أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى توفيق - مفردة التخييل بين الفن والمصادرة















المزيد.....

مفردة التخييل بين الفن والمصادرة


هدى توفيق

الحوار المتمدن-العدد: 4852 - 2015 / 6 / 30 - 01:06
المحور: الادب والفن
    


في رواية لهو الأبالسة


قبل البدء بقراءة ورقتي البسيطة عن تلك الرواية الرائعة لهو الأبالسة، أحب أن أشير وهذا ليس بتقصير مني، بقدر ما هو إعجاب شديد بل يصل إلى حد الهوس لفكرة التخييل المتألقة وضوحا ولمعانا منذ بداية الرواية إلى نهايتها، فالرواية تحمل الكثير من التجليات والنوافذ الإبداعية والفنية المكتملة روائيا داخلها، عند التحليل والحديث عنها، ولكن ولعي وقلمي إحتار فيما أختار من تلك النوافذ المفتوحة على مصراعيها للتلقي والعديد من الأقاويل، لكنني آثرت أن أختار أقوى تلك التجليات المتمثل في عنصر التخييل الذي أحاط السرد الروائي بخيط ممتد ودافع للقراءة المستمرة حتى أحصل على نهاية هذا العمل الروائي الجميل.
عندما ندخل عالم الرواية نشعر به أشبه بليالي وحكايات ألف ليلة وليلة ولكن بمذاق واقع منحط وبائس متمثل في حي حوض الجاموس من خلال بطلته مها السويفي الفنانة التي ترسم أشكال غريبة وقبيحة في لوحات عن نفسها فيها فمها معوج بحدة من اليمين وفي لوحة أخرى أنفها نفسه ولكنه معقوف لأسفل بقوة الشيطان رغم أنها مها السويفي التي تشبه أمها التي قالوا أنها من شدة جمالها كانوا يجدونها بقعة بيضاء لا أكثر على كل الأفلام التي صورتها مها أيضا، هى نفرتيتي جميلة الجميلات إبنة الفراعنة كما أخبرها صديق زوجها البلغاري "فينس سلاف" والطبيب الروسي وجمالها يؤدي إلى الكوارث، والفتنة التي بها جعلت أخاها غير الشقيق من أبيها يقع فيها ويموت شهيد حبها.
هذا الجمال الممسوس الساحر الذي تبغضه مها السويفي وتشوهه في لوحاتها عن نفسها، وتخفيه عن مرايا البيت بلصق أوراق الجرائد عليها حتى لا تراه لأنه جمال باهظ الثمن، له ضحايا ومحبين مظلومين، لم يكن لهم ذنب غير الإشتباك مع هذا السحر الخاص الذي يشع حول جمالها كمثال أحمد الدالي زوجها الذي تمارس معه مباهج ألمها الممتع وجنون أحمد منصور المستطير الذي من يأسه التام أحتضن وابور جاز قديم مشتعل، وأحمد القط الذي سبقه أخاه محمد القط لخدمته لها وهي مريضة وتحكي له في انسيابية وجمال يفوق جمالها الفعلي عن السحب التي أزاحوها عن سماء موسكو في مؤتمر الشباب العالمي حتى لا تسقط الأمطار على رءوس الضيوف، وتحت سماء صافية تجول الشباب من جميع أنحاء العالم في العاصمة وظلوا يتساءلون عن معجزة إزاحة السحب. مها السويفي كما قال زوجها أحمد الدالي (مدينة جمال تمشي على قدمين) ومن يسعى لاختراقه يكون فناءه وانتهاءه التام من الحياة تشرع في كتابة مخطوطها الذى بدأ بحادثة آتت من خيالها المريض لمدة ثماني سنوات تقريبا أن النور انقطع عن حوض الجاموس، وعليها أن تستعين بالشموع حتى يكتمل مخطوطها، مها السويفي هي شهرزاد مصر، وكورساكوف موسكو التي سافرت إليها وتعلمت تحكي عن التاريخ والحضارة والحكايات الشعبية، في مزج من نوع آخر، إختلاط فريد من نوعه، تتخذ فيه كل الموروثات الشعبية والأساطير والخرافة لتعبر عن هؤلاء البسطاء الهامشيين، حتى نكاد أن نشعر أن التاريخ والدين والسياسة وبشر تلك البلدان خليط دسم ممتزج إمتزاجا يحوي إكتمالا لكل المعاني والرموز في قوالبه الفنية داخل النسيج الروائي دونما أي غرابة أو إستدعاءات مجانية داخل أحداث الرواية.
يطرح عنصر التخييل نفسه بقوة من بداية السرد الروائي، ويبدو تأثيره واضحا منذ البداية فنقرأ عن بطة الفاسقة التي كانت تدهن جسمها بروث حمار زوجها العربجي المتوفي وتلبس بردعته حتى إذا ما هم بها ليلا استلقت على طبلتها العالية، وتحولت بعد قتلها إلى عفريت بطة، حسن (أبو يد خضر) الذي ما إن لمست يداه شيئا يتحول فورا إلى اللون الأخضر وتمنت مها في يوما ما أن يحضر ويلامس لبلابتها فيصير عملاقا أخضر بين يوم وليلة، ثم انشراح السبتاوي العاهرة، التي تدعي أن ابنها أحمد القط ضاجعها في ليلة مظلمة في غرفة صلاح العايق نكاية فيه – إلى أن تابت وأطلق عليها الحاجة انشراح هذا اللقب الذي لم يرحمها من رجم والدها لها حتى الموت، ليرفع عاره الذي ظل كامنا في عقله وقلبه، علي البلتاجي الذي يطارده عفريت بطة وهو في لياليه يطارد حمار أبيض ناصع البياض – ووردة التي قطعت زوجها أكثر من مائة قطعة ووضعته في أكياس، ووزعتها على حافة النيل على أبعاد متساوية حتى لا يخونها ويتزوج بأخرى الذي به نتذكر مها السويفي على نهر الدنينو بشواطئه الرملية الذي كان يعد واسعا أمامها مع حبيبها وهي تجلس على حافته عارية الأقدام وتنتقل بنا الروائية إلى عالم أسطوري آخر انتقالا مدهشا ورائعا إلى شوارع موسكو لتحكي لنا عن تانيا وسلاف اللذان قاما بأسرع قصة حب بين أطول فتاة وأطول فتى، وعلى القزعة الذي ابيض شعر رأسه دفعة واحدة ثم شعر ذقنه وحاجبيه وشعر جسده وزادت قامته قصرا حتى أصبح قزما تكاد أن تبلعه الأرض ، كل هذا التغيير بين يوم وليلة بمجرد أن رأى ساقي الشيخ مرسي وقد تشبه ساقيه ساقي عنزة سوداء مشعرة، ولا يرى من وجهه إلا أسنانا لامعة تتلألأ وحدها في الظلمة، وبعد هذا اللهو الشيطاني تداهمنا الروائية حين تتذكر مها السويفي وجه الباليرينا الجميلة التي كانت تطير فوق (خشبة البولشوي تياتر) في رقصة من رقصات بحيرة البجع – نتج عن مزج مكاني وحضاري وأسطوري بالغ الدهشة – ثم تستحضر أحمد أبو خطوة الذي أوجع قلوب كل بنات الحي، حتى أحب جنية فاتنة اسمها سليمة، وأنجب منها 26 طفلا حتى تحول إلى شبح يطوف حول الحرم الشريف، وغيرها من الأماكن دون أن يغادر مصر مطلقا وتخبرنا مها السويفي التي تمتلك عقلا أشبه بخزانة ذهبية مليئة بالحكايات.
والأسرار عند{ فاديم إيفاينوفيتش} الذي لا يكذب ابدا وهو يشرب مع أصدقاءه مرة نخب النساء اللواتي ينقذن رجالهن وقت الشدة، ومرة أخرى وهو يحكي عن معجزته وهو يشرب نخب القبعة التي ظلت على عورته ولم تسقط ويده مرفوعتان.أم عدلات زوجة سيد المسكينة جارة نجوى السويفي الذي كان يعمل زوجها على ماكينة في مصنع حلوى وسقط في (الآزان الضخم) وهو يحاول إصلاحه، واختلطت دماءه وأعضاءه مع نصف صندوق سانس فراولة حتى تغطي على دماءه لونا ورائحة، وتلك الحادثة المروعة تجعل نجوى السويفي لا تستطيع أن تزيل رائحة الحلوى مهما استعملت من منظفات، هاجسا جنونيا يأتيها بأنها حلوى ملوثة بدم ولحم وعظام سيد زوج عدلات التعسة التي جنت وهي تسير عارية في الشارع مجبرة الناس على الوقوف ساردة لهم قصة زوجها ومصنع الحلوى ومسحوق الفراولة الذي يشبه الدم .. ويتوالى زخم الحكايات وتفاقم الأحداث مع انقطاع التيار الكهربائي كما أوهمتنا الراوية في بادئ الأمر – حتى تتوب انشراح السبتاوي وترتدي جلبابا واسعا طويلا إلى ما تحت قدميها فدككت أسفله يدويا حتى لا تنقلب به وهي سائرة في الشارع، وبعد موت أحمد منصور تقوم بتوليد ثلاثين امرأة بالتمام والكمال قد حملن من الحيوانات التي قذفها عليهن أحمد منصور في سوق الأحد، حتى نصل إلى فالنتينا التي لا نعرف سواها، وحين بحثوا عن تاريخها تاهوا أكثر – أنها لم تترك عملا إلا ومارسته، حتى أنها عملت ممرضة أثناء الحرب العالمية متبرعة بأجرها كله، وخبزت بيديها للشعب في أفران الكولخور، وساقت الترام مخترقة به الثلوج، ورغم دفن فالنتينا لكنه في الحقيقة أن فالنتينا مختفية تحت أكوام الثلج في انتظار ذوبانه لتعود مع الصيف القادم شابه من جديد.
نجوى السويفي الوجه الآخر لتمام عالم مها السويفي المسفوح بدمائهما بدل نزيف الدماء المتكرر والمستمر الذي به تجهض مها السويفي وليدها الذي تترجاه من الدنيا ولا يبقى منه غير قطعة لحم باكية والأولى التي تبحث عن عذريتها المهدرة من ليلة زفافها حينما لا تنزل قطرات دماء بكارتها ويسلمها صباح ليلة الدخلة إلى أمها بانكسار شديد فلا تجد نجوى السويفي بديلا تعويضيا إلا في دجاجاتها التي خاضت سراويل صغيرة صفراء وبيضاء معادل موضوعي موضوعي لدمها الذي لم يجده زوجها ليلة الزفاف وهجرها إلى الأبد وأصبحت مثل دجاجة مريضة إلى الأبد.
ويغلف هذا السرد الحكائي المثير حكاية أكثر إثارة عن سمكة الجيتار التي جسمها يشبه كثيرا آلة الجيتار والتي أصبحت بالتدريج مها السويفي، التي عندما ستموت سيتفرق كتابها على الخلق دونما تمييز وسيعلن الملائكة جمال مها السويفي على الملأ، وستظل تحلم وتشم رائحة فستان العيد كالذي كانت ترتديه جالا صديقتها في موسكو وترقص به على غناء آلا يوجا تشوفا المغنية الروسية والفستان لدى مها السويفي يعني الأرجوحة ولكن في بلدها لن يسمحوا لها أن تتأرجح خوفا من أن يظهر لباسها الأحمر تحت الفستان.
أخيرا هناك مقولة تتردد كثيرا، أن الفن هو مرآة المجتمع حتى لو كانت تلك المرأة أقبح من القبح نفسه وشديد القسوة في طرح فعالياته الفنية وتطبيقا لتلك المقولة بكل مرارتها وسخريتها كما قالت انشراح السبتاوي:_
- فشر البلية ما يضحك وهي تحكي حكاية بطة مع حمارها
إلا أن الفن الحقيقي في نهاية الأمر لا يعنيه غير المعايير الفنية والأطروحات الروائية حتى لو كان به خرقا للتابوت الثلاثي الدين ، الجنس، السياسة وصولا إلى الشذوذ الأخلاقي، فالفن بمثابة طائر يحلق بجناحيه فوق السماء عاليا خلف الجبال والسحب البيضاء على جناحيه خارقا كل الموازين والقيم والأحكام الثابتة من أجل الفن الخالص الذي تجسد فعلا في لهو الأبالسة.

عرض :
هدى توفيق
المصدر :
رواية :لهو الأبالسة
للكاتبة :سهير المصادفة
الناشر :الهيئة المصرية العامة للكتاب القراءة للجميع
مكتبة الأسرة 2005سلسلة الأدب





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,478,808,725
- أصوات الواحة التي ألهمتني
- نحو عالم محمد ناجي
- كيف قرأ عبد المنعم تليمه كتاب {في الشعر الجاهلي }
- حكاية اليهود
- الأراجوز يتحدث لنا
- أحلام شهرزاد
- كوميديا الحكم الشمولي
- عبق الأمل في مجموعة روح الفراشة
- تأثير الدين على الابداع
- يوتوبيا سيد قطب الدرامية
- الماضي والراهن :حول كتابات محفوظ التاريخية
- محفوظ كاتبا مسرحيا أيضا
- ازدواجية المتعة في عالم نجيب محفوظ الروائي بين القراءة والفر ...
- عداء بنى اسرائيل لمصر وفلسطين
- كارثة النشر الخاص
- جدل الواقع فى مجموعة مدينة طفولتى للكاتب طلعت رضوان
- عيسى الدباغ والثورة المضادة
- مجموعة أرنى الله لتوفيق الحكيم
- خلوة الكاتب النبيل
- حاذث النصف متر تجاوزكل الأمتار


المزيد.....




- فرق من 10 دول تشارك في مهرجان الإسماعيلية للفنون الشعبية
- النضال ضد الفضائيين أم الاستبداد؟.. الحرية في أدب الخيال الع ...
- كاظم الساهر يزف ابنه على وقع العادات المغربية - العراقية (صو ...
- الجزائر... وزير الاتصال يتولى حقيبة الثقافة بالنيابة بعد است ...
- مايكل راكوفيتز: فنان يعيد ترميم ما دُمر من آثار عراقية بأورا ...
- منصب رسمي جديد لوزيرة الثقافة الجزائرية المستقيلة بعد حادث ت ...
- منصب رسمي جديد لوزيرة الثقافة الجزائرية المستقيلة بعد حادث ت ...
- الحكومة وثقافة النقد / د.سعيد ذياب
- وزيرة الثقافة الجزائرية المستقيلة تستعد لتولي منصب رسمي جديد ...
- بانوراما الأفلام الكوردية.. أفلام كوردية خارج المسابقة في مه ...


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى توفيق - مفردة التخييل بين الفن والمصادرة