أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - بهجت عباس - جولة قصيرة في ربوع دنا DNA الخليّة البشريّة















المزيد.....


جولة قصيرة في ربوع دنا DNA الخليّة البشريّة


بهجت عباس

الحوار المتمدن-العدد: 4889 - 2015 / 8 / 7 - 21:40
المحور: الطب , والعلوم
    


د. بهجت عباس

الخليّة البشريّة
يتكون جسم الإنسان من تريليونات من الخلايا، وكل خليّة تحتوي على نواة تكمن فيها الدنا DNA وبعض البروتينات. أمّا خارج هذه النواة فيوجد السايتوبلازم الذي يحتوي على مركبات صغيرة مثل الميتاكوندريا ولايزوسوم ورنا وغير ذلك، وغلاف يحافظ على هذه المكوّنات. كلّ الدنا في هذه الخلايا تكون متشابهة أو متماثلة. وعندما تنقسم الخلايا تحتفظ الخلايا الناشئة من الانقسام بمحتويات الخلية المنقسمة.
التـشفـيـر والدنا الخردة

في عام 2001 تمّ تشفير الجينوم البشري الذي كلّف 3 بليون دولار. في ذلك العام كلّف تشفير مليون قاعدة زوجية 5.300 دولار. ولكن في عام 2013 كلّف هذا التشفير 6 سنتات فقط (Junk DNA. Nessa Carey April 2015 ). واليوم يكلّف تشفير الجينوم كاملاً ستة آلاف دولار لا غير! وحتّى أنّ إحدى الشركات صرّحت بأنّ الألف دولار هو ما سيكون عليه التشفير في المستقبل القريب. وكان المتعارف عليه أنّ الخليّة البشريّة تحتوي على 100 ألف جين (عالم الجينات – بهجت عباس – دار الشروق 1999) ولكنّ الباحثين وجدوا 21 ألف جين فقط! وفي السّنين التي تلت زاد ونقص هذا العدد إلى أن تمّ الاتفاق على أنّ 23 ألف جين هو العدد المعقول، وإن لم يكونوا متأكّدين جدّاً من العدد الحقيقي. على أنّ ما وجدوا أنّ الجينات تشكّل 2% فقط من الدنا والباقي 98% هو دنا خردة Junk DNA التي اعتُبرت ليست ذات شأن!
الجينوم
كلّ جينوم بشري (مجموعة المواد الجينيّة في الخليّة) في الفرد يكون مختلفاً عن الآخر نتيجة التغيّرات التي تحدث عند انقسام الخلية (سيأتي ذكرها لاحقاً). كما أنّ ثمّة اختلافاً في تعاقب الدنا الذي يتكوّن من قواعد أربع (حروف) متكررة ملايين المرّات هي أدنين Adenine ، ثايمين Thymine ، كوانين Guanine وسايتوسين Cytosine فتكتب بالحرف الأول من كلّ منها ATGCGATTAACCCGAA . وهذا ما يُسمّى بتسلسل التعاقب في الدنا. ولكنّ هذا التسلسل يكون مختلفاً بعض الشيء من فرد لآخر. فقد وجد أنّ قاعدة واحدة من كل ألف قاعدة نتروجينية تعاقبيّة تكون مختلفة، أو تكون زائدة أو ناقصة وقد تكون قاعدتان مختلفتان، ناقصتان أو زائدتان في كل ألف قاعدة. ولكنّ هذا لا يؤثّر في أكثر الأحايين على فعالية الجين في تكوينه نوعيّة البروتين لوجود أكثر من كودون واحد يدوّن حامضاً أمينياً معيّناً.
لا توجد الدنا بمفردها في الخليّة كمجموعة متكدّسة، بل مع وجود بروتين يُسمّى (هيستون). وهذا يحفظها من التكسّر أو التعقّد (تكوين عقد). فهي تلتفّ على مجاميع من هذا البروتين، كلّ مجموعة تتكوّن من ثماني قطع من هذا البروتين الذي يكون على أربعة أنواع (كلّ قطعتين من نوع معيّن).
الجينات
أمّا الجينات فهي قِـطَـعٌ من الدنا DNA تدوّن (بروتينات) من مجموعة حوامض أمينيّة. هذه البروتينات هي التي تقوم بالعمليّات الكيميائية التي تحتاجها الخلية لتبقى على قيد الحياة.
توجد الجينات على شكل زوجين اثنين لكلّ جين وتقع على 23 كروموسوماً مزدوجاً أيضاً يعني (46) كروموسوماً. كلّ زوج من هذيْن الزوجيْن يُدعى (أليل)، يأتي أحدهما من الأب والآخر من الأم.
هذا الجين يكوّن البروتين خلال استنساخ ما يشابهه وهو الرنا RNA باختلاف بسيط، ذلك أنّ القاعدة ثايمين (T) الموجودة في الدنا (الجين) تحلّ محلّها القاعدة يوراسيل (U ) في الرنا. والفرق الأخر هو أنّ الدنا تتكوّن من شريطين من القواعد متصلين ببعضهم بروابط الهيدروجين، بينما تتكوّن الرنا عادة من شريط واحد. تحصل هذه العملية (الاستنساخ) في نواة الخلية ثم تنتقل الرنا من النواة إلى سايتوبلازم الخلية حيت تقع عملية صنع البروتين من الحوامض الأمينية.
الكروموسوم
في كلّ خليّة يوجد 23 زوجين من الكروموسومات (46 كروموسوم) يأتي نصفها من الأب والنصف الآخر من الأم. فالكروموسوم المورث من الأب (يتزاوج) مع الكروموسوم المماثل المورث من الأم في الانقسام الميوزي (الانشطاري) ويتبادلان قطعاَ جينيّة (دنا) فيكونان مختلفين عن الأصل بامتزاج جينات منهما . وقد يحدث أنّ قطعتيْن من الجينوم تظهران متشابهتـيْـن بوجود تعاقب نووي متكرّر ولكن ليستا من كروموسومين متجانسيْن/متماثلينْ، والنتيجة هو أن الحيمن الناتج يحمل أو البيضة الناتجة تحمل قطعاً زائدة من دنا أو نقصان (محو) قطع من الدنا. وهذا يؤدّي إلى مرض الطفل الذي يرث أو يكتسب مثل هذا الجينوم. هذه العملية تُدعى بالعبور الشاذ abnormal crossing-over
فالعبور الكروموسومي (cross-over ) هو تبادل مواد جينية بين كروموسومين متماثليْن في الانقسام الميوزي (الانشطاري) فيتكوّن كروموسوم (جديد) متّحد من قطع كروموسومات متماثلة، لذا يكون لكل فرد جينوم خاصّ به لا يشاركه أيّ فرد آخر فيه.
والانقسام (الميوزي) هو انقسام الخلية الذي يتمّ دون تضاعف الكروموسومات حيث يؤدّي إلى أنصاف خلايا أربع (خلايا جنسية) ، كلّ خلية تحتوي على شريط واحد من كلّ كروموسوم متماثل تتوزع فيها المواد الجينية اعتباطاً من الذكر والأنثى. وعند اتّحاد هذه الخليّة، النصف (الذكري) بالنصف (الأنثوي) تتكوّن خليّة كاملة مخصّبة Zygot ، وهذه بدورها تنقسم مراراً عديدةً لتكوّن الجنين.
أمّا إذا انكسر أحد الكروموسومات بسبب ما (مواد كيميائية أو اشعاع)، فإن ثمّة آليّة (تصليح) في الخلية تعيد الجزء المكسور إلى أصله فيلتئم الكروموسوم ولا ضير على الجينات الموجودة عليه، حيث تبقى في مكانها وتؤدّي عملها. أمّا إذا تكسّر كروموسومان أو أكثر في الوقت ذاته، فيكون الأمر خطيراً، حيث تتكوّن عدة أجزاء مختلفة منفصلة وقد يكون (خطأ) إعادة الجزء إلى أصله، إذْ من الممكن جدّاً أن يتّصل هذا الجزء بنهاية كروموسوم غير كروموسومه المقطوع، فيتكوّن كروموسوم (شاذّ) تقع عليه جينات غير جيناته، فيكون ثمّة خلل نتيجة تكوين (بروتين) في موضع مغاير لا يحتاج إليه بل قد يكون خطراً على الجسم كلّه! فالجين (الجيّد) يتحوّل إلى جين (سيّئ) لأنّه حلّ في مكان غير مكانه. والمشكلة أنّ هذا الكروموسوم الجديد (السيّئ) سترثه الخليّة المنقسمة دائماً، وكمثل على ذلك هو سرطان الدم Burkitt’s lymphoma حيث يكون تلابسُ تنظيمٍ بين الكروموسوميْـن 8 و14, حيث ينتج إفصاح جين متزايد جدّاً يشجّع الخلايا على التكاثر من دون سيطرة. ولكنْ تكسّر كروموسوميْـن اثنين في وقت واحد لا يحدث إلاّ نادراً.
ليست كلّ القواعد النتروجينيّة التي يتكوّن منها الجين (دنا) فعّالة في انتاجها البروتين، بل بعضها يكون (زائداً) ، فالجين يتكونّ من قطع فعّالة (اكسون Exon) وأخرى غير فعّالة (انترون Intron ) مرتبطة بعضها ببعض. فعندما يقوم الجين باستنساخ الرنا، تُستَنسَخ كل القواعد الموجودة في هذه القِطع (الفعالة وغير الفعالة) كما هو مبيّن أدناه:
اكسون ---- انترون ----- اكسون ----- انترون ------ دنا (جين)
اكسون ----انترون ----- اكسون ------انترون------- رنا
ولكنّ الخلية تزيح هذه القطع التي لا تكون البروتين من الرنا، فتُصبح الرنا بأكملها تدوّن البروتين، أيّ (اكسون) فقط، وقطع (الانترون) تنفصل عنها وتسمّى دنا خردة junk DNA كما هو أدناه:
اكسون-----أكسون----- (رنا) +
انترون-----انترون--- دنا خردة
طريقة الإزاحة وإيصال/ربط القطع ببعضها البعض هذه تُدعى بـالإيصال بالجدل splicing ، هذه القطع الموجودة بين أقسام الجين التي لا تدوّن البروتين (انترون) سُمّيتْ بالدنا الخردة أو التافهة حيث أنّها تستنسخ (تكوِّن) رنا لا تكوّن بروتيناً حيث تبقى في نواة الخليّة.
تتوسّط الجينات بصنع البروتين الذي يتكون من سلاسل حوامض أمينيّة وهذا البروتين (ينشّط) الجينات. وقد يصنع الجين الواحد عدة بروتينات، كما أنّ عدة جينات تشترك بصنع بروتين واحد. وهنا يأتي الفارق بين جينات الحشرة وجينات الإنسان حيث أنّ جين الحشرة يكوّن بروتيناً واحداً بينما يكوّن الجين المماثل لهذا الجين في الإنسان عدة بروتينات. السبب؟ هو الإيصال أو الربط حيث قد وجد أن 60% من الجينات تستطيع أن تعمل (إيصالات أو ربطات) متعددة مختلفة، وهذا بدوره ينوّع الرنا الرسول لتكوين ببتيدات متعددة مختلفة، ومن ثمّ بروتينات متعددة.
ولما كان الجسم يتكوّن من 200 نسيج تقريباً (رئة، قلب، يد، مثانة...إلخ) وكل نسيج له وظيفته الخاصة وكل الجينات في كلّ الخلايا متماثلة، فكيف يحدث الاختلاف في الأنسجة إذاً؟ الحقيقة أنّ ليس كل الجينات في كلّ الخلايا تكون ناشطة أو عاملة بالتساوي، فهناك البيئة التي تلعب دورها في ما يسمّى بالتأثيرات فوق الجينية Epigenetics بواسطة إضافة مجموعة المثيل CH3- إلى بعض الجينات فيتعطّل عملها ولا تنتج بروتيناً، أو بـ(تحوير) الهيستون الموجود في الكروموسوم بإضافة مجموعة الأستيل CH3COO- فيغيّر شكله وبضغطه على الجينات الموجودة عليه، يؤثّر على إفصاحها، ممّا يؤدّي الى (التخصّص) في وظيفة الخليّة كخلية الرئة مثلاً من حيث إنتاجها بروتيناً لا تُنتجه خليةّ البنكرياس والعكس صحيح أيضاً.
الدنا الخردة (التافهة)
عندما أكمل الباحثون عام 2001 تشفير الجينوم البشري وجدوا أنّ هذا الجينوم يحتوي على حواليْ 23 ألف جين يتوسّط بصنع البروتينات التي تقوم بوظائف الجسم، وهذا العدد يشكّل 2% فقط من الدنا DNA وأنّ 98% دنا (خردة) تافهة! استغربوا من هذا الأمر، حيث أنّ بعض الديدان يملك هذا العدد أو ما يقاربه من الجينات التي تشابه أو تعادل كثيراً من جينات الإنسان من حيث إنتاجها البروتين، فكيف يكون ذلك؟ وهل هذه الدنا (التافهة) وُجدت أو خُلقتْ عبثاً؟ لم يصدّقوا أنّ هذا الأمر هو بهذه البساطة، بل حاولوا حلّ هذا اللغز. لذا قاموا بأبحاث ودراساتٍ عدةٍ علموا منها أنّ هذه الدنا (التافهة) هي السبب الحقيقي في تعقيد تركيب الإنسان واختلافه عن بقية المخلوقات. فهذه (الخردة) هي التي (تُمسك) الدنا وتمنعها من التفكّك وبالتالي تلفها. وهي، بهذا، عندما تتضاءل هذه الموادّ الجينيّة بتقدم العمر، يتغيّر ترتيب الدنا (تسلسل تعاقب القواعد النتروجينيّة) مما يؤدي إلى موت الخليّة أو انحرافها إلى السّرطان. هذه الدنا (الخردة) تنظّم عمل الجينات لإنتاج البروتين. فهي لا تدوّن البروتين بل تنتج الرنا RNA التي تلعب دوراً رئيساً في انتاج البروتين ورنا أخرى لا تنتج البروتين
إنّ أكثر الدنا الخردة تتكوّن من قواعد نتروجينية كثيرة لا تقل عادة عن 100 قاعدة في طولها. ولكن ثمّة دنا قليل عدد قواعدها وكثير إعادتها وهي تختلف من شخص لآخر. فمثلاً القاعدتان GT تتكرّر مرّات كثيرة وتورث من الأبوين، كلاّ بعدد معيّن. وترتبط بصورة خاصة بالكروموسوم السادس. فقد يكون أحد الأشخاص يرث من أمّه هاتين القاعدين مكرّرة خمس مرّات GTGTGTGTGT ومن الأب تكرار سبع مرّات GTGTGTGTGTGTGT وشخص آخر بتكرار ثلاث مرات أو أربع مرّات وهكذا. وتستعمل هذه الدنا في إثبات الأبوّة أو الجريمة التي يرتكبها هذا الشخص، وهي خاصّة به وحده وتكون عادة على الكروموسوم السادس من الجينوم. لذا تكون هذه الدنا الخردة ذات فائدة قصوى في معرفة هويّة الفرد الجينيّة، فيما يُعرف بطبعة الإصبع الجينيّة DNA finger-print-ing .
هناك التلوميرات من الدنا الخردة التي تقرر (عمر) الكروموسوم ومن ثّمَّ (عمر) الإنسان (وهذا ليس مؤكّداً) وسأتحدث عنها في مقال آخر مع الدنا الخردة التي تولّد الرنا الطويلة التي لا تنتج بروتيناً Long non-coding RNA التي اكتُشفتْ حديثاً فوجِتْ بأنّها تلعب دوراً كبيراً في السرطان وبخاصّة سرطان البروستات، ودورها في إطفاء أحد كروموسوميْ X في الأنثى.
في طرفيْ (نهاية) كلّ كروموسوم تكون قطع نتروجينيّة تسمّى بالتلومير وتتكوّن من ستّ قواعد متكررّة مئات المرّات وهي: TTAGGG ، هذه التلوميرات (تحمي) الكروموسوم من التفرّط أو الالتصاق بالكروموسومات المجاورة. وهي من الدنا الخردة متّحدة مع البروتين. يقلّ عدد التلوميرات عند كلّ انقسام للخلية، هذا الانقسام الذي يستنسخ كلّ الدنا في الخلية بضمنه الكروموسومات التي يجب أن يكون عددها في الخليّة الناتجة (البنت) 46 كروموسوماً ولكن هذه الآلية لا تستطيع استنساخ التلوميرات الموجودة في نهايتيْ الكروموسوم، فلذا تقلّ عند كلّ انقسام. وعندما تصل إلى حد معيّن، لا ينقسم الكروموسوم ولا تنقسم الخليّة فتموت ومن هنا تأتي الشيخوخة والكبر والوهن المصاحب، فهي الساعة الجزيئية التي تحسب عمر الإنسان. ولكن ّ هناك ما يعارض أنّ العمر يتناسب مع طولها من التجارب التي أجريتْ على الفئران حيث الأخيرة تملك تلوميرات طويلة أكثر من الإنسان ولكنّ أعمارها قصيرة جدّاً بالمقارنة مع الإنسان، وبالرغم من هذا، فالتلوميرات مهمّة جدّاً في عمر الإنسان. تحتاج التلوميرات إلى خميرة (انزايم) التلوميريس telomerase لتكوينها. وهنا الخلية تسيطر على تكوين التلوميريس. فعندما يصل مستوى التلوميرات الحد المطلوب تتوقف التلوميريس عن نشاطها، فلا انتاج عدا الخلية السرطانية التي ينشط فيها التلوميريس دوماً فتنتج التلوميرات بلا انقطاع فيكون كروموسوم الخلية مزوّداً بها دوماً وبهذا تنقسم الخلية بلا نهاية. وهناك الخلية الأولية المسمّى بالجذعية stem cell الذي يكون فيها التلوميريس نشيطاً لحاجة الجسم إليها. ذلك عندما تموت إحدى الخلايا تنقسم الخلية الأوّلية (الجذعيّة) إلى خليتين اثنتين ( بنتين) ، تتحول إحداهما إلى نوع الخلية التي ماتت أو فقدت لتحلّ محلها، وتبقى الخلية الأخرى خلية أوليّة تتأهب للانقسام وقت الحاجة. هذا الانقسام يعتمد على حاجة الجسم لذلك النوع من الخلايا. مثلاً يفقد الجسم خلايا الدم بسرعة كبيرة، نتيجة إصابة جرثومية تستهلك خلايا المناعة، أو تحطّم كريّات الدم الحمر طبيعياً أو تلقائيّاً كلّ أربعة أشهر. لذا تكون الخلايا الجذعيّة نشيطة جدّاً لتعويض خلايا الدم عما فقدته. فيتكوّن مليونان من خلايا الدم كل ثانية، وهنا تكون خميرة التلوميريس نشيطة جدّاً لتكوين التلوميرات اللازمة في هذا التكوين. ولمّا كانت الخلايا الجذعيّة تقلّ مع التقدم في العمر، لذا تكون خلايا الدم، وخصوصاً خلايا المناعة قليلة، فتطول الإصابة الجرثومية، كما أنّ السرطان يزحف بنشاط في الكبر لقلّة أو فقدان المناعة التي تقضي عليه.
تشوّه التلوميرات:
تكون هذه التلوميرات مشوّهة إذا حدث تشوّه في الجين الذي يكوّن الخميرة تلوميريس أو في الجينات التي تكوّن البروتينات التي تحفظها أو تُساعدها في عملها، فتقصر هذه التلوميرات بسرعة ويقصر عمر الخلية فيسرع الإنسان إلى الشيخوخة.
الرنا ذات السلسلة الطويلة
توجد في سرطان البروستات الرنا الطويلة التي تفصح بكثرة، وهذا الإفصاح الكثير يسبب تقليل إنتاج البروتين الذي (يقيّد) الخلايا من الازدياد غير العادي، فيطلق تكاثرها غير المسيطر عليه كمن يرفع الهاندبريك عن سيارة واقفة على تلّ مُنحدِر. كما أنّ هذا الإفصاح الكثير يسبب (هجرة) الخلايا إلى مواقع أخرى من الجسم. والدليل على تورط هذه الرنا في السرطان جاء من سرطان البروستات، فحينما يبدأ هذا السرطان بالظهور يعتمد نموه على التستوستيرون، هرمون الذكر، الذي يرتبط بـ(مستقبِل Receptor) وهذا يسبب تنشيط عدد من الجينات التي تسبب تكاثر/تولّد الخلايا. يعالج سرطان البروستات (مبدئيّاً) بعقار يمنع ارتباط التستوستيرون بـ(مستقبله). ولكن بمرور الزمن، تجد الخلية السرطانية طريقاً لتجنّب هذا الأمر، فمستقبل هذا الهرمون، التستوستيرون، ينشّط جينات ترتبط به بغضّ النظر فيما إذا وُجد التستوستيرون أم لم يوجدْ. لذا تُفصح جزيئتان من الرنا ذات السلسلة الطويلة بعنف (في حالات سرطان البروستات السّريع) للقيام بهذا العمل، فتساعدان (المستقبِل) حتى لولم يكن ثمّة هرمون، بإفصاح الجين لتولّد الخلايا وتكاثرها. ولو (عطِّلتْ) هذه الرنا في الخلية السرطانية ، لتضاءل حجم الورم.
تعطيل كروموسوم X
عندما تنتقل بعض أجزاء من الكروموسوم X إلى كروموسومات أخرى يصبح هذا الكروموسوم غير فعّال وفي حالات أخرى فعّالاً تبعاً للأجزاء التي انتقلت. وهذا ما دعا الباحثين أن يفتّشوا عن (المنطقة) التي اقتُطع منها ذلك الجزء الذي سبب عدم الفعالية فسمّوها (مركز تثبيط X ) وفي عام 1991 وجد بعض الباحثين أنّ تلك المنطقة تحتوي على جين سمّوه Xist X-inactive) specific tran-script-) ) وهذه الجين هو الوحيد في تلك المنطقة التي يدوّن الرنا RNA . وبعد فحص تسلسل القواعد النتروجينية التي تتكون منها هذه الرنا Xist- RNA وُجد أنّها تتكون من سلسلة طويلة من قواعد نتروجينية تصل إلى 17000 قاعدة أو تزيد . ولمّا كانت الرنا تدوّن البروتين حيث كل ثلات قواعد (تسحب) حامضاً أمينيّاً واحداً، يكون البروتين المكوّن (افتراضاً) يتألف من 5650 حامضاً أمينيّاً تقريباً. ولكن عندما فحصوا تتابع سلسلة هذه الرنا، وجدوا أن أطول سلسلة حوامض أمينيّة لا تتجاوز الـ 300 حامض فقط. والحقيقة أن هذه الدنا لا تدوّن الحوامض الأمينية ولكنها منتشرة وتعمل على إنهاء تكون سلسلة الحوامض الأمينية التي يتكون منها البروتين.
الدنا DNA موجودة في نواة الخلية وهي تدوّن الرنا الرسول mRNA في النواة التي تنتقل بعد ذلك إلى السايتوبلازم فتكون قاعدة لتكوين البروتين. أمّا Xist RNA فما وُجدت في السايتوبلازم، فهي باقية في نواة الخلية وأكثر من هذا أنّها لا تغادر الكروموسوم X التي أنتجها بل تلتصق بالكروموسوم X العاطل وتنتشر عليه، فهي لا تكوّن أيّ سلسلة من البروتين مهما كانت قصيرة. وعندما تتكوّن جزيئات كثيرة من هذه الرنا، يتغطّى الكروموسوم كلّه بها في عملية تسمّى بالـ (الصبغ Painting ) ولكن الجين Xist يبقى الوحيد الذي لا تغطّيه هذه الرنا التي يكوّنها، بل يبقى في كتلة الكروموسوم العاطل.
ولما كانت الدنا تتكوّن من شريطين متعاكسين، يكوّن أحد الشريطين من الكروموسوم (بواسطة الجين Xist) الرنا التي مرّ ذكرها . أمّا الشريط الثاني المقابل فيحتوي على الجين Tsix (كتب ويُقرأ هكذا مقلوباً لأن الشريطين باتجّاه معكوس) الذي يقع في الموضع ذاته المقابل لموضع Xist على الشريط المقابل . هذا الأخير يدوّن رنا ذات 40.000 قاعدة نتروجينية. وكما في الأول لا يغادر هذا الجين ( Tsix ) النواة ويعمل على (تعطيل) الكروموسوم X مع الجين Xist . وبالرغم من أنّ كلا الجينين يقع على ذات الجزء من الكروموسوم إلا أنّهما لا يفصحان (يعملان) معاً، وهذا يعني أنّ الجين Tsix الذي يكوّن رنا، يمنع الجين Xist من تكوين رنا. وهذا يعني أنّ Tsix يُفصح من كروموسوم فعّال ، بينما Xist من كروموسوم عاطل.
أمّا في الحيمن فلا يُعطّل الكروموسوم X أبداً بل يبقى فعّالاً حتّى دخول البيضة فيندمج فيها حيث تكون بيضة مخصّبة تبدأ بالانقسام إلى خلايا وحينما تصل الخلايا إلى مئة خلية حيث يتكوّن الجنين الأوّلي، يُعطّل أحد الكروموسومين X في الأنثى (سواء أكان من البيضة أم من الحيمن) ويسري هذا التعطيل على كل الخلايا (البنات) الناتجة عن الانقسام مستمراً إلى نهاية عمر الأنثى. هذا التعطيل يكون في نقطة صغيرة من الكروموسوم X المسمّاة بـ (مركز تعطيل X ) التي تدوّن كلتيْ رنا Xist و Tsix . وهنا يلعب الحظ دوره في المرض الجيني الناشئ من كروموسوم X فيما إذا كان هذا الخلل من الأب أو من الأم تبعاً للكروموسوم X الموروث ، حيث يوجد على الكروموسوم X ما يقرب من ألف جين.
إنّ تعطيل أحد الكروموسومين يعتمد كليّاً على الرنا الخردة، وهذا مهمّ جدّاً في فعاليّة الخليّة الطبيعية للأنثى، حيث متلازمة X الهشّ التي تسبّب التخلّف العقلي تصيب الذكور فقط، لأنّ الجين محمول على الكروموسوم X الوحيد في خليةّ الذكر، حيث الأنثى تحمل كروموسومين، يعوّض أحدهما الآخر في إنتاجه كميّة كافية من البروتين إن كان ثمة خلل فيه. هذا لأنّ الكروموسوم Y في الذكر صغير جدّا (وقد ينقرض يوماً ما) ولا يحمل سوى عدد قليل من الجينات لا تنتج بروتيناً كافياً لتعويض ما هو مفقود نتيجة خلل في كروموسوم X.
وهذا ليس المرض الوحيد الناتج عن خلل أيّ جين واقع على الكروموسوم X ف فهناك مثلاً مرض الهيموفيليا (نزف الدم) Haeophilia الذي يصيب الذكور، بينما الإناث اللائي يحملن تشوّه الجين المسؤول عنه ينتجن 50% من عامل التخثّر الذي يقيهنّ من النزف. على أنّ هذا لا يدلّ على أنّ الإناث لا يُصَـبْن بمرض ناتج عن تشوّه بعض جينات كروموسوم X ، فمتلازمة ريت Rett Syndrome مثلاً وهي مرض الأعصاب المدمّر الذي يسبب مرض التوحّد Autism يصيب الإناث ويكون شديداً بعد أن يتجاوزن 6-8 أشهر من العمر، فيفقدن القدرة على النطق بأيّ لغة تكون والقدرة على التعلّم طوال حياتهنّ. الجين المسؤول عنه يكون بنسختين، إحداهما مشوّهة (غير فعّالة) والثانية سليمة. وإذا علمنا أنّ أحد الكروموسومين غير فعّال، تكون نصف الخلايا في الدماغ فعّالة تنتج البروتين الفعّال والنصف الآخر غير فعّال لا ينتج أيّ شيء، وهذا شيء خطير. يُصيب هذا المرض الإناث فقط. أمّا لماذا لا نشاهد ذكوراً يحملون هذا المرض، فلأنهم يموتون وهم أجنّة إلاّ ما ندر.

هل يُمكن التخلّص من التغيّرات فوق الجينيّة؟
لأن التغيّرات فوق الجينية هي مؤقتة، لذا يُمكن التخلّص منها. يتّحد المثيل CH3 بالجينات مثبطة الورم Tumor suppressor genes فيمنعها من القيام بوظيفتها، وهذا يعطي الحماية للخلايا السرطانية للانتشار. ولكن بعض العقاقير التي صّمّمت حديثاً مثل: Vidaza, Dacogen, Zolinza andIstdax تستطيع أن تُزيح هذا المثيل من هذه الجينات، فتنشط هذه الأخيرة للقضاء على الخلايا السرطانية.
في سرطان الثدي لمنع الورم من الانتشار إلى العظام يجب أن يُنزع المثيل من الجين المسمّى E-cadherin (المسؤول عن تلاصق الخلايا) لتنشيطه ، وبهذا يُمنع الورم من الانتشار. صمّم العلماء الألمان عقاراً سمّوه SEPT6 ينزع المثيل ويمنعه من الاتّحاد بالجين.
-------------------------------------------------------------------
المصادر:
بهجت عباس - عالم الجينات 1999 .
Nessa Carey – Junk DNA, April 2015
Nessa Carey, The Epigenetics Revolution, 2013
Tim Spector- Identically different, 2013
British Biochemical Society, The Biochemist, April 2015)





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,683,473,778
- رَجْعُ السِّنين (شعر)
- الفساد ليس جديداً في العراق - نبذة من الحياة قبل خمسين عاماً
- Seraphine- للشاعر الألماني فريدريش هاينه (1797-1856)
- إلى الفرحة - للشاعر الألماني فريدريش شيلر (1759-1805)
- موسوعة الشعراء الكاظميّين - وذكرى الأيّام الخوالي
- اكتشاف فيروس للغباء
- المعجم الكيميائي الجامعي – تأليف الدكتور مجيد محمد علي القيس ...
- ترجمة ألمانية لنصّ الشاعر عمّار يوسف المطّلبي (لا تفقد الأمل ...
- ترجمة ألمانية لنصّ االشاعر سعد جاسم (جثّة تمشي)
- أيّهما أهمُّ: الجين (المُنتِج) أم البروتين (المنتوج) وكيف تؤ ...
- خماسيّتان بثلاث لغات
- علاج الجين، أهو طبّ المستقبل؟
- أغنية حبّ - راينر ماريا ريلكه (1875-1926)
- Der gegenueberliegende Buergersteig
- لورَلايْ – Lorelei
- الصمت - Das Schweigen
- الجينات تسيطر على الإنسان، فهل يستطيع الإنسان أن يسيطر على ج ...
- أنشودة سياسيِّ العهد الجديد
- نهاران - رواية سرد ونقد - تأليف الدكتورة لطيفة حليم
- أنا عكا - ترجمة ألمانية


المزيد.....




- لمرضى ارتجاع المرىء أطعمة مهمة لصحتك تعرف عليها
- أحذر .. قد تشعر بالتعاسة فى سن الـ 47 بسبب أزمة منتصف العمر ...
- منظمة الصحة العالمية: التدخين يزيد بشكل كبير من خطر حدوث مضا ...
- دراسة جديدة تكشف: تناول الألبان ليس له أى تأثير على العظام و ...
- تعرف على الورم الحميد الأكثر شيوعا وعلاقته بفقدان السمع
- -CDC-: يكشف عن 9 خطوات هامة للوقاية ومنع انتشار عدوى الأنفلو ...
- الأطفال الأقل نشاطا أكثر عرضة لتراكم الدهون والإصابة بالسمنة ...
- دراسة حديثة: درجة حرارة جسم الإنسان الطبيعية لم تعد 37
- كيف يؤثر انقطاع الطمث المبكر على صحة المرأة فى الستينات من ...
- لو جلدك وشفتيك بتشقق فى الشتاء.. نصائح للعناية بالبشرة خلال ...


المزيد.....

- موسوعة الكون / كارل ساغان
- مدخل الى نظرية التعقيد و التفكير المنظومي Introduction To Co ... / فياض محمد شريف
- الكوزمولوجيا الفضائية غير البشرية / جواد بشارة
- نشوء علم الذكاء البصري / محمد عبد الكريم يوسف
- مادّتان كيميائيّتان تتحكّمان في حياة الإنسان / بهجت عباس
- أشياء يجب أن تعرفها عن الفيزياء الكمية / محمد عبد الكريم يوسف
- معلومات اولية عن المنطق الرياضي 1 & 2 / علي عبد الواحد محمد
- الوجود المادي ومعضلة الزمن في الكون المرئي / جواد بشارة
- المادة إذا انهارت على نفسها.. / جواد البشيتي
- الكون المرئي من كافة جوانبه / جواد بشارة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - بهجت عباس - جولة قصيرة في ربوع دنا DNA الخليّة البشريّة