أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طارق حربي - مقهى عزران وشاعر المدينة .. فصلان من كتاب (الناصرية .. شخصيات وأمكنة)









المزيد.....



مقهى عزران وشاعر المدينة .. فصلان من كتاب (الناصرية .. شخصيات وأمكنة)


طارق حربي

الحوار المتمدن-العدد: 4060 - 2013 / 4 / 12 - 11:43
المحور: الادب والفن
    


مقهى عزران
شاعر المدينة
فصلان من كتاب (الناصرية .. شخصيات وأمكنة)
(إذا قلب لك الزمان ظهر المجن وخانك الأصحاب إذن هب إلى نفسك، لأنك سترى فيها خير معين، واخلق منها شخصا "مثاليا" حسب ما تريد أنت وكلمه واقضى معه ما طاب لك من وقت)
عزران البدري

خلال مرحلة جمع المصادر للكتابة عن شاعر الناصرية الصديق المرحوم رشيد مجيد، لاحظنا صداقة وتلازما من نوع (مديني/ ثقافي) بينه وبين المرحوم عزران البدري، صاحب أول مقهى فكرية في مدينة الناصرية (أسسها في سنة 1938)، وكان الشاعر من روادها الأوائل ومعلما لعزران، إضافة إلى المرحوم وهاب الحاج ذياب وربما غيرهما، وأتذكر جيدا أن الشاعر قرأ لي ذات يوم في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، في مكتبه بالمكتبة المركزية العامة بالناصرية حيث كان يعمل مديرا لها، وكنت حينذاك أتمتع بإجازة شهرية من جبهة الحرب العراقية الإيرانية (شرق البصرة)، قصيدته المعروفة (عزران والمقهى).

قبل أن تتبلور الجماعة الأدبية في مدينة الناصرية، المتكئة على متن حكائي وسرديات أسطورية وثقافة عشائرية وأمثال شعبية وغيرها كان (مثقفو المدينة يزاولون الأدب وبصورة خاصة الشعر. ولم تتجاوز الممارسة حدود الأخوانيات والمداعبة البريئة والنكتة البارعة. وكان على رأس هذه الجماعة الأستاذان طالب فليح وخيون راشد، وهما شاعران من الرعيل الأول في المدينة. ساهما في تأسيس فكرة الجماعة الأدبية. إذ كانت تُعقد ندوات مدرسية كل يوم ثلاثاء في ثانوية الناصرية. يشارك فيها طلاب كانت لهم مقدرة خطابية تميزهم عن زملائهم. وقد برز من بينهم أدباء رحل بعضهم عن عالمنا وانقطع آخرون عن الأدب لأسباب كثيرة. منهم عبد المحسن القصاب ومحمد حسن العضاض ونعيم عبيد الكيالي وغيرهم) (1)

ويبرز هنا إسم المحامي، ومدير بلدية الناصرية فيما بعد ومؤرخها المرحوم شاكر الغرباوي، الذي ظل يتواصل مع الجماعة في الناصرية حتى بعد انتقاله إلى بغداد لدراسة الحقوق، وتقوت الجماعة بنشر نتاجاتها في صحيفة البطحاء التي أصدرها الغرباوي (سنة 1946 ، وصدر منها 16 عددا وتوقفت!)، قبل أن تنتقل إلى مقهى عزران.

في الواقع إن شخصية عزران البدري مثالية لافتة في فضاء الكتابة بالناصرية، فهو رجل أمي وكادح ينحدر من أسرة فلاحية من إحدى قرى الناصرية (القطيعة/ قرية أم السباع الملاصقة لضريح عمر بن علي بن الحسين ع)، أصر على الانتقال من ثقافة السماع من رواد المقهى إلى تعلم القراءة والكتابة، وتحقق له ماأراد، لكنه لم يتوقف عند ذلك فأخذ يكتب وينشر المقالات والقصص في الصحف العراقية والعربية، يقول الشاعر رشيد عن صديقه عزران [كان يعمل "صبي" في مقهى (عبد ضيدان) ، ثم استقل مع أخيه (إسميّر) في مقهى خاص بهما، فكان (أحسن جايجي)، إذ استطاع ان يستقطب الناس الى مقهاه! (2)

ويردف [كانت رجلاه مفطورتين (يقصد راحتي قدميه) ، وكان يموع (يذوب) البلاستك، ويملأ به (الفطور)] (3) وكان هذا الأمي الذي يتوفى في سنة 1973 يكافح من أجل تعلم القراءة والكتابة، مصغيا للرواد في المقهى التي أصبحت منتدى سياسي وأدبي، يهضم مايسمعه ويتمثله في الحوار والكتابة، أكثر من ذلك أنه كان يشترك في الحديث ويصحح بعض المعلومات الأدبية رغم أميته!

ومالبث أن اطلع على الفلسفة الأغريقية، ولم يعجب بفلسفة سقراط عن الحق والتهكم والتوليد حسب، بل كتب مخطوطة (صولون مشروع أثينا!) قبل أن يصبح كاتب قصة وناقدا!، ومايلفت في شخصيته أن سرعة تعلمه الكتابة، وشغفه بقراءة الكتب، جعلته لايشتريها ويسخر من المدخنين الذين لايوفرون نقودهم وصحتهم حسب، بل يجمعها في شباك مقهاه حتى أصبحت على هيئة مكتبة، جعل لها أبوابا زجاجية!

مرة قال لرشيد (لدي مقال أريد أن أنشره، وطلب منا أن نكتبه وهو يملي علينا المقال، وكان له ما أراد، وبدأ النشر، عندها قرر تعلم القراءة والكتابة، كنا معلمين له، فتعلمها بسرعة، فأصبح (ينافس) جبران خليل جبران وأرسطو!) (4)

رجل كادح وأمي من الناصرية يفتتح مقهى، يخصص فيها مكتبة ويبدأ بكتابة المقالات والقصص والخطرات الفلسفية منافسا جبران وأرسطو، الأول هو أحد أبرز الآباء الروحيين في الكتابة العربية، أما الثاني فأحد أهم فلاسفة الأغريق.. ماذا يعني ذلك؟!، إنه يعني ببساطة أن روح الإنسان في الناصرية مجبولة على التعلم وتواقة إلى المعرفة، ففي أكد التي تنتمي إليها المدينة أرضا وحضارة، سطر الإنسان على الطين المفخور أولى الملاحم في الأدب القديم، وكتبت الأناشيد الممجدة للآلهة وطرحت على أيدي كهان سومر والعشاق والمتمردين الأسئلة الوجودية الكبرى في الحياة والموت والخلود، وربما هناك أسباب بيولوجية وهي انتقال كروموسومات الإبداع السومرية عبر الزمن والأجيال المتعاقبة! إذ غالبا مايشار إلى الناصرية باعتبارها مدينة ولود للمفكرين والفنانين والشعراء والمبدعين والمثقفين!

إن المقهى باعتبارها فضاء/ مكان اجتماعي وعام يتداول فيها الرواد آراء مختلفة في السياسة والحياة العامة والرياضة وطرح المشاكل الإجتماعية لإيجاد حلول لها وغيرها، كانت محفزا لظهور موهبة عزران في الكتابة، مع أن الكثير من (الجايجية) لايعبأون بما يتداوله الزبائن سواء في حقول السياسة أو المعرفة وغيرها، لكن الأمر اختلف في حالة عزران الذي لم يكن بعيدا عن حزن الجنوب وآلامه، باعتباره مادة أدبية تعينه في الكتابة المستندة إلى تجارب واقعية.

فالمنطقة التي افتتح فيها مقهاه كانت [مسكونة بفن الغناء، حضيري أبو عزيز كان يغني في سوق الخياطين ليلا" عندما كان يعمل خياطا" مع خاله حسين حتى نهاية الثلاثينيات، وخضير حسن ناصرية الذي كان يجوب المنطقة يبيع اللبن الى ان ينتهي في منطقة (باب الشطرة- ناصرية) حيث بدأ احتفالية الغناء الحر في هذه المنطقة في أواخر العشرينات، وهناك داخل حسن يتخذ من دكان صديقه النداف محسن السديري مكانا" لجلوسه، هذه الحارة المتداخلة الثقافة (وعي الفطريين وثقافة المثقفين) (5)

إن انحدار عزران من احدى قرى الناصرية الفلاحية وافتتاحه المقهى في قلب المدينة التجاري والمهني، حيث محال الندافين والخياطين والنجارين والحدادين والكسبة، وغير بعيد منها محال الصاغة والوزانين والحمالين، فضلا عن اعتناقه الفلسفة المثالية وتمثلها، كل ذلك جعله قريبا ويتحسس آلام الفقراء والمسحوقين والمهمشين، وكانوا - فضلا عن مثقفي الناصرية وكتابها - من رواد المقهى، وكان هو يحمل إليهم الشاي والماء ويقصدهم إلى عملهم في خان الحبوب الواقع خلف المقهى، وأحيانا لايستوفي منهم حتى ثمن الشاي!، بما يدلل على رهافة الروح والطبيعة الإنسانية لعزران.

قبل نشوء المقاهي مطلع القرن العشرين كان الناس في الناصرية خاصة وذي قار عامة، يتجمعون في ديوانيات البيوت والمضائف واللواوين، يتبادلون الأحاديث السياسية والاجتماعية ومواسم الأمطار وشؤون الزراعة والحصاد، ومازلت أتذكر بعض تلك اللواوين في طفولتي البعيدة بالناصرية حتى مطلع الستينيات، كان أحدها يقع فوق سطح بيت الصديق الكاتب أحمد الباقري في شارع الحبوبي، حيث كان جمع طيب من أبناء المنطقة يجلسون فيه ويتبادلون الاحاديث ويحتسون الشاي، قبل أن ينفض سامرهم في منتصف الليل.


إن أقدم مقهى تأسست في الناصرية كان في العشرينيات من القرن الماضي هو مقهى التجار، ملتقى تجار الناصرية مع تجار الأقضية والنواحي لمزاولة البيع والشراء وتوقيع الاتفاقات والعقود، وكان الصديق أحمد الباقري وأنا من روادها وخصوصا خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، كنا نجلس في زاوية بعيدة في المقهى نتحدث عما آلت إليه أوضاع العراق ونلعن النظام الفاشي بصوت خفيض بطبيعة الحال!، وكل فئة في الناصرية لها مقهى خاص، مقهى الصعاليك ومقهى المفاطير في شهر رمضان ومقهى الحدادين والبنائين والكسبة والأدباء والفنانين والمعقدين والمطيرجية ومقهى سوق الغنم، وثمة مقاهي باب الشطرة وغيرها، وكانت المقاهي في الثلاثينيات والاربعينيات في العراق مراكز تجمع المواطنين لتبادل الحديث حول أزمات البلد، وربما التجمع فيها والإنطلاق منها بتظاهرات وطنية ضد الاحتلال الانكليزي والحكومات الرجعية وسياساتها وأحلافها المشبوهة.

أرجح أن مقهى عزران وكان روادها نخبة طيبة من الكتاب والمثقفين كعبد القادر رشيد الناصري وقيس لفته مراد وعبد الخالق العطار وعبد الرحمن الكاتب وفاضل السيد مهدي وخالد الشطري ورشيد مجيد وعباس الملا علي وطالب الحاج فليح وحميد السنيد وحمدي الحمدي وصبري حامد وعبد الواحد الهلالي ومجيد حمد النجار وسالم حسين وعناية الحسيناوي وشاكر الغرباوي وزهير الدجيلي وشهاب أحمد التميمي وغيرهم، تداولوا أحداثا محلية وعربية وعالمية بينها حالة الكساد العالمي سنة 1930 التي أدت إلى نشوء الاحزاب الشيوعية في العالم العربي وخاصة العراق، ومرحلة مابعد تأسيس الدولة العراقية 1921وهيمنة الاستعمار الانكليزي على مقدرات البلاد، ناهيك بالأحلاف المشبوهة التي عقدتها الحكومات ممن تولت حكم العراق بعد الاحتلال!

وإذا كان (الجايجي) يكتفي بإعداد الشاي ووضعه أمام الزبون دون الخوض في أمور السياسة أو الثقافة والأدب كما نوهنا، فإني أخمن أن عزران كان يتحدث بكل ذلك ويتحاور مع الرواد بكل شجاعة وحرية، وشكل علامة فارقة بعناده وتحديه في التعلم والتثقيف، وأثبت أن الإنسان في تلك المدينة المهملة والمتمردة قد لايحتاج إلى الشهادة الجامعية أو غيرها، لكن يمكنه اعتماد مبدأ التثقيف الذاتي لصقل موهبته بالمطالعة والحوار وتبادل الآراء، وكان رواد المقهى من محاوريه ومشجعيه!
وإذا كان التعليم يطور من حياة الافراد ويرقي المجتمعات، ويجعل الإنسان ذا طاقة ديناميكية ترفع من شأنه الإنساني وتسوي انحرافه وتعمق شخصيته، فإن أمية عزران دليل على ضعف التنمية البشرية في العراق في ذلك الوقت، وكانت الناصرية مهملة بالإستناد إلى العداء المستحكم بين المركز والاطراف، فلم تصب بنيتها التحتية على سبيل المثال تحديثا منذ الستينيات من القرن الماضي!

مقهى عزران فكرية بامتياز لذلك بثت الحكومات الرجعية، منذ الخمسينيات حتى الستينيات تقريبا عيونها فيها، مع صعود الفكر التقدمي واليسار الرومانسي، قبل أن ينتقل مثقفو الناصرية منها إلى مقهى ابو أحمد في الستينيات، ثم جمعية الآداب والفنون التي تأسست سنة 1970، وهكذا ضمت المقهى والجمعية الجيل الثاني من كتاب ومثقفي المدينة، ولم تسلم الإثنتان من عيون المخبرين وبطش السلطات الرجعية والبعثية!
مقطع من قصيدة الشاعر رشيد مجيد عزران والمقهى :
(عزران) والذكرى ومجانية المقهى
ونحن وغيرنا والسامرون (الناصري) وكأسه
وأبو بثينة والرفاق النازحون
إلى القرارة من رعيل الأمس
والكتب الكثار
وبعض أوراق
محرمة مهرأة الحروف
ووقع أحذية النواطير السهارى
المتعبين تظللهم بين الممرات الطويلة
غمامة الأعباء في صمت الدروب
ونحن والمتفائلون وكلما كتبته أقلام محاصرة
وتكتبه هناك ...
ترصدتها أعين الرقباء في ليل المدينة
خلف (يشماغ) التنكر أو بمعطفها البرونزوي الطويل
وترث أصوات الملايين المعذبة
التي انتفضت لتقتحم السدود ويفرط
الموت المسحر باغتيالات الرجال
وقد تهورت البنادق بين أيدي
العملاء ثم .. ويهزم العملاء
ثم تدور دورتها الليالي ويسرق النصر
المحاصر في العيون وفي الجراح
وفي المساجد والمقاهي، والبيوت
فوق أرصفة الجسور.ليستعيد
الساقطون زمانهم لكنهم .. والحمد لله
انتهوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقال في موقع شهريار الالكتروني .. جاسم عاصي
(2) و(3) و(4) رشيد مجيد انسانا وشاعرا .. داود سلمان الشويلي
(5) مقال في موقع الحوار المتمدن .. حسين الهلالي

شاعر المدينة
كان من بين رواد مقهى عزران الأوائل عباس ملا علي، الذي يرتدي العقال ويقدم الدروس الدينية والفقهية في المقهى، والشاعر عبد القادر رشيد الكركوكلي المقيم في الناصرية، وفاضل السيد مهدي ورحمن رضا، وعبد الكريم الأمين، وكاظم جواد وعبد الحسن الملا عمران ورشيد الملا عمران وعبد الصاحب الملا عمران وحمودي الحاج طالب وأحمد النواس ووهاب الحاج ذياب إضافة إلى الشاعر رشيد مجيد (1922-1998)، ويعرفه العامة بإسم رشيد المصور، هو رشيد مجيد سعيد محمد صالح العنزي المولود في محلة السراي من متصرفية المنتفك، مارس مهنة التصوير اليدوي، ثم التصوير الفوتوغرافي، والخط، والرسم، إضافة إلى عمله في سينما الأندلس الصيفي وسينما البطحاء الشتوي، وموظفا في الإدارة المحلية لمدة 27 سنة أحيل بعدها إلى التقاعد.

شاعر(فلنملأ الأقداح ياصيف العطاشى طالما أينعت الكروم) من طراز خاص، ابن مدينة معروف لكن يعيش وحدته وعالمه، قلق الوجود متفكر به ومؤنسه، يمشي وحيدا على ساحل الفرات متأملا أمواجه الخالدة، مفكرا بالشعر صنوه، الذي قضى عقودا من حياته في نظمه، كانت القصيدة بالنسبة لرشيد ملاذه الأخير في عالم متغير.

يتذكر الكثير من أبناء الناصرية الشاعر وهو يقرأ قصائده في المناسبات على مسرح بهو البلدية، شعر حماسي وغنائية عالية وأحاسيس مفعمة بالحب والتضحية، تحرك مشاعر الجمهور ويصفق له طويلا، أوقف الكثير من أشعاره على الوطن والزمن والوجود، لكن قصائد الحب شغلت مساحة واسعة من شعره المتأخر.

يبدو أن دخول الشاعر إلى عالم الثقافة والكتابة كان محض صدفة، ففي أحد الأيام وقع بين يديه كتاب ماجدولين للمنفلوطي، أول كتاب يقرأه مع زميل له وكانا هاربين من المدرسة (لم يكمل الشاعر دراسته المتوسطة)، ثم توالت قراءته لجبران والأدب العربي والعالمي، يقول إنه كان يميل إلى الأعمال الأدبية التي تنتهي نهاية مأساوية، وكان الأدب العالمي لاسيما الروسي، الذي تصل إلى الناصرية ترجمات له من بيروت والقاهرة خاصة، حافلا بالمأساة والفروسية!

شاعر لايكتب مسودات ويمزق الأوراق بل يصحح قصيدته في نفس الورقة!، مستخدما قلم الرصاص والممحاة أو الشطب، أو تصحيحها بالحبر الأبيض، دلالة على وجود القلق المنتج في ذات الشاعر عبر حساسية التعامل مع الورق، ووقفت على ذلك بنفسي وأنا أتطلع إلى مجموعة من الأوراق الضيقة الطويلة، مدون عليها قصائده مع التصحيحات، مصفوفة في غلاف بلاستيكي مما تحفظ بها الجنسية العراقية القديمة!

[في المرحلة المتوسطة ، بدأت أشعر بميل إلى الرسم، خصوصا عندما نقلت بقلم الرصاص صورة لـ (فريدة) زوجة الملك فاروق، وكانت بمنتهى الدقة مع أنها التجربة الأولى، ولعلها كانت الدافع لممارسة هذه الهواية، التي برزت بها، إلى حد أنني حصلت على البعثة الى لندن من قبل الحاكم العسكري عام 1941 م ، غير أني رفضت، لاعتقادي بانهم سيتخذون مني عميلا لهم!]، الضمير الحي والنزعة المحافظة لمدينة الناصرية وقد ربت عليها أبناءها، وتصل أحيانا إلى البيوريتانتية!، إضافة إلى رومانسية الشاعر ونرجسيته، هذا وغيره جعل بينه وبين بيع ضميره إلى الدول الأجنبية حاجزا! ولم يفعلها شاعر عبر تأريخ الناصرية المشرف، من جهة ثانية أنا أصدق ذلك بعد حوالي 42 سنة من التأريخ المذكور، كانت لي قصة مع الشاعر يمكن فهمها إضافة إلى هواجسه الخاصة، عدم رغبته بالسفر بعيدا عن الناصرية، ففي سنة 1983 وخلال زيارة إلى بيت خالتي ببغداد سألني زوجها الأستاذ معاذ عبد الرحيم، وكان حينذاك يشغل منصب المدير العام للشؤون الثقافية، عمن أرشح من شعراء الناصرية للمشاركة في أسبوع ثقافي عراقي يقام في المغرب، فقلت له بلا تردد (ماكو غير رشيد مجيد!) فوافق، وبعد عودتي إلى الناصرية زرت الشاعر في بيته وطرحت عليه الفكرة بحضور ابنه عماد فرفض على الفور، متعللا بمرضه!، فشعرت بالخذلان لأني كنت أود أن أقدم له خدمة تسعده وفاءا وعرفانا له ولشعره!

ومثل الشاعر النرويجي ستين ميرن، المشغول بالزمن والحب، (ترجمتُ له قصائد إلى العربية قبل حوالي 7 سنوات) ، يسير الشاعر رشيد مجيد في شوارع الناصرية، فيما قلبه مشغول بالحب وذهنه بالكليات (علاقة الشعر بالذهن لابالعقل):
ونحن الرحالون
فيا من اطلقت مسيرتها الكبرى
يا من سويت مصائرها، فيما تحصده، أو تزرع
و ملأت جوانحها طمأ، وهوىً مضرم
لو ندرك حكمتك الازلية
فيما تبنيه، وتهدم
فيما تعطي، تعطي
واذا تمنع تمنع
يا من سويت مصائرنا
وهزأت بها وبنا اجمع
وما من شاعر ولدته الناصرية وريثة أول الحرف إلا وكان الحب والمطلق يحرثان دخيلته ويثمل بالكتابة عنهما، لكن الشاعر يتألق في قصيدته الطوفان، حتى أني أشعر كلما أعدت قراءتها، أن شاعرا سومريا أخا لرشيد في العذاب الكوني، كتبها في الألف الثاني أو الثاني قبل الميلاد :
كان الغزو المائي يمط حزام الأفق
فتنبسط الأرض أمام زحوف الغرق الممتد إلى
أوسع من تلك الدائرة الكبرى
وإلى خلف حدود العودة
حيث يموت الموت هناك وينسى النسيان
في الألف الرابع كانت هيمنة الطوفان

شغلت المرأة في شعر رشيد حيزا كبيرا لاسيما في قصائده الأخيرة، ويبدو أنه لم يكتب شعرا إلا في نساء تمناهن أو أحبهن، تحدث معهن أو تمعن في ملامحهن!، ولعل ذلك كان أحد الاسباب الذي جعل من قصائده تثب من منطقة الغزل المتعارف عليها في الشعر العربي، إلى الحسية أو اللذة المحرمة، وكما يجني الباعة أرباحهم
فأنا أيضا، أجني ارباحي اليومية
أتسلل للشارع، ألمح أول قافلة نسوية
آلاف الخطوات المنسابة كالنسمة
بين الأكمام
وثرثرة الأمواج الفضية
وألوف الأعين، بل وألوف النظرات العطشى،
وألوف البسمات
ألوف الارداف المرتجة
بين الخصر، وما لا يوصف من أعمدة بلورية
ومجتمع الناصرية مغلق الذكر والأنثى فيه معزولان ومحرومان من بعضهما البعض، لالقاء لهما في الغالب إلا في حالة الإقتران!، وإذ تُعد المرأة هاجس الرجل الأول في المدينة، فهي مخيال واسع للشاعر الشغوف باكتشاف المطلق، والدنو من الكليات والوجد في كليانية الحب، وتأتي قصة الشاعر الغريبة مع حبيبته الأولى (ليلى اليهودية) التي يتذكرها أبناء جيله في الناصرية في سياق الحرمان (ليلى فتاة يهودية، القصة غريبة، لكنها حقيقية وليست من نسج الخيال!، هناك صورة في ذهن أي شاب عن فتاة ما : صورتها، نبرة صوتها، وجدتني في يوم ما أقف أمام فتاة فيها كل الصفات التي كنت احب!، حتى رنة الصوت أحببتها دون سابق معرفة، سألت، قالوا : إنها يهودية، طالبة، كان ذلك في نهاية الأربعينات من القرن العشرين، أحببتها بعنف دون أن تشعر هي، ومن خلال مراقبتي لها، ونظراتي، وابتساماتي، شعرت هي بحبي لها !

أحد الشباب اليهود سمع بقصتي من أحد الأصدقاء، فأخبرها بحبي وما كتبته عنها من شعر، وذات يوم، التقيت بها في الشارع، سلمت عليها، ابتسمت، بعد ذلك طلبت من أحد الشباب اليهود أن يأتيها بقصائدي التي كتبتها عنها، وبعد فترة، أوقفت أنا ثلاثة اشهر بتهمة سياسية (الإنتماء للحزب الشيوعي) وبعد أن أطلق سراحي، لم أر صاحبتي، فقد ارتحلت مع أهلها إلى إسرائيل وكانت قصائدي عندها!، خاصة (ملحمة ليلى) فسلمتها هي إلى احد الأصدقاء، وطلبت منه أن يخبرني بأننا سوف لن نلتقي مستقبلا)!
ويالأقدار الشاعر في الحب ؟!
وياللوصف الرائع في هذا المقطع :
مهما احتَشَمت فهي امرأة
تبحث عمن يطفئها في ضجة عري شهوانية
استلهم عينيها ، اتأمل خلفها
هذا الجسد الطيني ، وكيف تمرد عن روح حية ؟
هذا العطش الهمجي على فمها،
حمقى هي ان لم تروي انوثتها
او بلهاء اذا لم تكسر طوق مجاعتها الروحية
حمقى هي ان لم تسمع صوت الدم فيها،
وفحيح النار الجنسية
مهما احتَشَمت فهي امرأة
تبحث عمن يطفئها في ضجة عري شهوانية
استلهم عينيها ، اتأمل خلفها
هذا الجسد الطيني ، وكيف تمرد عن روح حية ؟
هذا العطش الهمجي على فمها،
حمقى هي ان لم تروي انوثتها
او بلهاء اذا لم تكسر طوق مجاعتها الروحية
حمقى هي ان لم تسمع صوت الدم فيها،
وفحيح النار الجنسية !

(في بداية مشواري الشعري، كنت لا أستطيع قراءة قصائدي أمام الجمهور، مما دفعني إلى أن أعطي قصائدي إلى إحدى الفتيات؟! لتقرأها نيابة عني!، كان ذلك في فترة صداقتي لبعض الشيوعيين، وكانت هذه الفتاة تذهب الى بغداد وتقرأ قصائدي الوطنية، خاصة في أيام الوثبة، وقد تكون الفتاة شيوعية، أو قومية، أو مستقلة، لكنها كانت تقرأ قصائدي، حتى أن السياب، عندما كتب مقالاته عن الشيوعيين، قال مخاطبا إياهم ": ان الشاعر الذي كنتم تحاولون كسبه اليكم، كانت قصائده تقرأها فتاة" ، وكان السياب يحب تلك الفتاة ويسلمها رسائل منه لتوصلها لي - كما قيل لي وقتها - لكنني لم أستلم أية رسالة، وعندما التقيت به أردت أن أسأله عن ذلك، إلا أن الشاعر عبد القادر الناصري دخل المقهى التي كنا نجلس فيها وهو ثمل و(خربط!) الحديث فنسيت أن أسأل السياب عن ذلك!!

ويبدو أن موافقة الشاعر على أن تقرأ قصائده تلك الفتاة، ليس لجهة انتمائها السياسي الذي لايهمه كثيرا لكن لجمالها، ويذكر الشاعر الحساس الخجول، أن ريسان مطر كان أول من شجعه على قراءة شعره أمام الجمهور، اشرب بيك عرق واقرأ قصائدك، ويذكر أنه
[في احدى الإحتفالات، وأمام (المتصرف) شربت (بيكين) مما جعلني لا أرى الجالسين أمامي، لكنني استطعت قراءة قصيدتي بصورة جيدة]، في سنة 1985، رشحت من قبل نقابة الفنانين بالناصرية لتقديم الشاعر إلى جمهور الشطرة، كان مضطربا طوال الطريق ولاأعرف سببا لذلك، مع أنه حمل معه زجاجة عرق وكان في أول الثمالة، كان يروح ويجىء في الممر، وقبل حوالي ربع ساعة من حضور الجمهور ازداد قلقه واضطرابه، رغم أنه كان يذهب إلى الحمام (قبل تقديمه) ليشرب بيكا صغيرا ليعود إلى باب القاعة محمرّ العينين!

كان الشاعر يجلس في وقت العصر على كرسي بباب بيته القريب من كراج الشطرة، أو يسير -غالبا مايكون وحيدا- في شارع الحبوبي أو شارع النهر، مفكرا بقصيدة جديدة (إن أكثر الأبيات تأتي إلي وأنا أسير في الشارع، حيث تراني مثل "المسودن" أقف في الطريق وأخرج الورقة وأدون الابيات!)، أحيانا مع صديق قديم أو من الوسط الثقافي والأدبي، كان أنيقا بكبرياء شاعر من الناصرية يتأمل في الوجوه العابرة، وجوه أبناء المدينة (الذبلانة) تحت حكم الطاغية ونظامه الوحشي، وليس مثله شاعر يتحرق قلبه على مدينته كما في قصيدته التي أحبها كثيرا (لاكما تغرق المدن)، وماشهدته في فترة حروب صدام من تغييرات ديموغرافية، وهجوم الجيوش العمالية المصرية تعويضا عن اليد العاملة العراقية، التي تحولت إلى فيالق جيش وكان نصيبها الموت الزؤام في الحرب المجنونة!، وجوه غابت في الحروب والمنافي والمعتقلات والمخيمات والأسر، وربما صادفه وجه حسناء يضمن ملامحها إحدى قصائده القادمة!

في عقد الثمانينيات أي خلال الحرب العراقية الإيرانية، كنت أحرص خلال الإجازة الشهرية على زيارته في المكتبة العامة، ويحرص هو على قراءة آخر قصائده الغزلية، التي تترواح بين العذرية والحسية وأحيانا المحرمة، ويبقى طيف ليلى اليهودية طاغيا في كل أنثى وذكراها التي تشتعل في صدره، يستل قصيدته الأخيرة بشخابيطها وتصحيحاتها من مغلفه الشفاف، أقرأ في تهدج صوته وجحوظ عينيه ماوراء المسطور في الورقة، يقرأ ويقرأ وأنا لاأمل سماع الشاعر المنسجم مع ذاته وصنيعه الشعري، غنائيته المحببة وإشارات يديه الحماسية، وكانت المدينة تمر بشوراعها وناسها وأحداثها ووجوه الصحب عزران البدري وصبري حامد (أمين المكتبة السابق) وعبد القادر الناصري وعباس ملا علي وغيرهم، النهر وأمواجه عكد الهوى وناسه من مضى ومن بقي، يقرأ حتى تحمر وجنتاه ويصعد الدم إلى صدغيه كأنما يقرأ تميمة!، يسرح مع الكلمات يتغور معانيها يثب إلى الأعلى فرحا كطفل، نصبت له أرجوحة بين النجوم، متأملا ماحوله بغبطة وحبور، أشعار حزينة أخرى تندب الماضي ومكانا غامت ملامحه ولم يعد يألفه، وكنت أطلب منه إعادة شطر ما إما لحزنه الشفيف لاسيما المكتوب على بحر الرمل، وكانت قصائدي الأولى تشهد للبحر الحزين، أو محبوكا بصناعة جيدة، أو لتنبيه الشاعر إلى أني أصغي إليه بعناية.


في شارع الحبوبي، التقيته صدفة حائرا متمهلا في الأسبوع الثاني على اندلاع انتفاضة آذار الخالدة 1991، مضينا معا وسألني (شنو القصة ماتكلي؟!) قلت له هذه انتفاضة شعبية ضد طغيان صدام ونظامه، قال أعرف قلت العراقيون يسمونها انتفاضة آذار لأن كل فئات الشعب اشتركت بها، أما المتشددون فيسمونها شعبانية ويريدوها ثورة إسلامية فابتسم الشاعر!، كان الشارع حينذاك مملوءا بالناس والسيارات والعربات والأزبال، بعد أسابيع من قصف طائرات دول التحالف، واشتداد حدة الحصار الاقتصادي، ومقتل المحافظ في اليوم الأول من الإنتفاضة، وتعطل الحياة والفوضى التي ضربت أطنابها في كل زوايا المدينة!

السلام والسكينة الأبدية لروح الشاعر رشيد مجيد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين الأقواس : رشيد مجيد انسانا وشاعرا .. داود سلمان الشويلي
فصول أخرى من الكتاب على الرابط التالي
http://tarikherbi.com/nasryabook.html





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,651,758,296
- علم الغربية .. باطل!
- حول طبخة الحكومة العراقية الجديدة في طهران !
- رمان ياقلعاوي!
- برزاني على خطى صدام وكيمياوي!
- حي الأرامل والأيتام!
- لوكان المالكي مخلصا ونزيها ؟!
- الشطرة تهتف ضد حكومة الفساد : شلون انتخبك وانت تبوك الكمية؟!
- غزوة البطاقة التموينية!
- وظفوا بلير مستشارا لدى الحكومة العراقية!
- هذا هو العراق (2)
- هذا هو العراق
- الطريق إلى المسطر
- شارع الحبوبي
- مجلس لملوم ذي قار يقاطع المنتوجات الهولندية!
- لماذا نكبة تكريت برقبة المالكي؟!
- غزوة جرافات أمانة العاصمة القندهارية لشارع المتنبي ببغداد!
- ملصق عن الحجاب في جامعة بابل وعار حفلات التكليف في العراق
- ردا على علي الدباغ وطارق حرب : آووا السوريين مثلما آووا العر ...
- سميسم والمالكي : -لقاء حبايب- انهى ازمة سحب الثقة ؟!
- قصر نظر المالكي في علاقات العراق الدولية!


المزيد.....




- قائمة اليونسكو: الوردة الشامية ونخيل التمر وأربعينية الحسين ...
- فنان مصري شهير يكشف تفاصيل إصابته بورم حميد
- رئيس الحكومة يستقبل رئيس هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الا ...
- من الفائز بلقب -مخرج السنوات العشر-؟
- كسوف الشمس: أساطير وخرافات
- رشاد السامعي.. كاريكاتير يرسم صوت اليمنيين
- مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية: جلالة الملك قائد دولة يح ...
- افتتاح أشغال الدورة الرابعة للمنتدى البرلماني الفرنسي المغرب ...
- الجمعية العامة للأمم المتحدة تجدد دعمها للمسار السياسي لتسوي ...
- الأدب وجرائم الحرب.. طبيبة تنازلت عن جائزة نوبل نصرة لضحايا ...


المزيد.....

- من حديقة البشر / صلاح الدين محسن
- الفصول الأربعة / صلاح الدين محسن
- عرائش الياسمين / ليندا احمد سليمان
- ديوان الشيطان الصوفي / السعيد عبدالغني
- ديوان الذى حوى / السعيد عبدالغني
- مناجاة الاقلام / نجوة علي حسيني
- المراسيم الملكية إعلان الاستقلال البيان الملكي / أفنان القاسم
- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طارق حربي - مقهى عزران وشاعر المدينة .. فصلان من كتاب (الناصرية .. شخصيات وأمكنة)