أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى مجدي الجمال - الكاريزما من الانقلاب إلى الصندوق.. درس شافيز















المزيد.....


الكاريزما من الانقلاب إلى الصندوق.. درس شافيز


مصطفى مجدي الجمال
الحوار المتمدن-العدد: 4384 - 2014 / 3 / 5 - 16:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في ذكرى وفاته أكرس هذا المقال لتعريف الشباب بمسيرة هوغو شافيز نحو السلطة. فربما كانت مسيرته في الحكم معروفة أكثر. وهدفي من المقال هو إبراز كيف تشكلت كاريزما ضابط صغير وحملته حملاً إلى كرسي الرئاسة. فقد تجمعت فيه آمال الشعب، والمهمشين بشكل خاص. كما تكونت كاريزماه في سياق جدل خصيب من الفرد والحركة الثورية وجماهير البسطاء. ويمكن القول إنه قد أسهم في صنع الكاريزما بنفسه، وإن لم يكن بالطبع من الزعماء "المعجبانيين"، وقد حما هذه الكاريزما بانحيازه المستمر للجماهير التي يمثلها، وربما سبق خطواتها في بعض الحالات.

أهدي هذه السيرة الملهمة لمن قد تجيء لهم الشعبية على طبق من ذهب، دون تعب طويل وربما في فترة قصيرة جدًا من الزمن، ولكنهم قد ينحازون نهاية الأمر للنخب الحاكمة، ويوجهون هذه الكاريزما لحماية الإفقار والاستغلال والاستبداد والتبعية.

كما أهديها للذين يتصورون أن الكاريزما مجرد مجموعة من المواهب الشخصية والصدف التاريخية الاستثنائية السعيدة، لأؤكد أن العامل الحاسم في "انضباط" الكاريزما هو توفر حركة سياسية راديكالية وجماهيرية تسند اختيارات القائد وتدفعه دفعًا نحو المزيد.

من الطفولة المحرومة
إلى الشباب المتمرد

ولّد هوغو شافيز في يوم الثامن والعشرين من يوليو 1954 في ضواحي بلدة "سابانيتا" بمقاطعة "باريناس"، وهو الابن الثاني لمعلمين هما "هوغو دي لوس رييس دي شافيز" و"إلينا فرياس دي شافيز". وتجتمع في عروقه دماء هندية - أمريكية وأفريقية وإسبانية. وقد عاش طفولته الأولى مع والديه في بيئة شديدة الفقر، وفي بيت أرضه غير مبلطة ومسقوف بسعف النخيل. وكان التعليم هو الرهان الأكبر عند الأبوين كي ينقذا أبناءهما من أنياب الفقر المدقع. وتمنت أمه أن يصبح ذات يوم رجل دين كاثوليكيا، وقد خدم بالفعل لمدة عام كفتى للمذبح، حيث كان ينظف ويلمع أيقونات السيد المسيح والقديسين. وحتى يلتحق "هوغو" وشقيقه "آدان" بالمدرسة في "سابانيتا" أرسلهما الأبوان للعيش في كنف جدتهما من ناحية الأب.

وكان الصبي "هوغو" يعمل بعد اليوم الدراسي بائعا متجولا لحلوى الفاكهة التي تصنعها الجدة في المنزل. وهذا ما يعطينا فكرة عن طفولة قاسية أكسبت الصبي منذ نعومة أظافره خبرة عميقة بالحياة ممزوجة بالشوق إلى التحقق الشخصي والعدل الاجتماعي. وربما لا يعرف الكثيرون أن عاملا مهما آخر في تاريخه الأسري قد أسهم إلى حد بعيد في تكوين شخصية من سيصبح رئيس فنزويلا وزعيمها فيما بعد. فتقول روايات قوية إن جده الأكبر هو " بيدرو بيريز ديلغادو" الثائر الفنزويلي الشهير الذي عرف باسم "ميسانتا"، والذي عاش حياة ثورية عارمة توجت بانتفاضة عام 1922 التي انتهت بمقتل الرئيس وحاكم إحدى الولايات. وكانت العاقبة هي قيام السلطات الفيدرالية بمصادرة الأراضي المملوكة للأسرة، وكان هذا التاريخ الأسري الحافل يتخلل كل الحكايات التي ترويها الجدة للصبي بعد عودته من المدرسة وجولة البيع اليومي.

ويقول المؤرخون لحياة شافيز إن هذا الولد الذي أجمع معايشوه على وصفه بالتهذيب والحياء، كان يفرغ الكثير من طاقاته في الرياضة حيث ظهرت براعته كلاعب بيسبول شاب معروف على المستوى الوطني، كما كان يكتب الشعر والقصص، وفوق هذا وذاك كان مولعا بقراءة تاريخ وأعمال الثائر الأسطوري الكبير "سيمون بوليفار" الذي يعد رمز التحرير والوحدة في تاريخ أمريكا اللاتينية القصير بالنسبة إلى عمر البشرية، ولكنه في الوقت نفسه حافل بالبطولات والمعاني الكبيرة. ومن شدة إعجاب "هوغو" بمثله الأعلى ظل حتى بعد توليه للرئاسة يقرن التواريخ الرئيسية في حياته بأعمال "بوليفار" المهمة.

في المدرسة الثانوية كان له صديقان مقربان هما ابنا "خوسيه رويز" الشيوعي الذي اعتقلته حكومة الدكتاتور "ماركوس بيريز خيمنيز"، وعن طريق المكتبة الخاصة بأبيهما تعرف "هوغو" بشكل واف على الأفكار الاشتراكية، وبالتحديد الماركسية اللينينية، ليكون هذا الرافد الفكري بمثابة إثراء لذهن الشاب، حيث أضاف البعد الاجتماعي إلى منظور التحرر الوطني ووحدة أمريكا اللاتينية اللذين يمثلان صلب فكر ونضال "بوليفار".

وحينما بلغ السابعة عشرة من عمره التحق "هوغو" بأكاديمية العلوم الحربية، حيث اتسمت حياته مع زملائه بالمناقشات السياسية الحامية. وقد تطورت لديه ومجموعة من زملائه المتسائلين عن حاضر ومستقبل الوطن والقارة، رؤية أولية للثورة "البوليفارية" في وطنهم، أثروها بقراءة كتابات المؤرخ الماركسي "فيدريكو بريتو فيجورا" إلى جانب أفكار "إرنستو تشي غيفارا"، بل وأيضا "سلفادور ألليندي"، التي كانت تجتاح أمريكا اللاتينية وقتذاك. كما تأثر "هوغو" بشكل خاص بفلسفة الحكم التي تضمنتها كتابات "سيمون رودريغيس" (رفيق بوليفار) و"إزكيال زامورا" القائد الفلاحي لحركة المعدمين. أي أن "هوغو" ورفاقه كانوا منفتحين على العديد من التيارات الفكرية، ولم يوقعهم هذا في وهدة التشوش أو الانتقائية، ولعل السبب يكمن في أنهم كانوا يستوعبون ويصبّون كل جديد في بوتقة منظور مرشد واحد ومرن في آن، هو منظور "الثورة البوليفارية".

وكانت هناك في الأكاديمية مجموعة من الطلاب البنميين الذين تعرف "هوغو" من خلالهم على الفكر اليساري الوطني في بلدهم، وعلى نضال الزعيم البنمي الكبير "عمر توريخوس" من أجل استعادة السيطرة على قناة بنما والمنطقة المحيطة بها من مالكها التقليدي: الولايات المتحدة الأمريكية. وهو النضال الذي لقن "هوغو" درسا عمليا بأن استقلال العلم والنشيد لا يكفي ما لم يكتمل باستعادة الأمة السيطرة على مواردها الطبيعية ومقدراتها الاستراتيجية، وذلك من أجل إحداث تنمية حقيقية ومن أجل حماية الاستقلال السياسي ذاته.

ومن التجارب المهمة في حياته أيضا إبّان تلك الفترة قيامه هو ومجموعة من زملائه طلاب الأكاديمية وعسكريون آخرون (جميعهم من الشباب) بزيارة بيرو في العام 1974 للمشاركة في الاحتفالات بمرور مائة وخمسين عاما على معركة "أياكوتشو" الحاسمة في تحرير أمريكا اللاتينية بقيادة "سيمون بوليفار". وقد لقي الشباب الفنزويلي ترحيبا حارا للغاية من الرئيس اليساري الراديكالي لبيرو وقتذاك "خوان فيلاسكو ألفارادو" (1968 – 1975)، والذي حرص على أن يهدي كلا منهم نسخة بتوقيعه الخاص من كتاب الجيب "الثورة الوطنية البيروفية". ويقال إن "هوغو" ظل يحمل معه هذا الكتاب في حلّه وترحاله حتى فقد منه أثناء محاولة الانقلاب الفاشلة عام 1992 والتي سيرد ذكرها فيما بعد. ولعل أهم ما انطبع في ذهن الشاب الفنزويلي من تلك الزيارة ذلك النموذج القيادي للزعيم البيروفي، وخصوصا علاقته الحميمة للغاية مع الجماهير والجنود والرتب الدنيا من ضباط الجيش.

يمكن القول إن "الخارطة المعرفية" للضابط الشاب قد تشكلت بتأثير العديد من المدارس الفكرية الوطنية والاجتماعية، وبتجارب حافلة في حياته، غير أن أكثر ما كان يشغله في هذا الصدد هو التوصل إلى نموذج القائد المناسب والفعال الذي يجب أن يقتدي به في نضاله السياسي، أي دوره هو كشخص. ورغم انجذابه نحو الكثير من نماذج الزعامات الثورية والوطنية، فقد كان هذا كله بمثابة إضافات إلى النموذج الذي سكنه دائما، وهو نموذج "بوليفار" الذي يمنحه ميزة الطابع الأمريكي اللاتيني الأصيل المستقر في وجدان سكان جنوب النصف الغربي من الكرة الأرضية.

تخرج "هوغو شافيز" في أكاديمية العلوم الحربية، وكان ترتيبه الثامن، وحصل على رتبة الملازم ثان، وظل في الخدمة العسكرية حتى عام 1992 حيث فصل منها وهو برتبة المقدم. وقد عانى شافيز من التناقض بين مهنته العسكرية كضابط شاب وبين روحه المتمردة المتشوقة للعدل والتغيير، فمثلا حكى للأديب الشهير "غارسيا ماركيز" أنه أثناء إحدى المهمات العسكرية اضطر للمبيت في معسكر يديره عقيد في الاستخبارات، وسمع صرخات رجال حرب العصابات المأسورين والذين كانوا يضربون بلا رحمة، فتساءل في نفسه: "لماذا أنا في هذا الجانب؟". ويقول إنه في الصباح الباكر أقسم على الالتحاق بقضية الثورة، وعرض خدماته على الثوار من خلال شقيقه. وقد كوّن في هذه الفترة مع صديقه المقدم "فرنسيسكو أرياس كارديناس" ما أسمياه "حركة 200 البوليفارية الثورية" (سميت كذلك بمناسبة مرور مئتي عام على مولد بوليفار) وقوامها من العسكريين الشبان، وبنيت هذه المنظمة السرية على فكرة أن القضاء على الفساد والمصاعب الاقتصادية والأزمات الاجتماعية يتطلب تغييرا جذريا للنظام الحاكم بأكمله، ومن ثم استعادة السيادة الوطنية وتحقيق العدالة والتقدم.


المغامرة الانقلابية

نستطيع القول بوجه عام إن فنزويلا قد عرفت استقرارا اقتصاديا ومؤسسيا في الظاهر خلال فترة صبا "هوغو شافيز" وشبابه، على الرغم مما كان يعتمل في أعماق الجماهير العريضة من نقمة على الفساد وترسخ علاقات "الزبونية السياسية"، أو شراء الولاء مقابل المغانم الشخصية، مع اتساع فجوة الدخول واستشراء الفقر في بلد غني بالثروات الطبيعية ولكن المنهوبة بواسطة الاحتكارات الأمريكية والأوربية، فضلا عن استشراء الاعتقالات والتعذيب والقتل خارج القانون والاختفاء المادي للخصوم السياسيين. وكان السبب الرئيسي وراء ذلك الاستقرار الظاهري هو ارتفاع إيرادات النفط بعد حرب أكتوبر في الشرق الأوسط، حتى أنها زادت بنسبة 54% خلال السنوات 1975- 1979 . غير أن قيام المملكة السعودية والبلدان الخليجية بضخ كميات كبيرة من الخام في الأسواق العالمية بهدف إلحاق الضرر بالاقتصاد السوفييتي – بإيحاء غربي- وتدبير الأموال اللازمة لتمويل الحرب العراقية على إيران وبما يؤدي إلى احتواء الطرفين في الوقت نفسه... أدى إلى حدوث انخفاض كبير في أسعار النفط العالمية، ومن ثم انخفاض الإيرادات النفطية للدولة الفنزويلية. ولم تكن هذه الدولة قد أعدت العدة لظرف كهذا، بل إنها لم تفكر فيه بالمرة حيث كانت العوائد النفطية تتسرب بالدرجة الأولى إلى جيوب النخب الكمبرادورية الفاسدة (العميلة والوكيلة للإمبريالية) التي نعمت بتواطؤ سافر من السلطات القضائية، ولم يوجه من الريع النفطي المتدفق إلا النزر اليسير للمشروعات التنموية. وكانت النتيجة الطبيعية هي تفاقم الغليان السياسي والتوتر الاجتماعي في هذا البلد.

واضطرت حكومة "بيريز" في العام 1989 – وعلى العكس تماما من الوعود التي قطعها على نفسه في الحملة الانتخابية الرئاسية- إلى قبول تطبيق برامج التكيف الهيكلي سيئة السمعة والمرعيّة من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين، على أمل الحصول على الائتمانات الكفيلة باستعادة الاستقرار المالي إلى حين عودة الريع النفطي إلى سابق حاله. ومقابل هذا التزمت الحكومة بتطبيق وصفة مؤسستي بريتون وودز (صندوق النقد والبنك الدوليين)، فقامت بإجراء خفض كبير على اعتمادات الرفاه الاجتماعي، و"حررت" أسعار العديد من السلع الضرورية، فارتفعت أسعار الوقود بنسبة 100% والنقل العام 30%. وهو ما زاد من صعوبة حياة الأغلبية الساحقة من الفقراء، فانفجر السخط الشعبي في صورة الشغب العنيف الذي اندلع في العاصمة كاركاس يوم 27 فبراير 1989، وهو الأعنف من نوعه في تاريخ فنزويلا الحديث، وحيث كان في مصاف أول الاحتجاجات الشعبية العريضة في نصف الكرة الغربي ضد الإطلاقية والتلميع الدعائي الزائفين اللذين حظيت بهما نظريات السوق الحرة آنذاك، وهو الاحتجاج الذي تداعت آثاره في القارة بأكملها. وقد استمرت أعمال العنف الدامية التي عرفت باسم "كاركاسو" لمدة ثلاثة أيام، واستدعي الجيش لقمع الجماهير الناقمة، وقدر عدد ضحايا هذه المواجهات بحوالي ألف قتيل، ويمكن تشبيه هذه الأحداث بما وقع بمصر في يناير 1977 مع فارق أن الجيش المصري لم يقدم على قمع المواطنين. وقد نتج عن هذه الأحداث انتهاء حالة الاستقرار "الاستثنائي" الذي كانت تفخر به الحكومات الفنزويلية بين نظيراتها في أمريكا اللاتينية، وكذلك إزاحة الغطاء والمشروعية عن الأحزاب التقليدية التي تبين على أوضح صورة – ورغم ما يرفعه بعضها من شعارات براقة- مدى ابتعادها عن المصالح الأساسية للجماهير العريضة.

غير أن الثمن الأفدح كان ذلك الذي دفعه الجيش الفنزويلي من سمعته حيث كان موضع احترام نسبي من المواطنين – وهو جيش يختلف إلى حد ما عن جيوش أمريكا اللاتينية الأخرى كما سنرى في ما بعد- مما أصاب الضباط الوطنيين الشبان ذوي الميول الراديكالية بتمزق عميق، ومن بينهم "هوغو شافيز" الذي كان قبل عشر سنوات من تلك الأحداث قد نسج وراكم صلات وثيقة بين العسكريين الشبان والإصلاحيين المدنيين والتحالفات اليسارية، تجمعت حول مطالب العدالة الاجتماعية وإدماج المهمشين والسكان الأصليين والسود وغيرهم من المحرومين في إطار من الوطنية الفنزويلية. ونشير في الوقت نفسه إلى أن ترهل الأحزاب السياسية وفساد النخب المسيطرة قد أدى إلى نشوء العديد من المنظمات الجماهيرية المستقلة خارج إطار ثنائية الحزبين الكبيرين (العمل الديمقراطي والمسيحي الديمقراطي) اللذين تداولا وتشاركا في السلطة منذ العام 1958، وتبنت هذه المنظمات الكثير من القضايا والمطالب الشعبية الجزئية والمحلية والنوعية. وقد عرف شافيز أيضا كيف يقيم علاقات قوية بينها وبين تنظيمه العسكري السري.

قال شافيز عن محنته وقتذاك : "كنت مجرد ضابط أمامه مستقبل مهني طيب، وكل شيء بالنسبة له يسير على خير ما يرام، ولكن بعد كاركاسو بدأت أسأل نفسي : ماذا أفعل بسلاحي ولصدر من أوجهه؟ لقد كانت أزمة ضمير فظيعة.. هل أرمي سلاحي وأهرب وأتوقف عن أكون جنديا؟ أم أصوبه على الفلاحين الأشقياء؟ أم بوجه أولئك الذي وضعوا الشعب في هذا الموقف البائس؟ ولقد اخترت ورفاقي طريق بوليفار الذي قال : ملعون الجندي الذي يوجه سلاحه ضد شعبه" .

أقنعت أحداث كاركاس الدامية الضباط الشبان باستحالة حدوث التغيير المنشود عن طريق المؤسسات والفعاليات السياسية والدستورية القائمة، ومن ثم ضرورة الإسراع في "العمل المباشر" من أجل إنقاذ الشعب مما هو فيه، وبالتحديد اتخاذ الإجراءات العملية استعدادا لانقلاب عسكري- مدني تحدد له أولا أن يقع في ديسمبر 1991، ولكنه تأجل إلى مساء الرابع من فبراير 1992 حتى تكتمل الاستعدادات المناسبة على المستويين العسكري والمدني.

وفي ساعة الصفر المحددة قامت خمس وحدات تحت قيادة شافيز بدخول العاصمة مستهدفة الاستيلاء على المواقع العسكرية ومراكز الاتصال والسيطرة، وفي مقدمتها قصر "ميرافلوريس" الرئاسي ووزارة الدفاع وقاعدة "كارلوتا" الجوية، على أمل إنجاز الضربة الرئيسية في الانقلاب قبل عودة الرئيس "بيريز" من زيارة خارج فنزويلا. ولكن العملية الانقلابية سرعان ما تعثرت لأسباب عديدة منها الخيانات والتخطيط السيئ ، فضلا عن أن نجاح الانقلابات يحتاج كثيرا إلى عنصر "الحظ"، وهو لم يكن في جانب شافيز في هذه الليلة (قارن هذا بدور الحظ في ثورة 23 يوليو في مصر). فرغم أنه حصل على تأييد 10% من كتائب الجيش، فإن هذا لم يكن كافيا لترجيح ميزان القوى، وفي النهاية اضطر شافيز إلى التحصّن مع مجموعة صغيرة من مؤيديه في مقر المتحف التاريخي، وبدون أية وسيلة لنقل الأوامر إلى شبكة المتعاونين مع الانقلاب في مختلف أنحاء فنزويلا، كما فشل قادة الانقلاب في إذاعة بيانات مسجلة سابقا، ومنها بيان لشافيز نفسه، تدعو إلى انتفاضة مدنية عامة ضد "بيريز". ورغم نجاح المتمردين في تحقيق نجاح سريع في مدن أخرى كبيرة مثل فالنسيا وماراكيبو وماراساي، فإن الفشل الرئيسي كان في كاركاس.

لقي أربعة عشر جنديا مصرعهم وأصيب حوالى خمسين عسكريا وثمانين مدنيا. وسلّم شافيز ومن معه أنفسهم، وطلب منه أن يلقي كلمة في التلفزيون ليدعو بقية الفصائل الثائرة إلى إيقاف القتال. تصورت السلطة أنها بهذا ستقضي على الانقلاب وعليه نهائيا، ولكنها في حقيقة الأمر كانت الفرصة الذهبية لكي يرى الجمهور هذا القائد شامخا، يعترف بمسئوليته عن التقصير في بلد اعتاد أعضاء نخبته على التهرب من الإقرار بأية مسئولية عن أخطائهم وجرائمهم، كما كشفت شجاعته الفائقة عن قائد جسور تمرد على حكومة لا يؤيدها أحد سوى المنتفعين من ورائها.

ورغم قصر الكلمة التى ألقاها فقد كانت البداية الحقيقية لصعوده السياسي. قال شافيز بالحرف الواحد :
"أيها الرفاق، لسوء الحظ فإن الأهداف التى أخذنا على عاتقنا تنفيذها في العاصمة لم تنجز حتى اللحظة، أي أننا لم نستطع الاستيلاء على السلطة في كاركاس. وأقول لكم أينما كنتم : لقد أبليتم بلاء حسنا، ولكن الوقت الآن هو وقت إعادة التفكير، فسوف تنشأ مرة أخرى إمكانيات جديدة، وسيكون البلد قادرا على المضي قدما حتى النهاية من أجل مستقبل أفضل".

ألهبت كلمته حماس فقراء فنزويلا كبطل ضد الفساد والنهب والاستغلال. وذهب شافيز إلى سجن "ياري"، حيث تعرض بصره للخطر رغم العلاج والعمليات الجراحية. ولم يمر عليه عام في محبسه حتى عزل الرئيس "بيريز" من منصبه، ومن المثير أن كل المترشحين للرئاسة في الانتخابات التي أجريت عام 1993 قد وعدوا في حملاتهم الانتخابية بالإفراج عن شافيز ورفاقه، وهو ما يبين إلى أي درجة وصلت شعبيته.

في السجن تأمّل شافيز كثيرا في أسباب فشل الانقلاب. وبعيدا عن الأسباب الفنية التي يمكن استدعاؤها في مثل هذه الحالات أو تبادل الاتهامات بين المتمردين، تمعّن أكثر في فكرة الحلف المدني – العسكري، وأدرك المصاعب التي تمثلها سرية التخطيط العسكري، والتي تتناقض وطابع التحركات الشعبية التلقائي والفضفاض. ومن العلامات المهمة في هذا الوقت أن استطلاعات أجريت على مواقف الرأي العام الفنزويلي بعد الانقلاب أفادت بأن 59% من المدنيين يؤيدون انقلابا عسكريا يهدف إلى إحداث تغيير اجتماعي طالما استمر احتكار الحزبين الكبيرين للسلطة، ومن ثم انسداد أفق التغيير واستمرار عذابات الشعب، ولكن أغلبية كبيرة مع ذلك لا تؤيد الحكم العسكري .

ومن المؤكد أن شافيز قد أيقن انتهاء دوره الشخصي المباشر في المؤسسة العسكرية، ومن ثم لن يمكنه مثلا تكرار التجربة البيرونية في الأرجنتين، وأنه كمدني من الآن فصاعدا يجب أن يتحول إلى النضال السياسي الديمقراطي، وأن يستثمر الهوامش التي تتيحها الليبرالية السياسية كي يبنى تحالفا شعبيا واسعا يكون قادرا على إنجاز التغيير المطلوب، وفي الوقت نفسه لم يتجاهل شافيز، بل حبّذ، إمكانية إدراج الكوادر الثورية والوطنية في الجيش في عملية الثورة البوليفارية، وخاصة في مرحلة ما بعد الوصول إلى السلطة، كتأمين للثورة وتوحيد للشعب. كما أدرك شافيز مبكرا الميل الشعبي إلى الحركات الجماهيرية الواسعة التي تتصف بالمرونة التنظيمية والالتصاق بالقضايا الاجتماعية المباشرة والجزئية أيضا.

الصعود العاصف

لم يمر وقت طويل على شافيز في السجن، ففي 26 مارس 1994 أصدر الرئيس "كالديرا" قرارا بالعفو عنه على أمل تهدئة الخواطر الشعبية، وبحثا عن شعبية في ظل الانقسامات والتفسخات التي أصابت منظومة حكم الحزبين الكبيرين التي أرستها اتفاقية "بونتو فيخو" والمستقرة منذ 1958، والتي عمقت الديمقراطية "المقيدة" والفساد السياسي. جدير بالذكر أن هذه المنظومة كانت في مقدمة "قصص النجاح" التي روّج لها الغرب حيث ضمنت له استقرار مصالحه، ووصفها "صمويل هنتنغتون" بأنها "حالة مدرسية للتقدم خطوة خطوة".

في غضون سنوات قلائل أصبح شافيز هو الرئيس القادم لفنزويلا، وهي مفارقة كبيرة حيث كان صندوق الاقتراع هو الطريق الناجع للانقلابي السابق كي يصل إلى قمة السلطة مستندا على قاعدة مدنية وعسكرية واسعة، وليضع نهاية غير سعيدة لحكم النخبة الفاسدة. وإذا كانت الدكتاتورية العسكرية السافرة من أهم وسائل السيطرة الأمريكية وإدامة الاستغلال في أمريكا اللاتينية، فإن دكتاتورية أحزاب النخبة المرتدية لثياب الديمقراطية الليبرالية لم تكن أقل أهمية في سياقات مجتمعية محددة في بعض بلدان القارة.

ومع ذلك فقد تسببت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية في إلحاق الضعف بتلك المنظومة شبه المنغلقة، بقدر ما تسببت في تفاقم السخط الشعبي بين الفقراء والمهمشين في الريف وعشوائيات الحضر، بل ليشمل مختلف فئات البرجوازية الصغيرة وقطاعات من البرجوازية المتوسطة. وفي استطلاع أجري عام 1995 أيد 94% من عينة المستجوبين القول بأنه "لو كانت فنزويلا قد حكمت بنزاهة، وصفي الفساد، لكان هناك ما يكفي من النقود للجميع". وهذا هو الوضع الثوري الذى أمكن أن يفرز رئاسة شافيز.

أراد بعض المحللين أن يحرم شافيز من ميزة الإيجابية السياسية لشخصه وبرنامجه، ومن الحب الذي يتمتع به بين قطاعات واسعة من شعبه، فادعى أنه قد حصل على "ولاية سلبية"، فحينما أتت انتخابات الرئاسة عام 1998 كان الإحباط والغضب قد بلغ مبلغه من المواطنين البسطاء إزاء الأحزاب السياسية التقليدية، "حتى أصبحوا يرفضون كل شيء له مظهر أو صوت أو رائحة السياسة القديمة"، وأن فنزويلا كان يكتسحها مزاج ثوري يعرف بالضبط ما لا يريده، ومن ثم فقد انتخبت شافيز لتصفية الأحزاب السياسية التقليدية وتحطيم النظام القديم. وهو حديث لا يصمد طويلا أمام النسب المئوية التاريخية التى نالها شافيز عبر عدة انتخابات واستفتاءات شهدت جميع المؤسسات والمنظمات الدولية وقسم كبير من المعارضة نفسها بنزاهتها التامة.

وبغض النظر عن أي شيء فإنه لا يعيب شافيز مطلقا الاستفادة من هذه النقمة الشعبية، خاصة مع نجاحه في الحفاظ على مستوى التعبئة الشعبية وراء برامجه كل تلك السنوات، وكان شعاره عن "الجمهورية الخامسة" التي تعالج علل ما سبقها على أسس دستورية جديدة، وإنهاء التبعية للولايات المتحدة، كان شعارا ملهما وصادق التعبير عن الرغبة في القطيعة مع الماضي. ومن الجدير بالذكر أن العداء للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية شديد الارتباط بالقضايا الاجتماعية والسياسية الداخلية. وهو ما ألمح إليه محلل أمريكي معروف بقوله: "إن صناع القرار الأمريكي قد دأبوا على التغاضي عن الدرس الأهم الذي ينطوي عليه صعود شافيز إلى السلطة، وهو الفشل المحقق للسياسات الأمريكية في التعامل مع المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في الإقليم، وبخاصة الإقصاء الاجتماعي وتفشي الفقر".

إن الشعب الفنزويلي لم يخطئ في تحديد المتسببين في الأزمة الشاملة التي يمر بها المجتمع، وأدرك بفطرته وخبرته العلاقة القوية بين الولايات المتحدة والنخبة الحاكمة من جانب، وما يمر به من إفقار وإقصاء وبطالة وتضخم وانهيار في الإنفاق الاجتماعي. ولم يخطئ أيضا في اختيار من يخرجه من تلك الأزمة.

كان شافيز بمجرد خروجه من السجن قد شرع في تطوير "حركة 200 البوليفارية الثورية" بمساعدة ضباط سابقين آخرين ومثقفين وسياسيين يساريين انخرط بعضهم من قبل في حرب العصابات، وفي مقدمتهم البروفيسور "جورجي جيورداني" والقائد الشيوعي السابق "لويس ميكولينا"، ليفسح الطريق في النهاية لتأسيس "حركة الجمهورية الخامسة" التي جاءت بشافيز إلى السلطة بمساعدة ائتلاف عريض من المنظمات والحركات اليسارية الصغيرة.

في حملته الانتخابية ركز شافيز على مكافحة الفقر والفساد وعدم السماح بعودة دكتاتورية النخب الحزبية مرة أخرى، وصاغ هذا كله في إطار بوليفاري. كما تجلت القدرة الخطابية الفريدة لدى الضابط السابق، حيث اتسمت خطاباته بطابع ارتجالي محبب للمزاج الشعبي، وهو لم يتقصّد هذا لأنه بالفعل المزاج الشخصي جدا له. وزادت شعبية شافيز خلال الحملة الانتخابية بسرعة غير معتادة من 30% في استطلاعات مايو 1998 إلى 39% في أغسطس، ثم كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية في ديسمبر صاعقة للنخبة الحاكمة وظهيرها الخارجي (الولايات المتحدة)، حيث حصل "شافيز" على 56,2% من أصوات الناخبين، والهدف من ذكر هذه النسب بيان مدى فعالية خطاب شافيز وبرنامجه، وقبل هذا بيان مدى التفاعل "الكيميائي" بين شخصه وبين جماهير عريضة تتطلع إلى بطل من نوع جديد، ومن هذا التواصل الحميم تبلورت ونضجت أكثر "كاريزما" شافيز التي يعرفها العالم كله الآن.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,935,018,057
- عن شعبوية شافيز وغموض السيسي
- من كتيبة المجهولين- اليساري بالسليقة
- مستقبل مغامرة السيسي
- لا تكرروا خطيئة التحالف مع الشاطر إخوان
- فريق رائع
- من غير لف ودوران
- دليلك إلى القيادي الشرير
- وحزب يساري جديد في مصر..
- ثورة من جديد ؟!
- وحدة اليسار المصري بين السراب والممكن
- حديث طريف.. وكله عِبَر
- مينا دانيال.. بطل من مصر
- مسألة السيسي بين الاستقالة أو الاغتيال
- كي لا تفشل الثورة المصرية
- مظاهرة الزيتون
- غابت البوصلة والطليعة فحضرت الكاريزما
- شعب ثائر وحكومة مرتعشة
- المجد للشعب المصري
- أيام مصر الخطيرة
- انقلاب عسكري أم انقلاب ثوري


المزيد.....




- الكشري طبق مصري ولكن من أصل مختلف .. فما هو؟
- مورغيني لـCNN عن -نووي إيران-: هل الحرب هي البديل؟
- رئيس وزراء قطر الاسبق يغرد عن طريقة تعامل الشيخ تميم مع أزمة ...
- خيبة أمل أمريكية من خطة الالتفاف على العقوبات على إيران
- اغتيال الناشطة الحقوقية العراقية سعاد العلي
- شاهد: سلاح الجو الهندي ينقذ شخصين ألمانيين علقا في عاصفة ثلج ...
- هل تحد طريقة تفكيرك من الخسائر أم تعمق الجراح؟
- اغتيال الناشطة الحقوقية العراقية سعاد العلي
- شاهد: سلاح الجو الهندي ينقذ شخصين ألمانيين علقا في عاصفة ثلج ...
- -مراسلون بلا حدود- تدين مصادرة صحيفة مصرية معارضة


المزيد.....

- مدخل إلى الفلسفة الماركسية 6-12 قوانين الديالكتيك.. / غازي الصوراني
- كيف يعمل يوسف الشاهد على تطبيق مقولة -آدام سميث- : «لا يمكن ... / عبدالله بنسعد
- آراء وقضايا / بير رستم
- حركة الطلاب المصريين فى السبعينات / رياض حسن محرم
- تقدم الصراع الطبقي في ظل تعمق الأزمة العامة للامبريالية / عبد السلام أديب
- كتاب -امام العرش مرة أخرى- / عادل صوما
- الطائفيّة كثورةٍ مضادّة السعوديّة و«الربيع العربيّ» / مضاوي الرشيد
- المثقف ودوره الاجتماعي: مقاربة نظرية المثقف العربي وتحديات ا ... / ثائر أبوصالح
- مفهوم الديمقراطية وسيرورتها في إسرائيل / ناجح شاهين
- فائض الشّباب العربيّ والعنف في تقارير التنمية البشرية العربي ... / ميسون سكرية


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى مجدي الجمال - الكاريزما من الانقلاب إلى الصندوق.. درس شافيز