أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الله عنتار - شرارة وعي من داخل التيه من أجل التيه - قراءة تفكيكية في أعمال المهدي واوا الشعرية نموذج قصيدة - الضباب -















المزيد.....


شرارة وعي من داخل التيه من أجل التيه - قراءة تفكيكية في أعمال المهدي واوا الشعرية نموذج قصيدة - الضباب -


عبد الله عنتار

الحوار المتمدن-العدد: 4284 - 2013 / 11 / 23 - 17:10
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


1) المهدي واوا في سطور

- ولد سنة 1991 بدوار الكواسم - جماعة فضالات - إقليم بنسليمان .
- حصل على شهادة البكالوريا سنة 2011 .
- يتابع دراسته ضمن شعبة السوسيولوجيا بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية.
- له مجموعة من القصائد الشعرية والقصص، إضافة إلى مجموعة من المقالات السوسيولوجية تنصب حول أوضاع القرية المغربية .

2) وقفة مع العنوان

ماذا يقصد المهدي واوا بعنوان " الضباب " ؟ لماذا " الضباب " وليس غيره ؟ ما علاقة انتماء واوا القروي " بالضباب " ؟ يظهر أن حس واوا القروي حاضر بقوة في قصيدته الشعرية هاته ؛ لقد أخذ بعين الاعتبار هذا المعطى القروي الذي يفيد التيه وفقدان الوضوح والرؤية، أو لنقل بالضبط إن ما هو مطمور في الذاكرة طفا في هذه القصيدة كما يطفو الغريق فوق المياه، فكما نعلم أن الشاعر واوا عاش في القرية، وتتلمذ في مدرستها، والقرويون يعرفون دلالة " الضباب " في القرية، فالرعاة يتيهون في مراعيهم، كما التلاميذ يتيهون ويفقدون وجهتهم نحو المدرسة، إن " الضباب " هي رمز للتيه، لكن ليس التيه القروي الذي تفرضه الظروف الطبيعية فحسب، بل هو تيه يحمل صبغة كونية، بمعنى أنه يحمل صبغة اجتماعية و سياسية واقتصادية للإنسان بصفة عامة، والإنسان-الشاب الذي يعيش اللامعنى داخل المجتمع المغربي من كبح وقتل وتمويت لطاقاته الحية .
إن القرية، وما تحمله من رموز ظلت عنصرا ملهما للشاعر واوا، فالقرية على عكس المدينة هي دائما على اتصال مباشر بالطبيعة، فتنهل من ظواهر و أحداث الطبيعة كافة المعاني والرموز، وما واوا إلا الوعاء الذي يلتقط هذه التعابير ليضفي عليها معان كونية و إنسانية تأخذ بعين الاعتبار مصير الإنسان، والقلق الذي يستحوذ عليه، ناهيك عن التصدي لمخطط التعمية الذي يستهدفه، ومن ثمة إن الهم ليس هما قرويا فحسب، بل هو هم كوني – إنساني يأخذ بعدا فلسفيا، صحيح أن القرية تعرضت ومازالت تتعرض لشتى أنواع التهميش من طرف صناع القرار، لكن واوا يتخذ عنوان " الضباب "منطلقا للنقد والتفكيك والهدم، فيضرب عصفورين بحجر واحد، الضربة الأولى هي فضح اللامعنى ( التهميش ...) الذي يسود في القرية، ثم اللامعنى ( التعمية، التضليل...) الذي يسود في المجتمع والعالم .
بالإضافة إلى البعد القروي الحاضر في اختيار عنوان " الضباب "، هناك بعد آخر، فما هو يا ترى ؟ إن واوا لم يظل أسير ثقافته القروية ذات الهامش المحدود، بل إن هذه الشخصية خضعت لسيرورة طويلة من التشخصن، إنها ثمرة لتفاعل مجموعة من الشروط والعلاقات، لكن يبقى بعد واحد هو المهيمن، إنه بعد الوعي بالذات، فمن أين أتى هذا البعد ؟ إن هذا البعد أتى نتيجة التكوين السوسيولوجي، فالسوسيولوجيا هي قنطرة الوعي بالذات، والوعي بالظروف المحيطة بها، فما كان لواوا أن ينهجس بهذه القضايا لو لم يكن الحس السوسيولوجي القلق حاضرا في اختيار عنوان " الضباب " .

3) وقفة مع فحوى القصيدة

" وتتالى الخطوات..." ؛ هكذا يبدأ واوا قصيدته، ولكن ما مغزى هذه العبارة ؟ لماذا بدأ بها ولم يبدأ قصيدة " الضباب " بعبارة أخرى ؟ لماذا كانت هذه العبارة هي ضربة البداية ؟ فكيف يمكن أن تتالى الخطوات ونحن مطوقون بركام من الضباب يسد العيون و يغلق الجفون ؟
لا يمكن أن نفهم هذه القصيدة الفلسفية ما لم نشق طرقا متعددة عوض طريق واحدة، فإذا اجتزنا واحدة لاشك أن الضباب سيستحوذ علينا، ومن ثمة علينا أن نبحث عن منافذ عدة، يبدأ واوا هذه القصيدة بحرف الواو، فماذا يعني به ؟ يعني به الاستمرار ؛ الاستمرار في التيه، وما القصيدة الماثلة أمامنا سوى وقفة أو لمحة لإثارة اللامعنى الذي يسكن المجتمع، فالخطوات مازالت مستمرة، والتيه لازال قائما، وما النقط الثلاث سوى دليل قوي على ذلك، ومن هنا إن الشاعر المهدي لا يعلن من بداية القصيدة نهاية التيه، بل يشير و يشدد على ذلك، إنه يشدد على الاستمرار .
" ربما للأمام، ربما للوراء " ؛ إن واوا يفتح لغما للإمكان، ويمكن أن نقول : إن هذه العبارة هي مأوى القصيدة، فهذه الأخيرة تتركز هنا، وتركيزها هنا معناه " الضباب " ؛ التيه، فليس بإمكاننا حسب واوا أن نتوجه بيقين نحو" الأمام " الذي هو المستقبل، أو " الوراء " الذي هو الماضي، فإذا كانا الماضي والمستقبل غير مضمونين، هل هناك إمكانية في الحاضر ؟ لا يشق واو هذه الطريق، بل إنه يفتح أمامنا حقلا آخرا من الإمكان ؛ " الفرح أو الشقاء " ؛ نعم يمكن أن يلتقي الشقاء والضباب، ولكن ماذا عن الفرح ؟ إن الفرح ممكن أن ينبعث ومن الممكن ألا ينبعث، ففي ظل اللامعنى يبقى كل شيء ممكنا .
غير أن واوا يدخل في دوامة من اليأس حينما يقول : " فما الوجود إلا عدو اليائسين والبؤساء " ؛ إن البؤساء حسب واوا لم يحضوا بعد بالوجود، فهذا الأخير لا يمكن أن يتحقق مادام الإنسان خاويا، فالوجود يصبح كذلك عندما يمتلئ الإنسان، ويحقق حريته و كرامته وينال حقوقه، و مادامت هذه المكتسبات مبتورة، فإن الإنسان مازال غارقا في العدم، ويصرح في هذا الصدد : " ونبرات تردد العتاب والعناء "، وانطلاقا من هذه القولة يتضح أن الإنسان البائس مازال يزفر ويتأوه من جراء العناء والمعاناة، ويردد لازمة العتاب، والسبب في ذلك موجة الهدر التي يتعرض لها، ومن ثمة إن المعاناة هي زفرة من زفرات الإنسان المقهور، والعتاب تجلي التجليات .
يكرر واوا عبارة " وتتالى الخطوات... "، إنه بتكراره هذا تتحول هذه العبارة إلى لازمة في إشارة واضحة إلى استمرار التيه واللامعنى، فيؤكد ذلك ويقطع الشك باليقين في إمكانية التفاؤل، ويدخلنا إلى هوة عميقة، إنه " المجهول "، ولكن أليس الإقرار بالجهل هو طريق المعرفة ؟ ألا ينم " المجهول " على تفكير قلق ينتاب الشاعر واوا ؟ ليس العيب في المجهول، فالذي يفكر فلسفيا يفكر في المجهول ؛ أليست الثورات المعرفية التي قام بها الإنسان على مر تاريخه كانت شكلا من أشكال الغوص في المجهول ؟ أليس بحث الإنسان الدائم عن المعرفة يرميه في المجهول ؟ الجهل ليس عيبا، وفتح واوا لهذه الطريق إيذان بوعي فلسفي عميق ينم عن أشكلة للواقع الذي يعيش فيه، يقول واوا في هذا الإطار : " ضامننا الوحيد الحياة "، فالإنسان لكي يعيش في هذا العالم عليه أن يتساءل دائما، فالتساؤل هو طريق المعرفة، والمعرفة مؤداها السيطرة على العالم، والسيطرة تعني الهناء ( الجواب )، وما دام العالم عصيا على الاستسلام، فما فتئ الإنسان يتساءل لكي يعيش، فالعالم يستحوذ عليه الضباب الطبيعي و الاجتماعي، إذن لا بد من التساؤل على الدوام ضمانا للحياة .
" البقاء ؛ الوهم ؛ العدم " ؛ إننا نبقى حسب الشاعر المهدي، ولكن يبقى الوهم ملازما لنا، والوهم يجرنا نحو العدم، فحياتنا ما هي بالحياة، وعلينا إذن أن نستفهمها على الدوام لكي نخرج من شرنقتها، ومن العبثية التي تسكنها وتسكننا نحن، فالحياة تتحول إلى عدم ما دمنا غير ممتلئين وجوديا، فوجودنا الحقيقي يتحقق لما ننهض، ونعيش من أجل ذواتنا، لا أن نعيش في ذواتنا، فالإنسان مسؤول عن وضعيته ( فقره ؛ بؤسه ؛ تخلفه ؛ جهله...)، ومن ثمة إن النهضة ينبغي أن تنطلق منه، وفي ظل عدم تحقق ذلك ؛ يقول واوا : " تمزقنا الأيام في دقائقها وساعاتها "؛ إننا لا محالة ممزقون، هكذا يقول المهدي ؛ ما دمنا لم نحتشد، ونستجمع قوانا، فإن الزمن يبددنا ويمزقنا، فنستمر في ضبابنا، وفي تيهنا، ونغرق في المجهول " ويحتدم ويكبر الاستفهام "، فنصغر نحن إذن، وعلى ضوء ذلك نتشظى ونصبح عدما .
من وسط العدم، ينتفض المهدي صارخا : " قولوا لي من أنا ؟ " ؛ إنها بارقة نور، وشعلة أمل، وهي تبحث عن الكينونة، وحلمها من أجل ذلك هو الانعتاق والتحرر، عندها يفتح أمامنا أفقا واسعا من الإمكان ؛ " أتستطيعون النفاذ إلى باطني ؟ " ؛ يقول واوا : إذا كنتم تعرفون ذاتي، هل تعرفون عمق هذه الذات ؟ إذا كان سطح هذه الذات يستحوذ عليها " الضباب "، فهذا الأخير ملازم لمن لا يتساءلون، أما من يتساءل فإنه حتما ذاهب إلى النور والحقيقة .
على ضوء ما سبق يتضح أن الشاعر المهدي واوا كان يسكنه التشاؤم، لكنه عبر سيرورة القصيدة، وما اتسمت به من حس تساؤلي عكست أن التشاؤم لم يكن إلا سطحيا، أما العمق هو التفاؤل الدائم، ويتجلى عن طريق التساؤل بحس قلق يحمل هما فلسفيا . إن واوا بقصيدته هذه يأخذ مغامرة استكشافية للمناطق المجهولة على أمل الوعي بالذات وتحرير المجتمع من ربقة اليأس واللامعنى، والدفع به نحو الحياة الممتلئة .
" أتستطيعون ؟ " ؛ من يستطيع أن ينفذ إلى عمق واوا ؟ يواصل المهدي استفهامه ؛ " كما ينفذ المطر وسط الغمام " ؛ إن المطر يخترق الغمام، وهذا الأخير ليس ببعيد عن الضباب، إذن فمن يا ترى يخترق عمق المهدي ليعرف ما إن كانت له القدرة على اختراق الضباب، من يستطيع ؟ إنه سؤال ضخم، ولكن يمكن تفكيكه، فلا جرم أن المهدي يشبه نفسه بالمطر، فالمطر هو الأمل ؛ هو الثورة ؛ هو الحب ؛ هو الحياة، فإذا كان المطر يخترق الضباب، فإن الشاعر المهدي واوا بوعيه، ونضاله واستماتته هو المهدي الذي سيهدي الناس إلى درب الحقيقة، ومعنى ذلك الثورة على البؤس والتخلف والفقر، إن وعيه هذا ينم عن قلق وجودي مسؤول لا يتقوقع حول ذاته، بل يعتبر أن تحرير الذات ليس له معنى ما لم يستهدف تحرير المجتمع .
" أتستطيعون رمي الصنارة، واصطياد الآلام ؟ "، بما أن هدف الشاعر واوا هو تحرير المجتمع من ربقة الألم والتخلف، فإنه لا يتأخر في التهكم على هذا المجتمع، واعتبار الأفراد الذين يشكلونه كمن يرمون الصنارات، ليصطادوا الآلام، فعوض أن يستيقظوا، فإنهم ما فتئوا يتجرعون الآلام " المجردة " و " الملموسة "، والمقصود بالمجردة العنف الرمزي الذي يتمثل في الإهانات، أما الملموسة فهي العنف المادي الذي يتمثل في الضرب و اللطم، وهنا يحضر التأثير الواضح لبيير بورديو، عندها يجرنا واوا نحو الواقع بأمثلته ونماذجه الحية، فندخل السوسيولوجيا من أبوابها الواسعة، فما هي مظاهر الضباب و اللامعنى من منطلق واقعي وفق هذه القصيدة ؟
إن الذات الإنسانية باعتبارها فاعلة اجتماعية تخضع لتشريط عنوانه التأثيم، بمعنى التبخيس والدونية، أو بتعبير أدق تخضع لسلسلة من الهدر، ومن نسف للكرامة، ولهذا يتساءل واوا بحس تهكمي عن الهامش الزمني لبقاء هذه الوضعية، ولا يتوقف تهكم واوا عند هذا الحد، بل إنه يضع يده على الجرح، ويعتبر أن الطفولة هي مكمن الهدر و اللاإنسانية، فالطفل ليس متهما، بل بريء، ومن ثمة إن المجتمع هو مصدر التخلف و الإثم، فلماذا نحشر الأطفال وسط هذه المطبات ؟ و ها هو يعاود الكرة، فيتهكم من القفص الذي ينضوي وسطه الأطفال، ويدعو إلى تحريرهم، وتربيتهم تربية إنسانية عوض أن يكونوا أوعية يسكب فيها الهذر والدونية، ولا يتوانى واوا أن يقول بصراحة : إن الأطفال هم مستقبل الإنسانية، لا بل إنهم النور .
" ونجمة هناك محتشمة "، أصبحت في قصيدة واوا النجوم تحتشم، و تتخلف في موعدها مع الضياء، كيف تضيء النجوم والأطفال يهدرون ؟ إن هدر الأطفال هو الظلام، عندها سيختبئ النور، وتحل العتمة في أقبية الضباب، غير أن واوا سرعان ما يغلق باب التفاؤل، وينطلق نحو نقد جذري عماده التفكيك، ولكن بنفس سوسيولوجي- فلسفي قلق وعميق، ويتجلى ذلك عندما يشق طريق المستقبل، ويكرر لازمة " إلى متى ستتالى الخطوات ؟ "، متى نستمر في تيهنا وتخلفنا ؟ إلى متى هذا الهيام في هذا الضباب ؟ إن واوا بطرحه لهذه الأسئلة يحذرنا من مغبة السقوط في السراب، لا بل إنه السراب بعينه، فما دمنا تائهين وسط الضباب، فلا محالة أننا ساقطون في السراب، والتمزق، بمعنى تلاشي وتبدد كياننا، فعوض أن يكون ممتلئا، ها نحن بتيهنا نفقد الطريق الصواب، فنمشي مع الطريق الخطأ حيث يتفرس التمزق والعذاب، فلماذا يحصل هذا يا ترى ؟ لأننا حسب واوا فقدنا التحكم في مصيرنا .
يعاود واوا السؤال تلو السؤال، ولكنه يتساءل لماذا السؤال ؟ و يتساءل أيضا لماذا الجواب، هل بعدم طرحنا للسؤال وتخلينا عن الجواب نخرج من الضباب ؟ كيف ذلك ؟ كيف يمكن أن نتصور حياة بدون سؤال وجواب ؟ أي عالم سنعيش فيه حسب واوا ؟ ففي ظل هذا الطرح، فإننا نسقط في تيه وسط التيه، كيف نخرج من تيهنا بدون سؤال ؟ ما معنى أن يتساءل واوا ثم ينتقد ذلك ؟ يا لها مفارقة !
نحاول أن نبحث في دلالة هذه المفارقة، فتظهر لنا بارقة أمل، وها هو واوا يقول بصريح العبارة : " متى سنبقى تحت الرباب ؛ ننتظر عطية السحاب ؟ " ؛ إن الشاعر واوا لا ينتقد السؤال الفلسفي، بل إنه يعتبر أن هذا السؤال هو الطريق للخروج من الضباب، ومن ثمة يتضح أنه ينتقد الثقافة الانتظارية التي ما فتئت تسأل وتبحث بطريقة تواكلية لا تنم عن مجهود، لهذا لابد من البذل والعطاء والاعتماد على النفس، لا التواكل على الآخرين، وهذه رسالة قوية إلى الثقافة القروية المتكلسة .
" و تتالى الخطوات " ؛ تتكرر هذه اللازمة من جديد في إحالة إلى استمرار التيه، وها هو واوا يشبه هذا التيه بالسبيل القرمزي الأسود، لم يعد الضباب أبيضا، بل إنه يتحول إلى سواد حالك في إشارة واضحة إلى التغير الجوهري في السيرورة التي تعرفها القصيدة، فإذا كان واوا قد فتح لنا إمكانية للتفاؤل في فترة من فترات القصيدة، لكن بتحويل الضباب إلى الحلكة والسواد ؛ دخلنا إلى فترة متشائمة تغلق أمامنا أية إمكانية للتفاؤل حول مسألة الخروج من الضباب، فرغم طرح السؤال تلو السؤال، فلا مناص من الخروج من الوضعية، إلا أن السؤال في حد ذاته من شأنه أن يفتح إمكانية للتفكير والتأمل، وإيقاظ الأذهان .
" السير مع الحمام و الكلاب " ؛ إن الإنسان بتيهه، وعدم تفكيره في قضاياه أصبح مثل الحمام والكلاب، بمعنى أنه أصبح يتصرف تصرفا غريزيا، أي أنه أصبح يطير كالحمام دون أن يتساءل لماذا يطير، ناهيك عن أنه يجري مثل الكلاب، دون أن يتساءل لماذا يجري ؟ " العدو والأحباب "، لم يعد الإنسان حسب واوا يفرق بين العدو والحبيب في إشارة واضحة إلى فقدان ملكة التمييز، أي فقدان للعقل، فصار الإنسان مثله مثل الحيوان ( القطيع )، فأمسى العصفور، وما يتميز به من رقة وجمال مثله مثل الذباب وما يسمه من خبث، لا شيء كل شيء ينتمي إلى القطيع، فلم تعد للحياة لذة، بل كل شيء ذاب، في هذا الاتجاه يقول واوا : " كل ذاب في خطوات حائرة "، لقد أصبح الاستمرار في التيه يولد الحيرة .
لقد تبدد كل شيء، وتشظى وتلاشى ذرات ذرات، كل شيء فقد وجوده، وانطمر في سديم سحيق، لقد دخلنا حسب واوا إلى بؤرة اللامعنى حيث التيه و الضلال، في عالم يفتقد للحدود والأسماء والدلالات، لقد اندغم شيء في شيء حتى نتج عنه اللاشيء، لم يعد الإنسان إنسانا والحيوان حيوانا، والجماد جمادا في عالم طاله التفكيك والاختلاط والتداخل والاندغام، لكن هل هناك إمكانية لانبثاق الأمل ؟ إن تلك الأشياء " تبحث عن السعادة في حقيقة المآل "، بمعنى أنها لم تعد تلتفت إلى الخلف، بل تفكر في النتيجة كما هي، ولكن لم التفكير ؟ إنه التفكير في السعادة من داخل بؤرة التشظي و اللامعنى، إنه تفكير في المعنى من داخل اللامعنى، لقد تلاشت الحدود بين المعنى واللامعنى، ومن ثمة لقد اختلط الحابل بالنابل .
" وسط ذرات التراب "، ففي عالم مفكك، مفتقد للمعنى، أصبح البحث عن النظام منصبا حول التراب، غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل أصبح يبحث عن المعنى في " أجنحة ملاك "، فبحث الإنسان عن الحقيقة لم يعد حبيس الأرض، بل وصل إلى السماء، ففي ظل واقع لا يطاق، أصبح الإنسان يبتهل ويتضرع إلى السماء، إنه يبحث عن المعنى في عالم افتقد للمعنى، ومن ثمة فالسماء هي تعويض عن الوجود المفقود في الأرض، وها هو الإنسان يبحث عن السعادة في أجنحة ملاك كرمز للاخطأ .
لم يتوقف بحث الإنسان عن الحقيقة في السماء، فهذه الأخيرة ليست سوى سلوان وعزاء موهومين، إن بحث الإنسان عن مسلك للخروج من الضباب وصل للحضيض، وها هو يقلب ويفتش في " غائط الغراب "، لم يبق أمام الإنسان سوى أن يبتهل الموت، ويهيم في السواد والحلكة، فالغراب هو رمز للفناء، وفقدان للوجهة والثقة، ومعنى ذلك فقدان الأمل، ويظهر من خلال ما سبق أن المهدي واوا يدخل منعطفا جديدا يمكن أن نسميه تفكيك التفكيك، لقد غلق جميع بؤر التفاؤل، وأطلق صفير التشاؤم، فملأ جميع العوالم، فأصبح الموت يعم الربوع، ولا سبيل للخروج من الضباب، " فسال اللعاب " ، واستمر الإنسان يرمي الخطوات، حيث " الرعب و التيهان ".
يتضح من خلال هذه النقطة أن " الضباب " أصبح يرعب، فكما نعلم أن الإنسان يضفي معنى على حياته، وفي ظل عدم تحقق ذلك، نجد الخوف والرعب أصبحا هما هاجس الإنسان، فلم يبق أمام الأخير أي أمل ليسيطر عليها، ويسيطر على مصيره، فضاع وجوده بين الانفصام والتفكيك .
" وهي تردد نحن نتيجة لأية أسباب " ؛ يشير واوا بطرحه لهذا السؤال، أن الخطوات هي التي تسأل، فلم يعد الإنسان هو الذي يسأل، بل هو ضاع في التيه والضباب، وهذا دليل قوي على عدم التحكم في المصير، بل الإنسان فقد معنى وجوده، هكذا إذن يظهر أن واوا ينهي قصيدته بتساؤل متشائم عماده التفكيك و اللامعنى والتيهان هو دليل على فقدان المصير .
غير أنه بطرحه للسؤال يفتح سؤال البداية والنهاية، وفي نفس الوقت يطرح فرصة للتفكير كدليل على الوعي بالذات والمجتمع .
يتضح من خلال ما سبق أن الشاعر المهدي واوا رمز للتيهان الوجود والاجتماعي الذي أصبح ينضوي تحته الإنسان بصفة عامة، والإنسان – الشاب المغربي بصفة خاصة، ولا يتورع هذا الشاب في ممارسة النقد الجذري مستلهما أدوات التفكير الفلسفي والسوسيولوجي، إضافة إلى رموز القرية، وما تحوي من مسميات وتعابير .
إن واوا في هذا التركيب يجمع بين تنشئته القروية، وتكوينه السوسيولوجي، غير أنه يجمع بينهما بحس فلسفي قلق لا يتوانى في وضع اليد على الجرح، فالشاعر المهدي يعلن منذ البداية وقوفه الراسخ والمستميت مع الملغيين وجوديا، بيد أنه لا يتأخر في نقدهم كذلك باعتبارهم مستكنين وخاضعين لسياسة الخواء الوجودي الموجه من طرف صناع القرار، إن الأداة التي يستعملها في ذلك هي التهكم، فلطالما ظلت هذه الأداة هي سلاح المتنورين الذين يؤمنون بنور العقل، وأبرز مثال على ذلك فولتير، فواوا هو فولتير هذا العصر الذي فكر من داخل التيه ليدفع بالتائهين إلى التيه على أمل تحريرهم من عجزهم وضعفهم واستسلامهم، صحيح أنه يتشاءم من أوضاعهم، فلا جرم أنه يتفاءل دائما، وما تفكيره وسؤاله الدائم سوى إيذان بوعي حقيقي .

عبد الله عنتار – الإنسان -/ واد زم – المغرب / 23-11-2013






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,520,281,530
- منزلنا الريفي ( 19 )
- شحوب وغروب
- منزلنا الريفي ( 18 )
- منزلنا الريفي ( 17 )
- منزلنا الريفي ( 16 )
- دموع حبيبتي
- منزلنا الريفي ( 15 )
- الغروب
- منزلنا الريفي ( 14 )
- منزلنا الريفي ( 13 )
- المواطن - شعيبة - ( 3 )
- زوابع وخريف
- من واد زم إلى زحيليكة : رحلة في ثنايا الريف
- ذكريات...أمواج متلاطمة ...يونس...المهدي
- كابل
- المواطن - شعيبة - ( 2 )
- المواطن شعيبة
- منزلنا الريفي ( 12 ) / ( بني كرزاز...مواقع - أسماء - ملاحم - ...
- منزلنا الريفي ( 11 )
- منزلنا الريفي ( 10 )


المزيد.....




- الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر يعلق على -تردد- ترامب بدخو ...
- شاهد: بندا رمادية نادرة تجذب حشودا من الزائرين في حديقة في ا ...
- مقتل شخص وإصابة 5 في إطلاق نار بالعاصمة الأمريكية واشنطن
- شاهد: مقاتلة -سو-27- تشق طريقها وسط الصخور
- خفر السواحل الليبي ينقذ قرابة 500 مهاجر غير شرعي
- تحقيق في الكونغرس حول فحوى مكالمة هاتفية بين ترامب ومسؤول أج ...
- هل يسامح الكنديون ترودو؟
- الجبير: التهاون مع إيران سيترتب عليه آثار وسيشجعها لارتكاب ا ...
- هل نحن على شفا حرب بين السعودية وإيران؟ غوتيريس يجيب CNN
- شاهد.. دبابات برمائية روسية تعبر نهرا عميقا في إطار مناورات ...


المزيد.....

- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الله عنتار - شرارة وعي من داخل التيه من أجل التيه - قراءة تفكيكية في أعمال المهدي واوا الشعرية نموذج قصيدة - الضباب -