أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - ملحمة جلجامش والمقدس















المزيد.....


ملحمة جلجامش والمقدس


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 4324 - 2014 / 1 / 2 - 21:49
المحور: الادب والفن
    


المقدس

بعد الحديث عن الديمقراطية تنقلنا الملحمة إلى حديث آخر شيق ويمثل المحرمات والمحضورات التي لا يمكن التكلم عنها ابدا، لكن في أجواء من الحرية والتفهم للآخر التي سادت في بلادنا، استطاع كاتب الملحمة تناول هذه المحضورات والمحرمات دون خوف من حساب أوعقاب السلطة، وهذا جانب إضافي للحرية التي تمتع بها سكان الهلال الخصيب في الماضي، وهو ما لم يكن متاح للآخرين الحديث عنه أو فيه أو حتى الإشارة إليه لا من قريب أو بعيد، وهنا دلالة قوية على استمرار الروح المتمردة والرافضة التي سادت في العصور الحضارية القديمة، وكذلك تأكيد على حرية الرأي وانفتاح العقل على كافة المسائل العقائدية والايدولوجية، فإذا سمح لنا عصر السومريين ومن جاء بعدهم بتناول المسائل العقائدية والفكرية وما يتبعها من عبادات بطريقة التحليل وإعادتها إلى المنطق العقلاني، فما بالنا نحن اليوم نغض بصرنا وبصيرتنا عن كثير من الأمور التي لم تعد تصلح لشيء، عند عرضها أمام المنطق ووضعها أمام التحليل والتفسير!.
أن الملحمة تؤكد المسار الرافض الذي لا يمكن أن يسلم للعادة أو للأفكار التقليدية السائدة، وتطرح فكرة التمرد، وتطالبنا بالفض والكف عن اخذ واعتناق واحترام المقدسات إذا خالفت وتعارضت مع فكر الإنسان، فهي ترفض أن يكون هناك شيء غامض على الإنسان، وتسعى إلى كشف الغموض وإزالة الغباش، وتريد أن تجعل من الإنسان موازيا وبمستوى القدسية، ذو هالة ومكانة رفيعة، من هنا تخبرنا الملحمة بأنه لا يوجد من هو أعظم من الإنسان الفاعل الذي يبحث عن التغير، واضعا كل الأفكار المثبطة وراء ظهره، ساعيا بكل عزيمة وإصرار نحو هدفه، وها هو جلجامش يصل إلى اوتنابشتم الخالد، ويخاطبه بهذا الشكل
" قال جلجامش له اوتنبشتم
ها أنذا جئت له لاوتنبشتم
الذي يلقبونه بالبعيد
طفت جميع البراري والقفار
اجتزت الجبال الشاهقة
عبرت جميع البحار
لم ينعم وجهي بالنوم الهنيء
قتلت الدب والضبع والأسد والنمر
والأيل والوعل وجميع حيوان البر
أكلت لحومها، اكتسيت بجلدها، وها أنا " فريحة ص64 و65
بداية اللقاء بين جلجامش واوتنابشتم الحاصل على الخلود من الآلهة كانت حاسمة، بدلا من ذكر أمجاد ومآثر اوتنبشتم المخلد يتكلم جلجامش عن أمجاده وبطولاته، متجاهلا الخالد وكأنه احد العامة الضائعين بين المجموع، أو ـ بحالة افضل ـ يتماثل معه في المكانة أن لم يكن اقل منه، جاءت كلمات جلجامش فيها العظمة لنفسه وتحمل السخرية أو الاستهتار لاوتنابشتم، وفحوى الكلمات "أنا البطل عبرت الجبال وبحر الظلمات وصرعت الأسود والوحوش وشاهدت المخلوقات العجيبة فمن هو اعظم مني؟، أنت يا اوتنابشتم البعيد وصلت إليك فأي منا العظيم؟"، وبعد هذه الكلمات يحاول اوتنابشتم أن يظهر حكمته أمام جلجامش فيتحدث عن مسار الحياة على الأرض، وكيف أن كل من عليها فان،
"من يبني بيوتا تدوم إلى الأبد؟
من يقطع عهدا يدوم إلى الأبد
الناس يرثون، يقتسمون، فأي ارث يدوم إلى الأبد
البغضاء، حتى البغضاء، أتبقى إلى الأبد؟" فريحة ص65
ولكن جلجامش يعرف هذه الحقائق ولا يريد من احد أن يذكره بها، ولهذا جاء إلى البعيد اوتنابشتم ليحصل منه على سر الخلود، فقد سمع الكثير عن استحالة الخلود، من بداية رحله إلى أن تمكن من مقابلة الخالد اوتنابشتم، ولهذا كان رد جلجامش قاسيا مدويا، يحمل الألم والرغبة والإصرار والانفعال معا
"انظر إليك يا اوتنابشتم
شكلك عادي، واراك مثلي
نعم شكلك عادي، واراك مثلي
قد صورك لي جناني بطلا على أهبة القتال
لكن ها أنت مضجع على جنبك أو قفاك" السواح ص204
لو اطلعنا على كافة الأدب القديم، لما وجدنا صورة تصغير للعظماء بهذا الشكل، فهذا الخالد يتلقى كلمات جافة وقاسية من إنسان من المفترض أن يفنى، والخالد بهذه الوضعية لا يستحق ما هو عليه من هالة وعظمة، وجاءت كلمات جلجامش مكررة "شكلك عادي واراك مثلي" لتوحي لنا بان اوتنابشتم أصيب بالاندهاش من طريقة مخاطبته، ولهذا أعاد على مسمعه عين الجملة، لقد أراد جلجامش بذلك أن يزيل التميز والتفرقة بين البشر، فإذا كان شكل اوتنابشتم مثل شكل جلجامش، فيجب أن يكون هناك مساواة بينهما، فلا يكون هناك من يفنى ويموت وآخر يبقى خالدا وإلى الأبد، وحتى لو كان هذا التفضيل صادر عن الآلهة، فهو مرفوض، ويجب إعادته إلى طريق الصواب، وحسب رغبة البشر، وهناك مطلب آخر لجلجامش يتمثل بان يكون التميز ـ أن وجد ـ على أساس القدرات والإرادة الفاعلية، وليس على أساس إرادة وثنية لا تفرق بين الفاعل والنائم .
من هنا نستطيع القول بان جلجامش أول من طالب بازلة التفرقة بين البشر، وان يكونوا متساوين في كل شيء، ولكي يثير جلجامش اوتنابشتم، خاطبه بكلمات هجاء مستخدما الحالة الراكدة والساكنة التي وجد بها اوتنابشتم، ولكي يزيل الهالة والهيبة التي يتمتع بها اوتنابشتم، وهذا ما تم فعلا، من خلال الاستغراب الذي أظهره جلجامش لمشاهدته ذلك الخالد مستلقيا على قفاه باستكانة، وإذا وضعنا الكلمات التي تحدث بها جلجامش عن أمجاده، مع ما خاطب به اوتنابشتم، نفهم منها الاتي ( أنا جلجامش الذي قام بأعمال البطولة الخارقة واستطعت الوصول إليك أيها الخالد البعيد، لكي أسالك عن سر الحياة، أجدك أدنى مني منزلة ) ولهذا كان استغراب جلجامش على الكيفية التي حصل بها على الخلود، مع انه اقل منه فاعلية وإرادة، ولهذا ألغى سؤاله عن سر الحياة لأنه وجد اوتنابشتم اقل من أن يعرف سر الحياة والموت، وسأله عن الكيفية التي حصل بها على الخلود
"قل لي كيف دخلت زمرة الآلهة وفزت بالخلود؟" فريحة ص67، هذا انقلاب كامل في مفهوم جلجامش عن الآلهة والنظام الذي تفرضه على البشر، وعلى اختيارها للنخب الخالدة، وهذا السؤال بمثابة رفض و تمرد و ثورة على القرارات التي تتخذها، فقد جاء التحول في موقف جلجامش وكأنه صفعة للآلهة ولاوتنابشتم أيضا، وإذا عدنا إلى النص الملحمي نجد جلجامش أكثر حضورا واقناعا من اوتنابشتم، وهذا عامل إضافي يضاف إلى الحيوية الفكرية التي تطرحها الملحمة، فهي كانت تسمو بالإنسان إلى أعلى عليين، متجاوزة القديسين وبقاءهم في حالتهم الساكنة بدون فاعلية أو تأثير، ونعتقد بان كاتب النص الملحمي يريدنا أن لا نهتم كثيرا بالقصص والبطولات التي تم انجازها في غابر الزمن، فنحن قادرون على تحقيق ما هو أعظم منها بكثير، إذا امتلكنا عقلية جلجامش المتمردة وإرادته الصلبة، وهذا ما تم للإنسان جلجامش الذي تفوق على الخالد اوتنابشتم من خلال انجازاته وبطولاته .


المقدس

بعد الحديث عن الديمقراطية تنقلنا الملحمة إلى حديث آخر شيق ويمثل المحرمات والمحضورات التي لا يمكن التكلم عنها ابدا، لكن في أجواء من الحرية والتفهم للآخر التي سادت في بلادنا، استطاع كاتب الملحمة تناول هذه المحضورات والمحرمات دون خوف من حساب أوعقاب السلطة، وهذا جانب إضافي للحرية التي تمتع بها سكان الهلال الخصيب في الماضي، وهو ما لم يكن متاح للآخرين الحديث عنه أو فيه أو حتى الإشارة إليه لا من قريب أو بعيد، وهنا دلالة قوية على استمرار الروح المتمردة والرافضة التي سادت في العصور الحضارية القديمة، وكذلك تأكيد على حرية الرأي وانفتاح العقل على كافة المسائل العقائدية والايدولوجية، فإذا سمح لنا عصر السومريين ومن جاء بعدهم بتناول المسائل العقائدية والفكرية وما يتبعها من عبادات بطريقة التحليل وإعادتها إلى المنطق العقلاني، فما بالنا نحن اليوم نغض بصرنا وبصيرتنا عن كثير من الأمور التي لم تعد تصلح لشيء، عند عرضها أمام المنطق ووضعها أمام التحليل والتفسير!.
أن الملحمة تؤكد المسار الرافض الذي لا يمكن أن يسلم للعادة أو للأفكار التقليدية السائدة، وتطرح فكرة التمرد، وتطالبنا بالفض والكف عن اخذ واعتناق واحترام المقدسات إذا خالفت وتعارضت مع فكر الإنسان، فهي ترفض أن يكون هناك شيء غامض على الإنسان، وتسعى إلى كشف الغموض وإزالة الغباش، وتريد أن تجعل من الإنسان موازيا وبمستوى القدسية، ذو هالة ومكانة رفيعة، من هنا تخبرنا الملحمة بأنه لا يوجد من هو أعظم من الإنسان الفاعل الذي يبحث عن التغير، واضعا كل الأفكار المثبطة وراء ظهره، ساعيا بكل عزيمة وإصرار نحو هدفه، وها هو جلجامش يصل إلى اوتنابشتم الخالد، ويخاطبه بهذا الشكل
" قال جلجامش له اوتنبشتم
ها أنذا جئت له لاوتنبشتم
الذي يلقبونه بالبعيد
طفت جميع البراري والقفار
اجتزت الجبال الشاهقة
عبرت جميع البحار
لم ينعم وجهي بالنوم الهنيء
قتلت الدب والضبع والأسد والنمر
والأيل والوعل وجميع حيوان البر
أكلت لحومها، اكتسيت بجلدها، وها أنا " فريحة ص64 و65
بداية اللقاء بين جلجامش واوتنابشتم الحاصل على الخلود من الآلهة كانت حاسمة، بدلا من ذكر أمجاد ومآثر اوتنبشتم المخلد يتكلم جلجامش عن أمجاده وبطولاته، متجاهلا الخالد وكأنه احد العامة الضائعين بين المجموع، أو ـ بحالة افضل ـ يتماثل معه في المكانة أن لم يكن اقل منه، جاءت كلمات جلجامش فيها العظمة لنفسه وتحمل السخرية أو الاستهتار لاوتنابشتم، وفحوى الكلمات "أنا البطل عبرت الجبال وبحر الظلمات وصرعت الأسود والوحوش وشاهدت المخلوقات العجيبة فمن هو اعظم مني؟، أنت يا اوتنابشتم البعيد وصلت إليك فأي منا العظيم؟"، وبعد هذه الكلمات يحاول اوتنابشتم أن يظهر حكمته أمام جلجامش فيتحدث عن مسار الحياة على الأرض، وكيف أن كل من عليها فان،
"من يبني بيوتا تدوم إلى الأبد؟
من يقطع عهدا يدوم إلى الأبد
الناس يرثون، يقتسمون، فأي ارث يدوم إلى الأبد
البغضاء، حتى البغضاء، أتبقى إلى الأبد؟" فريحة ص65
ولكن جلجامش يعرف هذه الحقائق ولا يريد من احد أن يذكره بها، ولهذا جاء إلى البعيد اوتنابشتم ليحصل منه على سر الخلود، فقد سمع الكثير عن استحالة الخلود، من بداية رحله إلى أن تمكن من مقابلة الخالد اوتنابشتم، ولهذا كان رد جلجامش قاسيا مدويا، يحمل الألم والرغبة والإصرار والانفعال معا
"انظر إليك يا اوتنابشتم
شكلك عادي، واراك مثلي
نعم شكلك عادي، واراك مثلي
قد صورك لي جناني بطلا على أهبة القتال
لكن ها أنت مضجع على جنبك أو قفاك" السواح ص204
لو اطلعنا على كافة الأدب القديم، لما وجدنا صورة تصغير للعظماء بهذا الشكل، فهذا الخالد يتلقى كلمات جافة وقاسية من إنسان من المفترض أن يفنى، والخالد بهذه الوضعية لا يستحق ما هو عليه من هالة وعظمة، وجاءت كلمات جلجامش مكررة "شكلك عادي واراك مثلي" لتوحي لنا بان اوتنابشتم أصيب بالاندهاش من طريقة مخاطبته، ولهذا أعاد على مسمعه عين الجملة، لقد أراد جلجامش بذلك أن يزيل التميز والتفرقة بين البشر، فإذا كان شكل اوتنابشتم مثل شكل جلجامش، فيجب أن يكون هناك مساواة بينهما، فلا يكون هناك من يفنى ويموت وآخر يبقى خالدا وإلى الأبد، وحتى لو كان هذا التفضيل صادر عن الآلهة، فهو مرفوض، ويجب إعادته إلى طريق الصواب، وحسب رغبة البشر، وهناك مطلب آخر لجلجامش يتمثل بان يكون التميز ـ أن وجد ـ على أساس القدرات والإرادة الفاعلية، وليس على أساس إرادة وثنية لا تفرق بين الفاعل والنائم .
من هنا نستطيع القول بان جلجامش أول من طالب بازلة التفرقة بين البشر، وان يكونوا متساوين في كل شيء، ولكي يثير جلجامش اوتنابشتم، خاطبه بكلمات هجاء مستخدما الحالة الراكدة والساكنة التي وجد بها اوتنابشتم، ولكي يزيل الهالة والهيبة التي يتمتع بها اوتنابشتم، وهذا ما تم فعلا، من خلال الاستغراب الذي أظهره جلجامش لمشاهدته ذلك الخالد مستلقيا على قفاه باستكانة، وإذا وضعنا الكلمات التي تحدث بها جلجامش عن أمجاده، مع ما خاطب به اوتنابشتم، نفهم منها الاتي ( أنا جلجامش الذي قام بأعمال البطولة الخارقة واستطعت الوصول إليك أيها الخالد البعيد، لكي أسالك عن سر الحياة، أجدك أدنى مني منزلة ) ولهذا كان استغراب جلجامش على الكيفية التي حصل بها على الخلود، مع انه اقل منه فاعلية وإرادة، ولهذا ألغى سؤاله عن سر الحياة لأنه وجد اوتنابشتم اقل من أن يعرف سر الحياة والموت، وسأله عن الكيفية التي حصل بها على الخلود
"قل لي كيف دخلت زمرة الآلهة وفزت بالخلود؟" فريحة ص67، هذا انقلاب كامل في مفهوم جلجامش عن الآلهة والنظام الذي تفرضه على البشر، وعلى اختيارها للنخب الخالدة، وهذا السؤال بمثابة رفض و تمرد و ثورة على القرارات التي تتخذها، فقد جاء التحول في موقف جلجامش وكأنه صفعة للآلهة ولاوتنابشتم أيضا، وإذا عدنا إلى النص الملحمي نجد جلجامش أكثر حضورا واقناعا من اوتنابشتم، وهذا عامل إضافي يضاف إلى الحيوية الفكرية التي تطرحها الملحمة، فهي كانت تسمو بالإنسان إلى أعلى عليين، متجاوزة القديسين وبقاءهم في حالتهم الساكنة بدون فاعلية أو تأثير، ونعتقد بان كاتب النص الملحمي يريدنا أن لا نهتم كثيرا بالقصص والبطولات التي تم انجازها في غابر الزمن، فنحن قادرون على تحقيق ما هو أعظم منها بكثير، إذا امتلكنا عقلية جلجامش المتمردة وإرادته الصلبة، وهذا ما تم للإنسان جلجامش الذي تفوق على الخالد اوتنابشتم من خلال انجازاته وبطولاته .


المقدس

بعد الحديث عن الديمقراطية تنقلنا الملحمة إلى حديث آخر شيق ويمثل المحرمات والمحضورات التي لا يمكن التكلم عنها ابدا، لكن في أجواء من الحرية والتفهم للآخر التي سادت في بلادنا، استطاع كاتب الملحمة تناول هذه المحضورات والمحرمات دون خوف من حساب أوعقاب السلطة، وهذا جانب إضافي للحرية التي تمتع بها سكان الهلال الخصيب في الماضي، وهو ما لم يكن متاح للآخرين الحديث عنه أو فيه أو حتى الإشارة إليه لا من قريب أو بعيد، وهنا دلالة قوية على استمرار الروح المتمردة والرافضة التي سادت في العصور الحضارية القديمة، وكذلك تأكيد على حرية الرأي وانفتاح العقل على كافة المسائل العقائدية والايدولوجية، فإذا سمح لنا عصر السومريين ومن جاء بعدهم بتناول المسائل العقائدية والفكرية وما يتبعها من عبادات بطريقة التحليل وإعادتها إلى المنطق العقلاني، فما بالنا نحن اليوم نغض بصرنا وبصيرتنا عن كثير من الأمور التي لم تعد تصلح لشيء، عند عرضها أمام المنطق ووضعها أمام التحليل والتفسير!.
أن الملحمة تؤكد المسار الرافض الذي لا يمكن أن يسلم للعادة أو للأفكار التقليدية السائدة، وتطرح فكرة التمرد، وتطالبنا بالفض والكف عن اخذ واعتناق واحترام المقدسات إذا خالفت وتعارضت مع فكر الإنسان، فهي ترفض أن يكون هناك شيء غامض على الإنسان، وتسعى إلى كشف الغموض وإزالة الغباش، وتريد أن تجعل من الإنسان موازيا وبمستوى القدسية، ذو هالة ومكانة رفيعة، من هنا تخبرنا الملحمة بأنه لا يوجد من هو أعظم من الإنسان الفاعل الذي يبحث عن التغير، واضعا كل الأفكار المثبطة وراء ظهره، ساعيا بكل عزيمة وإصرار نحو هدفه، وها هو جلجامش يصل إلى اوتنابشتم الخالد، ويخاطبه بهذا الشكل
" قال جلجامش له اوتنبشتم
ها أنذا جئت له لاوتنبشتم
الذي يلقبونه بالبعيد
طفت جميع البراري والقفار
اجتزت الجبال الشاهقة
عبرت جميع البحار
لم ينعم وجهي بالنوم الهنيء
قتلت الدب والضبع والأسد والنمر
والأيل والوعل وجميع حيوان البر
أكلت لحومها، اكتسيت بجلدها، وها أنا " فريحة ص64 و65
بداية اللقاء بين جلجامش واوتنابشتم الحاصل على الخلود من الآلهة كانت حاسمة، بدلا من ذكر أمجاد ومآثر اوتنبشتم المخلد يتكلم جلجامش عن أمجاده وبطولاته، متجاهلا الخالد وكأنه احد العامة الضائعين بين المجموع، أو ـ بحالة افضل ـ يتماثل معه في المكانة أن لم يكن اقل منه، جاءت كلمات جلجامش فيها العظمة لنفسه وتحمل السخرية أو الاستهتار لاوتنابشتم، وفحوى الكلمات "أنا البطل عبرت الجبال وبحر الظلمات وصرعت الأسود والوحوش وشاهدت المخلوقات العجيبة فمن هو اعظم مني؟، أنت يا اوتنابشتم البعيد وصلت إليك فأي منا العظيم؟"، وبعد هذه الكلمات يحاول اوتنابشتم أن يظهر حكمته أمام جلجامش فيتحدث عن مسار الحياة على الأرض، وكيف أن كل من عليها فان،
"من يبني بيوتا تدوم إلى الأبد؟
من يقطع عهدا يدوم إلى الأبد
الناس يرثون، يقتسمون، فأي ارث يدوم إلى الأبد
البغضاء، حتى البغضاء، أتبقى إلى الأبد؟" فريحة ص65
ولكن جلجامش يعرف هذه الحقائق ولا يريد من احد أن يذكره بها، ولهذا جاء إلى البعيد اوتنابشتم ليحصل منه على سر الخلود، فقد سمع الكثير عن استحالة الخلود، من بداية رحله إلى أن تمكن من مقابلة الخالد اوتنابشتم، ولهذا كان رد جلجامش قاسيا مدويا، يحمل الألم والرغبة والإصرار والانفعال معا
"انظر إليك يا اوتنابشتم
شكلك عادي، واراك مثلي
نعم شكلك عادي، واراك مثلي
قد صورك لي جناني بطلا على أهبة القتال
لكن ها أنت مضجع على جنبك أو قفاك" السواح ص204
لو اطلعنا على كافة الأدب القديم، لما وجدنا صورة تصغير للعظماء بهذا الشكل، فهذا الخالد يتلقى كلمات جافة وقاسية من إنسان من المفترض أن يفنى، والخالد بهذه الوضعية لا يستحق ما هو عليه من هالة وعظمة، وجاءت كلمات جلجامش مكررة "شكلك عادي واراك مثلي" لتوحي لنا بان اوتنابشتم أصيب بالاندهاش من طريقة مخاطبته، ولهذا أعاد على مسمعه عين الجملة، لقد أراد جلجامش بذلك أن يزيل التميز والتفرقة بين البشر، فإذا كان شكل اوتنابشتم مثل شكل جلجامش، فيجب أن يكون هناك مساواة بينهما، فلا يكون هناك من يفنى ويموت وآخر يبقى خالدا وإلى الأبد، وحتى لو كان هذا التفضيل صادر عن الآلهة، فهو مرفوض، ويجب إعادته إلى طريق الصواب، وحسب رغبة البشر، وهناك مطلب آخر لجلجامش يتمثل بان يكون التميز ـ أن وجد ـ على أساس القدرات والإرادة الفاعلية، وليس على أساس إرادة وثنية لا تفرق بين الفاعل والنائم .
من هنا نستطيع القول بان جلجامش أول من طالب بازلة التفرقة بين البشر، وان يكونوا متساوين في كل شيء، ولكي يثير جلجامش اوتنابشتم، خاطبه بكلمات هجاء مستخدما الحالة الراكدة والساكنة التي وجد بها اوتنابشتم، ولكي يزيل الهالة والهيبة التي يتمتع بها اوتنابشتم، وهذا ما تم فعلا، من خلال الاستغراب الذي أظهره جلجامش لمشاهدته ذلك الخالد مستلقيا على قفاه باستكانة، وإذا وضعنا الكلمات التي تحدث بها جلجامش عن أمجاده، مع ما خاطب به اوتنابشتم، نفهم منها الاتي ( أنا جلجامش الذي قام بأعمال البطولة الخارقة واستطعت الوصول إليك أيها الخالد البعيد، لكي أسالك عن سر الحياة، أجدك أدنى مني منزلة ) ولهذا كان استغراب جلجامش على الكيفية التي حصل بها على الخلود، مع انه اقل منه فاعلية وإرادة، ولهذا ألغى سؤاله عن سر الحياة لأنه وجد اوتنابشتم اقل من أن يعرف سر الحياة والموت، وسأله عن الكيفية التي حصل بها على الخلود
"قل لي كيف دخلت زمرة الآلهة وفزت بالخلود؟" فريحة ص67، هذا انقلاب كامل في مفهوم جلجامش عن الآلهة والنظام الذي تفرضه على البشر، وعلى اختيارها للنخب الخالدة، وهذا السؤال بمثابة رفض و تمرد و ثورة على القرارات التي تتخذها، فقد جاء التحول في موقف جلجامش وكأنه صفعة للآلهة ولاوتنابشتم أيضا، وإذا عدنا إلى النص الملحمي نجد جلجامش أكثر حضورا واقناعا من اوتنابشتم، وهذا عامل إضافي يضاف إلى الحيوية الفكرية التي تطرحها الملحمة، فهي كانت تسمو بالإنسان إلى أعلى عليين، متجاوزة القديسين وبقاءهم في حالتهم الساكنة بدون فاعلية أو تأثير، ونعتقد بان كاتب النص الملحمي يريدنا أن لا نهتم كثيرا بالقصص والبطولات التي تم انجازها في غابر الزمن، فنحن قادرون على تحقيق ما هو أعظم منها بكثير، إذا امتلكنا عقلية جلجامش المتمردة وإرادته الصلبة، وهذا ما تم للإنسان جلجامش الذي تفوق على الخالد اوتنابشتم من خلال انجازاته وبطولاته .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,433,556
- ملحمة جلجامش
- عودة الوعي لتوفيق الحكيم
- غالي شكري واسرار الارشيف الثقافي السري
- اعمدة الحكمة السبعة
- ( النص القرآني) السحر والدين
- جزر منعزلة أم جغرافيا واحدة
- النص القرآني) يعقوب واولاده عليهم السلام
- النص القرآني (اول الكتب السماوية)
- ( النص القرآني ) عدم نضوج علم الكتابة
- مدخل الى النص القرآني
- أيهما خطر الكيماوي العربي أم النووي الإيرني؟
- الدين بين التطور والنزول من السماء
- الماركسية والدين
- الثورة العرابية لرفعت السعيد
- السادات والبحث عن الذات
- غطاء العقل العربي
- الثابت والمتحرك والعقل العربي
- أوراق بعيدة عن دجلة
- المسألة الطائفية في مصر
- الفدائي الصغير بين الشكل الأدبي والمضمون


المزيد.....




- بنشعبون أمام البرلمان لتقديم حصيلة تنفيذ قانون المالية
- بعد أزمة الملاحة البحرية في الخليج.. بوريطة يكشف موقف المملك ...
- كودار يقاضي بنشماس ويطعن في قرار طرده من البام
- كواليس: جليل القيسي وتواضع الفنان!
- كاريكاتير العدد 4476
- ميكائيل عكار -بيكاسو الصغير- الذي أذهل الوسط الفني في ألماني ...
- شاهد.. بعد هوس فيس آب.. تطبيق جديد يرسم صورتك بريشة كبار الف ...
- الوداد يتعاقد مع مدافع الكوكب المراكشي
- الكتابة عن الحب والجنس.. هل كان الفقهاء أكثر حرية من الأدباء ...
- 5 أفلام حطمت مبيعات شبابيك التذاكر


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - ملحمة جلجامش والمقدس