء به. هنا تجدر الاشارة المهمة الى حقيقة هذا الاعتقاد وصحته مقدمةً ونتيجةً، أي صحة المبدأ والدليل العقلي الذي قام على الربط بين زوال دين محمد وموته، أي توقف أمر زوال الدين على موت حامله، أما الدليل على صحة هذا الحكم، أي الدليل على صحة ما ذهبوا اليه واعتقدوه في هذهِ القطيعة فهو ما يتمثل بالمعالجة الإلهية لهذا الشكل، أي الصيغة والاسلوب الذي وضع به الله تعالى حلّه لهذهِ القضية، بحيث يبقى الدين حاضراً بالرغم من موت الرسول محمد حامله، عبر إحداث تغيير جوهري في بنية النظام الإسلامي ذاتها، أي عبر إضافة مبدأ الولاية له، المتمثل بالحضور الدائم لنائب الرسول في اداء مهماته الهادية الى الله في الازمان كلها، بعبارة أخرى، إن الله تعالى، عرف قوة المبدأ الذي تستند اليه نظريّتهم، وعلم صدقه الحتمي، لكن المرتبط بوضع الإسلام قبل نزول آية الولاية، أي الوضع الذي يعتمد بنجاحه – فقط – على إمكان أن يبقى الله تعالى ملتزماً بهذا المبدأ، عاملاً به، مقرّاً بكون محمد من الميتين، أي دون أن يأتيهم الله بحل لهذهِ المشكلة من مكان وصيغة أخرى لا تقوم على الربط المنطقي المباشر بين موت محمد وزوال دينه، بوصف موت الاول مقدمة ينتج عنها بالضرورة موت دينه. وهذا هو جوهر الفعل الإلهي الذي قدّمه الله تعالى كحل لهذا المشكل، حين جاء بحلّه من مكان آخر وعلى وفق منظومة معرفية مغايرة في آليتها ومضمونها، لما كان قد اعتقده الكافرون وخططوا له.
أما الذي صوّر اليهم حقيقة اليأس هذهِ، بوصفه مصيراً محتوماً سيؤولون إلى مواجهته وينتهون اليه بأعتباره، النتيجة والواقع الذي ساقهم أليه وأرغمهم على قبوله، مضمون الآية الذي يبطل كيدهم ويمحق رجاءهم الاخير، فهو، طبيعة الصيغة التي جاء بها هذا الحل وتعرفوا على زوال رجائهم الأخير من خلاله، أعني أنها الصيغة التي جاءتهم بوصفها آية قرآنية مُبينة، تنـزيلاً إلهياً عن أمر الله تعالى، ذلك الأمر الذي جرّبوا من قبلُ صدقهُ المطلق وقدرته على بلوغ أمره وغايته سواء أرغبوا بذلك الأمر، أم أُرغموا على قبوله .
إذن فهو اليوم الذي ألجأ اللهُ تعالى به الكافرين الى اليأس من الأمر الذي عقدوا عليه رجاءهم الأخير بزوال دين محمد، وهو اليوم الذي يخبر به اللهُ تعالى المسلمين بمضمون هذا الحدث، أي يخبرهم بسبب يأس الكافرين من النيل من دينهم والى الابد – لأن نظام الولاية مستمر الى الابد – إذ يقول تعالى {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وأخشون * اليومَ اكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(4) إذن فلا تخافوا على دينكم منهم بعد هذا الحل الذي وضعته لبقاء هذا الدين حاضراً مع الشخص الذي يتولى في كل زمان حفظه – لأنه لا حيله ولا قوة للكافرين بعد اليوم، وفي أي زمن، من النيل من دينكم – لوجود الحامل الشخصي الذي يحفظُهُ-، فلا تخشوهم إذن، إنما الخشيةُ ستكون من قبل المسلمين أنفسهم (وإن ذلك أنما يكون بكفرهم بهذهِ النعمة التامّة ورفضهم هذا الدين المرضيّ، ويومئذ يسلبهم اللهُ نعمته ويغيرها الى النقمة ويذيقهم لباس الجوع والخوف وقد فعلوا ما فعلوا)(5) .
فهل ترى التزم المسلمون بماهية التحذير الإلهي لهم المتمثل بزوال دينهم، لا من طريق نيل الكافرين منه، بل من طريق انكارهم لنعمة الله؟ هذا ما سنجيب عنه في الفصل الأخير من كتابنا هذا .
تلك هي أذن العلة التي أصبح يأس الكافرين في ذلك اليوم معلولاً ونتيجة لها. أما عن طبيعة المضمون المكوّن لهذهِ العلّه، أي طبيعة التغيير الذي أحدثه الله تعالى في البنية التكوينية للإسلام، فأنما يتمثل بأمرين عبّرتْ عنهما صياغة السيد الطباطبائي بقوله (خروج الدين من مرحلة القيام بالحامل الشخصي الى مرحلة القيام بالحامل النوعي. ويكون ذلك إكمالاً للدين بتحويله من صفة الحدوث الى صفة البقاء)(6) .
هنا ينبغي أن نتوقف قليلاً من أجل معرفة حقيقة هذه المفردات والوظيفة المعنوية التي او كل لها سياقُ العبارات في نص الطباطبائي حملها، وهي، - أي المفردات- (الشخصي ، النوعي، الحدوث، البقاء) .
لوهلة أولى تظهر هذهِ الازواج من الكلمات (شخصي / نوعي)، (حدوث/ بقاء) نوعاً من العلاقات المستقلة بكل زوج منهما. غير أن حقيقة الوضع المعرفي الذي تقوم عليه علاقةُ كل زوج منهما بالآخر، تخبر عن صلة معرفية حميمة، تنفتح في مجالها هذهِ الأزواج على بعض لتؤلف بمجموعها، منظومة معرفية موحدة متكاملة، قد يكون من المتعذر أن يمنح السياق كامل معناه ومغزاه العميق، دونها .
لذا توجب التعرف عليها أولاً بوصفها مصطلحات فلسفية، بوجه عام، ثم التعرف من بعد، على خصوصية الوظيفة والمعنى الذي وردتْ به في سياق استخدام السيد الطباطبائي لها، بعد أن نستبدل كلمة (الشخصي) لديه، بكلمة (الفردي) وهما بطبيعة الحال يحملان الدلالة الفلسفية التي تقتضيها خصوصية أستخدامه للمفردات، ذاتها .
الفرد / النوع الحدوث / البقاء
مـوت الـفرد وديمـومـة النوع في الـزمـان

يرد تعريف الفرديه بأنها (مجموع الخصال اللازمة للمرء في شخصه المادي والمعنوي، كمزاجه وحساسية ذوقه وأفكاره وكل ما من شأنه أن يقضي بأن لا سبيل إلى أن يوجد في الحياة اثنان لا يمكن التمييز بينهما ثم الفروق التي تميزه من غيره)(7) أما النوع فهو (الكل الذاتي الذي يقال على كثيرين مختلفين بالعدد في جواب ما هو)(8) أما بصدد العلاقة بين الفرد والنوع فهي ما يمكن أجمالها بالقول: إن هذا الرجل هو فرد في نوع اسمه الإنسان الذي هو نوع من جنس اسمه الحيوان. من هنا فالنوع هو كل ذاتي، أي إنه مجموع أفراد مستقلين في فرديتهم، متميزين من حيث خصالهم الشخصية والمعنوية، من جهة، وهم في الوقت ذاته متشابهين في مجموعة خصال أخرى مادية ومعنوية توحّدهم في تسمية معيّنة تؤلف خصائصهم النوعية التي يتميزون بها عن الانواع الأخرى داخل الجنس نفسه. فأذا كنا نعرف – بلغة المنطق – أنّ (الفصل) أو (الخصيصة المميزة) هي العلة التي تعزى لها مسألة التمييز بين النوع والجنس، أعني أن صفتي (النطق والتفكير) وهما الخصيصتان الملازمتان للإنسان، هما ما يمثل (الفصل) الذي يُفرّق بموجبه بين الإنسان والحيوان .
أقول، أذا كنا نعرف ذلك، وجب السؤال عن حقيقة ونوع الفصل الذي يُميّز بموجبه الفرق بين الفرد والنوع الذي ينتمي اليه، علماً أنه ليس هناك ما يحول من البحث عن مثل هذا الفرق طالما لم يكن الفرد والنوع في حقيقتهما شيئاً واحدا .
ان الاجابة عن هذا السؤال بالقول (أن مجموع الخصال اللازمة للمرء في شخصه المادي والمعنوي) هي ما يمثل الفصل بين الفرد والنوع، اجابة صحيحة في حدود عامة معينة، بمعنى انها لا تفي بالغرض والقصد المبيّت الذي نسعى لبلوغه من خلال الاشارة والتمثيل (للفصل) على وفق معنى آخر – موجود، صحيح، ويسمح النص بتأوّله على وفق صيغة – اكثر عمقاً وأوثق صلة بين طرفيه المتقابلين، أعني الفرد والنوع. وهذا ما سنشرع في ذكره، بعد أن نبيّن معنى أصطلاحي، الحدوث والبقاء .
يقول الغزالي في معيار العلوم بأن الحادث هو (الكائن بعد أنْ لم يكن) ويقول المعجم الفلسفي بأن الحادث (اسم مشترك بين الحادث بحسب الذات والحادث بحسب الزمان، فالحادث بحسب الزمان هو الذي لزمان وجوده ابتداء، وبحسب الذات هو الذي لذاته مبدأ، هي به موجودة)
أما البقاء، فهو (صفة لما يظل هو بالرغم من تقضي الزمان) .
من هنا ستصبح العلاقة بين هذهِ الازواج المتقابلة من المفردات، ممكنة وواضحة – بعد معرفتنا لدلالاتها الاصطلاحية في بعدها الفلسفي – أعني أن ملامحاً من علاقة ما ستصبح ممكنة الفهم لنا، بين الفرد والحدوث، من جهة، وبين النوع والبقاء، من جهة أخرى. أما طبيعة هذهِ العلاقة، فيمكن الاشارة اليها عبر القول، بأن (الحادث) وهو (الكائن بعد أن لم يكن) مثلما هو (الذي لزمان وجوده ابتداء، وهو الذي لذاته مبدأ، هي به موجودة) ليصلح – ضمن هذا التعريف الذي قدّمناه له – أن يكون صفة للفرد وخصيصة أصيلة تميّزهُ، من حيث، حدوث هذا الفرد بعد أن لم يكن، أولاً، ومن حيث صفة الزمانية التي تضع لحظة ابتداءً لوجوده، وصفة السببية التي تضع مبدأ لايجاده، من جهة أخرى .
ولما كان حديثنا هنا عن الفرد، مأخوذاً بلحظةٍ ومفهوم خاص، هو، الإنسان، أمكن الاضافة الى صفة الزمانية التي تميّز بدايته حسب التعريف، صفةً زمنية أخرى تميّز هذا الفرد الإنسان وتعبّر عن خصيصة أصيلة في ذاته، هي نهايته في الزمن، أو موته. على خلاف (النوع) الذي مرّ بنا تعريفه بوصفه (الكل الذاتي الذي يقال على كثيرين مختلفين بالعدد) من حيث علاقته بالبقاء الذي هو (صفة لما يظل هو بالرغم من تقضي الزمان) بعبارة اخرى. أن الفرد الإنسان الحادث، يبدأ في زمان معين وينتهي في زمن آخر محدد. أما النوع الإنساني فلا يمكن أن يتصف أبداً بمثل هذهِ الصفة الزمانية المحددة، بسبب من كونه كلاً ذاتياً لعدد كثير مختلف – الامر الذي يعني ديمومة واستمراره في الزمان، أي أنه (يظل هو بالرغم من تقضيّ الزمان)( 9) .
حتى إذا أردنا صياغة اكثر دقة وأوضح مضموناً لما نريد التعبير عنه بهذا الصدد، قلنا، بأن الموت هو (الفصل) بالمعنى) المنطقي بين الفرد والنوع وهذهِ مقدمة نصلُ من خلالها الى القول، بأن النوع لا يموت من حيث كونه نوعاً، انما الذي يموت هو الفرد من النوع. لذا فأن هذا النوع متصف بالبقاء، مستمر في وجوده داخل الزمان. بعبارة أخرى ان موت النوع يتم له ويأتيه بصيغة فردية يتولّى اداءها هذا الفرد المحدد أو ذاك، في هذهِ الفترة من الزمن أو تلك. يقول (هيجل) مصوراً علاقة الفرد بالنوع من حيث البقاء والفناء (ففي النوع يكون للحيوان الجزئي الفرد، فكرته الشاملة: والنوع يتحرر من هذهِ الفردية بالموت)(10) يقول مترجم الكتاب شارحاً معنى النص هذا في هامش الصفحة (معنى ذلك أن موت الفرد يجعل النوع يتحرر من هذهِ الجزئية ويواصل التواجد من جديد) ونقول نحن بصدد النص ذاته، إن النوع الذي هو مجموع كليّ ذاتي لأفراد، يلزمه أن يموت من حيث كونه مؤلفاً من أفراد صفتهم الأصيلة الثابتة هي الموت، غير أن هذا النوع، يتحرر من فرديّته، أي من صفة الموت التي تلزمه من خلال فردية أفراده، من خلال موت هؤلاء الأفراد لا موته هو. بعبارة أخرى، إن النوع يواصل البقاء في الزمن متحرراً من الموت لأن لهذا الموت صفة جزئية تصيب أفراده حسب، مما يعني – فيما بعد – أن النوع هذا هو الاسلوب الذي يعبّر به الفرد عن بقائه في الزمن .
وهنا أحسب ان السياق قد أصبح مهيئاً لبحث العلاقة الخاصة التي وضعها السيد الطباطبائي لهذهِ المفردات (شخصي / نوعي، حدوث / بقاء) خلال تفسيره للآية الثالثة من سورة المائدة: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وأخشونِ اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا).
يقول السيد الطباطبائي – كما مر بنا – بأن هذا التغيير قد تمثل بـ (خروج الدين من مرحلة القيام بالحامل الشخصي الى مرحلة القيام بالحامل النوعي ويكون ذلك إكمالاً للدين بتحويله من صفة البقاء اتماماً للنعمة) بعبارة أخرى – تضع في اعتبارها العلاقة التي تم لنا عرضها حول صلة الشخصي بالحدوث، والنوع بالبقاء- يمكن القول بأن طبيعة التغيير الإلهي تمثلت بنقل مهمة ومسؤولية الحفاظ على دين الله وتدبير شؤونه، من أسلوبها الذي كان رهيناً برسول الله وحده، إلى الاسلوب الجديد الذي يقتضي العهد بهذه المسؤولية الى من يختاره الرسول بأمر الله لتدبير شؤون الدين والقيام عليها. أي بتغيير نوعية الحفاظ على الدين، من كونها رهينة بالفرد – وهو معرض للموت- إلى كونها رهينة بالنوع المتصف بالبقاء – كما مرّ بنا .
حتى إذا أردنا التعبير عن هذهِ القضية بصياغة تفصيلية جامعة، قلنا: إن الرسول محمد (ص) فرداً معرضاً للموت، وإن إرتهان مسألة الحفاظ على الدين به وحده، يسفر عن النتيجة القائلة، بزوال الدين الذي أتى به عن الله تعالى، بزواله الشخصي. من هنا استحدث الله إلى الناس وسنّ لهم نظام الولاية، حلاّ لهذهِ القضية .
أما آلية هذا الحل فتقوم على اختيار النبي محمد بأمر الله لإنسانٍ يتولى من بعده، القيام على تدبير شؤون الدين وحفظها، ولما كان هذا الولي الذي يعقب رسول الله في مهمته هذهِ متصفاً بالفرديه معرضاً للموت أيضاً، توجب عليه أنْ ينصّب- بأمر ألهي سابق – إنساناً معيناً للقيام بذات مهمة التدبير تلك من بعده، وهكذا وعبر أسلوب الاستخلاف المبيّت سلفاً المعقود لأناس محددين بالاسم، يتمكن دين الله من البقاء حاضراً في الازمان كلها، محفوظاً بحضور شخص حي يقوم على تدبيره والحفاظ عليه، وهذا هو جوهر ومضمون التغيير الإلهي الذي تمثل بنقل طبيعة الحفاظ على الدين، من كونها رهينة بالفرد – لكونه معرضاً للموت – إلى كونها مرتهنة بالنوع، لكونهُ متصفاً بالبقاء وهي المسألة التي لا تعني بطبيعة الحال اختيار احد من قبل الناس لتولّي هذهِ المهمة، لانها مهمة الإمام وحده، المهمة التي لا تصح إلاّ بأمر إلهي، لأنها تتعلق بالحفاظ على دينه، وهي المسألة التي تعني تسديده تعالى لمن يتولى هذهِ المهمة عن أمره .
إن الملاحظة المهمة التي ينبغي ذكرها هنا هي: إن خصوصية وجهة النظر التي نتحدث بها عن علاقة الفرد بالنوع الذي ينتمي، لا تتخذ من بشرية الرسول محمد، موضوعاً يتم النظر اليه خلاله على أنه بشر ينتمي الى نوعه البشري أبداً، انما يتم الحديث عنه عليه الصلاة والسلام من وجهة نظر خاصة جداً، مفادها أن هذا الفرد المدعو محمداً، كان أنْ اصطفاه الله – دون بقية نوعه البشري – لأداء مهمة مقدسة، فجعله نبياً ورسولاً أخيراً للبشر جميعاً حتى قيام الساعة. لذا ينبغي النظر الى هذهِ الخصصية النادرة الفريدة التي تحملها فرديته وجعلها حاضرة في الذهن والاعتبار في أية علاقة تجمع بين فرديته (ع) ونوعه البشري، أعني – ولتكن صيغة الطرح هنا سؤالاً – لما كانت النبوة هي الصفة التي يتولى الرسول محمد بموجبها مهمة تدبير امور الدين ومن خلال فرديته، وكانت مهمة التدبير هذه هي القضية التي أراد الله نقلها الى أناس آخرين يستخلفون الرسول في أداء هذهِ المهمة بعده. ثم كان أن تعرفنا من بعد على أن هذا الاجراء الإلهي يقوم على نقل هذهِ المهمة وتغيير آليتها بحيث يكون أسلوب أدائها الجديد رهيناً بالنوع بعد أن كان رهيناً بالفرد وحده، فهل يعني هذا أن النبوّة هذه – وهي الهبة الإلهية التي تولّى بموجبها الرسول محمد تدبير شؤون الدين والقيام عليه – ستنتقل إلى هذا النوع الإنساني ليتمكن عبرها وبواسطتها من أداء مهمة تدبير أمور الدين كما يقتضي العقل والمنطق ذلك انطلاقا من مسألة اصطفاء الله للنبي اولاً وتمكينه عبر هذهِ النبوّة وبواسطتها من معرفة شؤون الدين وتعليمه أسلوب تدبيره ؟
بعبارة مباشرة، هل ستنتقل النبوّة بعد رحيل محمد الى علي وبنيه ليتمكنوا من خلالها وبواسطتها تدبير شؤون الدين بعده باعتبار أن النبوّة هذهِ هي المزيّة الفريدة التي كان الرسول محمد يتولى تدبير شؤون الدين بواسطتها؟ يقول السيد الطباطبائي في اجابة أوليه لنا تؤسس لسياق معرفي كامل يقوم عليه نظام الإمامة المعرفي كله، إن معنى الإمام في قوله تعالى {يوم ندعو كلّ أناس بإمامهم}(11) هو (المقتدى، وقد سمّى الله سبحانه بهذا الاسم أفراداً من البشر يهدون الناس بأمر الله كما في قوله {إني جاعلك للناس إماماً}(12) وقوله {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا}(13) وأفراداً آخرين يقتدى بهم في الضلال كما في قوله تعالى {فقاتلوا أئمة الكفر}(14)... فالمتعيّن أن يكون المراد بإمام كل أناس، من ياتمّون به في سبيلي الحق والباطل كما تقدم. إن القرآن يسمّيهما إمامين أو إمام الحق خاصة وهو الذي يجتبيه الله سبحانه في كل زمان لهداية أهله بأمره، نبياً كان كإبراهيم ومحمد عليهما السلام، أو غير نبي)(15) .
لا ريب في القول بافصاح هذا النص عن ما يأتي :
1 – إن معنى الإمام هو المقتدى وأن مهمته هي هداية البشر بأمر الله تعالى في سبيل الحق .
2 – إن عملية اصطفاء الإمام وتسخيره لمهمة الهداية تتم بأمر الله، لقوله {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} .
3 – وجود إمام في كل زمان من أجل هداية أناس ذلك الزمان لقوله تعالى {كل أناس} .
4 – يمكن لهذا الإمام المقتدى به أن يكون نبياً كإبراهيم ومحمد، مثلما يمكن أن لا يكون حاملاً لصفة النبوة هذه، بمعنى أن يتولى مهمة هداية الناس من قبل كونه إماماً فقط .
5 – من خلال ما تقدم يمكن القول بأن صفة النبوّة التي تكون للنبي وحده ليست على وجه الدقة والحقيقة، هي الصفة التي يتولى النبي بواسطتها هداية الناس، لأن الإمام يستطيع القيام بهذه المهمة من دون أن يكون نبيّاً، أي من خلال كونه إماماً حسب، الامر الذي يعني :
6 – أن النبي يتولى هداية الناس، لا من حيث كونه نبياً، إنما من حيث كونه أماماً، فكل نبي هو بالضرورة امام يهدي الى الله، الحال الذي لا يعني أن يكون الإمام بالضرورة نبياً كي يهدي الناس ويقتدى به، أذ يكفيه اداء مهمة الهداية الى الله تعالى من خلال كونه إماماً فقط، وهذا هو المضمون الذي يعبّر عنه السيد الطباطبائي بقوله (على أن هداية الكتاب والسنة والدين وغير ذلك، بالحقيقة ترجع الى هداية الإمام وكذا النبي، إنما يهدي بما أنه إمام يهدي بأمر الله، وأما من حيث إنبائه عن معارف الغيب أو تبليغه ما أرسل به فإنما هو نبي أو رسول وليس إمام)(16) .
7 – إن مهمة النبي المحددة هذهِ، من حيث إنبائه عن معارف الغيب أو تبليغه – كرسول – ما أرسل به، لم يدّعها أحدُ من الائمة عليهم السلام لنفسه أبداً، إنما كان الذي أدّعوه ونسبوه لأنفسهم عبر كل ما يروى عنهم، هو نفي أمر النبوّة عنهم، وهو قولهم إنهم الهادون الناس بأمر الله، المدبّرون لأمور دينه في سبيل الحق، أما مسألة التبليغ والإنباء عن عالم الغيب فإنما كانوا ينسبونها لانفسهم من خلال نيابتهم عن الرسول وتبليغهم عنه اولاً، ثم من خلال نوع علمهم الخاص بمضامين القرآن وفهمهم له، وأخيراً من خلال تعليم الرسول المباشر لعلي وإيداعه علومه (ع)- كما سيأتي تفصيل كل ذلك. ويحسن هنا أن نذكر شاهدا واحدا لعلاقة التعليم هذهِ، يقول الإمام علي لبعض أصحابه عندما قال له :
(لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب... فضحك (ع) وقال للرجل وكان كلبياً، يا أخا كلب، ليس هو بعلم غيب، وإنما هو تعلّم من ذي علم، وإنما علم الغيب، علم الساعة، وما عدّد الله سبحانه بقوله {ان الله عنده علم الساعة – الآية}.. فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلاّ الله، وما سوى ذلك فعلم علمّه الله نبيّه فعلّمنيه، ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطم عليه جوانبي)(17) .
8 – إن معنى الرسول هو (حامل الرسالة، ومعنى النبي حامل النبأ، فللرسول شرف الوساطة بين الله سبحانه وبين خلقهن وللنبي شرف العلم بالله وبما عنده)(18) ثم (إن الدعوة والتبليغ ليسا بعين النبوة والبعثة وانْ كانا من شؤونها ولوازمها، ومن المناصب والمقامات الإلهية التي يتقلدها وكذا تبين من مبحث الإمامة أيضا، أنهما – الدعوة والتبليغ – ليسا بعين الإمامة وإن كانا من لوازمها بوجه)(19) .
9 – إن الأنبياء أناس (غير مشاركين للناس في أحوالهم، على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة.... فلا يخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدلّ على صدق مقال الرسول ووجوب عدالته) ثم (إن المقصود بالنبوة والرسالة مقامات، خاصة أحدهما الرؤيا وخاصة الآخر مشاهدة ملك الوحي، وربمّا أجتمع المقامان في واحد فاجتمعت الخاصتان، وربما كانت نبوّة من غير رسالة، فتكون الرسالة أخص من النبوة مصداقاً، لا مفهوماً... وكل رسول نبي ولا عكس)(20) .
10 – أجد أن من المفيد هنا تثبيت شروط الإمامة(21) وبيان صفاتها الأصيلة، حسب الفهم الشيعي الذي ثبته الطباطبائي لحاجتنا الماسة الى حضور هذهِ الشروط في أذهاننا خلال صيرورة البحث التي ستتولى الكشف عن حقيقة امتلاك الإمام لهذه الشروط كلها، وهي:
اولاً: إن الإمامة مجعوله – أي أن الله تعالى هو الذي يجعلها الى الإمام –
ثانياً: إن الإمام يجب أن يكون معصوماً بعصمة إلهية .
ثالثاً: إن الارض وفيه الناس، لا تخلو عن امام حق
رابعاً: إن الإمام يجب أن يكون مؤيداً من عند الله تعالى .
خامساً: إن اعمال العباد غير محجوبة عن علم الإمام .
سادساً: يجب أن يكون الإمام عالماً بجميع ما يحتاج اليه الناس في أمور معاشهم ومعادهم .
سابعاً: إنه يستحيل أن يوجد فيهم من يفوقه في فضائل النفس . وبالرجوع الى موضوعنا، نقول، هكذا يتضح لنا المعنى العميق الذي تنطوي عليه طبيعة التغيير الإلهي المتضمن فرض الولاية واضافتها الى ولايتي الله ورسوله اللتين كانتا تكفي مادام الوحي ينـزل ومادام الرسول حياً حاضراً يتولى بنفسه تدبير أمور الدين، غير أن هاتين الولايتين، ولاية الله ورسوله، لا تكفيان لما بعد ذلك، من زمن انقطاع الوحي، ولا رسول بين الناس يحمي دين الله ويذب عنه. لذا اقتضت الحكمة الإلهية – في مقدار علاقتها بخلقه – أن ينصب لهم من يقوم بذلك، أي بأن يصبح ولي الأمر بعد رسول الله (ص)، هو القيم على أمور الدين والامة حتى (اذا كمل الدين في تشريعه، وتمت نعمة الولاية فقد رضيت لكم من حيث الدين، الإسلام الذي هو دين التوحيد الذي لا يعبد فيه إلاّ الله ولا يطاع – والطاعة عبادة – إلاّ الله ومن أمر الله بطاعته من رسول أو ولي)(22) لكن، هل يستطيع الإمام أن ينوب عن رسول الله في تدبير أمور الدين وحمايته – وهذا هو السؤال الذي لم نجب عنه بعد - أعني، إذا كان الرسول الله جانباً يتصل بالله تعالى، وهو الوحي الذي يسددّه في علمه وعمله ويعينه على تدبير أمور الدين وحمايته، فهل يكون بوسع الإمام، وهو العاطل عن معونة الوحي له، المنتمي بكليته الى بشريته أن يؤدي تلك المهام ذاتها بنفس المقدار الذي يضمن رعاية أمور الدين وحفظها، ثم أذا أفترضنا مقدرة الإمام على اداء هذهِ المهمة، فما هي الوسائل التي مكّنته من ادائها ؟
لا ريب في القول بأن الاجابة عن مثل هذهِ الاسئلة تقتضي أولا – من أجل فهمها حقاً – تعرّفنا على حقيقة علم الإمام ومصادره ونوعه – والموضوع هنا يخص الانبياء بما هم أئمة ايضاً- ، من حيث قدرة هذا العلم على تمكين الإمام من اداء كامل مهمته، وهي المسألة التي تتضمن، عدداًَ من المباحث القرآنية والفلسفية التي سنذكرها هنا لكن بعد أن نقول بأن مصادر علم الإمام – على وجه التسمية والعموم فقط –حسب الفكر الشيعي – هي 1 – القرآن الكريم 2 – روح القدس 3 – تعليم النبي 4 – التفهيم 5 – الدعاء 6– اليقين، الذي هو التسديد الإلهي للعلم بهذه الموضوعات من أصول الدين وفروعه 7 – مصادر علم فرعية أخرى متصلة سنتعرف عليها في حينه 8 – وراثة علم الاولين 9 – رؤية الملكوت التي هي مصدر اليقين.

وهكذا يتبين لنا من خلال عقيدة الولاية الشيعية أن شخصية الرسول الدينية بكل خصائصها الروحية النادرة لم نزل حاضرة في شخص القائد المستخلف عن أمره وهو الأمر الذي يضمن بطبيعة الحال بقاء أسلوب قيادة الأمة دينيا حاضرة على الدوام.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعتراف
- الموت والوجود - تأملات في مفهوم الكائن الحي و النقيض له
- منطق الواقع يطيح بمنطق أرسطو
- قصائد صوفية
- نيتشه : مولد المأساة من روح الموسيقى
- وقائع موت الشعر في فلسفة هيجل 2
- موت الشعر في فلسفة هيجل
- الموهبة الشعرية - بحث في أصولها و معناها
- الكتابة بوصفها خلاصا من الكتابة - مقاربة شعرية لفهم (اختلاف) ...
- هيجل - نيتشه الصراع على هيراقليطس
- .زرادشت نيتشه - من الأخلاقي الأول الى اللا أخلاقي الأخير
- شخصية هيراقليطس - من تحامل أرسطو الى تشويه النقاد العرب
- المطلق الهيجلي - إنقاذ مفهوم الله من التصور الديني اليهودي و ...


المزيد.....




- منظمة الطاقة الذرية الإيرانية: سيتم تركيب آلاف أجهزة الطرد ا ...
- واشنطن تهدد بفرض عقوبات على الصومال بعد تمديد فرماجو فترته ا ...
- بـ5 خطوات... كيف تتجنب الصداع خلال رمضان
- تسليح الطائرات المسيرة: إيجاد نظام أسلحة واحد لمختلف أنواع ا ...
- روحاني يتحدث مع أمير قطر ويحذر من -أمر خطير-
- باشينيان يخطئ ويسمي بوتين رئيس فرنسا
- بعد ليلة رعدية ماطرة... الأرصاد تحذر من طقس الرياض
- تركيا: نبدأ مرحلة جديدة مع مصر وهناك تخطيط لاجتماع بين مسؤول ...
- قط مشاكس يفاجئ أصحاب المنزل لدى عودتهم... فيديو
- واعظي: لدينا مؤشرات على أن الكيان الصهيوني مسؤول عن حادث منش ...


المزيد.....

- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عادل عبدالله - فضائح الفكر العربي المعاصر- قراءة جديدة لكتاب الاسلام و أصول الحكم