أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله عنتار - منزلنا الريفي (27)















المزيد.....

منزلنا الريفي (27)


عبد الله عنتار

الحوار المتمدن-العدد: 4315 - 2013 / 12 / 24 - 07:19
المحور: الادب والفن
    


الوجود الفارغ (2)...

تقبع فاطنة قرب باب السوق متسولة، تحني رأسها، وتترك يديها مفتوحتين لعموم المارة، وبين الفينة والأخرى تسمع جملة ملؤها الأنين :
- " عاالله و المومنين عاوني يعاونك الله " .
بقولها هذا تريد أن تقول :
- " إنني أتسول الله، وأنا ماضية نحوه، لكن أنت هو طريقي، فإذا ساندتني، فإن الله سيساندك " .
بتعبير آخر تريد أن تقول :
- " إنني أريد أن أصل إلى الله بواسطتك أنت ".
ولكنها في حقيقة الأمر تريد أن تقول عكس ذلك :
- " إنني أريد أن أصل إليك أنت، والله هو الوسيلة التي عبرها ألج " .
إن السؤال الذي يمكن أن نطرحه على فاطنة :
لماذا لا تتوجه إلى الله مباشرة دون مساعدتك أنت أيها الإنسان ؟ إنها لا تستطيع، فليس الله سوى كلمة للإيقاع بك، إن فاطنة لا تعدو كونها فخا منصوبا لقولبة هؤلاء الذين يتسمون بالوجود الفارغ الخالي من الوعي والكرامة والحرية والمسؤولية والالتزام ...
من تكون فاطنة ؟ هل هي فاطنة كما يعني اسمها ؟ ليس لفاطنة أي وجود، فهي ليست سوى إطار فارغ مثله مثل الأشياء المترامية قرب الجدار، وإلا لما رددت تلك العبارة : " عالله والمومنين عاوني يعاونك الله "، إن ترديدها لهذه العبارة يحيل إلى أنها أسطوانة مبرمجة على ترديد كلمات خالية من دلالات الوجود، فما معنى المساندة ؟ وما معنى اللجوء إلى الإنسان الآخر لكسب عطفه ؟ وما معنى توظيف الله للإيقاع بالإنسان الآخر ؟
أيها الإنسان ! حين تطلب المساندة من الآخر، فإنك تفقد إنسانيتك، وتتجلى هذه الأخيرة في نضالك، فالأخر حين يساندك يمارس عليك السلطة، والسلطة تجريد من الإنسانية ؛ لا ينبغي للآخر أن يعطف عليك، فهو حين يسلمك المال كما هو الشأن للمال المسلم للمتسول، فإنه يحد من إنسانيتك ووجودك، وبالتالي يفقدك مواطنتك، فالمواطن باعتباره مساويا للمواطن الآخر، لا يجب على الواحد أن يكون أرفع من الآخر، وبالتالي لابد أن يمنع التسول منعا باتا باعتباره مهينا للكرامة الإنسانية، ومن ثمة فعوض أن يسلم الإنسان الإنسان الآخر، عليهما أن يناضلا معا دفاعا عن الكرامة الإنسانية، ورمي الكرة في ملعب الدولة، فالدولة وجدت لصون كرامة المواطن- الإنسان على اعتبار أنها كائن اعتباري، فحتى إذا قدمت المساعدة للمواطن فهذا لن يمس من كرامته، أما إذا قدم له المساعدة مواطن آخر، فإنه يقضي على مواطنتهما معا، وعلى الأساس الذي وجدت من أجله الدولة .
إن مهمة الدولة كصائنة للكرامة الإنسانية باعتبارها تجليا من تجليات الوجود هو أن تساعد الفقراء لقاء حرمانهم من خيرات البلاد، فالأغنياء ينبغي أن يدفعوا الضرائب، وانطلاقا من أموالها يتوجب توزيعها على الفقراء صونا لهم من الفقر، فالأموال أموالهم، وهم من ناضلوا من أجل الاستقلال، وهم من حرموا من المساهمة في الاقتصاد الوطني، وحتى هؤلاء الذين يعملون في مقاولات الأغنياء يدفعون الضرائب ويحرمون من حقوقهم النقابية، والأجر لا يساوي ما يبذل من جهد .
لكن هل يدور هذا في خلد فاطنة ؟ ما يدور في خلد فاطنة، وهي تجلس قرب باب سوق القرية هو أن تتفرج على ضحاياها، فإذا كانت هي فارغة الوجود، فإنها تفرغهم من وجودهم، فندخل في شبكة معقدة من تفريغ الوجود تتضمن شل الكرامة والوعي والمسؤولية بمعنى إحلال " التسلاك ؛ التعمية ؛ تجميد الوعي، القدرة "، وبالتالي يبقى الصراع أفقيا – تحتيا، فلا يخفى علينا في هذا الصدد أن فاطنة تنظر إلى التحت، ولكن بكلماتها التي تضفي عليها هالة تصعد إلى السماء، فتوهم الضحية بالنظر إلى السماء، فيقذف قرشا إلى الأرض، إن فاطنة ستضجر كثيرا إذا قال أحد المتسوقين : " الله يسهل "، فإذا كان الله أداة فعالة للتضليل، فإنه أحيانا أخرى يصبح أداة سلبية يحول دون تحقيق مرادها، ألا وهو تكديس الأموال .
تعتبر فاطنة شخصية هدرية، فهي تهدر وقتها، وتهدر ذاتها، فالذات لكي تكون ذاتا هو أن تحمل مشروعا يضفي معنى على وجودها، ومعنى ذلك العمل، فهذا الأخير هو ما يجعل الإنسان إنسانا، وذلك حينما يخرج من شرنقة الآخر .
لا يدور هذا في ذهن، فما يهمها هو ترديد تلك اللازمة، فتهدر ذاتها، وتهدر المتسوقين، والنتيجة هي ضياع الإنسان في السراب .
إن المطلوب هو العمل على إخراجها من اتكاليتها وحثها على العيش كإنسانة، ولكي يتحقق ذلك، على هؤلاء المتسوقين، وعموم الناس أن يلغوا المسافات بينهم، فما يجمعنا هو الإنسان، ومن ثمة علينا أن نسكن في الإنسان، ونتحد من أجله، ونذود عليه ضدا على أعدائه .
ينبغي أن نتعاون، لكن من وضعيتي كإنسان، ومن وضعيتك كإنسان، غير أنه حينما تقدم لي المساعدة بغرض العطف، فهذا ضرب لإنسانيتي وإنسانيتك، ينبغي أن تقدم المساعدة حبا في، لكن دون أن تخل بوضعيتي كإنسان، بيد أن هذا لا ينفي حقوقك حيال الدولة التي تأسست من أجلك، حقك في الدولة يبدأ قبل واجبك نحوها، على الدولة أن تساعدك، فتساعدها من أجل الاستمرار .
لقد تأسست الدولة في المغرب نتيجة نضال الشعب المغربي من أجل الاستقلال، إن هذا النضال يعبر عن درجة الوعي، ولما أقول الوعي، فإنني أقول أن الشعب كانت له إرادة وفعل في تأسيس الدولة، لكن ليس لهذا التأسيس معنى إذا لم يستهدف توعية الدولة للشعب، فالدولة عبارة عن مجموعة من المؤسسسات المنوط بها توعية الشعب لكي يستمر في نضاله ضد كل ما يعادي إنسانيته، فهل قامت بدورها حيال الشعب ؟ هل تبنت سياسات شعبية ناتجة عن إرادة الشعب بعيد الاستقلال السياسي سنة 1956 ؟
ما يظهر أن جلاء الاستعمار لم يكن سوى شكلي، إن الاستعمار تغلغل أكثر من ذي قبل، بل ظهر مستعمرون جدد يسمون بأذناب الاستعمار درسوا في مدارس فرنسية، تلقفوا أفكارها وتوصياتها، ففي إطار سياسة المغربة استولوا على الأرض والجامعات، ومؤسسات الدولة، والمناصب والمقاولات والمصانع، ناهيك عن المساعدات والإعفاء من الضرائب...، بينما الشعب الذي ناضل بدمائه وفقرائه وقروييه ومدينييه وكادحيه من أجل الاستقلال كان مصيره هو قصف أبنائه في المدارس، والزج بمثقفيه في السجون، وحرمان فلاحيه من الأرض، وطرد عماله من المصانع، وتجريدهم من الأجر المناسب، ومن حقوقهم النقابية، وزيادة على حرمانه من الثقافة التنويرية، وفرض سياسة التسطيح، والنتيجة من كل هذا هو الزج بالشعب بأسره في مخالب التسول والأمية والفقر والجهل والتخلف، بل أكثر من ذلك إعادة إنتاجه لتتكرر دورة الهيمنة....ذلك هو الوجود الفارغ .
إن فاطنة ليست إلا الضحية العائمة فوق الماء، ففي العمق يسكن السواد، والدماء الكريهة التي تعبر عن الوجود الأسود الذي يسود ويحتلك كالفحم منذ زمن بعيد، وكل يوم تتراكم الآهات وتتبدد الأحلام، ويزداد الواقع حلكة، أما ما تراكم عبر السنين، فإنه من حين لآخر يتراقص كالبارقة المنغمرة في الكهف التي ما نقترب منها حتى نتوغل أكثر، فتبرز فضائح وفضائح . ذلك هو الوجه المنطمر من تاريخ هذا الشعب بوجوده الفارغ الذي لم يمتلئ بعد، لأنه لم يكتب بعد . ببساطة شديدة لأن هناك فراغات تحوي مضامين مكبوتة.
عبد الله عنتار – الإنسان/ 22 دجنبر 2013 / واد زم – وسط المغرب





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,522,254,554
- منزلنا الريفي (26)
- منزلنا الريفي ( 25 )
- منزلنا الريفي (24)
- منزلنا الريفي (23)
- منزلنا الريفي (22)
- منزلنا الريفي ( 21 )
- منزلنا الريفي ( 20 )
- قناني الحياة
- شرارة وعي من داخل التيه من أجل التيه - قراءة تفكيكية في أعما ...
- منزلنا الريفي ( 19 )
- شحوب وغروب
- منزلنا الريفي ( 18 )
- منزلنا الريفي ( 17 )
- منزلنا الريفي ( 16 )
- دموع حبيبتي
- منزلنا الريفي ( 15 )
- الغروب
- منزلنا الريفي ( 14 )
- منزلنا الريفي ( 13 )
- المواطن - شعيبة - ( 3 )


المزيد.....




- -الجونة السينمائي- يكشف السر وراء إلغاء حوارات أبطال فيلم سو ...
- الإعلامية التونسية مبروكة خذير لأحداث أنفو: القروي وضع الجمي ...
- الفنانة المصرية هنا الزاهد تحت المراقبة بعد تدهور صحتها بشكل ...
- لماذا أصبحت المغرب قبلة شركات تصوير الأفلام العالمية
- بالفيديو... أول تعليق من رانيا يوسف على فستانها الجريء في -ا ...
- مهرجان الجونة السينمائي يحتفي بمئوية الأديب المصري إحسان عبد ...
- بالفيديو... الملك سلمان وضع هذا الشرط للإذن بإنتاج فيلم -ولد ...
- مهرجان -دائرة الضوء- الدولي يفتتح أبوابه في موسكو
- في بيان لحزب التجمع بعنوان “الدولة الوطنية تواجه أعدائها ..و ...
- تحرير الخيال لدى جيل التقنية.. أدب اليافعين يكافح للوصول إلى ...


المزيد.....

- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله عنتار - منزلنا الريفي (27)