أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله عنتار - عائد إلى القرية








المزيد.....

عائد إلى القرية


عبد الله عنتار

الحوار المتمدن-العدد: 4332 - 2014 / 1 / 12 - 02:16
المحور: الادب والفن
    



كان يتصفح الجريدة، وكان في قلبه حنين إلى ومضة نور التي هزت وطنه منذ ثلاث سنوات ؛ كان يقرأ سطرا تلو الآخر، وفي كل قراءة قرأ الأفول، لكنه يثق بميلاد البعث والنشور .
ركب الحافلة المتجهة إلى دواره ؛ كانت خالية خلو قلبه من العاطفة، انهمك في قراءة الجريدة، ومن حين لآخر كانت تتسلل بقايا رائحة الكيف إلى أعماقه، لم يكن يدخن، ولا فكر يوما في التدخين، وكانت والدته القروية تحذره من تبعاته، وفي نفس الوقت تضع خطا أحمرا بين تطلعه الدراسي، وبين الإدمان عليه، ففضل أن يتابع دراسته، وأحب العلم حد الشغف، فلم يفارق يوما كتابا أو مجلة أو جريدة...
كان الكتاب بالنسبة إليه قنطرة لفهم واقعه القروي، ولم يجد كتابا إلا ودفعه الفضول إلى القراءة، خاصة إذا تعلق بالقرية، كما أنه لم يبرح مكانه، وكان على الدوام مشاركا في الاحتجاج، ومؤمنا بالتغيير ؛ مضت الآن ثلاث سنوات على الحركة المجيدة التي اسمها : 20 من فبراير ؛ كانت تشكل بالنسبة إليه تجسيدا لأمانيه وأحلامه، لكن تلاشيها لا يعني موتها، بل هي حية بحياة هذا الشعب، وطالما هو يتعرض للإذلال والتجويع والتفقير، فإن حركة كتلك لن تخبو، ولن تموت، فمهما قهر الإنسان، ففي داخله حياة، وشيئا فشيئا تكبر كلما ضاقت السبل .
تخطو الحافلة، وبينما هو منهمك بين أسطر الجريدة، حتى يفاجئه رجل سبعيني بالقول :
- هذا أنت ! كيف حالك يا أستاذ .
رد عليه :
- أنا بخير وأنت كيف حالك يا عمي الحاج ؟
وبالقرب من الرجل، تقبع امرأة ثلاثينية تدعى يامنة، ولما رأته صاحت :
- عبد الإله ! لاباس
فأجابها :
- لاباس . كيدايرة يامنة لاباس عليك .
خرج من جو جريدته، وراح يتأمل من النافذة أحوال القرى المتناثرة، والمنازل المتكومة، ومن حين لآخر كان يتصفح وجوه الركاب، كانت الأمطار قد تأخرت، وكان وضع القرية كئيبا، بينما الركاب يطلقون حشرجات ملؤها الحزن والخيبة، وصاح رجل خمسيني :
- الله يرحمنا
فرد عليه الرجل السبعيني :
- البارحة قاموا بصلاة الاستسقاء حتى عرفوا أن الأمطار قادمة، وكل ما أخشاه أن يطرد نفاقهم الرذاذ الذي راح يتساقط ليلة أمس .
أطلق تقطيبة مبتسمة، واستشعر بذرة الوعي القروي، وربط بين ما قرأه في الجريدة، وما سمعه من أفواه القرويين الحانقين، وخلص أن الميلاد قادم . توقفت الحافلة، ونزل على عتبة قريته، وشهق شهقة عميقة، وبات ينظر بعيدا، ومن هناك تراءت له صخور منتصبة، ونباتات لم تفارق الأرض، أحس بجو مرح، فاستقبلته القرية كالشمعة المنبثة في ظلام بهيم . رفع محفظته، وأمسك بجزمته، وانطلق مع الطريق المتربة العابرة للدوار .
الطريق مازالت كما هي مثلما تركها آخر مرة، كان يمشي بين المساكن القروية، ومن حين لآخر يقترب من منزلهم الريفي، وكلما اقترب يكبر في عينيه مثلما يكبر في قلبه وهو بعيد عنه .
الطريق ليست طريقا نحو الريف المثخن بالجراح، بل هي طريق نحو الحرية والعدالة ؛ لم يسر يوما عبر تلك الطريق، إلا وفكر في جروح القرية وآلامها، وما أحوجه الآن أن يعود إليها، ولكن ليست عودة فقط، بل هي عودة للذهاب ثانية .
اقترب من جدول مائي صغير، وانعرج في منعطف من منعطفات قريته، فخرج طفل صغير وتوجه نحوه، وقف وقفة ملؤها الجلال حيال الطفل، وراح يقبله ؛ وقف الطفل لبرهة، ولم يتسن له لكي يداعبه على خدوده ؛ نظرا إلى بعضهما البعض، فواصل هو سيره، بينما الطفل واصل سيره في الجهة المقابلة .
نظر إلى الخطاف الرابض على السلك الكهربائي، افتتن به، التفت إلى الخلف، فرأى الطفل انطمر في الطريق، أما هو فقد هام بين الرعاة، وانغمر في عمق الريف على إيقاع صمت رهيب .
عبد الله عنتار / 11 يناير 2014 /
بنسليمان – المغرب





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,477,317,624
- حمى الاستسلام
- دروب التيه
- نشيج الكلمات
- منزلنا الريفي (29)
- منزلنا الريفي (28)
- منزلنا الريفي (27)
- منزلنا الريفي (26)
- منزلنا الريفي ( 25 )
- منزلنا الريفي (24)
- منزلنا الريفي (23)
- منزلنا الريفي (22)
- منزلنا الريفي ( 21 )
- منزلنا الريفي ( 20 )
- قناني الحياة
- شرارة وعي من داخل التيه من أجل التيه - قراءة تفكيكية في أعما ...
- منزلنا الريفي ( 19 )
- شحوب وغروب
- منزلنا الريفي ( 18 )
- منزلنا الريفي ( 17 )
- منزلنا الريفي ( 16 )


المزيد.....




- رانيا يوسف تثير الجدل مجددا بفيديو رقص -مثير-!
- من -الحماية الروحية- إلى -الكجور- النوبي... تعرف على ثقافة ق ...
- صدر حديثًا «الموت بطعم النفط»، للباحثة والكاتبة الصحفية رشا ...
- شاهد: أوكرانيا تستبدل الاستعراض العسكري في عيد الاستقلال بمو ...
- الحفل الدرامي لـ -سولكينغ- يطيح بوزيرة الثقافة وقائد الأمن
- الإعلان عن تقديم جزء ثاني من أول فيلم عرضته سينمات السعودية ...
- ميادة الحناوي تلغي حفلا في لبنان وتكشف عن السبب
- في الجزائر.. استقالة وزيرة الثقافة وإقالة مفاجئة لمدير الشرط ...
- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية على خلفية مقتل خمسة أشخاص إث ...
- بعد حادثة التدافع.. وزيرة الثقافة الجزائرية تقدم استقالتها و ...


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله عنتار - عائد إلى القرية