أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى توفيق - كوميديا الحكم الشمولي















المزيد.....


كوميديا الحكم الشمولي


هدى توفيق
الحوار المتمدن-العدد: 4841 - 2015 / 6 / 18 - 11:19
المحور: الادب والفن
    


عرض لكتاب كوميديا الحكم الشمولي
للناقد الكبير/ إبراهيم فتحي
الهيئة العامة للكتاب - 1991


هذا الكتاب دراسة هامة عن الكوميديا المصرية، بداية من أصولها في الثقافة الشعبية، وهو مقسم إلى سبعة فصول، تشرحها من ينابيعها كفكاهة شعبية في مواجهة الاستبداد كنموذج الفرفورضد الأسياد، ثم ضد المخططين عند يوسف إدريس، ثم ضد الديكتاتورية وسجونها في جميع العهود، ثم عفاريت مصر الجديدة، وانت اللي قتلت الوحش لعلي سالم إلى أن نصل في الفصل السادس لسخرية جمال عبد المقصود من دكتاتور القطاع العام، ولجنة تخطيط الأحلام ومحاكمة الأحلام غير الرسمية (في مسرحية الرجل الذي أكل الوزة) ومن الشمولية للقطاع الخاص في عالم كورة كورة وأخيرا (حلم ليلة صيف قاهرية).
ان الكوميديا المصرية في هذا الكتاب تحاول أن تحاكم الديكتاتورية بشكل فكاهي محض ومميت من كثرة الضحك عليه.
كوميديا الحكم الشمولي ما معنى تلك العبارة بالضبط؟
نبدأ أولا بكلمة الحكم الشمولي، أي أن هناك سياسة سواء كانت سياسة للقهر أو سياسة مضادة لها، وتلك السياسة ليست فقط مجرد الخطب ومانشتات الجرائد، والشعارات المؤقتة، ولكنه معنى أشمل وأعم هي الاتجاهات الاجتماعية والتيارات التاريخية الفكرية والسيكولوجية المتصارعة على تشكيل أو تشويه روح الإنسان وملامحه الوجدانية، ورؤيته للعالم ومصيره، وتحويل القضايا إلى مادة للترفيه وسيلة فعالة لإبعاد الجماهير عن السياسة أي من المشاركة الإيجابية بدور فعال ومهم في تشكيل المصير. ويشير الكاتب إلى أن مولد المسرحية ذات الموضوع السياسي المباشر في مصر يرجع إلى مسرحية "براسكا" أو مشكلة الحكم (لكاتبنا الكبير توفيق الحكيم) وفي تلك المسرحية يسخر توفيق الحكيم من شكل التعددية الحزبية وما كان سائدا قبل 1952 ويكشف زيف لعبة السياسة ومشاجرات الأحزاب من أجل الحصول على الحكم ومغانمه تحت ادعاء الديمقراطية، وتمثيل مصالح الأغلبية، بينما الشعب نفسه يخسر وجوده الحقيقي وأهدافه الحقيقية، حتى نصل إلى نتائج حكم المستبد العادل، التي بشرت به مسرحية الحكيم.
في مسرحيات المخططين ليوسف إدريس، وعفاريت مصر الجديدة لعلي سالم والرجل الذي أكل وزة لجمال عبد المقصود، لقد تحول الحلم إلى كابوس واقعي، فالاستبداد العادل جعل الواقع كله سجنا للمؤيدين، والمعارضين والذين لا يعرفون إذا كانوا مؤيدين أو معارضين وامتدت وتسللت إلى التفكير والانفعال والسلوك، وقد عبر عن هذه الرؤية المحددة التى نشأت على يد الرائد العظيم (توفيق الحكيم) : "إن مسرح الحكيم كان يقام داخل ذهن المؤلف ويخاطب ذهن القارئ أو ذهن المشاهد، ولم تكن خشبة المسرح مجاله الحيوي الوحيد".
كل من نعمان عاشور، ألفريد فرج، يوسف ادريس يتفقوا على ملمح أساسي وهو (أنه تتجسد الرؤية في شخصيات فصيحة الألسنة إلى أقصى مدى وهي بمثابة أبواق للمؤلف، قبل توفيق الحكيم وأثناء حياته كان المسرح أكثر اعتمادا على مقتضيات خشبة المسرح وعلاقتها بالمتفرجين، على الرغم من قيامه على الاقتباس والتمصير، على قمة هذا المسرح الجماهيري تربع نجيب الريحاني وبديع خيري الذي هو صانع أكثر نصوصه. وكان هذا المسرح الحي يقدم في كشكش بيه مثالا كاريكاتيريا، وتجسيدا صارخا لتناقضات مرحلة انتقالية بين مجتمع تقليدي، وعلاقات سوق القطن والبورصة وخلافه، وبعد ذلك انتقل إلى الموضوعات الاجتماعية التي تبرز مفارقات الأوضاع، وقد افرخ هذا المسرح الذي يستحق الاحترام في بعض جوانبه على الأقل خلفا طالحا ما اصطلح على تسميته بالمسرح التجاري الذي يتسم بالسطحية المظهر السياسي التافه، حتى أصبح هناك هوة بالغة بين مسرح رفيع شديد الانعزالية وبين مسرح وضيع شديد الحيوية، وتوالت منذ الخمسينات محاولات عبور المسافة بين المسرح الرفيع والطابع الجماهيري.
الفكاهة الشعبية هي محاولة لبناءعالم ثاني، وحياة ثانية في مواجهة عالم التخويف والأرهاب في مقابل النبرات الجدية التي تنمو خارج إطار الاستبداد الرسمي حيث تكون بعيدة عن الوقار من مهرجين وحواة، ولاعبي الحظ، ولا تقف الفكاهة عند الكلمة والنكتة، وبعض التأليفات اللفظية، بل تتعدى ذلك إلى العروض والمناظرة الكوميدية في الأسواق والتجمعات الشعبية، وتلك العروض ما تسمى عيد ... الكرنيفال التي لا تعرف أي تمييز بين الممثلين والمتفرجين. إن تجربة الاحتفال الشعبي في الموالد والسوق وساحة الفرح وموكب الختان وشهور الحصاد أو القطاف تجربة تقف موقف التضاد من كل ما هو مستبد جاهز جامد و كل ادعاء بعدم القابلية للتغيير. فمثلا سنجد الحط من شأن وفرض الجزية على "أبو عمة مايلة" وعلية القوم، كما يقوم بإلباس القرود، والمهرجين ملابس الفرسان والسادة. فالفكاهة الشعبية غلى حد ما محاكاة هزلية للحياة الروتينية خارج هذا الاحتفال في خضوعها للقهر، فهي تنفي وتنكر بحكم أنها فكاهة شعبية.
من الملاحظ أيضا أن الفكاهة الشعبية محاكاة هزلية لأجناس الكلام أو الكتابة الرسمية الرفيعة وينتج عن ذلك أن اللعب بالكلمات والثوريات المختلفة والدخول في قافية لها وظيفة فكرية بالأضافة إلى وظيفتها الفكاهية. إن المهرج أو البهلوان يترجم كل ما هو مرتبط بالمكانة العالية ومظاهر الفعل الرسمي والتحكم الرفيع المقام والعبارات الروحية والمشاعر الرقيقة إلى لغة الجسم والطعام والشراب والهضم ونتائجه والحياة الجنسية، فمثلا السخرية من قواعد النحو في ألفية ابن مالك، تتم عن طريق الهبوط بالفاعل والمفعول إلى المستوى الجسدي الشبقي أو التعامل المادي بالضرب أو تحويل أخوات كان مثلا إلى بنات متأهبات للعناق أو المنادى وترخيمه غلى مغازلة سعاد من النافذة.
إن من أهم صور الثقافة الشعبية وأكثرها تعقيدا صورة القناع، والقناع في الفكاهة الشعبية في تبدلات الذات في اتخاذ مظاهر كاذبة للاستهزاء بها، وفي نحت ألقاب وأسماء تطلق للتهكم أو النحيب ومن المعروف أن ظواهر مثل المحاكاة الهزلية أو القيام بإيماءات كوميدية مستمدة جميعا من القناع. فمثلا جو العيد والاحتفال الشعبي، تخرج فيه الحياة من شقوقها وشكلها المألوف المقنن وتدخل دائرة حرية قصيرة المدى في جو العيد جو (الصور) المشتهاة في الملبس والمأكل والحركات والتغلب على الموت والخوف في الترفيه والفرح والضحك.
لا شك أن الفرافير التي ظهرت على المسرح 1964 علامة بارزة في المسرح المصري العربي، وقد أثارت الرؤية الفكرية في المسرحية، خلافات عميقة، ومن أكثر الخلافات أهمية، ودلالة باقية، ما عبر عنه الناقد محمود العالم (ان هذه المسرحية تشيع مفهومها وجوديا فوضويا للحرية ما أخطره على حياتنا الثورية الراهنة)، قبل هزيمة 1967 بوقت قصير ... ويوسف إدريس يتورط بالشطحات التجريدية المغرقة في مفاهيم مغلوطة التي هي لعبة الأدب الوجودي، ومسرح اللامعقول (الحرية المطلقة).. حرية بغير علاقة... بغير مجتمع ... بغير إطار بغير نظام شامل بغير فناء... أنا وحدي في مواجهة العالم... أنا وحدي في عالم غير منطقي، دفاع عن إنسانا ا للامنتمي، والاتجاه السياسي والفكري التي توضحه مسرحية فرافير والمخططين يتصديان لرفضه، يؤكد احتكار السلطة السياسية في قبضة أجهزة الإعلام، بل هو سيفرض (خطته) على الاقتصاد وعلى مواقع العمل وعلى النفايات وستمثل البيروقراطية وأجهزة الأمن والدوائر الإدارية (أي أجهزة القمع الحاد) كما يفهم الحكام (مبعوثو العناية التاريخية مصلحة هذا الشعب العامل. وحينما تخلق "الدولة" السلطان المستبد العادل فوق المجتمع المدني وتستولي وتتخلل كل مسامه فإن القوى الشعبية يفرض عليها الخضوع والإذعان، ويتم إقصاؤها بعيدا عن السلطة بل وتمارس السلطة ضدها، ولن تكون (الدولة) الاشتراكية المزعومة إلا غطاء أيديولوجيا مزورلاستغلال أقلية ضئيلة عمل الشعب في مواقع الإنتاج جميعا.. وستكون الدولة الاشتراكية (المزيفة) أداة لاغتراب العمل الحي والطبقات المنتجة جميعا عن إدارة الإنتاج والتمتع بثمراته بل سيتحول العمل إلى خدمة قسرية لأصحاب السلطان بلا كرامة أو مسئولية.
إن مأزق الاختيار بين استغلال الرأسمالية وشمولية الاشتراكية البيرقراطية مازقا يتعلق بمرحلة تاريخية عابرة في بلد أو مجموعة بلاد، إن المسرحية لا تصوره مأزقا يتعلق بدرجة نضج القوى العاملة من حيث الوعي والتنظيم وقدرتها أو ضعف قدرتها على الإمساك بزمام الأمور في مواجهة لصوص اليمين ولصوص اليسار معا ومدى قدرتهم وحركتهم بل ترى هذا المأزق صفة جوهرية في الوضع البشري نفسه وفي صميم طبيعة العمل. فلا خلاص من فقدان الحرية، وهي لا تستشرف أفقا محتملا للحرية على الرغم من أنها تدعو السادة المشاهدين إلى التفكير العميق (العقيم) في تربيع الدائرة وحل مشكلة هي بطبيعتها كما تصورها المسرحية مستحيلة المحل وليست صعبة الحل فحسب.
مسرحية المخططين ليوسف إدريس تعتمد على تقاليد الفكاهة الشعبية في بيئتها العالمية العامة، وعناصرها المصرية (خاصة) لكي نتناول هذه القضية الفكرية المجردة (قضية الحرية) كما فعل من قبل في الفرافير. تعتمد تلك المسرحية على التلاعب في اللغة كأداة أيضا للتلاعب بالعقول والسلوك، فسنجد في الفصل الأول الزميل "فركة كعب" يقول إنه يشرفه أن (أخاوتك) "توبخني" وحينما ينظر إليه الأخ يقول المعنى العكسي "تشجعني" ثم ينحت الكلمتين المتضادتين في مصطلح واحد هو "توشجعني" وفقا للسان الجديد عند أورويل أو ما يسمى في رواية أورويل newspeak التي صدرت سنة 1984 لتعبر عن نظرة (الحزب) إلى العالم وعن العادات العقلية الصحيحة لأعضائه.
الحزب يستخدم الحروف الأولى اختصارا للكلمات، ونجد شخصيات المخططين يستخدمون الحروف الأولى للتعبير عن التحيات، والمؤسسات، فالشمولية عند أورويل وفي المخططين لا ترجع إلى شروط موضوعية أو علاقات اجتماعية، بل تأتي باعتبارها نتيجة تآمر تحركه رغبات وأفكار شريرة عند قادتها.
خذ "الأخ" عند يوسف إدريس، أول ما نلتقي به نجد أعين المتآمرين أو الأتباع يتطلع إلى السلطة وينزل الأخ من صوت طائرة هيلوكبتربحبل غير مرئي، لماذا يخافه الأتباع وهو يتأملهم بنظراته النفاذة ويلومهم لأنهم فهموا أوامره فهما غير "مخطط". لقد أمرهم أن يجيئوا متنكرين، فجاء كل منهم "عامل نفسه حاجة" متنكرين في أشياء (تيمة القناع في الفكاهة الشعبية) في جنيه أو عربة أتوبيس 56، ويذكرهم الأخ أن مبدأهم الأول هو إلقاء فكرة وأن كل واحد يعمل نفسه زي ما هو عايز".
لا شك أن تلك المسرحيات وغيرها التي تناولها الكاتب بالمناقشة تبرز نقطة محورية وهامة (أن قضية الحرية الإنسانية مهددة بالخطر في عالم اليوم في الغرب والشرق والجنوب على السواء). والشمولية ليست فقط شكلا لهيمنة دولة أو حزب فحسب، بل قد تتجاوز ذلك ليصبح نظام إنتاج وتوزيع نوعي يمكن أن يتمشى مع تعددية الأحزاب والصحف وفصل السلطات يحارب الحرية بغرس حاجات مادية وعقلية تعمل على استيفاء وتدعيم الأشكال البالية للوجود الإنساني والصراع من أجل البقاء.
ففي بلاد العالم الثالث أنواع مختلطة من النوعين يترعرع كل منهما في أحضان الآخر ويتربى في عزه. وقد نجد هذا في كوميديا "عفاريت مصر الجديدة" في مسرح علي سالم تعرض المسرحية احتفاء للمواطنين بعد انطفاء النور وكأن العفاريت اختطفتهم ويتسع نطاق الاحتفاء ويضخم الخيال والشائعات المسألة وكأنها ظاهرة خارقة للطبيعة تقوم بها قوى خفية، حتى ضد الطائرات والغواصات الأجنبية وتسلط المسرحية الضوء من بين الضحايا على اثنين رجل قانون وصحفي مغمور لا يتعدى قدراته صفحة حظك اليوم ولغز الكلمات المتقاطعة. وهذا الاختيار العشوائي من جانب المسرحية للشخصيتين يشير إلى دلالة بعيدة عن العشوائية وفكرة الاعتقاد نفسها (القبض التعسفي) لا يفترض جريمة ارتكبت ومحاكمة عادلة أو غير عادلة أنها تختار عينة غير نموذجية لنشر الفزع العمومي والسلبية ومزيد من الانصياع والحيرة في البحث عن الأسباب. وفي ارتباط لا ينفصم بالظلام أو المعتقلات تنعقد ديمقراطية متعددة الكفاءات لبحث المسألة، لجنة تستعين بالخبراء الأجانب ومن الأشياء الغريبة في هذه المسرحية أن مأمور القسم لم يسمع عن المعتقلات ولا يسمح باستخدام "أساليب البحث عن الحقيقة من فم المعتقلين فقد جعلته المسرحية ينتمي إلى فانتازيا الأمن الوقائي. وهناك شعار آخر في هذا العالم العجيب، فالصحافة في خدمة الشرطة، وقد تم فصل الصحفي المسكين الخارج من المعتقل ففتح مكتبا حرا، فللمواطنين حقوق تعددية في أن ينشئ كل مواطن وكل بقايا إنسان مكتبا للتنويم المغناطيسي وقراءة الطالع والكف والفنجان وحاجات زي كده، فحينما تعمل الشمولية قطاع عام على حرمان الناس من طمأنتهم تخلق حاجات زائفة مثل اللهفة على معرفة الطالع ويتسع نطاق الزبائن (فالحمد لله أنهم رفدوني.. أنا فاتح بقالي يومين جالي فيهم 64 جنيه، قراية الفنجان لوحده جايب امبارح 15 جنيه، ونعجب مرة ثانية لابد الذي يحاول حل اللغز المحلول هو المأمور، كل الناس تعرف ما يحدث في المعتقلات، ولكن المأمور يكشف المسائل الواضحة، ويعلن عن مؤتمر صحفي للإعلان الحقيقة... وينطفئ النور ويختفي المأمور ولكن زوجة دكتور القانون وعريف كان من أنصار التعذيب وبدأ في الدراسة يواصلان الطريق على ضوء شمعة يقرأ الملفات، وإن شمعة داخل مركز من مراكز السلطة هي بداية الطريق إلى الوقوف في وجه جحافل الظلام. وإن كان هذا ليس معنى كبيرا، وإنجاز بالغا لأن هذاالاختيار الحر للسادة لا يلغي العبيد، كما يقول ماركيوز إن الاختيار الحر من بين تشكيلة واسعة من السلع والخدمات والرقصات وفرق الكرة لا يعني الحرية، إذا كانت هذه السلع والخدمات تدعم القيود الاجتماعية على حياة روتينية بلا إبداع، ممتلئة بعدم الطمأنينة وتدعيم اغتراب الإنسان وتحويل الناس إلى أوعية سبق تكييفها الرجل الذي أكل الوزة (وزة) ظاهرة فريدة في النصوص المسرحية ومثلت على مسرح الطليعة عام 1985 ووزة الحلم تنبت لها أجنحة واقعية شديدةالصدى وتواصل تحليقها، وطبعتها الهيئة العامة للكتاب عام 1986، وجدت احتفاءا عظيما ما يزيد على اربعين فرقة مسرحية.
هذه المسرحية لا تتعرض للفترة الناصرية بأي عداء من حيث تقييم هذه الفترة الحرجة من تاريخ مصر. إن الست أحسن مسئولة التثقيف في الاتحاد الاشتراكي نراها بعد ذلك مرتدية "الجينز" حاملة السامسونايت مسافرة إلى الغرب وعائدة عند الحبايب الرأسماليين في فترة غير الفترة الناصرية ولذلك ليس من العدل أن عداءها لفترة على حساب فترة أخرى، أيضا لن نجد عنده ستار الختام، وقد أغلق على سؤال أو توكيد لسؤال كما هي الحال في المسرح "الجاد" أو على إجابة نهائية كما الحال في المسرح "التجاري" ولكننا سنجد الحالة الفردية الواقعية بعيدة كل البعد عن أن تكون نفسها في آلية. بل سنجدها وقد تعرضت لاختبار في أوضاع مختلفة بل سنجد النص يمدها على استقامتها حتى نهايتها التي تكاد أن تكون فانتازيا أو خرافة يصعب تصديقها وعلى الرغم من أن تلك الفانتازيا خالية في الواقع في البهجة ومترعة بالمرارة، فإنها تصبح على خشبة المسرح ووسط الجماهير حافلة بالمفارقة المضحكة التي توقظ الوعي على المسئولية والفاعلية.. دون انتظار مستبد عادل أن أن تمطر السماء أبطال إيجابيين محشوين بالطنين ودون استرخاء على أرائك تفاؤل كاذب، كوميديا "الرجل الذي أكل وزة" تمسك برقبة الأوضاع الشاذة الاستبدادية، وتنزع عنها ثياب الفكر التقدمي أو الديموقراطي وتطلق إمكانات التجدد والخصب.
حلم ليلة صيف، هذه الدراما بطلها رجل رأى حلما ليلة عيد ميلاده في فصل الصيف، البطل جالس على ربوة نضيرة خضراء مزدهرة وأمامه مائدة متألقة من النحاس عليها وزة أنضجها الشواء، فاكتسبت اللون البني الشهي، مأدبة للعين والحواس جميعا في أمن طمأنينة. ورغم أنه حلم شخص إلا أنه حلم يشترك فيه الآلاف من عيون الفقراء، إنه أشواق المحرومين إلى الوفرة والشبع والحياة الجديرة بأن تعاش، إلى العدل والستر، وهذه الكوميديا ليست موجهة ضد مرحلة بعينها في تاريخ مصر السياسي فهي تتعمد تصوير التداخل بين مراحل الزمن سواء العامة أو الشخصية وبين الحلم واليقظة. إن عم (بحر) في الفصل الثاني، معتقل تخطى السبعين من عمره، ودخل المعتقل شابا وترعرع وشاخ ووصل إلى الطفولة الثانية، ونبتت له أسنان اللبن من جديد داخل المعتقل في عيد الربيع وشم النسيم أثناء احتفال إقامة الجلادون في وليمة تعذيب حارق، جعلت من المعتقلين فسيخا ومن جلودهم بيضا ملونا. إن البطل في تلك المسرحية إنسان معذب، ذو شخصية رقمية كان يظن دائما أن صحته الرقمية على ما يرام. وجاء الحلم كعلامة من علامات استفهام، وجاء المعتقل والتعذيب والمحاكمة ليكتشف في مرارة زيف الوعي السائد الذي كان أسيرا له، ولينفصل بوعيه عن عالم الكتل المبرمجة آليا لصالح قوى معينة في السوق الحرة أو غير الحرة ، عالم لا يكون الإنسان فيه مسئول عن مصيره. في حلم منتصف ليلة صيف، تنتصر الخضرة والحياة والحب على الجدب والموات مرورا بعالم جان وجنيات ونظرات سحرية توضع مداعبة في العيون، فتجعل الحمار أميرا جميلا معشوقا وتدخل التحولات على الكائنات، وفي المسرحية الكلاسيكية لا توجد حدود فاصلة بين الحلم واليقظة التي بها نخرج من الحلم والخضرة إلى يقظة يملؤها الفرح، وتجدد للحياة وعناق بين الأحبة وفي مسرحيتنا المصرية لم تكن القطرات السحرية في العيون مداعبة؛ بل صورة فكرية انفعالية للعالم تعصب بها صفوة مسيطرة كل العيون قسرا وتحول الناس إلى مسوخ والوزة إلى قصر الحكم والفرد الخائف المذعور إلى ارهابي دموي، وتطيل الآذان وتحول الانفعالات إلى علب محفوظة، وتعود بها عودة تامة إلى كوميديا شكسبيرية.
عالم كورة كورة – هذه المسرحية – عرضت في الإسكندرية، ثم القاهرة (مسرح سيد درويش والمسرح العائم) في شهري أغسطس وسبتمبر 1987، لم تكن المسرحية مجرد دعوة أخلاقية حميدة إلى نبذ التعصب لهذا النادي أو ذاك، بل تربطه (أي التعصب) بمظاهر أخرى مثل الحركة الثقافية والعلاقات الإنسانية عموما فكرة القدم ليست إلا جزءا صاخبا من مشروع سياسي أيديولوجي ضخم وصناعة كبيرة في مجتمعات "الاقتصاد الحر" والعالم الثالث للتسلية وقضاء أو قتل وقت الفراغ وقتل القدرات والخصائص الأنسانية معه. وتسلط المسرحية الضوء على أفراد مبعثرين منعزلين يعيشون معا في حياة جماعية زائفة عبر الانتماء إلى هذا الفريق أو ذاك أو المشاركة في حب ممثلة أو مطرب أو كاتب مشهور. فمثلا تتحول الجمعية الثقافية إلى رابطة مشجعي الكرة إلى شئ للتسلية. فهناك قوى تحول الكتب إلى معلبات ومستودعات للأوهام وتخلق أذواقا ورغبات وآمالا موحدة قياسيا وتعمل على نشر المتعة الكاذبة والإثارة المفتعلة، روايات عاطفية صارخة وبوليسية وقصص ومغامرات لخلق عالم وهمي كاذب. وكذلك لعبة الحب، فالمسرحية تصور بإحكام تضافر الألعاب جميعا: الكرة والثقافة والحب على خلق عالم وهمي بديل لشقاء وسلبية الناس، يعيش الناس فيه بعد أن كتبوا توكيلا عامل لأبطال الكرة والسينما والمسرح والثقافة والطرب. وتشير المسرحية إلى ضخامة مؤسسة كرة القدم ونفوذها الهائل، فهي مؤسسة تجارية عملاقة وإعلانية عملاقة تشغل وقت ملايين الناس وتقوم بشراء النجوم المحترفين والمدربين والدعاية والإعلان وتنظيم المباريات، ولا يسأل أحد ما فائدة كرة القدم بهذه الطريقة للمجتمع والناس، للذين يمارسونها وهم آحاد وللذين يتفرجون عليها وهم ملايين. لقد أصبحت عقيدة غير خاوية لا تناقش ولا أحد يسأل عن أهداف اللعبة نفسها ويسأل الملايين عن أهداف المباريات أو هدف الكرة هو الانتصار فقط، لذلك تنتهي المسرحية بأن يكتشف أحدهم الأسئلة، بعد أن تعلموا من تجربتهم المباشرة أن هذا المنطق قد حطم حياتهم وفرض عليها الظلام، قيدعون المتفرجين إلى تنظيم سياسي مناهض لطريقة ممارسة اللعبة ولغش قواعدها.
إن الجديد في المسرح السياسي عند جمال عبد المقصود، أن الحوار لا يتحول أبدا إلى مناقشة قضايا مجردة، وأن المؤلف لا يختار من بين شخصيات مسرحياته شخصية تكون بمثابة بوق أو مكبر صوت لآرائه، فلكل شخصية ملامحها وشحنتها الانفعالية في الحوار، ولا تتعثر الألسنة بالقوالب الفكرية الجاهزة. ولا يدور الحوار بين الشخصيات داخل لوحات متتابعة تكاد أن تكون منفصلة أو داخل إطار هزيل يحاول الإمساك بخيط الحبكة، بل يدفع هذا الحوار الثري إلى الأمام رابطا بين المحاور الثلاثة لمسرحية عالم كورة كورة في نسيج موحد، شمولي، تعددي في آن واحد.
وعلى الرغم من أن المسرحية السياسية عند جمال عبد المقصود تتناول عادة قضية واقعية ساخنة مثل الاعتقال أو التعصب الكروي، إلا أنها لا تقف عند سطح القضية المؤقتة بل تنفذ إلى أعماق إنسانية عامة في معركة حرية الفكر والانفعال والسلوك وتجيئ العامية الفصحى عنده بحيويتها وتألقها لتربط بين الشخصيات والجمل في لقاء حار يحرك الفكر والعاطفة.


عرض:هدي توفيق
المصدر :كوميديا الحكم الشمولى
الكاتب والناقد الكبير :ابراهيم فتحى
الهيئة العامة للكتاب الطبعة الأولى 1991





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,103,441,319
- عبق الأمل في مجموعة روح الفراشة
- تأثير الدين على الابداع
- يوتوبيا سيد قطب الدرامية
- الماضي والراهن :حول كتابات محفوظ التاريخية
- محفوظ كاتبا مسرحيا أيضا
- ازدواجية المتعة في عالم نجيب محفوظ الروائي بين القراءة والفر ...
- عداء بنى اسرائيل لمصر وفلسطين
- كارثة النشر الخاص
- جدل الواقع فى مجموعة مدينة طفولتى للكاتب طلعت رضوان
- عيسى الدباغ والثورة المضادة
- مجموعة أرنى الله لتوفيق الحكيم
- خلوة الكاتب النبيل
- حاذث النصف متر تجاوزكل الأمتار
- العداء العبرى لمصر وفلسطين
- مقال عن أكابيلا ايدا وماهى
- إلى زكي مراد


المزيد.....




- باريل.. زعيم مرتزقة استخدمته السعودية لضرب قطر
- في افتتاح مهرجان الإسكندرية الدولي... أصالة بفستان أبيض وتكر ...
- من أجل التصدي للهجرة غير الشرعية.. الاتحاد الأوربي يرفع دعمه ...
- جوائز بالجملة لفيلم "حرب باردة" في اختتام مهرجان ا ...
- جوائز بالجملة لفيلم "حرب باردة" في اختتام مهرجان ا ...
- بركة يدعو الحكومة إلى الزيادة في الأجور
- بالفيديو... كانيلو يهزم فيلدينغ بالضربة القاضية الفنية في ال ...
- صدر حديثا كتاب -محمد: أربعون مقدمة-، للكاتب مايكل محمد كنيت ...
- حفل توقيع لكتاب -عروش تتهاوى.. النهايات الدرامية للأسرة العل ...
- قط بوتين تعلم اللغة اليابانية


المزيد.....

- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى توفيق - كوميديا الحكم الشمولي