أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - من مذكرات ضابط














المزيد.....

من مذكرات ضابط


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 4909 - 2015 / 8 / 29 - 13:08
المحور: الادب والفن
    


كان يشبه في منظره وملبسه ذئباً قذراً اِلْتَهَمَ لتوه عدة دجاجات عندما دخل في عام 1996 إلى حقل تدريب السياقة العسكرية، في تمام الساعة الحادية عشر والنصف ليلاً من يوم جمعة صيفي ، كان يعوي كذئب جريح ..

ينحني و يصرخ بصوت خائف: يا الله، يا الله .. يا الله سامحني يا الله! ثم يركع بركبتيه على الأرض الترابية، يضرب رأسه بها، يتمرغ في التراب، يلطم وجهه وينبح من جديد يا ويلي يا ويلي ..

نهض الضابط المناوب من خلف مكتبه على أصوات طاقم الحرس، يزعقون معاً: ثمة رجل مجنون في الحقل يا سيدي ..
يأمر الضابط حراسه بإحضار المجنون .. بعد شبه مقاومة تمكن الحراس من إحضاره محمولاً إلى مكتب الضابط.

يقف الجندي الذئب ببذلته الملوثة بالتراب، بسترته المفتوحة عن صدره ورقبته المكسوة بشعر أسود غريب، بشاربه العريض الذي يغطي شفتين غليظتين، بعينين ذئبيتين همجيتين، بقامة قصيرة، نصفها الأعلى أطول من نصفها الأسفل، بحذاء عسكري ضاع رباطه! وقف الجندي بذراعيه الطويلتين، بأصابع غليظة، في يده اليسرى يلمع خاتم زواج فضي ..

وقف الذئب على قدميه المرتجفتين يبكي يومه، يندب حظه العاثر هذه الجمعة، يأمره الضابط بتقديم نفسه، يعوي من جديد: يا الله، يا الله .. يا الله سامحني يا الله! سامحني أنت أيضاً يا سيدي الضابط، ينحني يريد تقبيل حذاء الضابط ! يرفعه الحرس المرافق عالياً، ينوح من جديد: اضربني، عاقبني كي ارتاح، اقتلني يا سيدي لقد ارتكبت إثماً فظيعاً ..

حين تكهن الضابط الذي نال حظاً وافراً من الثقافة بمشكلة الجندي بحدها الأدنى وشعر بعمق عذاباته، حين تنبّأ الضابط بخلفية الهستيريا التي يعاني منها الذئب الهمجي، أمر حراسه بإجلاسه على كرسي خشبي وتثبيت يديه وقدميه وإعطائه جرعة ماء .. كان جسد العسكري يرتجف مثل دجاجة ذبحت للتو بسكين صدئة ..

حاول الضابط مراراً تهدئته ودفعه للكلام دون جدوى .. عندها صفعه صفعة قوية يبدو أنها أعادته لرشده، هدأ الضابط من روعه، ووعده بتفهم مشكلته ومساعدته على إيجاد حل لها، فبدأ الجندي الذئب بالكلام:
أنا يا سيدي متزوج من طفلةٍ لم يتجاوز عمرها الحادية عشرة، زوجتي حبلى يا سيدي، أبي عامل بناء مقيم في لبنان يا سيدي أما أمي فهي ربة منزل تجاوزت الثلاثين بقليل، أختي التي تكبرني بعام متزوجة، تدير مع زوجها فندقاً رخيصاً في مدينة دمشق يا سيدي، أختايّ اللتان تصغراني وأخوايّ اللذان لم يتجاوز عمرهما الثامنة يعيشون مع أمي في شقة صغيرة وبسيطة يا سيدي .. أنا من إحدى مدن الزيتون في شمال سوريا يا سيدي ..

سيحرقني الله في ناره أنا أعرف ذلك وأنت يا سيدي عليك أن تنزل بي أشد أنواع العقاب فأنا استحق العقاب .. هنا صفعه الضابط من جديد وصرخ في وجهه أنا لا أملك الليل بطوله لأسمعك، حدثني عن مشكلتك يا عسكري!

يعوي العسكري من جديد يا الله، يا الله .. يا الله سامحني يا الله! أنا أعرف بأنك لن تفهم معاناتي يا سيدي، يصفعه الضابط، ينبح الجندي سأخبرك بقصتي من البداية:
لقد اعتدت النوم مع أمي منذ بضع سنين، منذ أن رحل والدي للعمل في لبنان، سار كل شيء على ما يرام، بين الحين و الآخر كنت أنام في سرير أختي أيضاً و سار كل شيء على ما يرام ، تزوجت وبقيت أمارس ما اعتدت عليه، كذلك الأمر، سار كل شيء على ما يرام يا سيدي .. حتى يوم البارحة! ..

فقد الضابط صبره، ناوله صفعةً أخرى و صرخ: يا حرس خذوه للسجن!
تأتأ الجندي: سأكمل يا سيدي ..
أعطاه الضابط الأذن بالكلام للمرة الأخيرة ..

تابع الجندي استرساله: يا سيدي لقد ارتكبت صباح اليوم الباكر الخطأ الأكبر في حياتي، لقد نمت في سرير أختي، الأخت الوحيدة التي تذهب إلى المدرسة في عائلتنا، كانت عذراء يا سيدي، لقد بكت يا سيدي وهددتني أن تفضح أمري لوالدنا، لقد أَخْبَرتْهُ يا سيدي، ومنذ الصباح يبحث أبي عني حاملاً سلاحه بيده .. لقد أقسم على قتلي برصاص مسدسه ..

نبح العسكري: يا الله، يا الله .. يا الله سامحني يا الله!
أهداه الضابط صفعة نهاية القصة، سقط العسكري هذه المرة على الأرض مغشياً عليه! ..
أمر الضابط حرسه بجر بقايا الذئب القذر إلى السجن الانفرادي، أدار قرص الهاتف وطلب رقماً خاصاً.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,419,746,231
- حَمِيمِيَّات فيسبوكية -39-
- موسيقا المفرقعات
- خبرات جنسية قرغيزية بسندلية
- مسامير الرئيس
- الطالب الألماني الأحمر
- معلمة الكيمياء
- نصية عرق بسندلية
- حَمِيمِيَّات فيسبوكية -38-
- فول مالح .. مالح يا فول
- حَمِيمِيَّات فيسبوكية -37-
- حَمِيمِيَّات فيسبوكية -36-
- حَمِيمِيَّات فيسبوكية -35-
- حَمِيمِيَّات فيسبوكية -34-
- حَمِيمِيَّات فيسبوكية -33-
- غري إكسيت و غري إمبو
- الغَضَارَة البسندلية
- جنزير من ذهب
- حَمِيمِيَّات فيسبوكية -32-
- حَمِيمِيَّات فيسبوكية -31-
- حَمِيمِيَّات فيسبوكية -30-


المزيد.....




-  ثقافة وقضايا حقوق الإنسان في “الإذاعة” !
- قراءة في كتاب -مثالب الولادة- لإميل سيوران
- وكيل الخارجية السودانية يلتقي الممثل الخاص للاتحاد الإفريقي ...
- بنيوب يقدم تقرير الحسيمة أمام لجنة برلمانية بمجلس المستشارين ...
- مجلس الحكومة يبحث مشاريع مراسيم المخالفات في البناء والتعمير ...
- شاعر وإعلامي عراقي يشارك بمهرجان دولي للرومانيين في منطقة ال ...
- اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي يعقد اجت ...
- كارول سماحة تقاوم الوجع بالموسيقى في “ليالي قلعة دمشق”
- جدل بين بووانو والطاهري حول المنطقة الصناعية سيدي بوزكري
- لماذا يعد -عندما التقي هاري بسالي- أفضل فيلم كوميدي رومانسي؟ ...


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - من مذكرات ضابط