أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نضال الربضي - قراءة في الشر -7 - المقدس التعويضي و الشر الخلاصي.















المزيد.....

قراءة في الشر -7 - المقدس التعويضي و الشر الخلاصي.


نضال الربضي

الحوار المتمدن-العدد: 4580 - 2014 / 9 / 20 - 16:36
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


قراءة في الشر -7 - المقدس التعويضي و الشر الخلاصي

--------------------------
و أما الآن إذ أُعتقتم من الخطيئة
و صرتم عبيدا ً لله،
فلكم ثمركم للقداسة
و النهاية حياة أبدية.
لأن أجرة الخطيئة هي موت،
و أما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا
--------------------------
(رسالة بولس إلى أهل رومة، الفصل السادس الآيات الثانية و العشرون و الثالثة و العشرون)

استلهمتُ في الأجزاء الستِّ السابقة روح الكتاب المقدس في نصوصه ِ القانونية من أيوب و أرميا ضامَّا إليها النص غير القانوني لسفر أخنوخ الأبوكاليبتي، بعد أن قدَّمت ُ لهذه السلسلة من منظور ٍ إنسانيٍ بحت، يتساءلُ عن الألوهة و ماهيتها و دورها فيما يحدث على أرض الواقع، للحكم ِ على أخلاقها من أنماط ِ تدخلها في الشأن البشري أو عدمه. و لقد توصلنا إلى نتيجة ٍ مفادها أن ما يحدث على هذه الأرض من شرور و ويلات هو:

- رد فعل من الألوهة على الخطيئة التي يوجهها الإنسان لها، و التي لا بد من مجازاتها بعقاب ٍ و تأديب.
- نتيجة مباشرة لتفاعلات البشرمع بعضهم و مع الطبيعة، و مخرجات شبكة العلاقات.
- أحكام إلهية تُخفي وراءها مشيئة سامية لا يُدرك كنهُها و لا يمكن الإحاطة بها و معرفة دوافعها، و هذا ما يبرزه بوضوح شديد جدا ً سفر أيوب، و الذي أرى أن بناءه الإنشائي و صياغته و طريقة تعبيره عن مكنونه اللاهوتي هم من أجمل ما احتوته نصوص الديانات و أقدرها على تقرير الحقيقة اللاهوتية و النفاذ إلى وعي المتلقي.

و حتى يستطيع الإنسانُ قبول َ الطروحات الثلاث السابقة لا بدَّ من بناءِ نظام ٍ متكامل تكونُ الألوهة ُ محوره الأول من جهة كونها العلَّة َ، و الإنسانُ محوره الثاني من جهة ِ كونه المعلول، و يكونُ دور محوره الإلهي الأول هو الإصدار بينما يكونُ دور ُ الثاني هو الاستقبال، في علاقةِ منفعة ٍ متبادلة يحتاجُ الثاني فيها الأول َ لتقديم تفسيرات ٍ عن ماهية ِ الحياة و الكون و أسباب الأحداث ِ و الظواهر، و شحن النفوس بقيم الصبر و التفاني و الاستمرارية في وجه الظلم و انعدام العدل و البشاعة الحياتية، بينما يحتاجُ الأولُ الثانيَ ليكون موجوداً، و هي العلاقة ُ التي يمكن تلخيصها بما يلي: لا وجود َ للإلهِ بدون الإنسان الذي يعبُدُهُ بينما يحتاج ُ الإنسانُ لاختراعِه الإلهي لكي يحصل على معنى لكونٍ عبثيٍ بلا معنى في ذاته.


أثر الشرور الطبيعية على الحياة اليومية
-------------------------------------
أن الشرورَ منخفضة َ تكرارِ الحدوثِ مثل موت الأحباء و الأصدقاء، أو الحروب أو الحوادث الطبيعية ذاتُ أثر ٍ كبيرٍ على الفرد من حيث انتهاكُها لدائرة الطمأنينة ِ و اغتيالهـَا الغادرَ للشعور ِ بالأمان ِ و السعادة، لكن الإنسان َ يملكُ في تركيبه الطبيعي هدية ً عظيمة ً قدَّمتها له طبيعته البشرية و مساره التطوري الأنثروبولوجي، أعني خاصِّية َ النسيان، فالذين يفجعون بموت الأحباء تمضي بهم الشهورُ و السنوات بعيدا ً عن مرفأ ِ الحزنِ نحو شواطئَ جديدة فيها من الأحداث ِ ما يلهيهم و يسلـّـِيهم عن الموت، و كذلك الأمرُ لمن تنكبهم الحروب حين يغادرون إلى بلادٍ أخرى،،،،
،،، لكن الشرور اليومية َ الحياتية َ هي العواملُ الرئيسية ُ في التأثيرِ في الإنسان، و التي تشكّـِلُ الجزء َ الأعظم َ من وعيه النهائي و تستفيدُ من الشرورُ المُصادفة السابقة و تبني عليها و تستوعبها و تجعلُها جزءا ً منها، و تستنزفُ جهد الإنسان ِ العقلي َ و النفسي و الجسدي، و هي التي تُلحُّ عليه طالبة ً المعنى و التفسير الشامل، فهي مُستمرَّةٌ منذ مطلع الشمس و مُلحَّةٌ حتى مغيبها، و ينوء تحت وطأتها و ضغطها.

فالإنسانُ خاضع ٌ لأنظمة ٍ اجتماعية ٍ تفرضُ عليه قبول أنماطِ تفكير ٍ مُرتبطة ٍ بقيم تُحدِّدُ مكانته في المجتمع، هذه المكانة َالضرورية َ لبناء دائرة ِ الإطمئنان و تثبيتِ الهوية، و التي يكونُ الخروج عليها أذى ً يهدِّدُ الهوية الفردية و مكانها في الهوية ِ الجماعية، و يخرقُ دائرة َ الاطمئنان، مما يستلزمُ منه توافقا ً و انسجاما ً إجباريين ِ في جوهرهما الخفي و غير المحسوس، و طوعيينِ على المستوى المحسوس بفعل التنشئة و الأدلجة إلا في من أدرك َ العلاقة َ السابقة بوعيٍ متطورٍ و قام بأعادة تحديد علاقته مع المجتمع و بنى هويته و فضاء اطمئنانها بحسب ِ قناعاتهِ غير المتأثره بالموروث و المُسلَّم.

كما أن إنساننا يخضعُ للأنظمة ِ الاقتصادية ِ و مُخرجات ِخصائصِ قطاعاتِ الأسواق، و هو كعامل ٍ و موظّفٍ لا يملكُ أن يتحكَّم َ في معيشته كما يطمحُ و يتمنى، و يبقى خاضعا ً لقوانين الشركات، مقيدا ً بمبالغَ شهرية ٍ على شكل ِ رواتبَ و حوافزَ تجعله يصيغ كافة َ أوجهِ حياتِه المعيشية ضمن حدودها المادية، مما يعني بالضرورة تقيده و تقليص مساحةِ الفعلِ لديه، و جعلَه محدودا ً بإمكاناتٍ تتناسبُ مع هذه الإقتصاديات.

فإذا ما أضفنا للسابقِ تأثير العامل الزمني على جسدِهِ و اتجاه بيولوجيا الجسم نحو التقدُّم في العمرِ، المصحوبَ بانخفاض ٍ في القدرات الجسدية و تعاظُم ِ المسؤوليات المادية و التي تجلبُ معها أثرا ً نفسيا ً ضاغطا ً، برزَ لدينا حجمُ التحدي الكبير للأحوالِ المعيشية ِ على هذه الإنسان، و أصبحَ مفهوما ً مدى الإلحاحِ العميق للسؤال الذي يطلب ُ الإجابة َ عن معنى هذه المنظومات ِ المتشابكة، و أسبابها، و هدفها، و نتيجتها، و موقع الإنسانِ منها، خصوصا ً إذا ما كانت مُتعارضة ً مع و غير مُشبعة ٍ لـِ إنسانية الفرد و طموحِهِ الذي هو أخصُّ خصائصه البشرية.


الشرُّ الخلاصي
--------------
تعترفُ المنظومة َ الدينية ُ بوجودِ هذا الشر، و بأثره الكبير على النفس البشرية، و تُدركُ ما يجلبُهُ من إحباطٍ و يأسٍ من شأنهما أن يخلقا من البشريِّ كومة ً من حُطام ٍ تسيرُ على قدمين، فاستنهضَ فكرُ الإنسانِ الأولِّ الذي صنعها المعنى و الهدفَ من رحم البؤسِ و من وحل الشقاء ِ و العبودية، فكان َ أن اخترعَ الإنسانً مفهوم: الشر الخلاصي أو الألم التكفيري،،،

،،، فالشر الخلاصي هو الشرُّ الذي لا بدَّ منه، إنَّهُ ما يعانيه الإنسانُ في حياتِه من ضيق اقتصادي، و عجزٍ و تراجُع ٍ في الصحة و القدرة، و ظلمٍ اجتماعيٍّ أو سياسي، و هو بحسب المنظومة ِ الدينية وسيلة ٌ لبلوغ ِ ضدِّهِ و التماهي مع الكمالِ الذي ينعدمُ فيه، فهذه الأرض تُقدِّم ُ البؤس و لا بدَّ من قبولِهِ حتى يصل الإنسانُ إلى السعادة، و هي تقدِّم ُ الظلمَ و البشاعةَ و لا يمكنُ الوصولُ إلى ضدهما الكمالي و تامِّ الجمالِ إلا بمعانقتهما،،،،،
،،، فالشرُّ الخلاصي هنا آلية ٌ أو قناةٌ لبلوغِ الحالةِ الكاملة ِ للكينونة، الحالةِ التي لا يمكنُ انتقاصُها أو تغيرُها، إنها حالةُ الألوهة ِ التي تخيلها الإنسانُ و عبدها، ثم طلبها لنفسه، فهي الحالةُ التي يُصبح المحور الإلوهيُّ الأوَّل ُ متماهيا ً فيها مع المحوِر البشريِّ الثاني، فيصيرُ فيها الإنسانُ إلها ً تاما ً باندماجِه في حالةِ الكمالِ الخاصَّة ِ بإلهه، إنها صرخة ُ اليأس ِ و المعاناة ِ البشرية التي تريدُ الخلاصَ مما تعانيه، و التي تدركُ العجزَ الكبير و الألم الفظيع و الظلم البشع لآلات الاستهلاكِ و الادخارِ اللواتي تعملنَ بقوةِ الأنظمة ِالاقتصادية المجحفة و لصوصيةِ الشركات الكبرى و جشع المستثمرين، مع بُقعةِ الموتِ التي تكبرُ في الجسد مع تقدُّمِ العمر، و الضربات التي تتوالى على الأحبة و الأصدقاء.

إن الألم الفدائي هو الطريقة ُ الوحيدة ُ التي يستطيع فيها المؤمن أن يستمرَ دون أن يفقد عقله، فهو قد أصبحَ بفعل ِ الأدلجة ِ "واعياً" و "مُدركاً" لهذه "الحقيقة" التي مفادُها الوجودُ المؤقَّتُ لهذه الحالة، مع القبول ِ بها، و الاعترافِ بزخمها، و التفاعلِ معها بالكلية، بل و الدفاع عنها و اضفاءِ المعنى عليها، و التمسُّكِ بها و الاندماج فيها، و رفض الثورةِ ضدها لتتحولَ العلاقة ُ بين الحياةِ و الإنسان ضمن المنظومةِ الدينية إلى قبولٍ مازوخيٍّ لساديَّة ٍ صناعية، تضمنُ لذَّةُ الاحتمالِ فيها تخديرا ً مُستمرَّا ً حتى الموت، لكنه تخدير ٌ للوعي الحقيقي مع نشاط ٍ جسدي ٍّ فعال ٍ في خدمة المنظومة ِ الاجتماعية ِ و الاقتصادية ِ و السياسية.


المقدس التعويضي
------------------
سيقودنا السابقُ حتما ً إلى السؤالين: إن الشر الفدائي و الألم الخلاصي الهادفان إلى بلوغ ضدهما لا بدَّ و أنهما يملكان ِ تصورا ً لهذا الضد، و ألية ً لتطبيق ِ مُعطيات ِالمنظومة الدينية، فما هو هذا التصورُ و ما هي هذه الألية؟

إن آلية التطبيق في المنظومة الدينية تعتمدُ على ثلاثة عوامل تحملُ في ذاتها التصورَ الديني و بناءهُ:

أولا ً العامل الأيدولوجي المعتقدي:
و هو أن تُقدِّم المنظومةُ طرحها بوجود عالم ٍ آخر مفارق ٍ لهذا العالم، و بحتمية ِ الخلود الأبديِّ فيه، ثم بتقسيم ِ هذا الخلود إلى خلودٍ سعيدٍ لمن تطابقت َأعمالهم و أفكارهم مع المشيئة ِ الإلهي، و هو المفهوم المسيحيُّ المعروفُ باسم: البِّـر، و إلى خلودٍ شقيٍّ بائسٍ لمن اختاروا بمحض ِ إرادتهم مخالفة َ المشيئة َ الإلهية و إعادة تحديدِ مفاهيم الخير و الشر، و فلترة ِ القيم الدينية و إعادة تعريف السلوكيات و ارتباطها بالمعاني لخلق قيم جديدة فاعلة و ديناميكية بحسب حاجات المجتمعات.

ثانيا ً عامل ُصبغة ِ التفاعلات الحياتية:
و هو َ أن تعيدُ المنظومة ُ الدينية ُ تعريف مُعطيات الواقع ِ غير الدينية، فبعد أن خلقت في العامل الأولِ عالما ً مفارقا ً لا يمكن ُ قياسُه أو اختبارُه أو إعادة ُ إنتاجِه أو ملاحظتُهُ أو التأكُّدُ و التثبُّت ُ منه، أتت الآن َ إلى العالمِ المحسوسِ و الواقعي لتفسِّرهُ في ضوء اختراعها للعالمِ المفارق، أي أنها تبدأ بتفسير الموجود بحسب الاختراعِ غير الموجود، و تُعطي معنى للمرئي بحسب مكنون ِ الهيكل ِ البنائي لغير المرئي، و عوضاً عن أن تقوم بالنظر ِ إلى شبكة ِ التفاعلات البشرية و الطبيعية لتستخلصَ منها الأسباب التي قادت إلى النتائج لتُعطي تفسيرات ٍ صحيحة، تقومُ بـ "استنزالِ" تفاسير َ مُتسامية إلهية مستدعية ً إياها من عالم ٍ مفارِق ٍ لا شأن له بالواقع و لا يتفاعلُ معه و لا يعرفان بعضهما، فتأتي تفاسيرها خاطئة ً،،،
،،،، فبحسب ِ هذه المنظومة فإن الكائن ِ المُضادَّ للألوهة: الشيطان، يتحكم بهذا العالم، و هو سبب البؤس و الشقاء، و هذان الأخيران يُعتبران في المنظومة ِ الدينية دليلا ً على هذا الشيطان، و عربونَ الوعد الإلهي بزوالهما، و التأكيد َ على المُكافأة القادمة في العالم الآخر، و هذه الأخيرة ُهي مطمحُ المؤمن، و طموحُه، و دافعُه للصبر و قبول الألم و قبول الظلم و قبول البشاعة و الرضى بالعبودية الفكرية و العبودية الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية،،،،
،،، و بحسب هذه المنظومة فإن كل ما يحدث هو امتحان ٌ و تطهير ٌ من الذنوب و المعاصي و الخطايا، و تنقيةُ للنفس و تمحيصها كما يُنقى الذهبُ بالنار لفصل ِ الشوائبِ عن المعدن ِ الأصفر ِ الجميل البرَّاق ليبقى نقيا ً، و ليذهبَ إلى إلهه القدوسِ مُقدَّسا ً مُستحقَّا ً لخلوده الأبدي و سعادته المضمونة، فهذا العذاب و ذاك الألم هما علامةُ الجودة و ختم الصلاحية و شهادةُ الجودة اللواتي تطلبهن َّ الألوهةُ ثمنا ً لكي يدخل ُ البشريُّ في عالم ِ المقدَّس التعويضي، الذي سيجعل ُ كل شي ٍ جديداً هناك.

ثالثا ًعامل الاستدامة ِ التعبُّدي الطقسي:
ستبرزُ أمامنا بالضرورة ِ المُشكلة َ الحقيقية َ الماثلة ُ في كون العاملين السابقين مجرَّد تصورات ٍ غير حقيقية لا يمكنُ لمسها أو التفاعلُ الحقيقي معها، و بالتالي لا بدَّ و أن تسقط بالضرورة إذا لم يتم تدعيمها بعامل ٍ محسوسٍ يُلبي طموح َ الجسد ِ المادِّي و النفس ِ الداخلية ِ التي هي أحدُ مظاهرِه، أي أن الاعتقاد و الأيدولوجيا و فعل الأدلجة لا تكفي لوحدها، لأنها تظلُّ مجموعة ً من القصص التي مهما امتلكت من قوَّة ٍ لا بدَّ و أن تضمحلَّ في وجه جريان السنين و تفاعلات ِ الحياة ِ و المعيشة. و لذا كان لا بدَّ للمنظومةِ الدينية من سلاحها الأقوى و الأشرس و الأعظم، سلاح ِ التثبيت ِ و الاستدامة ِ و الاستمرارية، و هو عاملُ التعبُّدِ الطقسي.

إن الأفكارَ المزروعة َ لا بدَّ و أن تبقى مزروعة ً و لا افضل َ و لا أقوى و لا أمتنَ من الطقوسِ التي تعوِّدُ الجسدَ منذ الصغر على حركاتَ معينة للسجود و القيامِ و القعود و الانحناء و الركوع و رفع الأيدي و استخدام ِ المياه ِ و الزيت ِ و الملح ِ مصحوبة ً بتلاوة ِ الصلوات و الأدعية و الآيات ِ و الكلمات ِ و الجمل و ترتيلها و ترنيمها في موسيقية ٍ تنفذ ُ إلى النفس و تتغلغلُ فيها و تجعلُ المشاعرَ و الأحوال النفسية َ العميقةَ أثناء التعبُّدِ و الوجدان الصوفي العميق و التسامي إجابات ٍ للأسئلة ِ عن المعنى و تلبية ً للنازعِ البشريِّ الأكبر إلى الامتلاء و تحقيقا ً لذاتِ الإنسان الوجودية و علاجا ً للجروح و الندوب ِ و العوز ِ و النقص الناتجين عن دورة الحياة ِ المادية،،،
،،،، أي أن هذه الأحوال َ التعبُّدية و الممارسات الطقسية ستخدمُ هدفينِ أولهما هو تثبيتُ القناعات ِ التي تقدمها المنظومةُ الدينية بمعنى أنها تكونُ شاهدة ً على ذاتها و أمينة ً على صحتها، و ثانيهما هو استدامةُ انتماء ِ الفرد للمنظومة و سلوكه بحسبها.

و بناء ً على ما سبق تصبحُ النصوصُ الدينيةُ سهلة الفهم و ميسَّرة ً. فلو تدبرنا النص الذي افتتحتُ به هذه الجزءَ من سلسلة ِ "قراءة في الشر" لبولس َ الرسول اتضح أمامنا أن المسيحين الأوائل كانوا يرون أنهم مدْعُوُّون للقداسة و أن كل عمل ٍ من أعمالهم اليومية و كل تحمُّل ٍ للشر في العالم و كل تفاعل ٍ إنساني هو مُساهمة ٌ و لبنةُ بناءٍ إلهيه في صرحِ القداسة ِ الشخصي الذي ستكونُ أُجرتُه المقدسة التعويضية هي الحياة ُ الأبدية، بينما ضده الاستسلامي هو الخطيئة و أجرتها الموت الأبدي.

و يقدِّم الإسلامُ ذات المفهوم وجدت ُ أن أفضل ما يُلخِّص ُ إطارها العام هي الآيات ُ الثالثة ُ و العشرون و حتى الثلاثون من سورة الفجر:

" وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى
يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي
فَيَوْمَئِذٍ لّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ
وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً
فَادْخُلِي فِي عِبَادِي
وَادْخُلِي جَنَّتِي "


خاتمة
-------
إن استعصاء َ الشرِّ الطبيعي منذ فجر التاريخ ِ إلى الآن و في المستقبلِ كذلك، و تفاعلات ِ الظروف ِ الحياتية، و عجزَ الإنسانِ عن الكفاية ِ، و تناقُصَ القدرة ِ في الجسدِ، و الفواجع في الأهلِ و الأصدقاءِ و الأحبة و الأرضِ، جعلته يخترعُ آلهتهُ و دينهُ للإجابة ِ على الأسئلة و للحصول ِ على المعنى و لدفع ِ العبثية ِ و رفضها، و لقد كان هذا مفهوما ً عندها، فالإنسانُ وليدُ ظرفه و دينُهُ وليدُ سياقِه المعيشي و الثقافي،،،

،،، لكننا الآنَ في القرن ِ الواحد و العشرين قد بلغنا من العلوم و الفلسفة و الأدب ِ و الفهم ما أجاب عن أسئلة ٍ كبيرة ٍ سابقة بخصوص نشأة الكون و الحياة ِ على الأرض و بيولوجيا الجسد و الحيوانات و النباتات و غوامض الجيولوجيا، كما أن ظهور المنهجِ العقلي العلمي و دراسات نقد النصوص و علوم الأنثروبولوجيا قد أثبتت بما لا يدع مجالا ً للشك بشرية منشأ الأديان و العوامل النفسية و الاقتصادية و السياسية وراء ظهورها و استمرارها،،،

،،، و أصبحَ لزاما ً علينا أن نحيا بحسبِ بالمنظومة اللادينية لكي نستطيع َ أن نفهم َ التاريخ َ فهما ً صحيحا ً، و تفاعلات ِ الحياة، و نقدِّمَ تصورا ً حقيقيا ً واقعيا ً لماهية الألم، و موضعه كناتجٍ عن التفاعلات الديناميكية لوجودنا و شبكة العلاقات، لا كابتلاء ٍ إلهي أو عامل ٍ خلاصيٍ فدائيٍ، و بالتالي وجوبَ تضافرِ الجهود الحثيثة لإصلاح المنظومةِ الاقتصادية، و النضالَ المُستمر نحو دساتير إنسانية ترفع الإنسانَ فوق التسويقِ و الاستهلاك و تضمن حقه و كرامته و تخفِّفُ من ألمه، و تكبحُ من جماحِ الاستثمارِ الجشع نحو الاستثمارِ التشاركي، الذي يجعلُ العامل شريكا ً لا موظفا ً، و مُساهما ً لا عبدا ً أو خادما ً،،،،

،،، كما و يجب أن تتم مراجعةُ قوانين التأمين الصحي و مؤسسات الضمان الاجتماعي لكي تتجهَ فيها الجبايةً نحو الشرائح ِ بحسبِ مقدرةِ كل شريحة لا بقانونٍ موحدٍ للجميع، مع الاستثمارِ الناجحِ للأموال و الذي يضمنُ نموا ً اقتصاديا ً صحياً، ثم إخراجَ رواتبها التقاعدية بما يتناسبُ أيضا ً مع هذه الشرائح، لا بحسب الإيرادات من كل شريحة فقط، لكن بحسب الحاجةِ التي تطلبها الشريحةُ الاقتصادية لسد العجزِ و تحقيقِ الكفاية، و هو ما يتطلبُ رؤية ً إنسانية ً تحكم التفاعل َ الاقتصادي، لكن بواقعية ٍ لا يحكمُ عليها الاقتصادُ بالفشل، و هو ما يتطلبُ خبراتٍ اقتصادية بدعم ٍ من قياداتٍ تؤمن بالإنسان.

إن تعديل قوانين السوق و الشركات و الاستثمار و إعادة النظر في الرواتب و الأجور و الحوافز و المكافآت و أنظمة التأمين و الضمان أصبحت حاجات ٍ مُلحة من أجل ِ دفع خطر تحويل شبابنا و شاباتنا إما إلى كائنات ٍ بائسة يائسة أو زومبيات ٍ مُستهلكة شرهة يدفعها العوز نحو شراهة ٍ مريضة أو إرهابين مريضين معادين للحياة و الناس، و إنه آوان ُ الاعتراف ِ بطغيان ِ هذا الشر و عجز ِ حضارتنا عن التعامل معه بطريقة صحية.

معا ً نحو الحب، معا ً نحو الإنسان،،،

،،، و من كان له عقل ٌ للفهم، فليفهم!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,468,575,039
- وباء السلفية التكفيرية –6 – لامركزية المرجعية و استتباعاتُها ...
- بوح في جدليات – 7 – أبي أنا ذاهب.
- في الموت – قراءة رابعة، بوابة الانتقال.
- قراءة في جدلية ما بين المنظومة الدينية و الواقع- 2 – المقدس ...
- بوح في جدليات – 6 – ارتدي ثيابك َ لقد تأخرنا.
- وباء السلفية التكفيرية – 5- التركيب الإجرامي للتكفيري ج 4
- الضربات الأمريكية لداعش.
- وباء السلفية التكفيرية – 4- التركيب الإجرامي للتكفيري ج 3
- وباء السلفية التكفيرية – 3- التركيب الإجرامي للتكفيري ج 2
- وباء السلفية التكفيرية – 2- التركيب الإجرامي للتكفيري ج 1
- بوح ٌ في جدليات – 5 – جارنا و الأفعى.
- في الموت – قراءة ثالثة، من العبثية حتى الحتمية.
- من وحي قصة حقيقية - يا سادن الحبِّ.
- في الموت – قراءة ثانية من حيث الموقف الإنساني الواعي.
- غزة - 4 - بقلم الملكة رانيا
- وباء السلفية التكفيرية و ضرورة الاستئصال.
- غزة - 3 – أربعة أطفال و قذيفة.
- في الموت – قراءة أولى كأحد وجهي الوجود.
- غزة – 2 – إستمرار جرائم الحرب الإسرائيلية و ردود الفعل الشعب ...
- غزة – وضاعة استباحة الحياة و ازدواجية الاعتراف بالحق الإنسان ...


المزيد.....




- ترامب: نعقد مفاوضات جيدة جداً مع حركة طالبان
- الخارجية الأردنية تستدعي السفير الإسرائيلي لإدانة انتهاكات ا ...
- ثلاثة قرون في صقلية.. كيف دخل الإسلام إيطاليا ولماذا انهزم؟ ...
- قيادي بـ-الانتقالي الجنوبي-: لن نقبل بـ-الإخوان- على أرض الج ...
- إطلاق سراح ناشط حقوقي في كازاخستان مدافع عن أقلية الإيغور ال ...
- إطلاق سراح ناشط حقوقي في كازاخستان مدافع عن أقلية الإيغور ال ...
- قيادي في الحرية والتغيير يرفض تصنيف السودان دولة علمانية
- إجراءات أمنية مشددة حول المساجد في سينجار تمنع الكشميريين من ...
- إجراءات أمنية مشددة حول المساجد في سينجار تمنع الكشميريين من ...
- إسرائيل -تحاصر- الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى؟


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نضال الربضي - قراءة في الشر -7 - المقدس التعويضي و الشر الخلاصي.