أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - منظمة 23 مارس الماركسية اللينينية - التقرير التوجيهي -















المزيد.....



منظمة 23 مارس الماركسية اللينينية - التقرير التوجيهي -


سعيد الوجاني
كاتب ، محلل سياسي ، شاعر

(Oujjani Said )


الحوار المتمدن-العدد: 3975 - 2013 / 1 / 17 - 19:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    




( للتاريخ حتى لا ’ينسى ويضيع . لتراث وأرشيف الحركة الماركسية اللينينية المغربية . لأساتذة وطلاب علم السياسة والعلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي . للأجيال الحالية والآتية . للمهتمين بموضوع اليسراوية واليسار والحركات الاسلاموية . لمناضلي درب صنعوا صرحا شامخا في يوم من الايام وتخلوا عنه في اليوم الثاني من نفس تلك الايام . لهؤلاء جميعا نهدي هذه المادة التي اضحت تراثا تاريخيا ملكا لجميع المهتمين بمادة الاحزاب السياسية . )
يقول ليون تروتسكي " اذا كان البناء النظري الشامخ للاقتصاد السياسي للماركسية يرتكز على نظرية القيمة – العمل المادي ، فان السياسة الثورية للماركسية ترتكز على نظرية الحزب كطليعة للبروليتارية . ومهما كانت الخلفية الاجتماعية والأسباب السياسية للأخطاء والانحرافات الانتهازية ، فإنها ايديولوجيا تعود دائما الى فهم خاطئ للحزب الثوري ، لعلاقته بالمنظمات الجماهيرية ، وبالطبقة العاملة بأكملها " . نورد هذه المقولة لليون تروتسكي في مقدمة هذا العمل الذي يهدف الى تناول جزءا من تاريخ اليسار الماركسي اللينيني . ونحن نحدد الخط العام الذي سننتهجه في هذا الكشف ، اي دراسة هذه التجارب ، تقييمها واستخلاص الدروس منها ارتباطا بمسألة تعتبر اساسية على جدول من ينتسبون الى الماركسية اللينينية ، ألا وهي بناء الحزب الثوري الماركسي اللينيني .
وتعترضنا في هذا الكشف بعض المسائل في منهجيته لا بد من توضيحها منذ البداية ، ذلك انه عندما نريد ان نقيم ، فلا يعني هذا الرمي بكل ما حدث في سلة المهملات ، وإظهار النفس بمظهر المنقذ وصاحب الوصفة السحرية . ان هذا المنطق الذي ساد ويسود في صفوف اليسار الماركسي بالمغرب ، لهو من مظاهر الازمة التي يعيشها اليسار حاليا .
واذا كان جميع الماركسيين يعون ان التنظيم او الحزب الثوري يقوم على برنامج قبل كل شيء ، فان الصعوبة والتعقيدات تكمن في تحويل البرنامج الى وقاع مادي ، وجعله ملتحما بواقع الصراع اليومي في المجتمع ، بحيث يصبح فاعلا فيه وموجها له ، وبالتالي فالمعضلة هي كيف يمكن على ضوء البرنامج الثوري الحزبي ، صياغة الاجابات المطلوبة المتناسقة مع الواقع ، والمستجيبة لمتطلبات اللحظة المعينة ، ولا سيما في فهم دور التنظيم وعلاقته بالحركة الجماهيرية وبالطبقة العاملة التي يدعي تمثيلها والدفاع عن مصالحها ، وهو ما يعني جذور الاخطاء والانحرافات الانتهازية التي طبعت التجربة وساهمت في افلاسها .
ولقد حدد العديد من التيارات البرجوازية والماركسية ، وحتى التيار الديني ازمة اليسار الماركسي في عجزه عن الالتحام بحركة الواقع ، وبالتالي عجزه عن بناء قاعدة جماهيرية ، وهي اذ تصيب في هذا بشكل عام ، باعتبار ان العجز ظاهرة عضوية ، إلا ان مجرى التطور الذي عرفه الصراع السياسي ، اثبت ان الاصل في الازمة يرجع الى العجز في التطبيق ، ان العضال هو كامن في اليساريين اكثر من ’كمونه في الفكر اليساري .
واذا كان المناضلون والمتعاطفون مع منظمة الى الامام قد بدلوا مجهودا في جمع تراث المنظمة وتدوينه ، فان تراث منظمة 23 مارس ظل غريبا او مجهولا ، بحيث لم يبدل احد من مؤسسي المنظمة ، او الجيل الذي انخرط فيها لاحقا اي مجهود يذكر في جمع وتدوين مسارها ، سواء الذي بدأ مع انشاء التنظيم بصفة رسمية في 23 مارس 1970 ، او من قبل الاشخاص الذين انتقلوا الى ضفاف اخرى بعد تخليهم عن المنظمة الام ، سواء في شكل " 23 مارس " اليمينية التي اطلق عليها لاحقا اسم " الانواليون " نسبة الى جريدة انوال التي كانت المنظمة تصدرها منذ بداية ثمانينات القرن الماضي ، او المجموعة التي كونت تيار " التكتليون " الذي ’عرف فيما بعد ب " لنخدم الشعب " او الجماعة التي كونت " الوحدة والنضال " ومنه كونت " رابطة العمل الثوري بالمغرب " . لقد تم حل جميع هذه التنظيمات من قبل اعضاءها ، وكأن الجميع كان يحاول الاسراع من التخلص من تجربة ، كيفما كان نتيجتها ، فإنها تظل جزءا من تراث الحركة الماركسية اللينينية المغربية . هكذا تم حل منظمة العمل الديمقراطي الشعبي لتنخرط في الحزب الاشتراكي الموحد ، كما تم حل رابطة العمل الثوري بالمغرب لتنضم كأشخاص وليس كتيار في حزب الطليعة ، اما حركة لنخدم فقد تقطع بها السبل نحو وجهات مختلفة الى ان انقرضت نهائيا من الساحة .
وبالرجوع الى تاريخ الحركة الماركسية اللينينية المغربية ، فإننا لا نكاد نعتر على وثيقة تؤسس لمنظمة 23 مارس بخلاف منظمة الى الامام التي انبرى مؤسسوها وأطرها بمختلف مشاربهم الايديولوجية والسياسية ( النهج الديمقراطي ) الذي زاغ عن المنظمة ، او المتعاطفون مع تجربة ( النهج الديمقراطي القاعدي ) الامتداد التنظيمي والإيديولوجي لمنظمة الى الامام في سبعينات القرن الماضي ، اي قبل 1979 الذي بدأ فيها التراجع بدعوى الاصلاح والواقعية . ان الوثيقة الوحيدة التي تم العثور عليها بخصوص منظمة 23 مارس ، هي رسالة موجهة من قيادة المنظمة الى قيادة منظمة الى الامام ، بعد ان تقطعت السبل بهم ، بسبب الضربات الموجعة التي تلقياها من قبل الدولة . وبالرجوع الى تلك الرسالة الهامة التي كانت مؤشرا دالا على الوضع التنظيمي والإيديولوجي والسياسي التي حظرت المنظمة نفسها له ، نجد " لم يخطر ببالنا ، ولم يكن يخطر آلاّ نكاتب بعضنا في هذا الزمن الذي ليس باليسير ، فالصراعات والتمزقات التي عاشها اليسار طوال هذه المرحلة ، حجبت عنّا جميعا ، ضرورة وايجابية الحوار فيما بيننا . لقد تقوقع كل منّا على نفسه ، ومضى في طريقه الخاص ، يحاور ذاته عن تجربته وخططه وتكتيكاته ومسؤولياته ، وحتى الصراع الخارجي العنيف الذي دار بين فرق اليسار ، لم يكن ليساعد في هذا التواصل فيما بيننا ، بل على العكس ، كان يضاعف من جو القطيعة ان صح التعبير .
وبعد ، فقد هدأت الاوضاع نسبيا ، واستقر كل منّا في اتجاه ، وأصبح بإمكانه ان يميز بوضوح كبير بين ما يربطه وبين ما يخالفه عن الاخر . فماذا جرى في كل هذا الزمن ، ما هي آفاق الحركة ، وكيف الخروج من وضع التشتت والتخلف الحاليين ؟ .
هذه هي الاسئلة التي كان من المنطقي جدا ان تكون موضوع رسالتنا ، وبداية مراسلتنا ما دمنا نجدد معكم الاتصال للمرة الاولى . لكن للأسف مرة ثانية ، فالزمن الذي مضى ، كان كثيف التطورات والتناقضات لدرجة لم يعد من السهل تلخيصها وتقييمها في رسالة واحدة . ومع ذلك سنحاول ان نعطي ولو فكرة اولية عن انفسنا على سبيل التمهيد لنقاشنا هذا ، والذي نتمنى ان يطول ويتوصل الى الهدف السامي الذي نريده منه .
ليس جديدا القول بان الحركة الماركسية تجتاز ازمة من اعوص الازمات التي عاشتها . الازمة هذه المرة متصلة بوجودها وقدرتها على الاستمرار كجسم سياسي ثوري . لقد كنّا نتحدث دائما عن الازمة لسنوات مضت حتى قبل ان نصير بهذا الشكل وبهذا الحجم ، إلا ان ما نؤكد عليه اليوم ، اكثر من اي وقت مضى ، هو ان جذر هذه الازمة ، يكمن في خطنا السياسي والفكري الذي نهجناه طوال هذه المرحلة . " العزلة عن الجماهير " و " فشلنا في الالتحاق بها " ليس إلا مظهرا – حتى ولو كان رئيسيا – من مظاهر ازمة الخط . اكثر من هذا .... لخ " .
تمهيد تاريخي : وجدنا من الضروري قبل الدخول في عرض فصول هذه الارضية ، ومن اجل ان نضعها في سياقها من التطور التاريخي ، ان نقوم بتقديم خلاصات موجزة جدا حول تطور الحركة الماركسية اللينينية المغربية . نشوؤها والمراحل التي تطورت فيها ، وذلك من اجل تمكين المناضلين وكل القراء من مناقشتها ، لا من زاوية مجردة مفصولة ، بل في اطارها التاريخي الملموس المربوط بالتطور الفعلي للحركة الثورية في المغرب .
وإننا لنشارك في الرأي جمهورا واسعا من المناضلين والمهتمين الذين يطالبون بإلحاح ، بضرورة كتابة تاريخ الحركة الماركسية اللينينية المغربية بتفصيل ، وإعطاء تقييم نقدي لتجربتها ، ونعتبر هذه المقدمة هي مساهمة اولية لكتابة هذه التجربة .
انتفاضة 23 مارس 1965 وبروز الوعي الثوري بالمغرب : كانت انتفاضة 23 مارس 1965 اول انتفاضة شعبية كبرى بعد الاستقلال ، تظاهر فيها آلاف من الشباب والعاطلين في اغلب المدن المغربية ، وسقط فيها ما يزيد عن الف ضحية بسبب التدخل العنيف للجنرال محمد افقير ، فعمت الاعتقالات بالجملة في هذا الجو ، وفي هذه المعركة التي اعلنت فيها الجماهير بغريزتها الثورية ، وبأسلوبها الخاص ، عن قطيعتها النهائية مع خط العمل الاصلاحي البرلماني ، وعن رفض كامل لإستراتيجية الملكية البرلمانية والدستورية .
في هذا الظرف دخلت الاحزاب السياسية المغربية ( حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ) المفاوضات المشهورة مع الدولة . وفي هذه الفترة ايضا ، بدأ سؤال كبير وخطير يطرح بين المناضلين وبالخصوص الشباب الذين عاشوا وشاركوا في نضالات 23 مارس ، وفي نفس الوقت كانوا مناضلين منتمين لحزب ( الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ) : كيف يصح بعد المجزرة الوحشية التي اقامها الحكم ضد الجماهير ، ان يصافح زعمائنا وقادتنا رئيس الدولة ويجلسون معه على طاولة واحدة للحديث عن " مصلحة الشعب " الذي سحقه الحكم بالأمس ؟ .
وفي التجمعات الحزبية الداخلية كان المناضلون يواجهون القيادة : لماذا تفاوضتم ؟ . وكان جواب القيادة كالصاعقة : لا يمكن ان نبوح بإسرار الحزب في التجمعات الحزبية .. وأصبح كل مناضل يطرح اسئلة حول هذا الوضع ، يعتبر من طرف القيادة مدسوسا ويقمع بقوة .
وبين المناضلين ، كان لا بد للأسئلة من جواب : من نحن ؟ لماذا تصرف حزبنا بهذا الشكل ؟ . لماذا توجد الجماهير في واد وأحزابنا في آخر ، متخلفة وعيا وممارسة عن الحركة الجماهيرية ؟ . هل هذه الاخطاء ناتجة عن القمع فقط ؟ ... لخ .
وللجواب عن القضايا التي يطرحها الواقع المغربي ، وعن الازمة التي كانت تعيشها الحركة التقدمية ، بدأ المناضلون يتعرفون بعمق اكبر ، ومن خلال الحاجيات التي تطرحها الممارسة ، على ما هو الحزب الثوري الحقيقي ، وما هي ايديولوجيته ، وسياسته ، وكيف يصنع الثورة مع الجماهير ومن اجل الجماهير . وانطلاقا من تحرك الجماهير في انتفاضة 23 مارس ، ومن صدمة المفاوضات ، بدأ التعرف على تجربة حزب لينين والثورة الروسية ، وأيضا التعرف على الحزب الثوري والثورة في الصين والفيتنام .
وكانت الخلاصات الاولى :
1 ) انه في مجتمع كمجتمعنا خاضع لسيطرة الامبريالية وعملاءها المحليين ، حيث ان البرجوازية المغربية ضعيفة اقتصاديا ، بل نمت تحت حضانة الاستعمار والإقطاع ، فهي غير قادرة على قيادة الجماهير لتحقيق الثورة الديمقراطية ، اي الثورة التي تهدف بالأساس الى تحرير المغرب من استغلال الاستعمار الجديد والإقطاعية .
2 ) ان طريق الثورة الديمقراطية الوطنية الشعبية في المغرب لن تنجح إلا بقيادة الطبقة العاملة وبتحالف وثيق مع جماهير الفلاحين الفقراء .
3 ) ان طريق الثورة في المغرب لن تكون تحت شعار الملكية البرلمانية والدستورية ، وان اي تغيير حقيقي لن يتم إلا بطرح مسألة السلطة طرحا ثوريا ، بمعنى انه بدل الخط الاصلاحي البرلماني الذي يهدف في النهاية الى الوصول الى ملكية دستورية برلمانية ، يجب النضال من اجل اقامة نظام الجمهورية الشعبية ، وان يكون الوصول اليها عبر طريق الثورة الشعبية العنيفة .
4 ) ان الاداة للوصول الى ترجمة هذه الاهداف ، هي الحزب الثوري الذي يهتدي ويتسلح في نضاله ، بنظرية الطبقة العاملة : الماركسية اللينينية ، ويعتمد بالأساس في نضاله على الحركة الجماهيرية ، وبالخصوص العمال والفلاحين الفقراء .
كانت هذه الخلاصات الاولية التي توصل اليها المناضلون ، واتت نتيجة للتجربة الدموية التي حصلت في 23 مارس 1965 ، كنقط اساسية في تشكيل التفكير الاول الذي هيأ الشروط ، شروط الوعي ، لبروز النواة الاولى للحركة الماركسية اللينينية المغربية ، والتي كان اغلب مؤسسيها مناضلون انبثقوا من كفاح الحركة الجماهيرية ، وبالخصوص انتفاضة 23 مارس ، وساهموا عن قرب كمناضلين قاعديين في تجربة غير قصيرة داخل حزب الاتحاد الوطني / الاشتراكي للقوات الشعبية .
هزيمة 5 جوان 1967 مرحلة حاسمة في تأسيس الحركة الماركسية اللينينية المغربية : لقد اتت هزيمة الانظمة العربية امام العدو الصهيوني ، لتوضح قضايا عميقة جدا ، وتطرح ازمة الثورة المغربية في اطار الازمة العامة التي تعيشها الثورة العربية .
لماذا ’هزمت الجيوش العربية امام اسرائيل ؟ وبالخصوص جيوش الانظمة التي كانت تعتبر آنذاك تقدمية ؟ . ألآن اسرائيل متفوقة تقنيا ؟ لكن ماذا نقول عن حرب فيتنام التي يواجه فيها الشعب الفيتنامي احدث الاسلحة الامريكية ، ومع ذلك الحق الهزيمة الكاملة والنهائية بأحدث جيش عصري للامبريالية الامريكية . الجواب بسيط . في الفيتنام الشعب كله يقاتل ، كله حمل السلاح ، وهذا هو سر قوته . اما في انظمتنا العربية ، فأمر السلاح والقتال متروك للجيوش النظامية . لماذا رفضت الانظمة التقدمية تسليح الشعب ؟ ليس من جواب على هذا السؤال سوى انها ، اي الانظمة ، تخاف على نفسها ومصالحها اذا حملت الجماهير السلاح . لكن لماذا تخاف ؟ لان هذه الانظمة ، انظمة برجوازية الدولة صعدت الى السلطة عبر الانقلابات العسكرية ، وليس عبر ثورة شعبية حقيقية ، وحققت فعلا بعض المنجزات الوطنية ( الجلاء ، التأميمات ، القطاع العام ..لخ ) لكن المستفيد منها ليس العمال والفلاحين الفقراء ، بل القسط الاكبر يحصل عليه البيروقراطيون العسكريون ، والمدنيون القابضون على السلطة الفعلية ، والذين يتحولون تدريجيا الى برجوازيين رأسماليين من نوع جديد .
ان تسليح الشعب يعني تسليم السلطة لأغلبية الشعب ( العمال والفلاحون الفقراء ) وهذا الامر غير ممكن بل مستحيل بالنسبة لهذه الانظمة البرجوازية الجديدة .
ان احزابنا في المعارضة المغربية ( الاتحاد الوطني / الاشتراكي ، حزب الاستقلال وحزب التحرر / التقدم والاشتراكية ) هي مشاريع مثل هذه الانظمة المفلسة ، لان نفس الاهداف والخط السياسي الذي تناضل من اجل تطبيقه في المغرب ، طبق وجرب في الشرق العربي وكانت نتيجته : هزيمة 5 يونيو 1967 ( من النكبة الى النكسة ) .
بعد الهزيمة وبعد تطور المقاومة الفلسطينية التي خطت طريقا جديدا في الثورة العربية ، وبعد بروز الجناح الماركسي اللينيني الثوري في المقاومة ، بعد كل هذه العوامل مقرونة بوضعنا المحلي داخل تطور النواة الاولى للحركة الماركسية اللينينية المغربية في مرحلة جديدة . ذلك ان هذا التطور اجتثّ كل الجذور الفكرية البرجوازية الصغيرة ، ووضع امامنا اختيارا لا محيد عنه هو : الانفصال الفكري والتنظيمي عن حزب ( الاتحاد الوطني / الاشتراكي للقوات الشعبية ) ، اي ينبغي تنظيم الانفصال التنظيمي عن الحزب ، وشق طريق ممارسة مستقلة . لقد كان هذا الاختيار ضروريا وصعبا جدا من زاوية المهام التي يطرحها ، خاصة وان الحركة الجماهيرية كانت في الفترة ما بين 1966 و 1967 تشهد ركودا مؤقتا بعد مجزرة مارس الدموية . ووقع اختيار الطريق الصعب ، وبدل النواة السابقة ، تأسست اول حركة ماركسية ، ضمت في صفوفها كأغلبية ، مناضلين سابقين في القوات الشعبية ، ومجموعة اخرى من المناضلين التي انشقت عن حزب ( التحرر / التقدم والاشتراكية ) ، وعلى رأسها رفيقنا الفقيد حماما المدعو الخطابي . وكانت هذه اول مجموعة انشقت عن حزب التحرر مباشرة بعد هزيمة يونيو 1967 ، وكل عناصرها ذوي اصول طبقية شعبية ، وثقافتها الاساسية عربية .
كانت ارضية اللقاء والعمل لهذه الحلقة هي نفسها الخلاصات التي اوجزناها اعلاه . وشقت هذه الحلقة طريقها نحو العمل ، فأصدرت اول منشور سري سنة 1967 من اجل مقاطعة " سلطان الطلبة بفاس ، ونظمت دعاية مكثفة حول القضايا العربية وسط القطاع الطلابي بالخصوص ، لمناهضة الحل السلمي وإستراتيجية " ازالة آثار العدوان " وتأييد ودعم اطروحات يسار المقاومة الفلسطينية ممثلا في ( الجبهتين الديمقراطية / والشعبية لتحرير فلسطين ) .
كان المؤتمر الثاني عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب اوج هذا العمل الاوّلي ، والصراع الذي شهده هذا المؤتمر حول القضية الفلسطينية ، كان بداية النقاش لطرح النضال ضد كامل استراتيجية ومنطلقات القوى الاصلاحية والتحريفية .
المؤتمر الثالث عشر ل ( ا و ط م ) 1967 اعلان جماهيري لوجود ( الحركة م ل م ) : لقد ادى عمل النواة ، وفيما بعد الحلقة الى طرح الصراع الايديولوجي داخل قواعد المناضلين في حزب ( الاتحاد الوطني / الاشتراكي للقوات الشعبية ) ، ووسط عموم الحركة الطلابية ، وعمقت ممارسة الاحزاب البرجوازية نفسها خلال مفاوضات 1965 ، وهزيمة 1967 ، واتضح وجه التحريفية العالمية المعاصرة نتيجة الدور الثوري الذي ادته الثورة الثقافية البروليتارية الصينية . كل هذه العوامل حضرت بكيفية متوالية انبثاق تيار جماهيري وسط الشبيبة ، متشبع بخط الحركة الماركسية اللينينية . لقد كان المؤتمر الثالث عشر ، والمقررات التي اسفر عنها ، خاصة البيان الوطني العربي ، تسجيلا ملموسا لانبثاق خط جديد في الثورة المغربية ، لم يأت تقليدا للموضة اليسارية ، ولم يكن غريبا عن واقعنا الوطني والعربي ، بل جاء تعبيرا عن اندفاع نضالي ديمقراطي ثوري لدى الحركة الجماهيرية في المغرب ، جسدته انتفاضة 23 مارس 1965 . جاء ضرورة حتمية نظرا لعجز القيادات البرجوازية الصغيرة تاريخيا ، ليس فقط على الصعيد المغربي ، بل على الصعيد العربي كله .
وداخل المؤتمر التقت عدة حلقات اخرى ، اغلبها مناضلون سابقون في القوات الشعبية ، وبدأت التنسيق فيما بينها . بينما حافظت المجموعة المتقدمة داخل ( حزب التحرر / التقدم والاشتراكية ) ، والتي بدأت تطرح انتقادات ضد الخط العام التحريفي داخل الحزب ، على تواجدها داخل الحزب ، بهدف استنفاد كل امكانية العمل في الصراع الداخلي للحزب ، وبذلك فشلت المحاولة الاولى للوصول مع هذا التيار لخطة عمل موحدة مكشوفة ، ضد قيادات البرجوازية الاصلاحية والتحريفية .
23 مارس 1970 اول عمل موحد ومنظم ( للحركة م ل م ) : لقد ادت كل هذه التطورات ، مضافا اليها ظهور تيار ثوري متقدم وسط المناضلين الاتحاديين في المنفى ، عبد السلام الجبلي ومحمد بن سعيد آيت إيدر ، بدأ من خلال ممارسته الطويلة داخل الحركة الوطنية ( جيش التحرير والمقاومة ) ، ومع توالي الفشل المتكرر (1960 – 1963 – 1965 ) يلتقي مع نفس الخلاصات التي تعبر عنها الحركة الماركسية اللينينة المغربية ، ادى الى تأسيس اول تجمع موحد تنظيميا لأغلب قوى الحركة الماركسية اللينينة المغربية . وقد صادف الاجتماع التأسيسي لهذا التجمع الذكرى الخامسة لانتفاضة 23 مارس 1965 : 23 مارس 1970 ، حيث توحدت القوى الفتية للحركة الماركسية اللينينة ، وتبنت استراتيجية النضال لإقامة جمهورية ديمقراطية شعبية ، عن طريق الحرب الشعبية الطويلة الامد ، وهو التبني الواضح لأفق الثورة العربية . لقد كانت هذه بإيجاز الاسس الايديولوجية والسياسية التي على اساسها تم التوحيد الاول ، وتأسيس المنظمة الثورية المغربية ( منظمة 23 مارس ) .
غشت 1970 انفصال التيار الثوري داخل حزب التحرر / التقدم والاشتراكية : لقد ادت هذه التطورات على صعيد الحركة السياسية الى تجدر اغلب قواعد ( حزب التحرر والاشتراكية ) ، وقد ادت محاكمة علي يعته والتصريحات التي ادلى بها داخل المحكمة ، والتي اعلن فيها تراجعه عن المبادئ الثورية ، واستسلامه المذل للنظام ، وموقف الحزب المؤيد لمشروع روجرز في الشرق الاوسط ، وتأسيس " الكتلة الوطنية " ، الى انفجار عام داخل قواعد الحزب ، وادى الى انفصال وانسحاب جماعي لأغلب قواعده الشابة . وبذلك تأسس الفصيل الثاني في الحركة الماركسية اللينينة المغربية ، والذي سيعرف ابتداء من 1973 بمنظمة ( الى الامام ) .
تجربة التنسيق المشترك بين فصيلي ( الحركة م ل م ) منذ 1970 حتى 1972 : لقد تركز النشاط المشترك بين فصيلي الحركة الماركسية اللينينية المغربية حول النقط التالية :
--- النضال بجانب الثورة الفلسطينية ، باعتبارها قضية وطنية لا تختلف عن الثورة الزراعية في المغرب او جلاء القواعد الاجنبية ، وباعتبار ان الدعم الحقيقي للثورة الفلسطينية ليس هو الدعم المادي فقط ، بل ان واجبنا الاكثر اهمية هو فضح ارتباط الدولة بالصهيونية ، وتعبئة الحركة الجماهيرية نضاليا لدعم الثورة الفلسطينية امام محاولات تصفيتها .
--- وعلى صعيد الحركة الجماهيرية ، اعتبار ان المهمة المباشرة هي تدعيم وتطوير الكفاحات اليومية للجماهير ، انطلاقا من مشاكلها البسيطة ، وانطلاقا من استعداداتها الفعلية . وكان لابد في ممارستنا ان نتصادم مع السياسة الانتظارية للأحزاب الاصلاحية والتحريفية التي تشكل الحركة الجماهيرية بالنسبة اليها ، ورقة فقط من اجل الوصول الى مائدة المفاوضات مع النظام وولوج البرلمان والمناصب العليا .
--- كما لعب اصدرا مجلة انفاس بالعربية دورا اساسيا في نشر الفكر الثوري ، وفي بلورة تيار جماهيري حول الحركة الماركسية اللينينية المغربية .
--- كما تصدت ( الحركة م ل م ) في هذه الفترة ، وخلال انقلاب الصخيرات ، ومع العزلة الشديدة للنظام ، الى دور الفعل السياسي على الصعيد الوطني على اساس الشعارات الاساسية : " النضال من اجل عزل الحكم الرجعي ، النضال من اجل تصعيد كفاحية الجماهير " .
وعلى اساس هذا الموقف ، خاض الفصيلان معركة جماهيرية شكلت فيها حركة الشباب القوة الاساسية ( فبراير – مارس 1972 ) ، وبسبب ذلك تعرضت الحركة م ل م لحملة القمع الاولى .
ان هذا النضال المشترك ، كان من شأنه أن عزز الشعور بضرورة الوحدة بين طرفي الحركة ، كما وضع الاسس الحقيقية لتجاوز بعض الخلافات التي كانت موجودة بين فصيلي الحركة ، وخاصة حول مفهوم العنف الثوري بالمغرب ، وحول المفهوم التنظيمي لبناء الحزب الثوري .. لخ .
الحركة م ل م في مواجهة الظروف الصعبة التي خلقها تطور الوضع بعد مارس 1973 : اثناء شهر مارس 1973 ، وفي اوج تصاعد الحركة الجماهيرية المغربية ، وبعد انفجار احداث 3 مارس 1973 ، شرع الحكم في تطبيق سياسة " تصفية الثلث من الشعب " . فبعد ان منع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، واعتقل عددا من مسؤولي ومناضلي النقابة الوطنية للتلاميذ ، قرر توقيف حزب ( الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ) ، وشرع في حملة ارهاب واسعة النطاق ضد الجماهير ، وضد خيرة مناضلي الشعب المغربي ، وذلك بهدف شل الحركة الجماهيرية وإرهابها ، في نفس الوقت كان يعمل النظام على اعادة ترتيب اوضاعه الاقتصادية وأجهزته القمعية .
الفصل الاول : الهيكلة الاستغلالية الجديدة
1 – الامبريالية : لقد انتقل المغرب عبر مفاوضات ايكس ليبان من سيطرة الاستعمار القديم الى التبعية للاستعمار الجديد ، وبكلمة اخرى من بلد مستعمر الى بلد تابع للاستعمار الجديد . اما الفرق بين وجهي السيطرة ، فهو ان الاول كان احتلالا عسكريا كاملا للتراب الوطني ، وتقسيما لوحدته ، وتحكما مطلقا في اقتصاده ، وشؤونه السياسية ، وتبديدا مباشرا لمقوماته القومية ، بينما الثاني احتفظ على كل مقومات السيطرة والتبعية الاقتصادية والسياسية ، ولكن بغطاء الاستقلال السياسي ، وبواسطة حكم طبقة محلية كشريك في الاستغلال الامبريالي .
تقوم السيطرة الامبريالية الجديدة على اساسين :
ا ) تفكيك الاقتصاد الوطني ودمجه بالسوق الامبريالية .
ب ) امساك الرأسمال الامبريالي بكل مقدرات الاقتصاد الوطني المالية والاقتصادية والصناعية والتجارية والزراعية والصيد البحري ، وبالتالي التحكم في توجيه الاقتصاد الوطني خدمة لإغراض الامبريالية .
من الضروري التمييز بين هذين الوجهين من السيطرة الامبريالية ، وهذه ذات مسألة استراتيجية ، لان القوى البرجوازية تذهب في ظروف معينة وعلاقات قوى معينة ، الى حد التخلص من الوجود الامبريالي المباشر ، دون ان تغير من تبعية النظام للامبريالية ، او دون ان تخرج الاقتصاد الوطني من نطاق تبعيته للسوق الامبريالية ، بكل ما يجر من تملك للقوى المنتجة ، ومن استغلال للجماهير الكادحة . وهذا النموذج يظهر بشكله النقي في بعض انظمة رأسمالية الدولة ، كما سيتبين فيما بعد . ان التمييز بين وجهي السيطرة الامبريالية ، لا يعني انفصالهما الواقعي في النظام الاقتصادي الذي نحن بصدده ، بل يعني ان وحدتهما وتكاملهما هو الواقع الملموس لممارسة الطبقة الحاكمة .
في النظام القائم ، تراجع الاستعمار جزئيا عن بعض مواقعه الاقتصادية ، لمصلحة الطبقة الحاكمة ، ولمصلحته نفسه ، واحتفظ بكل مواقع السيطرة الامبريالية في الميدان الصناعي والبنكي . لقد تراجع خاصة في ميدان الملكية الفلاحية ، وفي بعض استثمارات التجهيز والسكك الحديدية والكهرباء والماء ، وجزئيا في القطاع الثالث بسبب مغربته . لكن تفكيك الاقتصاد الوطني ودمجه بالامبريالية ازدادت وثيرته وارتباطاته ، ويظهر ذلك جليا في النشاط الاقتصادي الانتاجي والسياحي الذي قامت به الدولة خلال العشر سنوات الاخيرة . لقد ركزت الدولة كل مجهوداتها لتشجيع فلاحة التصدير الى السوق الاوربية ، ولتشجيع كل الانشطة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة ( المباني ، الصناعة التقليدية ) .
والهدف هو تكييف الاقتصاد الوطني وضبطه لخدمة السوق الامبريالية والسوق الاوربية خاصة . وتنعكس هذه الحقيقة حسابيا في تحليل نظام المبادلات الداخلي بين مختلف قطاعات الانتاج ، ومن جهة اخرى في تحليل هذا النظام على صعيد التجارة الخارجية . وخلاصة التحليل تبين ، ان ضعف المبادلات داخليا بين مختلف القطاعات الانتاجية ، يعكس تفككا داخليا للاقتصاد الوطني ، حيث ان كل قطاع يخدم هدفا اقتصاديا في نظام اقتصادي امبريالي متكامل ، وان استقلال القطاعات عن بعضها يؤدي الى استيراد المواد الباقية لاستكمال الدورة الانتاجية من السوق الامبريالية ، وهذه العملية تؤدي في النهاية الى عدم استقلال الاقتصاد الوطني ، وطريقا لدمجه بالسوق الامبريالية .
ان طبيعة التجارة الخارجية المعتمدة اساسا على التبادل مع الدول الامبريالية ، والمرتكزة على استيراد المواد المصنعة مقابل تصدير المواد الفلاحية والصناعية الخام ، تعكس نفي التفكك والاندماج في السوق الاوربية ، وتبقى القوى المنتجة في حالة تخلف دائم . وما التنويع الحاصل في التبادل مع مختلف الامبرياليات ، بدل البلد الامبريالي التقليدي الواحد كما كان الامر في الماضي ، إلا انسجاما مع تكوين السوق الاوربية المشتركة نفسها .وفي النهاية ، فان التطور النسبي والبطيء للسوق الداخلية ، يجري في اطار تطور سريع واسع مع السوق الامبريالية . وفي الحالتين فان الامبريالية هي المستفيد الحقيقي ، بصفتها هي الحكم في السوق الداخلية والخارجية معا .
لقد حافظ النظام القائم اذن على مسلسل الاولويات في نظام التبعية للامبريالية : اولوية الفلاحة على الصناعة ، اولوية الصناعة الفلاحية والاستخراجية على الصناعة الثقيلة ، وبالتالي كرس العلاقة غير المتكافئة مع الامبريالية ، ودفع بخطوات ابعد ، الاقتصاد الوطني للاندماج بالسوق الامبريالية .
ان هذا الوضع يجد مرتكزه الداخلي في سيادة شبه مطلقة للرأسمال الامبريالي على كل مفاتيح الاقتصاد الوطني . فالابناك التي لعبت دور رأس الرمح ، ظلت محتفظة للرأسمال الامبريالي بكل امتيازاته ، ومواقع هجومه على كل المرافق الاقتصادية الحيوية . فمن بين حوالي ثلاثين بنكا ، يوجد اثنان فقط تحت المراقبة المغربية الكاملة ( البنك المغربي للصناعة والتجارة – البنك الشعبي ) . وتتحكم الابناك الاجنبية ، وعلى رأسها بنك باريس ، في كل القطاعات بدون استثناء ، سواء بواسطة الاستثمار المباشر ، او بواسطة القروض ومخالطة مؤسسات الدولة الاقتصادية .
فبواسطة هذا الموقع الممتاز الذي يحتله الرأسمال المالي في الابناك ، وهذه الشبكة من العلاقات الاقتصادية بشكليها، الاستثمار والقروض ، وهذا التداخل على الصعيد الاجتماعي بين الرأسمال المالي ، ورأسمال النخبة الحاكمة ، ورأسمال الدولة ، ’يطوق الرأسمال الامبريالي مجموع الاقتصاد الوطني ، ويوجهه اقتصاديا وسياسيا . اما الدور المكمل لهذه السيطرة المالية الداخلية ، فتقوم به المؤسسات العالمية ، والدول الامبريالية بواسطة " القروض والمساعدات " ، مضيفة الى ارباحها الضخمة في الداخل ، ارباحا اخرى في شكل فائدة عن القروض المدفوعة للدولة . ومن وجهة سياسية ، يكفي ان نذكر بالدور المركزي الذي اضطلعت به المؤسسات المالية العالمية ( صندوق النقد الدولي والبنك العالمي للإنشاء والتعمير ) في توجيه وتمويل خطط الدولة الاقتصادية .
’يؤطر هذا الاستغلال الاقتصادي ، استمرار التواجد الامبريالي الاداري والفني والعسكري . ان استمرار التواجد الامبريالي الاداري والفني الذي لازال مرتفعا من الكوادر ، ليس استغلالا اقتصاديا وحسب ، بل هو تعبير عن استمرار بنى فوقية شبه استعمارية في الادارة والتعليم ، هذه البنى التي وظيفتها في النظام القائم ، هي ضمان السيطرة الاقتصادية بواسطة عزل الجماهير الشعبية عن الوظائف التسييرية الحساسة في الميدان الاقتصادي ، بواسطة السيطرة الايديولوجية والثقافية على الجماهير الشعبية ، اضف الى ذلك انتصاب قواعد عسكرية فوق التراب الوطني ، والتي تشكل تهديدا مستمرا لقمع حركة الثورة في المغرب ، وعلى امتداد منطقة المغرب العربي .
ان الرأسمال الامبريالي رأسمال طفيلي . فبالإضافة لطبيعته الاستغلالية للجماهير الكادحة وللثروات الوطنية ... لا يقوم بأي دور تاريخي في تقدم القوى المنتجة والاقتصاد الوطني . ان هذه الحقيقة لا تنعكس في تهريب الاموال الضخمة الى الخارج فحسب ، بل تنعكس ايضا في دينامكية تطور استثماراته ، وطبيعة توجيهها ، حيث ان نسبة دخول الرساميل الاجنبية ظل جامدا . والمغرب لم يعرف مرحلة ازدهار لهذه الرساميل ، إلا في مرحلة قصيرة بعد الحرب العالمية الثانية ، وفي مقابل هذا الجمود تطورت رساميل القروض للدولة . ان حاجة الدولة الامبريالية لرساميلها من جهة ، وعدم استقرار الاوضاع السياسية في البلدان التابعة من جهة اخرى ، دفعا الامبريالية الى ابتزاز اكبر الارباح وبأقل التوظيفات وبأكبر سرعة . وهذا يعني التوجه الى الميادين المربحة ( خارج الصناعات القديمة يتوجه الرأسمال الامبريالي اليوم الى البناء والسياحة ) ، او التي تتحكم الامبريالية بعصبها في عملية الانتاج والتسويق ( التركيب والتكميل ) ضمانا ضد اية مواجهة وطنية في المستقبل . اما وظيفة القروض ، فهي في احدى وجوهها سد لعجز النظام ، ولتوقيف انهياره السريع ، بسبب الاستنزاف الامبريالي الفاحش ، وهذه الاغاثة هي ايضا تتم بطريقة مربحة .
لقد كان المغرب سوقا محليا لليد العاملة الرخيصة . اما في مرحلة الاستعمار الجديد ، فإننا نرى من خلال متابعة التطور السريع لليد العاملة المهاجرة ، بالمقارنة مع تطور اليد العاملة المحلية . ان المغرب اصبح مصدرا لليد العاملة الرخيصة اكثر منه سوقا محليا لها ، هذا النموذج من تفكيك القوى العاملة ، يمثل قمة طفيلية الرأسمال الامبريالي . وقبل تحديد طبيعة التناقضات وحجمها في صفوف الامبريالية بالمنطقة ، لا بد من الانطلاق من الاطار العالمي لهذه التناقضات .
ان اهم ميزة تطبع العلاقات الداخلية فيما بين القوى الامبريالية بعد الحرب العالمية الثانية ، اي في مرحلة الاستعمار الجديد ، هي صعود وتفوق الامبريالية الامريكية على الامبريالية التقليدية من جهة ، وتداخل الاحتكارات الامريكية وتحت قيادتها من جهة اخرى . وبالنتيجة ، تكوّن نظام امبريالي عالمي متداخل المصالح ، قاعدته الاقتصادية اندماج الاحتكارات الكبرى على الصعيد العالمي ، وقوته الضاربة الامبريالية الامريكية . ان التفوق الامريكي لا يبرهن عليه حجم القوة الاقتصادية الامريكية وحسب ، بل ايضا درجة الاستثمار الامريكي في البلدان الامبريالية التقليدية ذاتها ( الصناعة الامريكية في اوربة ثاني قوة اقتصادية في العالم الامبريالي بعد الصناعة الامريكية في امريكا ) . تم التفوق التكنولوجي للامبريالية الامريكية وحمايتها عسكريا لمجمل النظام الامبريالي العالمي .
لم يقف هذا التداخل الامبريالي والتفوق الامريكي على الصعيد الاوربي فقط ، بل امتدت به الامبريالية الامريكية لتشارك او لتحل محل الامبرياليات القديمة في مناطق النفوذ الاستعماري . ان اتجاه التطور في هذا القسم من العالم هو ايضا في صالح الامبريالية الامريكية .
اما الميزة الثانية لمرحلة الاستعمار الجديد ، فهي التي تطبع الصراع العالمي ضد الامبريالية ، وتتجلى في نمو الانظمة الاشتراكية ، ونفوذ الحركات الاشتراكية من جهة ، وتراجع الامبريالية امام تعاظم حركات التحرر الوطني من جهة اخرى . ان تداخل المصالح فيما بين الامبرياليات والاحتكارات ، لا يلغي بتاتا تناقضاتها الداخلية ، بل لا يلغي هذا التناقضات ، حتى داخل الامبريالية الواحدة بين مختلف القطاعات ، ومختلف الاحتكارات المحلية لعدم تكافؤ ( هذه القوى فيما بينها في نظام محركه الربح ، والربح الاقصى ) . لكن هذا التداخل اعطى في نفس الوقت ، وأكثر من الماضي قاعدة اقتصادية لوحدة النظام الامبريالي على صعيد العالم ، و إن تلك التناقضات اصبحت امام تعاظم القوى التقدمية في الصراع ضد الامبريالية ، تحل لمصلحة الحفاظ على المصالح الكلية للنظام الامبريالي العالمي . وما المثل الفرنسي الديغولي ، إلا الاستثناء الذي يثبت القاعدة . لقد وقفت فرنسا بعد ضجيجها على نظام النقد الدولي اتجاه ازمة الدولار ، موقف التضامن والدعم . وعلى نفس المنوال وقفت الامبريالية الامريكية اتجاه ازمة الفرنك الفرنسي . لقد انتهت الديغولية بالتدريج من الوقع الديغولي اللفظي الى موقع الخضوع الصريح .
وكذلك فان السوق الاوربية المشتركة والتي ابتغى منا ان تكون قوة منافسة – على الاقل – للقوى الامريكية ، تثبت العكس تماما . ذلك ان الحقائق الاقتصادية بعد توقيع الاتفاقية ، تؤكد نمو الرأسمال الامريكي المتزايد في هذه البلدان ، وكأقوى رأسمال اجنبي موظف ، وله سلطة توجيهية في كل بلد من بلدان السوق . وبالإضافة الى دخول بريطانيا الى هذه السوق والتي تمثل حصان طروادة الامريكي .
كان لابد من هذه المقدمة المكثفة لوضع تناقضات الامبريالية في المنطقة في حجمها الحقيقي ، والآن لنرى كل تلاوين هذه العلاقة في تناقضها وترابطها واتجاهها العام .
يعد الوزن الاقتصادي للولايات المتحدة الامريكية بالمغرب اقل من الثقل الاقتصادي المباشر للامبريالية الفرنسية . فالمصالح الامريكية قليلة وحديثة ، إلا انه يجب التأكيد على ان دخول المصالح الامريكية في السنوات الاخيرة ( ابناك ، صناعة العجلات ، تربية المواشي بناحية مكناس ادروش .. ) يسير في اتجاه جديد لإستراتيجية الامبريالية الامريكية على صعيدي افريقيا وآسيا . ان هذه المناطق اصبحت تأخذ اهمية خاصة متزايدة في الاستثمارات الامريكية ، وخاصة افريقيا ، بعد ما كانت نسبة هذه الاستثمارات تتمركز في امريكا الجنوبية . والغرض من هذا التوجيه سواء على صعيد الاستثمار او تبادل البضائع ، هو تحويل ميزان القوى في هذه المناطق لمصلحة الامبريالية الامريكية . وعلى هذا الاساس يمكن اعتبار مصالح الولايات المتحدة مصالح في طريق النمو . وهذا المثل تعبير عن التنافس بين الامبرياليات لاحتلال مناطق النفوذ وعن اتجاهه العام.

ان الدور الاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة الامريكية لا يتناسب مع حجمها الاقتصادي الحقيقي في المنطقة ، وهذا يعود الى دور الولايات المتحدة الامريكية للحفاظ على المصالح الكلية للنظام الامبريالي ، والى تداخل المصالح نفسها ، ويتجلى ذلك كما يلي :
--- تحتل الولايات المتحدة الامريكية الصف الاول في امداد المغرب بالقروض ( المساعدات ) العسكرية ، منها خاصة ابتداء من سنة 1965 ( المغرب ثاني دولة افريقية بعد اثيوبيا يتلقى مساعدات عسكرية هامة من الولايات المتحدة الامريكية ) .
لقد اوضحنا سابقا دور القروض لا من وجهة الفائدة الاقتصادية المباشرة على امريكا ، لكن وأساسا من وجهة الحفاظ على النظام من الانهيار لمصلحة الابقاء على النظام الامبريالي . وهذه خدمة لمصلحة جميع الامبرياليات ، ثم الدور الذي تقوم به المؤسسات المالية العالمية ( صندوق النقد الدولي مثلا ) ، وهي مؤسسات امبريالية مشتركة تحت قيادة احتكارات الولايات المتحدة الامريكية ، ولا ننسى انه دور توجيهي للاقتصاد الوطني من طرف مجموع الامبرياليات ، وتحت قيادة الولايات المتحدة الامريكية .
--- ان المصالح المالية الفرنسية تشترك وتتعاون مع المصالح الامريكية ، حيث ان مساهمة ( روكفيلير و مورغان ) تشكل قسطا ضخما في بنك باريس هولندة ، هذا البنك الذي بدوره يحتكر القسط الاكبر من نشاط استثمارات الابناك الاجنبية بالمغرب . ان هذا المثل ، يبين لنا من جديد ، التنسيق والتعاون الضروري ، بين الاحتكارات الكبرى الفرنسية والأمريكية ، والحجم الغير معروف لمصالح الامبريالية الامريكية عن طريق تشابك هذه المصالح على الصعيد العالمي والوطني .
--- للمغرب مركز سياسي وعسكري خاص في الاستراتيجية الامبريالية ، وبالأخص الامبريالية الامريكية . سياسيا يستطيع الحكم المغربي ان يشكل احد مراكز الثورة المضادة في العالم العربي ، وفي ظروف تجتاز فيها المنطقة صراعا حاميا ضد الامبريالية . عسكريا للمغرب اهمية خاصة في حوض البحر الابيض المتوسط بعد التسابق العسكري في المنطقة . ان هذين العاملان يوضحان التخطيط الامريكي لمصالح النظام الامبريالي بالمنطقة في مجمله . لكل هذه المعطيات والتي ركزنا فيها على الجانبين الاندماج وعدم التكافؤ ، وعلى الدور الامريكي في المنطقة الذي لا يناسب حجمه الاقتصادي الظاهر ، والذي يعود الى مركزه على الصعيد العالمي ، وفي ظروف عجز فيها النظام الملكي عن ضمان استمرار مصالح الامبريالية ، وفي ظروف تشهد فيها منطقة الشرق العربي والثورة العربية منعطفا تاريخيا حاسما ، ساندت وأوعزت الامبريالية الامريكية بالانقلابين العسكريين السابقين . فإذا كانت المصالح الفرنسية قد حافظت الى حد الآن على العرش الملكي ، فليس معنى ذلك انها حاميته الى الابد . وكذلك اذا كانت الولايات المتحدة الامريكية قد عملت على قلب السلطة ، فليس معنى ذلك ان المصالح الامريكية لم تجد التناقضات مع الامبريالية الفرنسية مخرجا غير ذلك ، ولا يعني ، انها ضد العرش على الدوام .
ان القاعدة الوحيدة والجدلية التي تفسر مجموع هذه التلاوين والاحتمالات ، هي ان التناقضات بين الامبرياليتين في المنطقة ، وعلى الصعيد العالمي ، اصبحت تحل في مرحلة الاستعمار الجديد ، في اطار المحافظة على المصالح الكلية للنظام الامبريالي العالمي .
2 – الطبقة الحاكمة : ان الطبقة السائدة هي في الجوهر طبقة برجوازية كمبرادورية ، ونعني بالكمرادورية الطبقة البرجوازية التي ترتبط مصالحها بالامبريالية ، ولها مصلحة في استمرار النظام القائم .
تتشكل الطبقة السائدة من :
ا ) البرجوازية الزراعية وبقايا الاقطاع
ب ) البرجوازية العليا التجارية والصناعية والعقارية
ج ) البرجوازية العليا الادارية والعسكرية
اما بقايا الاقطاع فلا تعتبر من البرجوازية الكمبرادورية ، رغم ان مصالح هذه البقية مرتبطة بالامبريالية ، وذلك لأنها ليست بالتعريف برجوازية ، إلا انها جزء من الطبقة السائدة كشريحة لطبقة اقطاعية قديمة هي في طريق الزوال او التحول الى برجوازية زراعية ( الفئات السابقة المكونة للطبقة السائدة هي في الغالب متداخلة عضويا فيما بينها ، ولها مصلحة طبقية مشتركة ، وتتمركز قاعدتها الاجتماعية والاقتصادية في البرجوازية الزراعية ) .
عودة الى الماضي التاريخي لهذه الطبقة السائدة ، تبين ان العلاقة بين مكوناتها تطورت على امتداد التطور الاقتصادي والاجتماعي في المغرب . فالعناصر المكونة لهذه الطبقة في نهاية القرن التاسع عشر كانت تتكون من : طبقة المخزن ( العائلة الملكية ، خدام القصر من موظفين وعسكريين ، والعلماء والشرفاء ) و " طبقة " التجار المتمركزين آنذاك في فاس . لقد دخلت هذه الطبقة التجارية النشاط الكمرادوري منذ نعومة اظافرها ، وذلك عبر الاتفاقيات الاولى التي عقدتها السلطة المخزنية مع الاستعمار قبل اتفاقية الجزيرة الخضراء ( 1856 – 1903 – 1905 ) ، مقابل القروض التي منحها لها ، لسد عجزها الداخلي ، ولقمع انتفاضة القبائل . ولا ننسى ايضا ان هذه الطبقة كان ( في اطار اتفاقية المحميين ) كل اعضائها محميين من طرف مختلف الامبرياليات . لقد كانت طبقة التجار في هذه المرحلة والى انتهاء الحرب العالمية الاولى ، الطبقة الديناميكية والنامية ، بينما كانت الطبقة المخزنية غارقة في التوفيق بين اطماع مختلف القوى الاستعمارية ، وتعاني تضعضعا ، وانحلالا داخليا من جراء انتفاضات القبائل المغربية .
ان التحول الاساسي الذي ادخله الاستعمار المباشر بعد الحرب العالمية الاولى على هذا التحالف الطبقي بين التجار وطبقة المخزن ، هو انه اضعف شوكة طبقة التجار وفككها بسبب سيطرته على منافذها الاقتصادية ( التجارة الداخلية والخارجية ، توحيد النقد ونمو دور الابناك الشيء الذي ضيق مجال المضاربات على التجار ، سيطرة الاستعمار على الاراضي الفلاحية بناحية فاس وهي المرتع الفلاحي لهذه الطبقة ) وادمج الباقي منها كملحق ثانوي في بنيته الاقتصادية . لكنه في نفس الوقت ركز وعمم طبقة الاقطاع على حساب الملكية الجماعية للفلاحين ، وعلى حساب امكانية تكوّن طبقة برجوازية قوية تنافسه اقتصاديا وسياسيا .
عشية الاستقلال اذن كانت هذه " الطبقة " مكونة من طبقة اقطاعية واسعة وقوية ( بالنسبة للكمرادور ) ، وطبقة كمرادورية ضعيفة ، وتتمركز اساسا في التجارة ، ولها بعض الجيوب في الفلاحة والصناعة ( سنوات النمو في هذين المجالين كانت خاصة بعد الحرب العالمية الثانية ) .
ان التحول الاساسي الثاني في مرحلة الاستعمار الجديد ، كان في هذه المرة على يد الدولة ، وهو يتمثل في توسيع الطابع الكمرادوري للطبقة السائدة ، وذلك بتوسيع العلاقات الرأسمالية الكمرادورية في الفلاحة ، وبالتالي تحويل فوقي للطبقة الاقطاعية القديمة ، الى برجوازية زراعية كمرادورية . ان هذا التحول غير موازين القوى داخل الطبقة الحاكمة لمصلحة البرجوازية الزراعية .
في اطار التدخل الشامل للدولة ( بناء السدود ، وضع القروض تحت تصرف هذه الطبقة ، قانون الاستثمارات ... ) وبدافع سياسي واقتصادي من المؤسسات العالمية المالية ( بيرد ) ، نمت البرجوازية الزراعية ووسعت املاكها عن طريق ما اشترته ونهبته من اراضي الاستعمار . ان هذه الفئة التي تعد بأقل من 1 في المائة من العائلات الفلاحية ، اصبحت تملك اليوم حوالي 900 الف هكتار مقابل 400 الف هكتار لسنة 1956 وهي تتصرف بآلاف اخرى لا زالت بيد الدولة . لقد توسعت الاراضي المحروثة عصريا ، وازداد استعمال الآلات الميكانيكية بنسبة عالية ( حوالي 20 الف جرار مقابل 1400 سنة 1956 ) واستعمال الاسمدة ، وازدهرت انواع جديدة من الانتاج الفلاحي ( الشمندر ، القطن ، نباتات كيماوية ) ، لكن هذه التحولات لم تكن كخطوة اوسع من عمل المعمرين الاجانب ، لدمج الاقتصاد الوطني الفلاحي بالسوق الامبريالية .
لقد كان في مقابل هذا التطور ، ان تحملت الجماهير الشعبية ، ولسنوات انخفاضا سريعا في استهلاكها للمواد الاساسية ، وعبئا ماليا مرهقا لتأدية ثمن سدود الملاكين الكبار . ولقد كان في مقابل التركيز على دائرة السدود او " المغرب النافع " سابقا ، وعلى ثلث المساحة المحروثة ، افقار لمناطق شاسعة في المغرب ، التي تمثل ثلثي المساحة المحروثة ، هذه المساحة التي تهم بالدرجة الاولى مليون ونصف مليون عائلة فلاحية فقيرة . وفي نفس الوقت كان تنويع الانتاج الفلاحي في اتجاه الفلاحة التصديرية والفلاحة الصناعية ، تخفيضا للمساحة المحروثة والمزروعة بالقمح والشعير واللذان يشكلان المادة الغذائية الاساسية للفلاحين . ان تركيز الدولة لتوظيفاتها في هذا القطاع ، كان اغناء بأقل مقابل لمجموع الطبقة السائدة . ولقد شكل ارتفاع القيمة المضافة في الاراضي المسقية سبيلا لتداخل مجموع فئات الطبقة السائدة ، وخاصة منها البروقراطية الادارية والعسكرية .اما القسم " الحضري " من هذه الطبقة فقد اتجه بقدر ما تسمح به وسائله المالية الى القطاعات المربحة والخالية من المخاطرة .
وحتى في هذا المجال تتقدم البرجوازية الكمرادورية خلف حماية الدولة لها بواسطة تسهيلات مالية وضرائبية ، ومنح للتجهيزات وقروض طويلة الآجال وبنسب ارباح جد منخفضة .. كما كان في قانوني الاستثمار لسنة 1969 و 1973 ، وفي عملية المغربية . ان البرجوازية الكمبرادورية لا توظف في الحقيقة إلا قسما ضئيلا من الرأسمال ، بينما تتكفل الدولة بتأدية القسم الاكبر بشتى الاشكال ، اذا ادخلنا في اعتبارنا الرشوة والغش . ورسميا قد تصل الى اكثر من 30 في المائة من مجموع الرأسمال . ومن خلال التجربة الماضية اتسعت نسبيا مصالح الكمرادور ، وتم هذا التوسع بجميع اشكال التكاثف المالي ، ( شركات مغربية ، مشاركة مع الدولة ، شركات مغربية اجنبية مختلطة ... لخ ) اما المجالات الحيوية التي شملت انشطتها فهي التجارة ونسبيا الصناعة ( النسيج ، المطاحن ، الجلد ، وجزئيا المواد الغذائية والبناء والابناك وشركات التأمين ) . ان الملاحظة اذن ، انه رغم التوسع الكمي لحجم انشطة هذه البرجوازية ، ظلت محصورة في هياكلها القديمة كبرجوازية تجارية عقارية وصناعية استهلاكية .
ان البرجوازية الحاكمة غير قادرة بحكم ضعفها الشديد ، على انتزاع زمام القيادة من الرأسمال الامبريالي ، بل انها لا تتقدم في الميدان الهامشي الذي تحتله ، إلا بعد ضمانات وحماية من الدولة . وبمجرد المقارنة بين الوزن الذي اصبحت تحتله الدولة في مختلف الميادين ، الصناعة والتجارة والميدان المالي ، وتدخلها الشامل في الفلاحة ، يؤكد الدور الطفيلي للبرجوازية الكمبرادورية ، ومدى تعلقها بالدولة ، وفي نفس الوقت الخدمة المجانية التي تؤديها دولة الكمبرادور لطبقتها . وإضافة الى ذلك فان هذه الطبقة التي لم تخرج بعد عن اصلها الاقطاعي التجاري ، ورثت صفات هاتين الطبقتين : التبذير والبذخ والمضاربة والرشوة والغش .
لقد انفجرت تناقضات الطبقة الحاكمة مرتين متتاليتين ، وكان قادة هذين الانقلابين اشخاص لهم مسؤولية كبرى في الجهاز الحاكم ( المدبوح وافقير ) . ولقد اكدنا سابقا ان الطبيعة العامة للطبقة السائدة هي تداخل مصالح فئاتها المختلفة ، واعتمادها على قاعدة البرجوازية الزراعية . ان هذه الحقيقة تؤكدها من جديد وضعية زعماء الانقلابيين ، لكن تداخل المصالح لا يمنع من اختلاف الميولات السياسية والارتباطات الخارجية حسب اوضاع الصراع الطبقي والدولي ( الم يفكر المدبوح في التعاون مع قوى سياسية لقلب نظام الحكم في سنة 1963 الاتحاد الوطني للقوات الشعبية . الم ينسق افقير مع قادة الاتحاد الفقيه محمد البصري في انقلاب الطائرة في سنة 1972 . الم يكن افقير عميلا لفرنسا قبل امريكا ؟ ) . لقد انفجرت تناقضات الطبقة السائدة في ظروف ازمة عامة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا كانت تنخر النظام من الداخل . لم تكن الازمة اقتصادية وحسب تمس نمو الطبقة الحاكمة ، ولا افلاسا لفئة من فئاتها ، بل كان الامر بالنسبة لها يتحدد بكيفية ضبط الصراع الطبقي ، وتوازنات النظام الداخلية ، لمصلحة استمرار استغلال الجماهير الكادحة من طرف مجموع الطبقة والامبريالية . ان نفس الشيء بالنسبة للامبريالية التي ايقنت من عجز الحكم على ضمان مصالحها ، وبكلمة اخرى كان الامر بالنسبة للامبريالية الامريكية ، ولقسم من الطبقة المسيطرة ، هو استبدال الطاقم الحاكم بطاقم آخر اكثر قدرة على ضمان استمرار السيطرة الامبريالية واستغلال الطبقة السائدة .
والحال ان الاوتوقراطية الملكية قد فقدت فعاليتها الايديولوجية والسياسية منذ انتفاضة 23 مارس 1965 ، وأصبحت في اعين الجماهير تجسد كل مشاكل الوضع القائم . ان تطور الصراع بعد استعادة الجماهير لنفسها النضالي من جديد ، وترسخ رفض الجماهير للنظام القائم ولو بالعنف ، وانعكاسات تطور قوى الثورة العربية ، ، اصبح بعدها من الضروري بالنسبة للطبقة المسيطرة ، ان تعمل على استدراك الوضع قبل ان يفلت زمام المبادرة من بين ايديها . وعند هذه المرحلة من عدم الاطمئنان في اوساط الطبقة المسيطرة ، اصبحت الامتيازات الملكية الاقتصادية والسياسية ، امتيازات بدون مقابل .
لم تكن الطبقة المسيطرة تعرف الصراع الحزبي السياسي بداخلها ، فطبيعة السلطة الاوتوقراطية ، وطبيعة الطبقة الطفيلية نفسها يمنعان ذلك . ان الصراع الوحيد الذي مارسته جماهيريا هو صراع التكتلات الاقليمية ، والذي تشجعه الاوتوقراطية لهدفين : ضمان توازن داخلي حول القصر ، وتحريف انظار الجماهير عن المشاكل الطبقية الحقيقية . وفي هذا الوضع ليس إلا الجيش المنظم القادر على حسم الهيكل ، وفي نفس الوقت امتصاص اي امكانية داخل الجيش خارجة عن مبادرات الطبقة المسيطرة .
ان ازمة الطبقة المسيطرة لم تنته ، لان اسسها السابقة لا زالت قائمة ، ولان الصراع الطبقي ازداد حدّة .
3 --- الطبقات الشعبية : وعلى النقيض من الامبريالية وشريكها الكمبرادور ، تتعرض الطبقات الشعبية لتفقير متزايد ومستمر ، كما تتعرض لقمع ايديولوجي وسياسي من طرف الدولة الشبه اقطاعية خادمة الامبريالية والكمبرادور ، وتقف الطبقات الشعبية بتنوع مصالحها وتفاوت في جذريتها ضد النظام القائم . وهي تتشكل من الطبقات الاربع التالية : البرجوازية المتوسطة ، البرجوازية الصغيرة ، اشباه البروليتارية والطبقة العاملة .
ا ) البرجوازية المتوسطة : وهي طبقة تعتمد في تحصيل ثرواتها على عمل الاخرين بالأساس . واذا كانت تشترك مع الطبقة السائدة في هذه الصفة الاجتماعية ، فإنها تتميز عنها في ان النظام القائم ، لا يمثل سيادة مصالحها سياسيا واقتصاديا ، وهي بالتالي في تعارض مع مصالح الامبريالية والطبقة السائدة في جل ميادين نشاطها الاقتصادي والتجاري والفلاحي والصناعي والبناء .
في السنوات الاولى من الاستقلال السياسي ، كانت هذه الطبقة تشعر بأنها الوريث الشرعي للمكتسبات المادية والسياسية من جلاء المستعمر . ولقد غدى وهمها هذا ان الطبقة السائدة لم تكن آنذاك قد رسخت اقدامها في الميدان السياسي و الاقتصادي ، وبالفعل انكبت هذه الطبقة في قسمها الحضري المديني على شراء وتعويض الاماكن التي يفرغها الاجانب ، وغالبا ما كانت هذه الاماكن من الحجم المتوسط ، والذي يتماشى مع القدرة الشرائية لهذه الطبقة . إلا انه بعد سنة 1963 خاصة ، اي بعد ان انتهت الطبقة السائدة من حسابها مع القوى الرئيسية التي تهددها ، وبعد ان بنت وحصّنت جهاز دولتها ، ودخلت فور ذلك في ترتيب الاوضاع الاقتصادية لصالحها ولصالح الامبريالية ، انتكست آمال البرجوازية المتوسطة وانتابها شعور بالخيبة . ولأخذ فكرة نسبية عن اوضاع هذه الطبقة بعد هذه السنوات ، يكفي ان ننظر الى ما آلت اليه الامور في القطاعات التي تتواجد فيها الطبقة المتوسطة .
ففي القطاع الفلاحي ، نجد ان ممثلي هذه الطبقة ، هم الفلاحون الاغنياء الذين يقف معظمهم خارج دائرة الامتيازات الجديدة ، اي ما يسمى حاليا ب " القطاع العصري " . وهم لهذا السبب عاجزون عن المنافسة ، ولا يتمتعون بتشجيعات الدولة ، في حين ان القسم القليل الذي كان في مناطق المعمرين الجدد ، فان الاتجاه العام للوقائع الاقتصادية ، يثبت انخفاض عددهم المستمر ، وانخفاض مساحة ممتلكاتهم . وهذا يدل على نزوع الملاكين الكبار الى تصفية هذه الشريحة من الفلاحين الاغنياء ، وعدم قدرة هؤلاء على الصمود امام هجوم الفلاحين الكبار ، خصوصا اذا اضفنا ارتفاع ربح الارض ، وبالتالي كرائها وشرائها في هذه المناطق .
اما في القطاع الصناعي ، فان القطاع النموذجي والحيوي الذي انكبت عليه رؤوس الاموال ، بمختلف احجامها ومستوياتها البرجوازية ، هو صناعة النسيج التي تشكل البرجوازية المتوسطة فعلا قاعدته العريضة . ويبقى اذن القطاعات التقليدية لنشاط البرجوازية سواء منها العليا او المتوسطة : التجارة والبناء . هنا ايضا نجد ان خط التطور ليس في مصلحة هذه الطبقة ، فبالإضافة الى ان البرجوازية لا تعرف وجودا في الجزء الباقي من التجارة الخارجية ، والذي تتمتع به البرجوازية العليا والمقاولات الامبريالية ، فان التنظيم الهرمي للامتيازات الجارية هو في مصلحة البرجوازية العليا ، ومع تحديد الاثمان في الواقع من طرفها ، وتوجه هياكل الدولة مراقبة الاسعار ضد التجار المتوسطين والصغار ، وضيق السوق المحلية امام التصاعد المستمر للأسعار ، وتصاعد المضاربة والضرائب . كل هذه العوامل تشير الى الوضع العسير الذي تعاني منه هذه الطبقة في القطاع التجاري .
ان نفس الشيء يمكن تلمسه في الملكية العقارية الحضرية ، ونشاط مقاولات البناء . وذلك ان نسبة النمو الهائل للملكيات العقارية ( العصرية ) وظهور المقاولات الكبرى المدعمة من طرف الابناك ، وتسلطها حتى على البناء المعماري الذي يهم الطبقات المتوسطة والصغرى ، يعطي في المقابل اتجاه انخفاض امكانية نمو الطبقة المتوسطة في هذا الميدان .
ان للبرجوازية المتوسطة حساسية بالغة اتجاه دور الدولة في توسيع مصالح الطبقة البرجوازية العليا ، واتجاه نمو الفوارق الشاسعة في الثروات بينهما وبين الطبقة السائدة . لكن الصفة الاجتماعية الاستغلالية للبرجوازية المتوسطة ، والتي تشترك فيها مع البرجوازية العليا ، تجعلها غير قادرة على تحقيق اهدافها الاصلاحية بطرق جماهيرية ، وهي لهذا تعمل كل ما امكن على ان تكون اصلاحاتها خارج الحركة الجماهيرية .
و في نفس الوقت ، فان الدولة والامبريالية يسلكان سلوكا متناقضا ومترددا اتجاه هذه الطبقة ، ذلك ان التخطيط الامبريالي ، والطبقة السائدة يرون في هذه الطبقة دور الحاجز الفاصل ، والحافظ بين الطبقات المستغِلة والطبقات المستغلة . لكن الدولة والامبريالية رغم محاولتيهما في الابقاء على شعرة معاوية بينهما وبين الطبقة المتوسطة ، فإنهما في الواقع الفعلي لا يعطيانها اية امكانية للنمو ، وتدفعان بها الى التدهور .
تؤكد التجربة الملموسة في السنوات الفارطة ، ان موقف البرجوازية المتوسطة تجاه الحكم ، مرتبطة بنمو وتراجع الحركة الجماهيرية . فإذا نمت الحركة الجماهيرية ، اتخذت البرجوازية المتوسطة موقفا اكثر جرأة اتجاه النظام ، وإذا انخفض نموه ، مالت البرجوازية الى التخلف والتودد للحكم ، وعلى هذا الاساس يمكن استنتاج ، ان نمو القوى الثورية هو العامل الحاسم في شل تذبذب البرجوازية المتوسطة ، إما بكسبها سياسيا لجانب الجماهير ، او على الاقل بكسب القسم التقدمي منها .
ب ) البرجوازية الصغرى : ان هذه الطبقة عريضة نسبيا ، بسبب انتشار الانتاج البضاعي الصغير ، وتضخم القطاع الثالث . ونعني بالبرجوازية الصغيرة ، الطبقة التي تعتمد لكسب عيشها على استغلال ملكيتها الخاصة ومجهودها الشخصي ، او التي لا تستغل عمل الاخرين إلا بصفة ثانوية . وحسب هذا التحديد الاجتماعي ، تضم هذه الطبقة فئات غير متجانسة فيما بينها . كما بينها تمايزات هامة ، ولعل التمايز الرئيسي في هذه الطبقة هو الذي يفصل بين الفئات المثقفة والكادحة . ذلك ان المثقف ، وهو كل من يحصل على معاشه بفضل المعرفة التي يملكها ، تشكل في النظام القائم الذي يعتمد على تجهيل اوسع الجماهير ، نوعا من الامتياز يعطيه الحق في ظروف معاشية احسن وأيسر من الجماهير الكادحة ، وخاصة ان المثقف يكسب هذه الامتيازات بفضل المكانة التي يحتلها بين العمل اليدوي والعمل الفكري . لقد توسعت هذه الفئة عدديا ، وعاشت ظروفا مادية حسنة نسبيا في السنوات الاولى من الاستقلال الشكلي بفضل امتصاص جهاز الدولة لها ، ولقلة الاطر المتوفرة آنذاك . لكن قدرة النظام فيما بعد تباطأت وتوقفت عن هذا الامتصاص السريع مع تطور ازمته الداخلية ، رغم ان الهيكل التعليمي مضغوط الى اقصى درجة ، ليلبي الحاجيات الضرورية للنظام .
وهذه النخبة بصفة عامة ، لها حساسية تجاه مقاييس الناظم التي لا تراعي الكفاءة ومقاييس الاستحقاق في الترقية الاجتماعية ، اي مقياس الاستحقاق الفعلي المبني على الكفاءة والمجهود الشخصي ، بدل الاعتماد على الرشوة والروابط العائلية والتملق الفكري . ان القلب النابض لهذه الفئة ، تكونه جماهير الطلبة التي هي اكثر عداء لهياكل النظام ولقيمه ، وأكثر دينامكية ونضالية . والسبب في ذلك هو ان هذه الفئة البرجوازية الصغيرة في مجملها ، تعيش مرحلة انتقالية مسدودة الآفاق اجتماعيا .
اما الفئات الكادحة من هذه الطبقة ، فهي تتكون من الفلاحين المتوسطين والصناع التقليديين والحرفيين والتجار الصغار ، وهؤلاء جميع يعيشون حالة بلترة مستمرة ، ولا اذل على ذلك من النمو الهائل والمستمر لعدد الفلاحين بدون ارض والمهاجرين الى المدن الكبرى والصغرى في آن معا . ولا تخرج الفئة المدينية عن هذه الصيرورة ، تجارا صغارا كانوا ام حرفيين . فالصناع التقليديين الذين يشكلون النواة التقليدية والنموذجية للبرجوازية الصغرى ، لم يزدهم تكالب البرجوازية الكبرى على الصناعة التقليدية ، ومحاولة دمجها بالسوق الاوربية ، إلا تعميقا وتوسيعا لحالة التبلتر التي يعيشونها منذ دخول الاستعمار . واذا اكن الرقم الاجمالي لهذه الفئة الحضرية قد يبدو ثابتا نسبيا ، فان ذلك لا يعكس حقيقة الاوضاع الداخلية لهذه الفئة التي تعيش توترا داخليا دائما بين خلق حرف هامشية جديدة وتبلتر مستمر لأقسام اخرى .
ان الصفة الاجتماعية لهذه الطبقة كمالك و لو لملكية صغيرة ، تجعلها في الوضع المتردد داخل الصراع الطبقي بين المالكين وغير المالكين . إلا ان اتجاه التبلتر وهو الانعكاس الاقتصادي الفعلي للهياكل الحالية ، يضعها ويقربها من مواقف الطبقة العاملة ، ويربط مصالحها بتغيير الهياكل القائمة .
لقد شكلت هذه الطبقة في مرحلة النضال ضد الاستعمار التقليدي خميرة المقاومة في المدينة والبادية معا . وتحت قيادتها تخاض اليوم معظم الانتفاضات الفلاحية ، كما انها اعطت القاعدة الواسعة للنضال الديمقراطي الجذري .
ج ) الطبقة العاملة : الطبقة العاملة المغربية طبقة حديثة العهد ، وقليلة العدد النسبي ( نسبة الى مجمل السكان ) والمطلق . ان تطور الطبقة العاملة يخضع في خطاه لكيفية النمو الاقتصادي للهيكلة الاستعمارية الجديدة . ان الميزة الاولى لهذا النمو هي ان عدد الطبقة العاملة يتطور ببطء شديد ، وهذا يعني احدى الخصائص العميقة للهيكلية الاستعمارية الجديدة المعادية للتصنيع ولنمو الطبقة العاملة . لقد توسع عدد العمال بالنسيج والبناء والعمال الزراعيين والمهاجرين، انسجاما مع اتجاه النمو في الهياكل الاستعمارية الجديدة ، ولكن في نفس الوقت انخفض بشكل سريع عدد عمال المناجم من ( 50 ألف الى 30 الف عامل ) كاد ان يمتص الزيادة في قطاعي النسيج والبناء .
اما الميزة الثانية للطبقة العاملة في اطار الهيكلية القائمة ، فهي النمو المضطرد لحالات الطرد ، والانخفاض المريع للأجرة ، اذا قورنت بالأسعار والأرباح . ويعود السبب في هذا الوضع الى الاستغلال الفاحش للطبقة الرأسمالية لسوق العمل الواسع ، وانفصام الترابط بين الاجور والأسعار في نظام اقتصادي مفكك داخليا ومرتبط بالسوق الامبريالية الخارجية .
توجد بداخل الطبقة العاملة المغربية تمايزات بين فئاتها : عمال المدن ، العمال الزراعيون والعمال المهاجرون . ان هذه التمايزات مرتبطة بدرجة انخراط كل منها في السياق الرأسمالي ، وبدرجة انفصالها عن اي شكل من اشكال الملكية او إستيلاباتها . وفي هذا الاطار تعتبر الفئة العاملة بالمدن ، وخاصة نواتها الصناعية ، اكثر فئات الطبقة العاملة انخراطا في السياق الرأسمالي ، وبالتالي اكثرها تحررا من جميع اشكال الملكية واستيلاباتها . ووفق ذلك ، فان هذه الفئة تملك خبرة نضالية طويلة ، وخبرة تنظيمية نقابية وسياسية ، وعلى عكس العمال الزراعيين والمهاجرين الذين لم يفقدوا مطلقا ارتباطاتهم الفلاحية ، رغم انخراطهم بالطبقة العاملة ، كما ان خبرتهم النقابية والتنظيمية والسياسية ضعيفة وخاصة في حالة العمال الزراعيين .
اضف الى ذلك التحاقهم غير المستقر بالطبقة العاملة ، فالعمال الزراعيون جلهم مياومون ومؤقتون ، والمهاجرون يجتازون عملا مؤقتا ولو لبضع سنوات ، ورغم ذلك فان وضع هاتين الفئتين اقرب الى العمال منه الى الجماهير المبلترة ، لأنهم تقدموا في سياق الانتاج الرأسمالي ، وأصبحوا يعيشون بالأساس من العمل المأجور .
ليس للطبقة العاملة تمركز قوي بمصانع المدن الرئيسية ، فالتواجد العمالي الممركز في الدارالبيضاء لا زالت قاعدته هي المصانع المتوسطة والصغرى ، كما ان ما يقارب نصف الطبقة العاملة يعيش بالهجرة ، مما يضعف طاقتها النضالية المباشرة في الساحة الوطنية ، إلا ان تداخلها مع الفلاحين بشتى الروابط ( عمال المناجم ، العمال المهجرون ، عمال الصناعة الفلاحية ... ) يعطي لدورها القيادي ، جسرا عضويا مع القاعة الواسعة للثورة الديمقراطية الوطنية وهم الفلاحون .
ومن مميزات التطور العضوي للطبقة العاملة ، التحاق شباب متعلم بصفوفها ، وتشكيله لنسبة هامة في تكوينها ، هذا الالتحاق وليد لتطور ازمة التعليم النخبوي ، وسيزداد تطورا باعتبار الازمة التعليمية المستمرة . ان انخراط الشباب المتعلم بالطبقة العاملة ، حيث ان هؤلاء الشباب سيدمجون بين معرفتهم الفكرية والوعي البروليتاري المكثف ، من خلال تجربة الطبقة العاملة ، وسيشكلون بالتالي حلقة وصل من العمال واليهم ، بين هاذين المستويين من المعرفة .
ان الطبقة العاملة تملك خصائص تميزها عن باقي الطبقات الأخرى ، فهي بحكم انها لا تملك ، ولا يمكن لها ان تملك بشكل فردي وسائل الانتاج ، فانه لا يمكن لها ان تتحرر بدون ان تقضي على النظام الطبقي نفسه ، وتعمم الشكل الجماعي لملكية كل وسائل الانتاج . وبعبارة اخرى ، فهي الطبقة الوحيدة التي تملك نمطا انتاجيا مناقضا لكل انماط الانتاج السابقة ، فهي اذن طبقة المستقبل ، ومن جهة اخرى تتمتع بخصائص ذاتية تهيئها للعمل الثوري ، اي القدرة على التنظيم والوعي الثوريين . لقد برهنت الطبقة العاملة بالملموس عن جدارتها واستحقاقها لقيادة الجماهير الشعبية ضد النظام القائم . انها الطبقة التي لم تتراخ عن النضال المستمر ، فسواء في عقد الاستعمار التقليدي او في مرحلة الاستعمار الجديد ، كانت الطبقة العاملة دائما طبقة طليعية للجماهير الشعبية .
د ) اشباه البروليتارية : يشكل جمهور اشباه البروليتارية القسم الاعظم من الشعب المغربي . ونعني بالجماهير المبلترة ، الجماهير التي ، إما لم تعد لها وسيلة للإنتاج ، وهي مستعدة فقط لبيع قوة عملها ، و إما تملك ما لا يسد رمقها ومضطرة لبيع قوة عملها دون ان تندمج بالطبقة العاملة .
ان وجود وتعاظم هذه الطبقة ، لهو اكبر ادانة لعلاقات الانتاج القائمة ، وهو الشكل الرئيسي لقصور هذه العلاقة ، ولتدميرها لقوى الانتاج وفي اساسها قوة العمل . تتكون هذه الطبقة من الفلاحين الفقراء ، والمعدمين ، والعاطلين وخدام البيوت والموقف وماسحي الاحذية ... لخ . والقوة الرئيسية لهذه الطبقة هي الفلاحون الفقراء او بدون ارض ، هؤلاء يشكلون اكثر من 40 في المائة من مجموع الفلاحين .
ان هذه الفئة اشد تضررا من كل الطبقات اتجاه التطور الاقتصادي – الاجتماعي في العشر سنوات الاخيرة ، فعلى حسابها تنمو البرجوازية الزراعية قاعدة الطبقة السائدة ، وهي التي يهاب الحكم نهضتها ، ويسلط عليها بالتالي اشد انواع القمع السياسي والإيديولوجي .
يجمع هذه الفئة العريضة بالطبقة العاملة ، انها فئة غير مالكة ، او هي مالكة ما لا يسد رمقها ، لكن ما يميزها عن العمال ، هو ان الطبقة العاملة تخلصت وبتفاوت من قيود الملكية ، بينما يتشبث الفلاحون الفقراء المعدمين ، في ظل الشروط الراهنة بالملكية الفردية ، وهذه الشروط هي سيادة الايديولوجية البرجوازية ، وغياب دور الطليعة البروليتارية .
وسواء استمر هذا الوضع في ظل القيادة البروليتارية ام لم يستمر ، فان الفلاحين الفقراء والمعدمين يشكلون الحليف الرئيسي للطبقة العاملة ، لأنهم دون الطبقات الاخرى ، ليست لهم اية مصلحة تشدهم قليلا او كثيرا الى النظام القائم .
وبصفة عامة فان طبقة اشباه البروليتارية في المدن او في البوادي ، بحكم انها خارج امتيازات النظام القائم ، تملك طاقة عنف مدمرة ( انتفاضة 23 مارس ) ، لكنها في نفس الوقت بحكم تشتتها ، وقصور وعيها الايديولوجي ، لقلة احتكاكها بالصراع السياسي والنقابي ، مما يجعلها فريسة لإيديولوجيات مختلفة ، ومواقف سياسية متناقضة .
الفصل الثاني : الثورة الديمقراطية الوطنية
لقد وقفنا عند الهياكل الاستعمارية الجديدة ، وبينا كيف ان هذه الهياكل تقوم على السيطرة الامبريالية وتحكّم الكمبرادور ، ثم تطرقنا الى وضعية كل الطبقات الشعبية ، وبّينّا اتجاه تطورها ، وكيف ان النظام القائم يجري في غير مصلحتها ، وأكدنا على ترابط مصالحها من اجل تغيير الهياكل القائمة . وسنحاول توضيح طبيعة هذا التغيير في :
ا --- الثورة الديمقراطية ورأسمالية الدولة
ب --- طبيعة السلطة ومهامها الثورية
ج --- ترابط الثورة الديمقراطية بالثورة العربية
د --- الثورة الديمقراطية والموقف من القوى السياسية
1 ) الثورة الديمقراطية ورأسمالية الدولة : اصبح من الضروري التمييز بين الثورة الديمقراطية الوطنية ورأسمالية الدولة ، لا لأن هذه المهمة ضرورية على الصعيد النظري لرسم خطة سليمة وثورية فحسب ، بل لان القوى البرجوازية والتحريفية ( حزب التحرر / التقدم والاشتراكية ) تقوم بتشويه مقصود ينسجم مع مضمون حركتها الاجتماعية ، فهي تطابقها في نظام معين وتناقضها في آخر . وأساس هذا التطابق او التناقض ، هو طبيعة علاقة الانتاج ، وبالتالي طبيعة السلطة المتحكمة في وسائل الانتاج . ان السؤال المركزي الحاسم هو : من هي الطبقة التي تستأثر بالسلطة ؟ .
ان الشيء الذي يغير في حالة برجوازية الدولة ، هو ان ملكية وسائل الانتاج ، بدل ان تكون فردية كما كانت في السابق ، تغدو ملكية جماعية لمجمل الطبقة السائدة . اما بالنسبة للطبقة العاملة ، فالواقع سيستمر كما كان عليه من قبل كطبقة تبيع قوة عملها ومفصولة كلية عن وسائل عملها وعن منتوجها وكطبقة مقموعة سياسيا وإيديولوجيا .
في النظام الديمقراطي الوطني ، تتغير علاقة الانتاج كلية ، لان السلطة بيد الطبقات الكادحة وفي طليعتهم الطبقة العاملة . فالعلاقة بين السلطة والجماهير علاقة ديمقراطية ومتكاملة الادوار ، وتعتمد على تنمية روح المبادرة الجماهيرية وحشد وعيها النقدي والثوري .
ان هذه هي الفكرة الجوهرية التي تفرق بين نمطي الانتاج ، وتسمح لنا في النهاية بان نستخلص بان رأسمالية الدولة ليست إلا شكلا من اشكال النظام الرأسمالي ، وان ضرب احدى طبقاته لا يعني تغييرا في علاقة الانتاج ، بل استبدالا لطبقة بحكم طبقة اخرى وفي نفس الاطار الرأسمالي .

ان التجربة التاريخية الملموسة لهذا النموذج الرأسمالي في البلدان التابعة للامبريالية بينت عجزها عن الافلات من قبضة الامبريالية ، بل ان ضربتها الاولى للرأسمال الامبريالي لم تكن إلا وقفة قصيرة لحل ازمة النظام الرأسمالي مؤقتا .
2 ) طبيعة السلطة ومهامها الثورية : تهدف الثورة الديمقراطية الوطنية الى تحطيم علاقات الانتاج القائمة على الاستغلال الامبريالي والكمبرادوري للجماهير الشعبية ، وتحرير القوى المنتجة في اطار وطني مستقل عن الامبريالية وذلك ب : بناء السلطة الديمقراطية الوطنية التي تعتمد على تحالف العمال والفلاحين الفقراء ، وقيادة الطبقة العاملة لتحالف مجموع الطبقات الشعبية .
ان السلطة الديمقراطية الوطنية ، هي ديكتاتورية كل الطبقات الوطنية تحت قيادة الطبقة العاملة ، على اقلية من المستغلين الملاكين البرجوازيين الكمبرادوريين ، وهي بالتالي ديمقراطية متفتحة على الاغلبية الساحقة ، والتي تشكل جماهير الشعب المغربي . ان التناقضات في صفوف الشعب ستستمر في النظام الديمقراطي الوطني ، وستجد اطارا صحيحا وديمقراطيا لحلها ، يعتمد حرية التعبير والتنظيم لكل القوى الشعبية ، في اطار الحفاظ على مكتسبات الجماهير وقيادة الطبقة العاملة . بيد ان العلاقة بين قيادة الطبقة العاملة والجماهير الشعبية ، هي علاقة دعم متبادل ، ومتشبعة بالروح الديمقراطية ، والتشجيع الدائم لمبادرات الجماهير الخلاقة ، لتنمية النقد الثوري ويقظتها ضد اعداءها . ان العلاقة بين الحزب الثوري والطبقة العاملة والجماهير الشعبية ، تعتمد نفس الجدلية الديمقراطية ، فدور كل منهم يكمل دور الاخر في قيادة واحدة للثورة الديمقراطية الوطنية ، قيادة الحزب تكمل دور الطبقة وتعتمد على الجماهير الشعبية ، وقيادة الطبقة تكمل دور الحزب وتنمي دور الجماهير الشعبية .
اما الجماهير الشعبية ، فهي قاعدة السلطة وصاحبتها في نفس الوقت ، وعلى اساس دوام مبادرتها ومشاركتها الفعلية في توجيه الدولة ، يتوقف مصير الثورة ، ومصير العلاقة الحيوية الضرورية بين الحزب والطبقة والجماهير . وعلى هذا الاساس فان السلطة في نظام الديمقراطية الوطنية تعتمد مبدأ " كل السلطة للجماهير " . ان السلطة في المفهوم الثوري هي وحدة متكاملة لا تنفصم ، بين السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية ، بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاقتصادية ، وهذا ما يميزها كليا عن المفهوم البرجوازي الذي يفصل بينهما ، ويمنح بالتالي الطبقات الكادحة حق الاختيار في " من مِن ابناء الطبقة الحاكمة سيمثلها " ، بينما تحتفظ البرجوازية بكل السلطات وأساسها السلطة الاقتصادية .
اما في الانظمة الثورية ، فان الجماهير الشعبية يجب ان تكون في موقع التوجيه الاقتصادي والسياسي ، وبالتالي يجب ان تكون سيطرتها الجماعية على وسائل الانتاج واقعا ملموسا .
ان التجسيد المادي لهذا المبدأ ، يعني بناء الهياكل الشعبية الديمقراطية انطلاقا من موقع الانتاج ، وتوسيع هذه الهياكل لتشمل كل ارجاء الوطن . ضمن هذه الهياكل المبنية من القاعدة الى القمة والمتحكمة بالإنتاج وبجهاز الدولة ، تجري العلاقة الجدلية بين الحزب والطبقة والجماهير ، وضمنها ايضا يتبلور تحالف الطبقات الوطنية حسب موقع كل منها في ميدان الانتاج .
ان اكبر معركة ديمقراطية سيخوضها العمال والفلاحون الفقراء لبناء نظام ديمقراطي جديد هي تحطيم هياكل الدولة القديمة القمعية والإيديولوجية والإدارية . لقد تكونت هذه الهياكل على اساس قمعي وبيروقراطي شبه استعماري وشبه اقطاعي ، لتؤدي وظيفتها في الحفاظ على استغلال الجماهير ، وإعادة تجديد علاقة الانتاج المسيطرة . ان دور السلطة الوطنية في هذا المجال لهو اخطر دور يقف عليه مجموع صيرورة المستقبل . فبقدر ما تحطم الثورة الهياكل التنظيمية القديمة ، وبقدر ما تدع هذه الهياكل في سياق الثورة الشعبية ، وتجعلها في خدمة ومتناول الجماهير ، بقدر ما الثورة تغرس اقداما ثابتة للمستقبل ، وتعمق طابعها الثوري الجماهيري والشعبي ، وتكسب معركة الثورة الاشتراكية . ان اسس الانحراف تنبت بلا انقطاع في هذا المستنقع الموروث عن الماضي . ان تحويل الدولة الى اداة بيد الجماهير الشعبية ، هو المهمة المركزية والمصيرية للثورة الديمقراطية . ان هذه المهمة ليست بالهينة نظرا للتركة الضخمة الموروثة عن الماضي ، ولهذا فالتناقضات بين جهاز الدولة والجماهير الشعبية لن تمحى دفعة واحدة ، وعلى هذا الاساس يزيد الحاحا تدعيم العلاقة بين الحزب والجماهير ، وتجديد الثورة والحزب بمبادرات الجماهير وانتقادها .
وبموازاة بناء السلطة الوطنية الديمقراطية ، يجري بناء وتعميق القاعدة التحتية للثورة الوطنية الديمقراطية ، ويجري تحويل علاقة الانتاج تحويلا جذريا . ان التحولات الكبرى التي تقوم بها السلطة الديمقراطية الوطنية في ميدان علاقة الانتاج هي :
+ ) تحقيق ثورة فلاحية تقضي على سيطرة الملاكين الكبار ولمصلحة الفلاحين الفقراء والفلاحين بدون ارض ، ومتفتحة على اقامة الملكية الجماعية للأرض . ان الثورة الوطنية الديمقراطية ثورة فلاحية تحت قيادة الطبقة العاملة . فالمهمة التاريخية لهذه الثورة هي تحقيق ما عجزت البرجوازية التبعية عن تحقيقه بسبب اصولها الاقطاعية وتحالفها مع الامبريالية . ان تطور الاقطاع المحلي الى برجوازية زراعية لم يلغ ضرورة الثورة الفلاحية ، لا لان العلاقة الشبه اقطاعية ما زالت قائمة ، وستظل قائمة ، إما في شكل علاقة الدولة بالفلاحين في ميدان الانتاج بالذات ( التعاونيات الاجبارية ، فرض نوعا من الزراعة مثل الشمندر .. ) ، او عجز النمو الرأسمالي نفسه في اطار محدود وضيق ... بل وأساسا ، لأنه لا طريق لنمو القوى المنتجة ، وتحريرها ، وتحقيق اسس التقدم المستقل عن الامبريالية ، إلا بتحقيق ثورة من تحت ، ثورة الفلاحين ضد البرجوازية الزراعية الكمبرادورية و بقايا الاقطاع . وتأخذ الثورة الفلاحية في الانظمة التبعية خاصية جديدة ومختلفة عن طابع الاصلاح الزراعي الذي قامت به البرجوازية الأوربية ضد الاقطاع . ان هذه الخاصية هي القضاء على التبعية للامبريالية ، وبذلك لم تعد الثورة الفلاحية في بلدان التبعية مجرد تحول ديمقراطي ، بل اصبحت تدخل موضوعيا في صيرورة التحول الاشتراكي . ان الاصلاحات الزراعية التي قامت بها انظمة رأسمالية الدولة لم تؤدي وظيفتها الثورية ، وهي تحرير القوى المنتجة والقضاء على اسس التبعية للامبريالية ، لأنها لم تدخل في هذا السياق الثوري نحو الاشتراكية ، ولهذا لم تتجاوز حدود تغيير نسبة الملكية وتبديل ملاكيها خارج الفلاحين الفقراء والفلاحين بدون ارض ، ودون ان تحدث ثورة في علاقة الانتاج القائمة على استغلالهم وعلى التبعية للامبريالية ، وبالتالي دون تحرير فعلي للقوى المنتجة . وفي الوضع الفلاحي القائم فان الثورة الفلاحية مطالبة ب :
--- تغير البنية العقارية لمصلحة مليون ونصف مليون عائلة فقيرة او بدون ارض .
--- تحرير الفلاحين الفقراء والمتوسطين من كل العقود الشبه اقطاعية والديون التي كبلتهم بها الدولة والملاّكون .
--- تنظيم تعاونيات كخطوة لتجميع الملكية ، والتعاونيات في التسويق للقضاء على المضاربة .
--- مكننة ورفع انتاجية الفلاحة فيما يسمى اليوم " القطاع التقليدي " كي يدمج الفلاحة في الاقتصاد الوطني لتشكيل قاعدة للتصنيع .
وليس من الضروري اتخاذ موقف حاسم ونهائي اتجاه مسألة توزيع الاراضي على الفلاحين ، فالأمر يتوقف بالدرجة الاولى على درجة وعي الفلاحين الفقراء وتحالفهم مع الطبقة العاملة ، وليس مطلقا بالموقف المبدئي او الاستراتيجي الذي لا بد منه في مرحلة الثورة الديمقراطية ، ولكن الاتجاه الاساسي الذي يجب ان تعمل به القوى الثورية في جميع الحالات ، وهو احترام رغبة الفلاحين والعمل على توعيتهم بفوائد التطور في الملكية الجماعية للأرض .
+ ) تأميم التجارة الخارجية والشركات الكبرى والابناك والمناجم ، وقلب هيكلية الاولويات التي حافظت عليها الطبقة السائدة في اتجاه بناء قاعدة التصنيع وتطوير القوى المنتجة بشكل مستقل عن الامبريالية .
ان وضع اليد من طرف السلطة الديمقراطية الوطنية الثورية على كل هذه المرافق الحيوية ، سيمنع النزيف الاقتصادي الذي كانت الامبريالية والبرجوازية الكمبرادورية تقوم به بواسطة تحويلها للأرباح او بتبذيرها الفائض الاقتصادي في الانشطة الغير المنتجة ، وفي نفس الوقت ، لان هذه المرافق تشكل قوة اقتصادية اشتراكية ، تمكن السلطة الديمقراطية من التأثير الحاسم على مجموع الاقتصاد الوطني ، وتوجيهه حسب حاجيات التطور الاقتصادي والسياسي . ان الغرض الاساسي من القطاع الاشتراكي ، هو اعادة هيكلة الاقتصاد الوطني ، نحو قاعدة للتصنيع الثقيل وتحطيم السيطرة الامبريالية .
+ ) تحطيم آلية التعليم الشبه الاستعماري والشبة الاقطاعي المعتمد على تعليم النخبة وتجهيل الجماهير الشعبية ، بدمقرطته وتعريبه وعلمانيته ، ويفتح باب الثقافة الواسع للجماهير الشعبية . ان للمسألة التعليمية حساسية بالغة عند الجماهير الشعبية ، فاحدى المعارك الكبرى والدامية مع النظام ، كانت دوافعها تعليم ابناء الجماهير . ان الوظيفة التي يقوم بها التعليم في النظام الطبقي ، هي تثبيت السيطرة الايديولوجية للطبقة السائدة ، من اجل الحفاظ وضمان استمرار استغلال الجماهير الشعبية . ويقوم الجهاز التعليمي في النظام الطبقي القائم بتعليم ابناء الطبقة المسيطرة لتتكلف بالمهام التسييرية والتوجيهية في الميدان الاقتصادي والإداري والسياسي ، وبتعليم اقلية من ابناء الجماهير ، وتحت الضرورة للقيام بالمهام التكميلية والجزئية في هذه المراكز .
ان التعليم في المغرب يتسم بطابعه الشبه استعماري والشبه اقطاعي ، ويعكس طبيعة الوضع الاجتماعي والاقتصادي ، وبالتالي فان تكسير هذه الآلية يتوافق مع ديمقراطية الاقتصاد وتعريبه ، وديمقراطية الادارة وتعريبها . ان الاهمية الحاسمة في هذا الميدان تتعلق بخلق تعليم يخدم الانتاج والجماهير ، و ذلك بتشبيعه بالروح الطبقية ، وخدمة الجماهير ، وبتقوية طابعه العلمي والعلماني ، وتخليصه من الافكار الغيبية والثقافة الرجعية ، وبدمج التعليم النظري بالتعليم الاساسي التطبيقي ، والقضاء على الفصل بين التعليم والإنتاج ، ومن جهة اخرى تحطيم البنية الطبقية للمدرسة والجامعة المتخصصة في تعليم الاقلية وخارج الجماهير الشعبية ، بمدرسة وجامعة متفتحة على تعليم الجماهير الشعبية .
ان هدف الطبقة العاملة هو تحقيق الاشتراكية بالقضاء النهائي على الاستغلال الطبقي في كل اشكال استغلال الانسان لأخيه الانسان . لكن الوصول الى هذه الغاية يقتضي تحقيق شروط موضوعية وذاتية بغض النظر عن الاهمية الحاسمة للعامل العربي والاممي في هذه الشروط . فبعد تحقيق التحولات الكبرى السابقة في ميدان الانتاج والعلاقات الطبقية في بناء السلطة الديمقراطية الوطنية ، تنتقل الثورة الى مرحلة انتقالية اعلى نحو اقامة النظام الاشتراكي .
ان الثورة الديمقراطية الوطنية كما هو واضح تحتفظ بالرأسمال الوطني ، الى جانب القطاع الاشتراكي ، وتحت نفوذه وقيادته . كما انها لا تقتلع جذور الاقتصاد البرجوازي الصغير اقتلاعا جذريا ، ولكن الثورة صيرورة وعملية متصاعدة نحو الاشتراكية . ان المهام الاساسية في المرحلة الاخرى تتحدد في خطوطها العريضة ب :
× -- تحويل الرأسمال الوطني الى قطاع اشتراكي .
× -- الاستمرار في التقدم بتحويل الاقتصاد البرجوازي الصغير ، الى اقتصاد جماعي موسع ، وفي مقدمة ذلك تحويل الملكية الفلاحية الفردية الى ملكية جماعية للأرض .
ان التمييز بين المرحلتين ضروري . ففي الاولى يتجه راس السهم ضد التبعية وركائزها المحلية الرأسمال الامبريالي والكمبرادوري . وفي المرحلة الثانية يتوجه راس السهم ضد الرأسمال الوطني ، والتقدم بخطوات هامة في تحويل الاقتصاد البرجوازي الصغير ، وبالأخص تحويل ملكية الارض الفردية الى ملكية جماعية .
وفي المرحلتين يتغير بالتالي التركيب الاجتماعي للسلطة ، ويتقدم طابعها الديكتاتوري الروليتاري . لكن الفرق بين المرحلتين اتجاه التناقضات الطبقية ، هو ان الاولى تحل بطريقة العنف الثوري ، وبتحويل جذري لطبيعة السلطة ، بينما المرحلة الثانية تحل فيها التناقضات الطبقية كتناقضات في صفوف الشعب ، لان الطبيعة البروليتارية في السلطة هي الغالبة ، والطبقة العاملة المتحالفة مع الفلاحين الفقراء هي القائدة والموجهة ، ومع العلم ان تحويل الاقتصاد البرجوازي الصغير ، يتم على تصاعد ، وبالإقناع وإعطاء البديل في النموذج الاشتراكي .
ليس معنى هذا ان الفواصل بين المراحل فواصل جامدة وقاطعة ، بل بالعكس ، فان كل مرحلة تحتوي على عناصر من المرحلة الثانية ، لكن الطابع العام للتشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية ، والمهام الاساسية مختلفة عن الاخرى . اما الشرط الاساسي لهذا الانتقال فهو ضمان اكبر تعبئة جماهيرية تحت النفوذ السياسي والإيديولوجي الاشتراكي ، والتحالف المتين بين العمال والفلاحين الفقراء ، وتقوية نفوذ ودور القطاع الاشتراكي على الصعيد الاقتصادي .
هذه بعض الملامح العامة الانتقالية نحو الاشتراكية ، وهي تبين ان بين الثورتين تمايزا وترابطا جدليا في آن واحد . ان الخلط بين المرحلتين يؤدي حاليا الى عزل الطبقة العاملة عن حلفاءها الموضوعيين ، وفي المستقبل الى حلول فوقية بيروقراطية وقمعية ، إن لم تؤدي الى الاجهاض في المهد .
3 ) الثورة الديمقراطية والثورة العربية : ان مطامح الجماهير المغربية والجماهير العربية بصفة عامة في تحقيق وحدتها القومية ، حقيقة ملموسة يزخر بها وجدانها ، ويؤكدها تاريخ نضالها التحرري الطويل . وهذا المطمح تقدمي ويتمشى في الاتجاه التاريخي الصحيح . لقد عبرت الجماهير عن هذا المطلب والاتجاه التقدمي بربطها الدائم بين نضالها من اجل وحدتها القومية ، ونضالها ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية .
لقد كان حس الجماهير يعكس حقيقة موضوعية قائمة ، وهي ان التجزئة العربية في العصر الامبريالي ، هي جزء لا يتجزأ من نظام التبعية للامبريالية . لقد ربطت الامبريالية بالعنف العسكري اولا وبأسلوب الاستعمار الجديد ثانيا ، كل بلد عربي ، وكل نظام من انظمة التجزئة بالسوق الامبريالية ، كجزء مكمل للأجزاء الاخرى من الانظمة العربية . وهكذا حالت الامبريالية دون تكوّن السوق القومية العربية الواحدة والموحدة ، وكان من نتيجة ذلك ، ان عادت الطبقات الحاكمة والمستفيدة من الانظمة الحاكمة ومن الاقتصاد التابعي ، كل مطمح وحدوي او اتجاه جماهيري وحدوي . ولقد اثبتت الممارسة التاريخية ، ان كل القيادات الطبقية بمختلف اشكالها فشلت وعجزت عن تحقيق هذا المطلب والمطمح الوحدوي الجماهيري . وفي هذا الاطار يكون النضال من اجل استكمال الوحدة القومية ، هو نضال تحرري ومعاد في صلبه للامبريالية والرجعيات الحاكمة ، وجزء لا يتجزأ من مهام الثورة الديمقراطية .
لقد سقطت راية النضال الوحدوي من يد البرجوازية الحاكمة ، وخاصة زعيمتها البرجوازية المصرية ، بعد ان استنفدت هذه البرجوازيات طاقتها التقدمية ، وانزلقت بسرعة الى حظيرة الامبريالية ، وأثبتت عجزها في مواجهة اسرائيل . ولقد دخل ’بعدها النضالي الوحدوي ليندمج بالكامل بالنضال الطبقي الذي تخوضه الجماهير الشعبية والطبقة العاملة . اما البرجوازية الحاكمة في البلاد العربية ، فلم تعد تستعمل الوحدة كرافعة للنضال ضد الامبريالية وإسرائيل ، بل لستر استغلالها ولقمع الحركات الديمقراطية والثورية ، دون ان تقدر فعلا على تحقيق الوحدة .
ان قانون التطور الغير المتكافئ الحاصل نتيجة اندماج الانظمة القائمة بالامبريالية ، يفرض على القوى الثورية والديمقراطية في كل بلد عربي ، مسؤوليات نضالية وتاريخية تستجيب للمتطلبات الاقتصادية والسياسية والطبقية في البلد المعين . وعلى هذا الاساس فان تعميق النضال الديمقراطي والوطني والنضال الاشتراكي في كل بلد عربي ، وفي مجرى وحدوي ، هو الطريق الصحيح والاتجاه الاساسي لدفع كل حلقات السلسلة على المستوى العربي ، نحو تحقيق الوحدة العربية ، وإقلاع جذور الامبريالية من الوطن العربي وهزيمة اسرائيل . ان هذا الدور المنوط بكل قوى ديمقراطية وثورية ، وبكل قوى اشتراكية ، هو المقياس العملي لالتزاماتها التزاما ثوريا بالوحدة العربية .
وعلى اساس نفس التطور الغير المتكافئ ، تكونت في العالم العربي ثلاثة مناطق صدام اساسية : منطقة الخليج ، منطقة الشرق العربي و منطقة المغرب العربي . ويجمع بلدان كل منها مميزات اجتماعية – اقتصادية – سياسية غالبة او متقاربة ، ومواجهة لنوعية الاستراتيجية الامبريالية في المنطقة .
في الخليج العربي : تجزئة مضاعفة بحكم تعدد الامارات الصغرى ، وحكم مشاييخ البترول ، ومخططات الامبريالية بتحالف من ايران الشاه ، والسعودية للسيطرة على المنطقة وتحطيم القوى الثورية بها ، وإدامتها في نطاق التخلف الاجتماعي والاقتصادي المطلق .
في الشرق العربي : الغلبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لبرجوازية الدولة ، التداخل اليومي والانعكاس الحاسم للقضية الفلسطينية على تطور الصراع الطبقي بالمنطقة ، تهديد مباشر من طرف اسرائيل ،، مخطط واحد امبريالي اسرائيلي لضرب قوى الثورة العربية وفي مقدمتها الثورة الفلسطينية .
في المغرب العربي : رغم تنوع الطبيعة الاجتماعية للأنظمة القائمة ، فان خطة الامبريالية موحدة في المنطقة وفي اطار استراتيجيتها في البحر الابيض المتوسط .
وعلى هذا الأساس فان المعطيات النضالية المتشابهة في كل منطقة ، تفرض على القوى الثورية ان ترتقي بعملها النضالي ليشمل المنطقة بكاملها ، ولكي يكون في مستوى المهام النضالية المطروحة عليها لمواجهة مخططات الامبريالية . ان وحدة النضال في هذه المناطق ، لا يلغي وحدته على المستوى العربي ، بل يدعمه ويكمله ويجعله يستجيب لكل معضلات الثورة العربية وعلى جميع الاصعدة . ان الثورة الفلسطينية ومواجهة الصهيونية وإسرائيل ، والتأثيرات المتبادلة بين الاوضاع العربية ، ومخططات الامبريالية على المستوى العربي ، والقاضية بالحفاظ على التجزئة وحماية الانظمة العربية الرجعية ،،، جميعها تفرض على القوى الثورية العربية ، ان توحد صفوفها وتوحد عملها النضالي المشترك .
4 ) الثورة الديمقراطية والقوى السياسية : ان المضمون الاجتماعي لحركة القوى السياسية ، والذي يوحد فيما بينها رغم تناقضاتها الظاهرية ، وتمايزاتها الايديولوجية والسياسية ، هو انها تعبر في مجموعها عن اتجاه " رأسمالية الدولة " . ان هذا الاتجاه هو ما تطرح برامج هذه الاحزاب بتفاوت فيما بينها ، وما يسميه حزب الاستقلال ب " التعادلية " والاتحاد الوطني / الاشتراكي للقوات الشعبية ب " الاشتراكية " وحزب التقدم والاشتراكية ب " الاشتراكية العلمية " ، وهو يقوم على تأميم المرافق الحيوية من السيطرة الامبريالية لتمتلكها الدولة كقطاع عام ، وتحقيق اصلاح زراعي يمس الملكية الكبرى لتوسيع السوق المحلية .
ان جوهر هذا البرنامج الحقيقي ، هو خدمة الدولة لنمو البرجوازية المتوسطة ، وحل ازمة النظام الرأسمال التابع لمرحلة ما . ان هذا البرنامج يحمل في الحقيقة حدود رؤية البرجوازية المتوسطة ، وأقسام من البرجوازية الصغيرة التي ترى ظلم ، وتحكم الرأسمال الامبريالي الكمبرادوري ، لكنها غير قادرة على اعطاء نمط انتاج مناقض للنظام الرأسمالي ،،، إلا في حدود ان تلعب الدولة في الاطار الرأسمالي نفسه دور المغيث لهذه البرجوازية . ان هذا الموقف يعكس من جهة اخرى غياب حزب البروليتارية الذي هو وحده قادر على اعطاء البديل الثوري ، وجر هذه القوى تحت قيادته في نظام ديمقراطي وطني .
ان ما يميز هذه الاحزاب عن بعضها هو " خطها السياسي " ، وهي في هذا المجال منقسمة الى اتجاهين اساسيين : خط ملكي ليبرالي وخط جمهوري بلانكي انقلابي . ان جميع القوى السياسية تقف في الاتجاه الاول باستثناء جناح من القوات الشعبية الذي يقف في الاتجاه الثاني . ان هذا الجناح رغم السمة الجذرية لموقفه من السلطة الملكية ، فانه لم يرق بعد الى مستوى الجناح الديمقراطي الثوري الذي يفرض فيه ان يعتمد الجماهير كقوة استراتيجية واحدة في تغيير النظام القائم . بيد ان هذا الجناح لا يتعامل مع الجماهير إلا وقتيا ولحسابات تكتيكية ، ومع ذلك فان قاعدة هذا الجناح ، وهي بصفة عامة قاعدة القوات الشعبية ، تختزن طاقة ثورية مستقبلية ( ولو لم يبق معظم القواعد مع هذا الجناح ، فان الطبيعة الايديولوجية اتجاه الجماهير لا زالت واحدة لم تتغير ) . وفي اطار القوى السياسية الاصلاحية الملكية ، يجب ان نميز بصفة خاصة ، وضعية قيادة الاتحاد المغربي للشغل ( كقوى سياسية ). تتميز هذه القيادة او هذه القوة ، بأنها لا تملك اية قاعدة طبقية ، فهي تستقي مواقفها الفعلية من مصلحة الجهاز البيروقراطي ، وهي مصلحة ضيقة جدا ، وليست مطلقا بالمصالح الطبقية العريضة ، وبالتالي فهي معرضة للانهيار والانحياز لجانب الحكم في مراحل نضالية عصيبة .
بعد تسجيل هذه المعطيات العامة ، ما هو الموقف الصحيح من القوى السياسية وانطلاقا من استراتيجيتنا في الثورة الديمقراطية الوطنية ؟ .
1 ) ان هذه القوى ليست هي المخاطبة بشعار الجبهة الديمقراطية الثورية ، لان هذا الشعار عماده قوى ثورية تعتمد حركة الجماهير ولا تنفصل عنها . وفي المرحلة الحالية فان مجموع القوى ، إما انها تعيش حالة انتظار او تتعامل مع الجماهير بصفة مؤقتة وتكتيكية ضيقة الاهداف السياسية . كذلك فان الجبهة ترفض تقاربا نسبيا في البرنامج وفي ممارسة هذا البرنامج . وهنا ايضا المسافة لا زالت بعيدة ، ونقط الالتقاء اتجاه كل التطورات السياسية السابقة وكل المعارك الجماهيرية ، تكاد تكون منعدمة .
2 ) ان الخط السياسي في عملنا مع هذه القوى هو كسبها لجانب الجماهير ، وعزلها عن الحكم تطبيقا لشعار " النضال من اجل توسيع جبهة المعارضة " . والطريق الصحيح لذلك ، هو الدفع بها قاعديا للانخراط في المعارك الجماهيرية ، وفي معاقل تجمعها ، وفق برنامج راهن يواكب معطيات الصراع وموازن القوى ، ويلبي مصالح الجماهير الشعبية السياسية والاقتصادية والتنظيمية .
ان الدفع القاعدي يتطلب تحديد الخط الفاصل والدائم على الصعيد الايديولوجي والسياسي . فالصراع الايديولوجي والنقد السياسي في حالة التخلف والتردد او المشاركة – المناورة ، هو الوجه المكمل للعمل المشترك القاعدي . ان الدفع القاعدي ، ومن خلال المعارك الجماهيرية ، لا يقوّي جبهة المعارضة ونضال الجماهير وحسب ، بل يقوي ايضا تناقضاتها الداخلية بين قواعدها الشعبية وقيادتها البرجوازية ، ويعمق تأثيرنا السياسي والإيديولوجي وسط هذه القواعد .
3 ) ان اخطر عدو تواجهه الحركة الماركسية من داخل القوى المعارضة ، هو البيروقراطية النقابية ، لانها تقع في قلب الطبقة العاملة ، وتلعب دورا انتهازيا ومجهضا ومدسوسا لنمو حركة العمال الثورية . ان هذا العدو هو اسهم دعايتنا السياسية والإيديولوجية . ولكن بمراعاة ( في العمل المباشر ) كل الخبرة والدروس التي استخلصها اليسار في اساليب العمل ضد البيروقراطية النقابية . وخلاصة هذه التجربة ، ان محاربة البيروقراطية النقابية -- في العمل المباشر – وفضحها امام العمال ، لا تتم بتحريض فوقي ، ولكن من خلال العمل القاعدي ، وفي معارك ملموسة تفضح تقاعسهم وانعزالهم عن مشاكل العمال الحقيقية . ان كل الوسائل الاخرى في الميدان الدعائي لها اهميتها وتدعم عمل المناضلين المباشر في معركتهم ضد البيروقراطية وفي مقدمة هذه الوسائل ، الجريدة المركزية ولجان النضال .
الفصل الثالث : الحزب
ا --- الاسس الموضوعية والتاريخية لقيادة الطبقة العاملة للثورة الديمقراطية الوطنية
1 ) في وضع كوضع بلادنا حيث تتحكم الامبريالية والطبقة الحاكمة الكمبرادورية ، تتصارع قوتان لقيادة الثورة الديمقراطية :
--- قيادة برجوازية
--- و قيادة بروليتارية
لقد اثبتت تجارب كل شعوب حركة التحرر الوطني ، وتجربتنا الوطنية ايضا ، فشل القيادة البرجوازية في استكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية ، بل الارتداد عنها وإجهاضها . ان النضال التحرري ضد الامبريالية والطبقة الحاكمة الكمبرادورية في المغرب الذي هو في طبيعته نضال ديمقراطي وطني ، لن يتم بصورة كاملة وجذرية ، إلا اذا كان مندمجا مرتبطا في اطار آفاق الثورة الاشتراكية و آفاق الثورة العربية . ان القيادة الوحيدة المؤهلة لذلك هي القيادة البروليتارية .
ان واقع الضعف العددي للطبقة العاملة ، وحداثتها وانخفاض مستواها الثقافي ، لا يلغي موضوعيا اهليتها لقيادة الثورة . ان كونها ترتبط بالشكل الاقتصادي الرأسمالي ، يجعلها الطبقة الوحيدة في المجتمع المهيأة للتحرر من استلاب الملكية ، لأنها لا تملك لحسابها الخاص اي وسائل انتاج خاصة فردية ، وكونها مجتمعة في مراكز انتاج كبيرة ، يقوي لديها روح الجماعية والوحدة ، ويمنحها قدرة عالية على التنظيم والانضباط الجماعي ، بالإضافة لذلك تعيش اضطهادا واستغلالا فظيعا ومباشرا من طرف الامبريالية ، وفي نفس الوقت من الطبقة الحاكمة ، ولها كذلك مصلحة راهنة جذرية في التحرر من نير الامبريالية والطبقة الحاكمة .
2 ) ان النظرية التي تلغي ضرورة القيادة البروليتارية للثورة الوطنية الديمقراطية بتبرير ان هذه الثورة تهم كل الطبقات الشعبية ، وبالأساس طبقة الفلاحين ، وليس البروليتارية وحدها التي تشكل اقلية كبيرة في المجتمع ، هي نظرية برجوازية خاطئة ، تجهض في الواقع تحرير الجماهير الشعبية الحقيقي .
فعلا ان الفلاحين ، والفقراء منهم بالخصوص ، يشكلون في بلادنا القوة الرئيسية والجمهور الواسع للثورة ، وصحيح ايضا انهم يشكلون قوة ثورية من حيث المبدأ ، لأنهم يعانون كالطبقة العاملة نفس الاضطهاد المزدوج من طرف الامبريالية والطبقة الحاكمة ، ولهم مصلحة اساسية وجذرية في الانجاز الكامل للثورة الديمقراطية ، هذه الثورة التي هي في العمق ثورة " الفلاحين " . لكن الفلاحين ، وحتى الفقراء منهم ، بسبب تبعثرهم وتعلقهم بالملكية الخاصة ، عاجزون عن القيام بدور طليعي قيادي في الثورة . ان هذا الوضع يجعلهم قابلين للسقوط تحت الهيمنة البرجوازية ، وفي نفس الوقت الذي لا يلغي سيرهم تحت قيادة الطبقة العاملة . ان تحرير الفلاحين ، والفقراء منهم بالذات ، وتحويلهم الى قوة ثورية رئيسية ، مرهون ومشروط بقبولهم السير والنضال تحت قيادة الطبقة العاملة .
ان قيادة الطبقة العاملة للثورة الديمقراطية الوطنية ، لا يقررها واقعها الكمي ، وخاصة في بنية تبعية كوضعية المغرب ، بل يقررها وعيها وقوة تنظيمها السياسي ، وقدرتها على حشد وقيادة اوسع الطبقات الشعبية ، وخاصة الفلاحين . ان الطبقة العاملة المغربية تمتلك للقيام بهذا الدور ، ارتباطا عضويا وطبيعيا وحديثا بالفلاحين الفقراء ، نظرا لكون اغلبيتها انحدرت من اغلبية الفلاحين المفلسين ، وهي قادرة نظرا لهذا الوضع ، ولتطابق مصلحتها الراهنة مع مصالح مجموع الجماهير الشعبية ، ان تدمج نضال تحررها ، بالنضال الديمقراطي الوطني لمجموع الجماهير ، ويزداد تعاظم الدور القيادي للطبقة العاملة ، خاصة ان مصالح الفلاحين الفقراء ( الجمهور الاوسع للفلاحين ) لا تتعارض ولا تتناقض مع اهدافها في البناء الاشتراكي ، إذا قبل الفلاحون الفقراء السير تحت قيادتها . ان التشكيك في الدور القيادي للطبقة العاملة في ثورتنا الراهنة ، يخفي في العمق تكريس القيادة البرجوازية على حركة الجماهير ، ويضرب ليس فقط الطبقة العاملة في التحرر ، بل وأيضا مصالح اغلبية الشعب .
3 ) ان النزعة العمالية التي تحصر اهتمام الطبقة العاملة بذاتها ، وتغذي اعتبار كونها الوحيدة الثورية والجذرية في هذه المرحلة ، وتشحن وعيها بعد الثورة الاشتراكية فقط ، وتهمل ضرورة انخراط ، بل قيادة الطبقة العاملة للنضال الوطني والقومي ، هي نزعة خاطئة ايضا ، وهي في الجوهر وجه العملة الثاني للنظرية البرجوازية .
صحيح ان على الطبقة العاملة وحزبها السياسي ان يحافظا في جميع المراحل ، بالاستقلال الايديولوجي والسياسي والتنظيمي عن باقي الطبقات الاخرى ، لان محو هذا الاستقلال ، وتمييع التمايزات الطبقية لن يغذي إلا تطوير الهيمنة البرجوازية ، ويعرقل مسيرة تحرير الجماهير الشعبية .
لكن الطبقة العاملة ، وبالذات في المرحلة الراهنة للثورة ، حيث تتواجد عدة طبقات تقدمية ، والتي تتشابك مصالحها في تحقيق اهداف الثورة الديمقراطية الوطنية ، يجعل تحرير الطبقة العاملة مرتبط بتحرير مجموع الجماهير الشعبية ، هذا الامر الذي يفرض على الطبقة العاملة ، وعلى حزبها السياسي أ ان يجسدا في نضالهما مصالح الشعب بأكمله ، ويكونا المدافع الطبيعي الصلب عنها ، وعلى هذا الاساس ، عليه ان ينظم ويوحد ويقود ليس فقط الطبقة العاملة وحدها ، بل مجموع الطبقات والفئات الثورية وفي مقدمتهم الفلاحون الفقراء .
ان هدف قيادة الطبقة العاملة للثورة ، بهذا المعنى ، ليس شعارا دوغماتيكيا ستفرضه المقولات النظرية والمبدئية ، بل بالعكس هو شعار تفرضه الطبقة العاملة وحزبها الثوري ، خلال مجرى نضال مجموع الجماهير الشعبية ، خلال طليعتها للنضال الوطني والقومي والطبقي . ان اغلبية الشعب لن تقتنع بقيادة الطبقة العاملة ، إلا اذا لمست من خلال النضال ، حقيقة ان الطبقة العاملة وحزبها الثوري ، يجسدان في الواقع مصالحها العميقة في التحرر الوطني والقومي والطبقي . ان مبدأ قيادة الطبقة العاملة ليس معطى سلفا ، بل هو عمل نضالي تقرره موازين القوى الفعلية في الصراع ، ولا يؤدي فيه عزل الطبقة العاملة عن نضال باقي الطبقات الشعبية ، إلا الى تخريب التحالف بين الطبقات الشعبية ، ويعزل الطبقة العاملة وحزبها الثوري على هامش الصراع الطبقي الفعلي .
ب --- دور الحزب الثوري وعلاقته بالطبقة العاملة والجماهير
1 ) ان النضال التحرري للطبقة العاملة يهدف سياسيا الى قلب السلطة الحاكمة ، وفرض حكم العمال والفلاحين الفقراء . في هذا النضال تواجه الطبقة العاملة وحلفاؤها ، طبقة حاكمة منظمة ، تملك كل وسائل القهر المادية والمعنوية ، ومستعدة لكل الجرائم في سبيل الحفاظ على سلطتها ، ولهذا تأخذ العملية الثورية صيرورة طويلة من النضالات المختلفة اقتصادية وسياسية وإيديولوجية وعسكرية .
لكن الجماهير بعفويتها لن تضمن التواصل فيما بينها ، والارتقاء في الوقت المناسب الى تنظيم وانتزاع السلطة لمصلحتها ، وعلى هذا الاساس يكون بناء الحزب البروليتاري الثوري ضرورة يمليها واقع الصراع الطبقي لتنظيم الامكانيات الثورية للجماهير الكادحة ، وتخليصها من تأثيرات الايديولوجية السائدة ، وفي مواجهة تنظيم الطبقة الحاكمة وترسانتها القمعية .
ان دور الحزب هنا ، هو تغذية النضالات الجماهيرية في جميع مراحل نمو العملية الثورية ، والرفع من قدرتها التنظيمية والسياسية ، وتهيئ عنفها المضاد الثوري لانتزاع السلطة في المرحلة الثورية الناضجة ، هذا العنف الذي يحتل في ظروفنا الشكل الرئيسي للنضال على امتداد مرحلة تاريخية كاملة .
2 ) ان المهمة التاريخية المباشرة التي تواجهها الطبقة العاملة ، ليس بناء الاشتراكية في مجموع هياكل علاقات الانتاج ، بل هي تحقيق الديمقراطية الوطنية ، وبناء سلطتها الثورية تحت قيادة الطبقة العاملة . وفي هذا الاطار ألتاريخي ليست الطبقة العاملة هي الوحيدة صاحبة المصلحة في هذا التحول الثوري ، و إن كانت هي الطبقة الوحيدة الجذرية فيه الى النهاية ، وتناضل بالتالي من اجل قيادته حسب هدفها الاشتراكي التاريخي البعيد ، ولان مجموع الطبقات الوطنية ، وبدرجات مختلفة تناضل ضد نفس العدو المرحلي ، وتحاول هي الاخرى كسب قيادة هذا النضال لتوقفه عند حدود مصلحتها ، وتطبعه بطابعها البرجوازي المتردد والمحدود الآفاق .
ان هذا التفاوت بين الهدف الاشتراكي للطبقة العاملة وهدفها المرحلي الديمقراطي ، او هذا التشابك بين مجموع مصالح الطبقات الوطنية ، يسهل على الطبقات البرجوازية استغلال حركة الطبقة العاملة العفوية مهما اتخذت هذه الاخيرة من طابع جذري ، ما لم تستقل بتنظيمها ، وتطمح لقيادة هذا النضال لحسابها الاشتراكي . ان الشروط الموضوعية لهذا الاستغلال البرجوازي موجودة في قلب الطبقة العاملة وخارجها ، و ذلك بتسرب او استمرار بقايا الايديولوجية البرجوازية التي تأتي الى العمال من اصولهم الطبقية البرجوازية الصغيرة ، او من المحيط البرجوازي الدائر حولها ، او بمعزل الطبقة العاملة الغير منظمة مع حلفائها الطبيعيين ، وهم الفلاحون الفقراء .
ان دور الحزب الثوري المستقل للطبقة العاملة ، هو صيانة الاستقلال الايديولوجي والسياسي والتنظيمي للطبقة العاملة ، وتنمية دورها الموضوعي والقيادي للثورة الديمقراطية الوطنية ، وكسب حلفاء الثورة تحت قيادة الطبقة العاملة . ان هذا الدور يفترض الكشف الدائم لمغزى الصراع الدائر ما بين مجموع الطبقات واتجاهاته ، والربط الدائم بين نضال الطبقة العاملة من اجل الديمقراطية الوطنية ومن اجل الاشتراكية . ان هذا الدور الذي يقوم به الحزب ، لا يتلخص فحسب في مواجهة تسربات الايديولوجية البرجوازية الى الطبقة العاملة ، بل وللتأثير ايضا على القوى البرجوازية ، وفرض اختيارات الطبقة العاملة الجذرية عليها . ذلك ان حزبا بروليتاريا ، وجماهيريا ، وثوريا قادر على قلب موازين القوى ، والدفع بالقوى البرجوازية الى السبيل الثوري المتفق مع الاختيارات الجذرية الديمقراطية والوطنية للطبقة العاملة .
3 ) ليست الطبقة العاملة مجموعا متجانسا متساوي المصالح والوعي الثوري ، بل هي تركيب موضوعي يعكس التطور التاريخي في تطور الطبقة العاملة ، ودرجة تقسيم العمل الجماعي ، ونمو قواه المنتجة . وعلى هذا الاساس تختلف ايضا المصالح الفئوية للطبقة العاملة ، وتتنوع مستويات وعيها الثوري ، ولكن هذه التمايزات في المصالح لا تنفي وحدتها ، وحدة الهدف الطبقي بين فئات الطبقة العاملة ، بل بالعكس تفرضهما كأساس للنضال ضد الاستغلال الرأسمالي المشترك .
ان ضرورة الحزب الثوري هنا هي : في تمثيل وتثقيف الطبقة العاملة بكلية مصالحها التاريخية ، وعلى هذه الاسس يتلخص دور الحزب في مهمتين اساسيتين .
--- اولا ، يلعب دور النواة القيادية لحركة الجماهير في نضالها .
--- ثانيا ، يلعب دور المثقف الجماعي للطبقة العاملة والجماهير.
ولتوضيح هذا الدور بالضبط ، لابد ان نراه خلال جدلية علاقته بطبقته وبالجماهير ، " ليس لحزب مصالح مختلفة عن مصالح مجموع الطبقة العاملة " ، اي ليس الحزب بديلا عن الطبقة ، او يقوم بالثورة نيابة عنها . ان الحزب الثوري ليس حزبا بلانكيا انقلابيا يقوم خارج الجماهير ، وبمعزل عنها بالثورة . ان الحزب الثوري يلعب دوره القيادي كفصيل طليعي في قلب الحركة الجماهيرية وبمشاركتها بالأساس ، يعمل على انضاج الطبقة والجماهير من اجل ان تحرر نفسها ولمصلحتها اولا وأخيرا .
ومن اجل القيام بهذا الدور بكيفية فعالة وسديدة ، يحارب الحزب الثوري نزعتي العفوية والنخبوية . ان هذا النضال يستند على المبدأ الموجه في العلاقة مع الجماهير وهو " خط الجماهير " و " التعلم من الجماهير " ، والذي يعني :
+ --- جمع افكار الجماهير المبعثرة وغير المنسقة وتخليصها ، وإعادة صياغتها على ضوء النظرية الماركسية اللينينية ، وعلى ضوء المشكل العام ، ثم اعادتها الى الجماهير ، وتعميمها عليها ، الى ان تجعل منها افكارها الخاصة ، فتساندها وتترجمها الى عمل ، والتحقق منها من جديد خلال عمل الجماهير بالذات ، وإعادة تلخيصها وصياغتها من جديد .. لخ .
ومن اجل فهم صحيح لهذه الموضوعة ، فإنها لا تعني الوقوف عند وعي الجماهير وآرائها الراهنة ، بل الانطلاق من وعي الجماهير الراهن ، والرفع به لمستوى الوعي الموضوعي التاريخي لمهامها ، و ذلك استنادا الى النظرية الثورية الماركسية اللينينية .
ان الوقوف عند الشرط الاول ، هو الذيلية لحركة الجماهير والسقوط بالطليعة الى دور انتهازي في حركة الجماهير .
اما الجانب الثاني ، وهو تعليم الجماهير دون التعلم منها ، دون معرفة مواقف الجماهير الفكرية ، دون التحقيق في مصالحها الراهنة واستعدادها الفعلي ، دون متابعة حالتها النفسية ومزاجها ، هو النخبوية على الجماهير ، لعب دور الاستاذ عليها ، وهو يؤدي ايضا لسقوط الطليعة في مواقف انتهازية نخبوية بعيدة عن مواقف الجماهير ، وبالأحرى الارتقاء بها من اجل قيادتها . ان كلا الخطأين يعزلان الحزب الثوري عن الجماهير .
+ --- في صياغة شعارات النضال واقتراح اشكاله وأساليب العمل ، ينبغي على الطليعة ان لا تنطلق في ذلك من الوعي والاستعداد لدى الفئة المتقدمة من الحركة الجماهيرية ، بل ان تراعي نضج وعي اغلبية الجماهير ، واستعدادها النضالي ، وتقبلها لإشكال وأساليب معينة من النضال .
فعلا ان دور الحزب الثوري ، هو ان يكون عند حدود الوعي والاستعداد العفوي لدى الجماهير ، لكن دوره يقوم بالأساس لا في الابتعاد عن هذا الوعي والاستعداد لدى اغلبية الجماهير ، والاستناد فقط للفئة القليلة المتقدمة ، بل بالعكس على الحزب الثوري استنادا لنضج الفئة المتقدمة داخل حركة الجماهير ، ان لا يضع اي حاجز يساري يفصله عن العمل داخل الفئات المتوسطة والمتأخرة من اجل ان يرتقي بأغلبيتها لمستوى متقدم من الوعي والنضال .
+ --- ان الحزب الثوري مسئول امام الجماهير الشعبية ، التي هي صاحبة المصلحة في الثورة ، لذا على الحزب الثوري ان يلتزم امام الجماهير بوضع كامل الحقيقة امامها . لهذا يعتبر مبدأ " مصارحة الجماهير " مبدأ اساسيا في علاقة الحزب بالجماهير . ان مصارحة الجماهير تعني التزام الحزب ، ان يكشف عن اخطاءه وعيوبه علنا وامام الجماهير . ان الحزب ليس معصوما من الخطأ .
ج --- البناء الداخلي للحزب :
1 ) في شروط مثل وضعيتنا ، يكون ضروريا على الحزب الثوري ، ان لا ينظم في صفوفه طلائع الطبقة العاملة فقط ، بل ايضا طلائع اخرى ، وخاصة من الفلاحين الفقراء والمثقفين الثوريين ، بشرط ان يتخلوا عن واقعهم الطبقي ، وان ينتقلوا في وضع معاشهم وفي نضالهم ووعيهم لمواقع الطبقة العاملة ، وان يتحرروا من تأثيرات الايديولوجية البرجوازية .
ان هذا الامر لا يفرضه فقط الضعف العددي للطبقة العاملة ، بل اساسا ضرورة التجدر وسط الجماهير الاساسية ، حيث ينبغي على الحزب الثوري من اجل ان يضمن مسيرة ثابتة وثورية لقيادة مجموع الجماهير الشعبية ، ان يبني تنظيماته وسط الطبقات والفئات الثورية فيها . ان هذه المهمة في نفس الوقت التي هي ضرورية فيه بشكل حيوي ، تفرض عليه إيلاء اهمية خاصة لتربية وتثقيف هذه العناصر خلال مجرى النضال الجماهيري الذي يخوضه الحزب .
2 ) ينبغي ان يتهيكل الحزب الثوري ، ويتقوى ، وتتوسع صفوفه من خيرة عناصر الطبقة العاملة والجماهير الكادحة ، العناصر الاشد تصميما على النضال والأكثر تقدما في الوعي . ومن اجل الوصول لذلك ينبغي ان يتجه عمل الحزب الثوري الى حيث توجد الجماهير ، الى قطاعاتها الاكثر نضالية . ان الاسلوب الرئيسي والسليم لتوسيع صفوف التنظيم ينبغي ان يجري خلال النضال الجماهيري ، هذا الامر يفرض على الحزب من جهة ، ان يشارك في شتى اشكال النضال التي تخوضها الجماهير ، وان يعمل بانتظام على قيادتها ، لان تطوير وعي الجماهير وإمكانية تنظيمها ، لا تتوفر إلا من خلال نضالها المباشر ، خلال تجربتها الملموسة اليومية ، ومن جهة اخرى ، عليه ان يبحث باستمرار ، وفي كل الظروف عن مختلف الاساليب ، والأشكال النضالية ، لكي يبقى على صلة مباشرة ودائمة مع الجماهير .
3 ) ان المبدأ الموجه في بناء الحياة الداخلية للحزب الثوري هو مبدأ المركزية الديمقراطية . ان هذا المبدأ ما هو في الواقع إلا انبثاق وتطبيق للأهداف التي يناضل من اجلها الحزب ، ولمضمون علاقته بطبقته والجماهير ، ولأسلوبه الرئيسي في النضال والظروف الملموسة الواقعية التي يعمل ويناضل فيها . ان هذه المهمة تتطلب من الحزب ان يكون قوة كفاحية متلاحمة تجسد وحدة الفكر ، ووحدة الارادة ، وقادرا على التدخل بفعالية في مجرى الاحداث . ان مضمون المركزية الديمقراطية ليس حرفيا ، بل بالأساس مضمون جديد وتركيب جديد . ان الديمقراطية العمالية تنبني في العمق على اساس التضامن والتآزر مع مجموع التنظيم ولمصلحة الثورة بالأساس . ان هذا المفهوم يتعارض بالمطلق مع مفهوم الديمقراطية والحرية ، وبالتالي المركزية في النظرية البرجوازية ، فهي ليست مركزية قيادة استبدادية ضد ارادة اغلبية التنظيم ، بل بالعكس تتحقق المركزية التي هي التجسيد لإرادة ومواقف اغلبية قواعد التنظيم ، والتي تعكس ممارستهم مع الجماهير ، والتي حددتها خلال النقاش الداخلي وخلال المؤتمر الوطني . وممارسة المركزية هي بهذا المعنى ممارسة الانضباط والتقيد بتوجيهات الاغلبية . كما انها ليست ديمقراطية ليبرالية متسيبة ، بل ديمقراطية تسمح بحرية الصراع بين الآراء داخل التنظيم بشرط ان تنضبط الاقلية وتطبق قرار الاغلبية ، مع حق الاقلية في الدفاع عن آراءها بكل حرية داخل التنظيم وعبر ادواته الداخلية . ان الحزب الثوري ليس حزبا مغلقا على نفسه ، بل يعيش ضمن حياة طبقته والجماهير ، ويتأثر ويؤثر فيها ، وهو لهذا السبب تتسرب اليه ، وبصورة شبه حتمية بعض النزعات او التيارات البرجوازية الموجودة داخل الطبقة او الجماهير عموما . ان تحقيق الوحدة والصلابة الثورية يتطلب خوض الصراع داخل التنظيم ضد هذه الافكار والآراء التي تسللت اليه . ان طريق حل هذه التناقضات ليس هو طريق فرض وحدانية في الآراء والممارسة ، التي ستؤدي حتما الى انقسامات لا نهائية ، بل صراع الآراء وفرز آراء الاغلبية ، وانصياع الاقلية للأغلبية ، وإعادة هذه الدورة بشكل معاكس ( تحول الاقلية الى اغلبية ) وذلك في اطار وحدة التنظيم .
4 ) ان ممارسة النقد والنقد الذاتي داخل الحزب الثوري ، هي احدى الاسلحة الرئيسية في التخلص من الاخطاء لتقوية الحزب ورفع قدرته الكفاحية . وليكون اكثر كفاءة في خوض النضال ، ينبغي ان يتجه النقد داخل الحزب بالاساس لتعرية الاخطاء السياسية والتنظيمية ، ويتجنب الاخطاء الشخصية ، اللهم ما يرتبط منها بالحياة السياسية والتنظيمية للحزب . وإثناء ممارسة النقد على الرفاق ان يتحرّوا بالضبط الوقائع والأحداث ، ويدعموا نقدهم بحجج ملموسة تدعم نقدهم . ينبغي ان يكون الهدف من النقد للرفاق عن الاخطاء ، ليس التنفيس عن السخط او ان يتخذ شكل التهجم الشخصي ، بل بالعكس ينبغي ان تؤدي ممارسة النقد الى تصحيح الخطأ ، والوعي به من اجل تجنبه ، والرفع من الوحدة والفعالية لمجموع الرفاق ، لهذا ينبغي ان يكون الهدف اصلاح الخطأ لا ادانة المخطئ .
على مجموع الرفاق في خلاياهم ، والهيئات التنظيمية في مختلف المستويات ، ان تولي اهمية خاصة للانتقادات التي تأتي من خارج التنظيم ، اي من الجماهير التي تشتغل معها ، والتي تمس كل الاوجه لنشاط التنظيم ، وان تناقشها بجدية واهتمام ، وتأخذ الصالح منها ، وتتبناه وتطور عملها على اساسه .
د --- القضايا الراهنة في بناء الحزب الثوري :
في المرحلة الراهنة من تطور الحركة الماركسية اللينينية المغربية ، ’وضعت عدة قضايا يتوقف على حلها ، تقدم في انجاز مهمة التجذر داخل الحركة الجماهيرية يمكن حصرها كالأتي :
1 ) ما هي المهمة التي علينا ان نعطيها اغلب الجهود في عملنا خلال هذه المرحلة ؟ . في المرحلة السابقة شكل العمل داخل الشبيبة المتعلمة ( الطلاب والتلاميذ ) الجهد الرئيسي الغالب لعمل الحركة الماركسية اللينينة المغربية . وكان ذلك امرا طبيعيا لعدة عوامل سنتطرق اليها فيما بعد . وكان نتيجة ذلك ان احرز اليسار على قيادة هذا القطاع وحقق خطوات لا باس بها ، من حيث نشر وتوسيع الايديولوجية الماركسية اللينينية ، ومن حيث التقدم في هزم الايديولوجية البرجوازية وخطها الاصلاحي التحريفي ، ومن حيث القيادة النضالية المباشرة لمعارك الشبيبة . ان تطور الصراع الطبقي في بلادنا والمهام الملقاة على الحركة الماركسية اللينينية المغربية في قيادة نضال الحركة الجماهيرية ، تفرض نقلة نوعية في الممارسة ، تتجسد حاليا في مهمة بناء النواة الطليعية للبروليتارية . وحول هذه المهمة ينبغي ان تتجه اغلب جهود الحركة الماركسية اللينينة المغربية حاليا .
2 ) كيف يتم التأسيس والتجدر داخل الطبقة العاملة ؟ . --- ان المهمة الرئيسية المطروحة علينا الآن ، هي التركيز على القلاع المهمة لتمركز الطبقة العاملة ( المناجم ، السكك الحديدة ، الميناء ، معامل النسيج ، الخارج ... ) .
--- ان مهمة بناء النواة الطليعية البروليتارية ، لا تتم بمعزل عن النضال اليومي الاقتصادي الذي تخوضه الطبقة العاملة حاليا . ان تبلور الطليعة البروليتارية ، وتحقيق تحول نوعي في نضال الطبقة العاملة الى النضال السياسي ، ودمج الماركسية اللينينية ، بواقع وكفاح الطبقة العاملة ، تتم خلال اندماج التنظيم الثوري بكفاح الطبقة العاملة اليومي ، وخلال هذا النضال ومحاولة قيادته ، وبربطه بكفاح مجموع الجماهير الكادحة ، تتمكن الحركة الماركسية اللينينية المغربية من تحقيق التحول النوعي ، سواء في رفع نضال العمال الى مرتبة النضال السياسي الثوري ، وسواء من حيث بناء الطليعة البروليتارية التي تشكل الطليعة الحقيقية للطبقة العاملة .
--- ان عمل التنظيم الثوري الدعائي والتحريضي والتنظيمي يتجه ليس فقط الى الفئات الشابة المتعلمة والمتقدمة نضاليا ، بل وايضا الى طلائع الطبقة العاملة الغير متعلمة ، والتي تمتلك تجربة نضالية طويلة ، وتقاليد بروليتارية متجذرة ، امتلكتها خلال النضال الوطني والطبقي . ان مهمة التنظيم الثوري ، هي العمل على دمج هاتين الفئتين المتقدمتين خلال النضال الجماهيري ، والعمل على بلورة وتنمية طاقاتهم الايجابية بهدف الوصول الى بناء طليعة بروليتارية اصيلة ومرتبطة بالجماهير ، متقدمة الوعي وصلبة النضال .
3 ) كيف يتم التجدر داخل الفلاحين في هذه المرحلة ؟ . ان التشديد على اعطاء اغلب الجهود للعمل داخل الطبقة العاملة ، لا يعني بتاتا وفي هذه المرحلة ، اهمال العمل داخل الفلاحين او عدم تخصيص جهود نسبية للعمل بينهم ، بل بالعكس على الحركة الماركسية اللينينية في هذه المرحلة نفسها ان تعطي اهمية للعمل داخل الفلاحين . ان التقدم النوعي في العمل داخل الفلاحين مرتبط الى حد كبير ، بجواب الحركة الماركسية اللينينية ، حول مسألة اساسية وهي " العنف الثوري " . لكن التقدم في حل هذه المسألة لن يهبط من السماء . ان تخصيصنا بعض الكوادر وعلى الخصوص من شباب الثانوي المرتبط بالبادية ، للقيام بعمل التحقيقات في المناطق الاساسية ، ولإجراء وربط اتصالات مع فلاحين متقدمين بكيفية شبه مستمرة ، وإيصال دعاية اليسار وجرائده اليهم .
من هنا ايضا تأتي اهمية التجدر داخل الطبقة العاملة بالخارج ، واثر تقدمنا وسطها على العمل في البادية المغربية ، باعتبارهم يشكلون في الاغلبية اطرا عمالية – فلاحية في نفس الوقت ، وقادرون على القيام بمهام تأسيسية في مناطقهم ، ولعب دور طليعي وسط الحركة الفلاحية . ان هذه الجهود يجب ان تنظم من الآن بهدف اساسي في هذه المرحلة ، وهو تحقيق تواجد اولي فيما يسمى بمناطق الصدام التي تشهد من جهة تطورا صناعيا – فلاحيا متقدما ، ومن جهة اخرى احتداد الصراع الطبقي نظرا لسرعة تبلثر الجماهير الكادحة وزيادة افقارها .
ه --- ما هو دور الشبيبة ودورنا فيها ؟ :
اعتبرت الحركة الماركسية اللينينية المغربية قطاع الشبيبة المتعلمة " مقدمة تكتيكية " لنضال الحركة الجماهيرية . ان هذا الدور هو نتيجة موضوعية لدخول افواج لا باس بها من ابناء الجماهير الشعبية للتعليم اثناء الاستقلال الشكلي ، تحت ضغط الحركة الجماهيرية . ان هذا الواقع ، مضافا اليه سياسة الطرد المنهجي ، والتصفية التدريجية التي اتبعها النظام ، ونقص ، بل وانعدام منافذ العمل ، وإمكانية متابعة التعليم امام افواج متعددة ،،، جعل مشكل التعليم في المغرب نقطة متفجرة باستمرار ، ’جوبه من قبل التلاميذ والطلبة بنضالات مستمرة شبه دائمة كل سنة . ان هذا الواقع مضافا اليه الازمة العامة والدائمة التي تعيشها الجماهير الشعبية الكادحة ، ادى الى ارتباط نضالي عميق بين قضايا التعليم وبين قضايا الجماهير الاساسية ، شكلت انتفاضة 23 مارس 1965 تجسيدا نضاليا حيا له .
ان هذا التجدر في نضالية حركة الشبيبة والتحامها الموضوعي ، والنضالي بقضايا وكفاح مجموع الجماهير ، واكب وخاصة منذ سنوات 65 و 67 البدايات الاولى لعجز القيادات البرجوازية الصغيرة ، وخطها وإيديولوجيتها في الساحة الجماهيرية ، سواء في المغرب او على الصعيد العربي وخاصة بعد هزيمة 1967 ، وبداية الثورة الثقافية الصينية .
ان كل هذه الشروط هيأت حركة الشبيبة ان تلعب دور " المقدمة التكتيكية " لنضال الحركة الجماهيرية ، هيأت في نفس الوقت كل الشروط لتجدر الحركة الماركسية اللينينية وسطها ، بل وان تنبثق الأنوية الاولى من صفوفها .
ومن البداية ، اعتبرت الحركة الماركسية اللينينية المغربية هذا الدور الهام لحركة الشبيبة ، لا يعوض بتاتا الدور الطليعي الحقيقي الحاسم للطبقة العاملة والفلاحين الفقراء ، كقاعدة اساسية للثورة ، بل بالعكس يشكل دور الشبيبة كأنشط قطاع جماهيري حاليا مقدمة مؤقتة ، كعامل في الدفع بنمو الحركة الجماهيرية عامة .
في المرحلة الراهنة ، ومع اقرارنا لضرورة التوجه بأغلب الجهود نحو العمل في الطبقة العاملة ، يبقى من احد مهام الحركة الماركسية اللينينة المغربية ، استمرار دورنا القيادي داخل حركة الشبيبة .
ان ثقل القمع والضربات القاسية التي وجهها الحكم ضد ( الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ) ، و( النقابة الوطنية للتلاميذ ) ، قد فرضت انخفاضا مؤقتا في نضالية هذا القطاع ، نتيجة تغير شروط النضال بكيفية سريعة وعنيفة . لكن هذا الامر لم يلغ حقيقة استمرار نضالية هذا القطاع ، بل وتجدرها اكثر ، والنضالات الاخيرة قد اوضحت ذلك ، وان كل المسألة تتوقف على مدى قدرة الحركة الماركسية اللينينية المغربية التي تملك الآن قيادة هذا القطاع في تغيير اساليب النضال ، وإيجاد الاشكال الملائمة لاستمرار تعبئته وقيادته في شروط النضال السرية القاسية . وليس هناك من تعارض بين استمرار الدور القيادي لليسار داخل الشبيبة ، ومهمة التجدر داخل الطبقة العاملة ، بل بالعكس ان استمرار هذا الدور سيمكن الحركة الماركسية اللينينية المغربية من التحكم في توجيه نضالاته وربطها بنضالات مجموع الجماهير الشعبية ، ومن استقطاب العشرات من المناضلين الذين سيخصصون كل اوقاتهم ، وحياتهم للنضال السياسي ، والتفرغ للعمل داخل العمال والفلاحين .
و --- ما هو دور المنظمات الجماهيرية ، وكيف ينبغي العمل فيها ؟ :
تلعب المنظمات الجماهيرية دورا اساسيا في تنظيم الحركة الجماهيرية ، وتدعيم وحدتها ، وبلورة وعيها الجنيني وحتى السياسي . فبواسطتها تتمكن اوسع الجماهير ان تتعلم بنفسها صياغة مطالبها المهنية ، وتتعلم الدفاع عنها في اطار جماعي وحدوي ، وتتعلم بذلك تنظيم نفسها ، ويتقوى احساسها بقوتها اتجاه اعداءها المباشرين ، وحتى السلطة السياسية الحاكمة ايضا .
وبالنسبة للحركة الماركسية اللينينية المغربية ، تشكل هذه المنظمات الجماهيرية الواسعة ، وسيلة اساسية للتعرف على مزاج الجماهير ، وحالتها الفكرية ، واستعدادها النضالي ، ومن ثم فان ضرورة العمل وسطها ، وتدعيم صفوفها وتوسيعها ، والمحافظة على استقلالها وجماهيريتها وتقدميتها ، والعمل جماهيريا على التأثير فيها ، وقيادتها هي مهام اساسية بالنسبة لنا .
في تجربتنا المغربية شكلت المنظمات الجماهيرية ، وخاصة الاتحاد الوطني لطبلة المغرب ، والاتحاد المغربي للشغل مراكز حقيقية لتواجد الحركة الجماهيرية المنظمة ، وفي نفس الوقت مراكز للفكر والقيادة البرجوازية الصغيرة الاصلاحية .
فبالنسبة للاتحاد الوطني لطبلة المغرب ، استطاع عمل اليسار منذ الاربع سنوات الماضية ان يطيح الى حد ما بالهيمنة المطلقة لقيادة البرجوازية الصغيرة ، وان يتقدم لبناء وتأسيس النقابة الوطنية للتلاميذ .
و بالنسبة للاتحاد المغربي للشغل ، لا زالت هذه المسألة في بدايتها كانعكاس ايضا لتواجدنا داخل الطبقة العاملة ، وفي هذا الاطار ينبغي توضيح النقط التالية :
--- تعتبر الحركة الماركسية اللينينية المغربية الاتحاد المغربي للشغل ، المنظمة الجماهيرية النقابية الوحيدة للطبقة العاملة ، ومن هذا المنطلق تحارب كافة الاشكال لتقسيم وحدة الطبقة العاملة ، وتناضل ضدها . هذه مسألة اساسية ومبدئية .
--- على صعيد الممارسة ، يمكن ان نرغم على العمل لوقت مؤقت داخل الاتحاد العام للشغالين ، في حالة تواجد جماهيري عمالي واسع داخله في احد القطاعات ، ويكون ذلك تكتيكيا يهدف الى اقناع العمال بالتنظيم في اطار الاتحاد المغربي للشغل .
--- ان النضال ضد البيوقراطية في اجهزة الاتحاد المغربي للشغل ، ينبغي ان يخاض على اساس برنامج نضالي يعبئ الطبقة العاملة جماهيريا ، ويتم فضح البروقراطية وتعريتها خلال هذا النضال التي تشكل الجماهير طرفا اساسيا فيه ، وفي هذا الاطار ينبغي تجنب التحريض والمواجهة الفوقية الغير المرتبطة بنضال جماهير العمال .
--- ان الجهد الرئيسي ينبغي ان يتوجه في هذه المرحلة لبناء لجان النضال داخل المعامل كأنوية منظمة لقيادة النضال النقابي ، وللقيام بالدعاية السياسية وسط العمال ، لكن هذا لا يلغي امكانية تحمل المسؤولية في الاجهزة النقابية متى توفرت شروط جماهيرية متقدمة لذلك .
س --- كيف يتم انشاء لجان النضال ، وما دورها ؟ :
ان بناء اللجان الاساسية واللجان القاعدية التابعة للتنظيم السياسي ، هي مهمة اساسية في هيكل التنظيم . لذا تشكل اللجان الاساسية والقاعدية الجسور التنظيمية التي يرتبط التنظيم من خلالها بالجماهير ، ويتلمس عن قرب واقعها وقضاياها ، وتلعب من ناحية ثانية اداة لقيادة النضال الجماهيري ، وبث الدعاية الثورية وسطها .
ان الفرق بين اللجان الاساسية والقاعدية ليس فرقا نوعيا في شروط العضوية ، ان الفرق يكمن في ان اللجان الاساسية تتشكل من خيرة مناضلي اللجان القاعدية ، من المتقدمين نسبيا في الوعي والنضالية ، ويقوم دورهم في اللجان الاساسية في كونهم يشكلون المناضلين القياديين للجان النضال ، وفي رفع مستوى تربيتهم السياسية والنظرية .
ان العلاقة بين التنظيم السياسي ( خلايا الرفاق ) وبين لجان النضال الاساسية والقاعدية هي علاقة مركزية ديمقراطية ، بمعنى ان انضباطهم للتنظيم السياسي ليس انضباطا قسريا ، بل عن قناعة طوعية شكلوها خلال تجربتهم الملموسة ، ومن جهة اخرى انهم يساهمون في خطة اليسار السياسية في نقدها وتصحيحها بكيفية غير مباشرة ، عبر عملهم اليومي مع الجماهير ، وتقييم حصيلة عملهم ، وعبر مناقشة ونقد مواقف التنظيم وممارساته .
تنبني علاقة لجان النضال والمنظمات الجماهيرية في كونها لا تختلف بتاتا عن علاقة التنظيم السياسي بالمنظمات الجماهيرية . ان دور اللجان داخل المنظمات الجماهيرية ، هو دور قيادي لكل اوجه النشاط داخل المنظمة الجماهيرية ، ولعب دور سياسي من حيث رفع الوعي السياسي والإيديولوجي ، ومن جهة اخرى تستمد اقتراحاتها وشعاراتها وأساليب عملها ، من عملها مع اوسع الجماهير ، وتنضبط وتنفذ قرارات اغلبية الجماهير .
ش --- كيف نبني تنظيما طليعيا ثوريا ؟ :
ان مسألة هيكلة بناء التنظيم ليست مسألة تقنية صرفة ، بل مرتبطة اشد الارتباط ببناء خطتنا السياسية ، بل وتشكل ترجمتها العملية – التطبيقية .
ان تجربتنا الملموسة ، وتجارب الاحزاب الشيوعية الثورية ، قد اوضحت ، ان هيكلية تنظيم ثوري ’يعد احد شروطها لاعداد ، هيكل من المحترفين الثوريين . ان اساس هذا الهيكل من المحترفين داخل التنظيم ينبغي ان يكون :
--- انبثاقهم من داخل نضال الحركة الجماهيرية من حيث الصلابة النضالية ، والوعي والتجربة الثورية .
--- بدون توفر تنظيم ثوري ينظم فعلا طلائع البروليتارية والجماهير الكادحة ، سيتحول المحترفون الى مجرد اداة وبيروقراطية على هامش الحركة الجماهيرية ، ان لم يشكلوا عائقا لها .
الفصل الرابع : العنف الثوري
1 ) العنف قابلة للتاريخ : ما من تناقض طبقي ، وما من قضية اساسية سبق ان ’حلت في التاريخ إلا عبر العنف . ان الطبقات الحاكمة التي تمتلك القوة العسكرية لا تتخلى عن سلطتها إلا بالقوة ، وفي الغالب ما تبدأ هي نفسها باستعمال العنف ضد الجماهير التي تجد نفسها – اي الجماهير – مرغمة من اجل تحررها على مجابهة العنف الرجعي بالعنف الثوري .
2 ) ان التناقض بين الامبريالية والطبقة الحاكمة في المغرب ، وبين مجموع الطبقات الكادحة والوطنية ، لا يمكن ان ’يحل إلا بالعنف الثوري ، وان اي طريق اصلاحي – برلماني في ظل ديكتاتورية النظام القائم ، مهما كانت اشكاله ، لن يقود في نهاية المطاف إلا بالحفاظ على الهيكل الطبقي السائد .
3 ) شكل العنف البرجوازي الصغير في تجربتنا المغربية ، وخاصة منذ 1958 وجه العملة الثاني للخصم الاصلاحي ، عبّر في نفس الوقت عن سخط و نفاذ صبر البرجوازية الصغيرة ، امام فشل الاسلوب الاصلاحي ، ولعجز هذا العنف القصير النفس المعزول جماهيريا ، استعمل وعلى طول التجربة كورقة ضغط من اجل المفاوضات ، ومن اجل تفادي " الكارثة المحدقة " لصالح استراتيجية الاصلاح ، وفي احسن الاحوال شكّل قوة الرهان على انقلاب عسكري مجهول الهوية والطبيعة ضد شخص الملك والملكية .
ان سر فشل وذيلية العنف البرجوازي الصغير ، يرجع الى كونه كخط سياسي وعسكري ، عاجز عن تعبئة جميع الحركة الجماهيرية ، عاجز بحكم موقعه الطبقي عن جعل الحركة الجماهيرية مصدر القوة الرئيسية والحاسمة لاستمرار ونجاح الثورة . انه بكل بساطة يحول الجماهير معتبرا اياها " الشارع " المؤيد والعاطف ، لكن العاجز ، الذي يحتاج فقط الى مجموعة من النخبة المدربة والمنظمة . وفي كل مرة تحول الشارع بدل المؤيد الى محايد سلبي ، واصطيدت ببساطة " النخبة المدربة المنظمة " في غياب استعداد الجماهير ومشاركتها ، الى زنازين ومشانق النظام .
4 ) يواجه المغرب احتمالات انقلابية ، وكل المحاولات لن تخرج عن احدى احتمالين لا ثالث لهما :
+ --- إما انقلاب من صنع الامبريالية يطيح بسلطة الاوتوقراطية الملكية ، ويقيم نظاما عسكريا يوفر بعض الضمانات للحفاظ اطول مدة على مصالح الامبريالية والطبقة الحاكمة ، وهو في هذه الحالة لا يعدو ان يكون تناقضا ثانويا داخل صفوف الطبقة الحاكمة من اجل استمرار اطول لحكمها ، ولن يغير قيد انملة من طبيعة التناقض الاساسي ، ولا المهام الملقاة على عاتق الجماهير وقواها الثورية من اجل انجاز الثورة الديمقراطية الوطنية .
+ --- وإما انقلاب برجوازي صغير ، وفي احتمال قيامه ونجاحه -- نظرا لصعوبة ذلك من حيث هيمنة القوى اليمينية داخل الجيش ، وطبيعة الرجعية كأداة خدمت بالمطلق ضد الجماهير و ضد اهدافها التحررية -- . ان احتمال قيام انقلاب من هذا النوع واستمراره ، سيعطي فرصة لتدعيم وضع برجوازية جديدة فورا ، وسرعان ما تجد نفسها ، نظرا لهيمنة الامبريالية ومحدودية تناقضها معها ، ونظرا لعزلتها عن الجماهير ، منخرطة ضمن السياق العام للرجعية الجديدة المندمجة مع الامبريالية ، متحولة بذلك الى موقع العدو بالنسبة للحركة الجماهيرية .
5 ) ان الطريق الوحيد للإطاحة بديكتاتوية الامبريالية والطبقة الحاكمة ، وتأمين انتصار الثورة الديمقراطية الوطنية ، وضمان استمرار الثورة حتى بناء المجتمع الاشتراكي ، لا يمكن ان يتم إلا عبر عنف ثوري تقوم به الجماهير نفسها ، من اجل تحرير نفسها بنفسها ، تخوضه بصورة رئيسية جماهير الفلاحين المضطهدة ، وجماهير الطبقة العاملة بهدف اقامة السلطة الشعبية الوطنية المرتكزة على اساس تحالف العمال والفلاحين الفقراء .
6 ) ان مسألة الشكل الاستراتيجي للعنف الثوري ، تتحدد تبعا للمعطيات الملموسة المشخصة المحلية لواقع التشكيلة الطبقية ، ومستوى الصراع الطبقي في المغرب .
في بلادنا حيث لا زالت تهيمن الامبريالية بشكل اساسي ، المتحالفة مع الطبقة الحاكمة التي يشكل المعمرون الجدد عمادها ، وحيث ضعف تمركز الطبقة العاملة ، وحيث يشكل الفلاحون المضطهدون الجمهور الاوسع للثورة ، والحليف الامتن للطبقة العاملة ، والذين بدون انخراطهم في الثورة المسلحة ، تكون القوى الامبريالية وحلفاؤها قادرين على محاصرة ، وعزل ، وسحق اي انتفاضة مسلحة للعمال في المدن . ففي هذه الشروط يكون الشكل الاستراتيجي للعنف الثوري في المغرب ، هو اعتماد خط الحرب الشعبية الطويلة المدى .
7 ) من المؤكد ان للثورة في المغرب خصوصياتها المحلية ، وقوانينها الخاصة ، و ذلك تبعا للشروط التي يمر فيها الصراع الطبقي ، والتي تتأثر بالوضع على الصعيد العربي والدولي ، أن اكتشاف هذه الخصوصيات رهين بصورة رئيسية بمعرفة طبيعة الصراع الجاري ، بمعرفة طبيعة ألعدو ونقاط ضعفه ، وأيضا معرفة اشكال النضال التي تفرزها الجماهير بنفسها خلال صراعها اليومي ، تطوير كل ذلك بناء على الاستفادة من الخبرة والتقاليد التي اكتسبتها الجماهير خلال الكفاح المسلح الوطني في المغرب ، وبناء ايضا على خبرات تجارب شعوب اخرى .
8 ) ان الحرب الشعبية الطويلة المدى ليست من صنع " اقلية من الابطال " ، بل هي من صنع الجماهير الشعبية نفسها ، و لا يمكن ان تقوم وتستمر وتنجح ، إلا اذا كانت حصيلة لنضال فعلي تقوم به الجماهير نفسها . ان هذا الامر لا يلغي دور التنظيم الثوري في تحضير وتنظيم عنف الجماهير ، بل بالعكس يؤكده ويطرحه بإلحاح .
ان دور التنظيم الثوري يقوم بالأساس في الانطلاق على اساس نضج واستعداد حركة الجماهير النضالية الفعلية ، بتنظيم وقيادة كفاحها العنيف والمسلح .
9 ) ان النضال السياسي ، والنضال المسلح ليسا مرحلتين منفصلتين تماما عن بعضهما . ان دور التنظيم الثوري يقوم الآن في قيادة النضال السياسي للجماهير ، وفي نفس الوقت التحضير والاستعداد لخوض الحرب الشعبية الطويلة المدى .
وجهة نظر : من خلال القراءة المفصلة للتقرير التوجيهي لمنظمة 23 مارس يتبين انه جاء ضخما من حيث الثقافة السياسية ، نظرا لان شباب تلك الفترة كانوا مثقفين سياسيين ، وهو ما يبرر عنف التقرير وتطرفيته الراديكالية ، لان اجواء تلك الفترة كانت مطبوعة بالجو الثقافي الماركسي المتأثر بثورة اكتوبر 1917 ، وبالثورة الثقافية الصينية ، وبنتائج الحرب في الهند الصينية ، والأفكار الثورية التي خيمت على الثورة الطلابية في اوربة في ماي 1968 وببروز يسار المقاومة الفلسطينية . لذا كان التقرير وليد بيئته السياسية والدولية والمحلية ، اي انه لم يكن بالإمكان تصور صدور تقرير خارج عن السياق العام للعلاقات الدولية ، ولو قرر كاتبوا التقرير اصدار تقرير توجيهي آخر في العشرية الثانية من الالفية الثالثة ، لعالجوا الوضع السياسي بأسلوب مغاير يستجيب للظرفية الراهنة . لكن ما يلفت الانتباه هو ان اصحاب المشروع و من تلقاء انفسهم قد اجمعوا على فشل التجربة ، وهذا يلاحظ في الرسالة التي وجهتها قيادة منظمة 23 مارس الى قيادة منظمة الى الامام ، بعد طول غياب ، بسبب الضربات التي وجهتها لهما الدولة ، وبسبب المراجعات التي حصلت في صفوف 23 مارس نحو القطيعة مع التجربة ، التي حكموا عليها بالطبقوية وبالانعزال عن الجماهير ، معتبرين هذا الخطأ ، اي الوصاية على الجماهير التي يتحدثون باسمها رغم جهلها لهم ، من بين الاسباب الرئيسية في افشال تجربة الحركة الماركسية اللينينية المغربية . واذا كان الصراع خلال النصف الثاني من الستينات وطيلة السبعينات يدور بين برنامجين الاول ، هو برنامج احزاب برجوازية الدولة ، والبرنامج الثاني برنامج اليسار الماركسي ، فان فشل المشروعية او البرنامجين في حسم مسألة الحكم بالقوة ، قد طرح من جديد لغز السؤال المحير ، الذي هو لماذا الفشل ، ولماذا الرهان على برامج معزولة ساهمت في خنق التنظيم من الداخل بدل خدمته ؟
واذا كانت بعض احزاب برجوازية الدولة قد حاولت مرارا التنسيق مع الجيش في الوصول الى السلطة رغم فشل جميع المحاولات الانقلابية ، واذا كان اليسار الماركسي قد حاول القفز على الوضع للسيطرة عليه ، باعتماد اسلوب العنف الثوري ، ، فان الصورة والمشهد الجديد هو في طرح السؤال التالي : هل لا يزال في المغرب ما نطلق عليه بأحزاب برجوازية الدولة ؟ وهل لا يزال في المغرب كذلك من وجود قوي لليسار الماركسي اللينيني ؟ وهذا السؤال يدفع بنا ان نحلل الاوضاع الراهنة على ضوء الطرح الجبري الذي خرجت به قيادة منظمة 23 مارس ، اي عن الاحتمالات التي تنتظر المغرب في ذلك الابان ، والتي تتراوح بين الانقلاب الامبريالي والانقلاب البرجوازي الصغير ؟
اذا كانت الامبريالية خاصة الامريكية لا تتدخل إلا اذا كانت مصالحها بالمنطقة مهددة ، وهذا يدل عليه انقلاب الصخيرات وانقلاب الطائرة ، فان الوضع بالنسبة للمغرب الذي يوجد في مركز قوي ، يجعل التدخل الامبريالي لا نقول ضعيفا ، بل مستبعدا تماما بسبب الامن والسكينة والنظام العام التي يتسم بهم المغرب ، وهو ما يعني ان المغرب هو حليف استراتيجي للغرب ودول السوق الليبرالية و تبقى الحالة الوحيدة التي يمكن فيها للامبريالية التدخل ، هي ان يكون النظام آيل للسقوط ، وستعوضه برامج اسلاموية متصادمة مع المشاريع الغربية ، وهنا ولقطع الطريق عن الأسوأ ، فان التدخل سيشمل نظام ملك لصالح ملك آخر ، قد يحظى بقبول الجميع ، وليس الدولة العلوية التي ستستمر في الوجود كحليف استراتيجي للعالم الحر . وهذا يعني ان ضع نظام الملك محمد السادس ممتاز جدا ، ويحظى بدعم قوي من قبل واشنطن باريس ، ومن قبل الدول الخليجية ، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة .
اذا كان الانقلاب الامبريالي مستبعدا ، فهل لا يزال الانقلاب البرجوازي الصغير محتملا ؟ اعتقد انه لا يوجد عناء للجواب عن السؤال ، وهو انقراض احزاب برجوازية الدولة تماما من الساحة . لقد قطع الاتحاد الوطني / الاشتراكي مع مشروع برجوازية الدولة في المؤتمر الاستثنائي لسنة 1975 ، حين اعتمد المنهجية الديمقراطية في الوصول الى الحكم ، اي تبني الانتخابات كإستراتيجية وليس كتكتيك في اصلاح النظام من الداخل ، ومن ثم يكون الاتحاد الاشتراكي قد قطع مع مشروع الجمهورية البرلمانية على الطريقة العربية ، واضحى يعترف بالملكية البرلمانية . ونطرح السؤال هل الاستاذ ادريس لشكر ، الحبيب المالكي ، فتح الله ولعلو ، الاشعري ، اليازغي ( الاتحاد الاشتراكي الجديد ) هم من انصار انظمة برجوازية الدولة ؟ ونفس السؤال يطرح عن مجموعة نبيل بنعبدالله في حزب التقدم والاشتراكية ، هل يؤمنون بنظام برجوازية الدولة ؟ . ان الاتحاد ( الاشتراكي ) وحزب التقدم و( الاشتراكية ) هي احزاب مندمجة رسميا اكثر من الاحزاب التي كانوا يطلقون عليها بالأحزاب الادارية ، وهنا لا فرق بين الاحزاب المغربية جميعا ، وبما فيها حزب العدالة والتنمية . انها كلها احزاب ملكية تؤيد الملكية التنفيذية والفاعلة ، ويبقى التساؤل في حزبي ( اليسار الاشتراكي الموحد وفي حزب الطليعة ) . ان هذه الاحزاب لم تعد تؤمن كما كان الحال سابقا بنظام برجوازية الدولة ، لكنها اصبحت تؤمن بالملكية كنظام ، والفرق مع المكونات الحزبية الاخرى يكمن في السؤال التالي : اية ملكية نريد ؟ وبطبيعة الحال فهما يناصران الملكية البرلمانية التي يبقى فيها للملك دور شكلي فقط . اذن لمن يريدون تسليم الحكم ؟ هل للأحزاب الملكية السالفة الذكر والتي فشلت في الانتخابات امام حزب ( العدالة والتنمية ) ، ام انهم يجهلون الخطر الكامن وراء تحويل الملكية في المغرب الى ملكية برلمانية ؟ ان الهشاشة والضعف البين لهذين الحزبين ( ضعف نسبة الاصوات التي يحصلان عليها في الانتخابات 2007 ) ، يجعل المخاطب الرئيسي بالملكية البرلمانية جماعة العدل والإحسان لا غير ، وهو ما يعني حتمية المواجهة مع العدو الرئيسي ( التيار الاسلامي التوتاليتاري الفاشي ) بدل العدو الثانوي ( النظام الملكي ) ، وهو ما يعني كذلك انتحارا سياسيا عن سبق اصرار .
واذا كانت مجموعة ( النهج الديمقراطي ) قد اسست لحزبها ، فهل هذا الحزب هو ما كانت الحركة الماركسية تنظر له في سبعينات القرن الماضي ؟ وبتعبير صريح : هل كان للوزارة الداخلية ان ترخص للجماعة بالنشاط القانوني ، طبقا لما ينصص عليه قانون الحريات العامة ، اذا لم تلتزم الجماعة باحترام المقدسات الوطنية ، وعلى رأسها النظام الملكي والدين الاسلامي ؟ ، وهو ما يعني تشابه النهج مع اليسار الاشتراكي الموحد والطليعة ، وان الاختلاف هو في الممارسة السياسية بين من يقاطع الانتخابات فقط من اجل المقاطعة وبين من يشارك فيها بهدف الاستفادة من الريع البرلماني
اذا كان الانقلاب الامبريالي مستبعدا لان النظام في وضع مريح وقار ، واذا كان الانقلاب البرجوازي الصغير ، دعاة نظام برجوازية الدولة ، قد اصبح من الاطلال ، بفعل انتفاء هذا النوع من الاحزاب ،، فهل يمكن القول بعنف سياسي ثوري تقوده هذه المرة الجماعات الاسلامية بعناوينها المختلفة ؟
اولا فبالنسبة للجماعات السلفية الجهادية التي تستعمل العنف المسلح ، من تفجيرات وقتل ، يبقى عملها عاديا لا يكاد يخلو منه مجتمع ، وهو دليل على ان المجتمع يترك ، كما ان الدولة يمكن ان تعالج خطرها بالسرعة المطلوبة . لكن ما التساؤل عن الخطر الحقيقي الزاحف وفي صمت ، جماعة العدل والإحسان التي ترفض الاعتراف للملك بالمشروعية الدينية ، وتنظر لنظام الخلافة ( الاسلامية ) او لنظام ( الجمهورية الاسلامية ) ؟ .
بالرجوع الى التصريحات التمويهية للجماعية ، فأنها ترفض استعمال العنف ، وترفض السرية ، وتؤكد على التحركات السلمية ، لكن بالرجوع الى الخطاب السياسي والدعوي الذي تخطه الجماعة ، فهي لا تكتفي برفض نظام الملك التي تسميه بالعاض والجبري ، بل انها ترفض الدولة التي هي الدولة العلوية . وهنا نتساءل : هل يمكن رفض الدولة والانقلاب عليها ، لصالح اقامة دولة ( الخلافة ) او دولة ( الجمهورية الاسلامية ) دون المرور بعنف قد يتخذ اشكالا مختلفة ، ودرجات متنوعة تستجيب لطبيعة المرحلة والظرف الذي يتواجد به المغرب ؟ . ثم ما معنى تعريض وتوسيع القاعدة ، والتهديد بالنزول الى الشارع واحتلاله ، وإعلان العصيان المدني الذي سيزحف على القصر ؟ اي التحضير للقومة التي تعني الثورة . فهل من ثورة حصلت في التاريخ دون ان تجرف معها وديانا من الدم ؟ .
نستنتج من هذا ان العنف الاسلاموي قد عوض العنف البرجوازي الصغير ( عدم نفي العنف المسلح في مراحل معينة من الثورة ) كما عوض العنف الماركسي اللينيني ( بالتحضير للقومة الثورة ) الزاحفة الى القصر .
واذا كان التاريخ يسير في خط حلزوني ( مرة ربح ومرة خسارة ، مرة نجاح ومرة فشل وإفلاس ) ، فان التعويل على بعض المشاريع الانقلابية ( ثورة قومة او عمليات تخريبية ) سوف لن يساهم في اقرار النظام الديمقراطي المبني على المساواة والعدالة والحرية ، لكنه سيزيد في تعطيل التغيير التدريجي بما لا يتعارض مع المقومات والأصول والتاريخ .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,714,594,040
- الاغنية السياسية
- المنطلقات النظرية للاشتراكية الصهيونية البروليتارية
- الحركة الاسلامية بالمغرب ( 6 )
- الحركة الاسلامية الاخوانية بتونس ( 5 )
- الحركة الاسلامية في لبنان ( 4 )
- الصراع بين حزب البعث والسلفية الاخوانية في سورية ( 3 )
- التيار السلفي في مصر ( 2 )
- ملف عن السلفية الاسلاموية ( 1 )
- النخبة وزمن التّيه السياسي
- الثورة آتية لا ريب فيها
- عودة كريستوفر رووس الى المنطقة
- في الثقافة الوطنية القومية الاصيلة
- الماركسية والتراث والموقف من الدين
- تسعة واربعين سنة مرت على حرب اكتوبر . ماذا بعد ؟
- الموقع الطبقي لحركة الضباط الاحرار
- لبنان وسورية في فوهة البركان الصهيوني
- عالم آخر ممكن
- اتجاه العنف في الاستراتيجية الامبريالية الامريكية
- البنك العالمي للانشاء والتعمير في خدمة الادارة الامريكية
- ( الدولة اليهودية ) ومفهوم الحدود الآمنة


المزيد.....




- هجوم هاناو: لماذا يحمّل حزب البديل اليميني المتطرف مسؤولية ا ...
- مسؤولون سعوديون يطالبون بالقبض على مغنية بسبب أغنية في مكة
- بريطانيا تعود لجوازات السفر الزرقاء الشهر المقبل
- شلل يصيب الجسم والنفس.. كيف تتخلص من الخجل الاجتماعي؟
- زلزال بقوة 4.7 درجة يضرب غربي تركيا
- السلطات الصينية: تسجيل 96 حالة وفاة جديدة بفيروس كورونا في إ ...
- سلفاكير: السودان لعب دورا إيجابيا لتحقيق السلام في جنوب السو ...
- البحرين تعلن خلوها من -كورونا-
- ارتفاع الإصابات المؤكدة بـ-كورونا- في إيطاليا إلى 79 حالة
- السيسي يؤكد التزام مصر بإنجاح مفاوضات واشنطن حول -سد النهضة- ...


المزيد.....

- الاحتجاجات التشرينية في العراق: احتضار القديم واستعصاء الجدي ... / فارس كمال نظمي
- الليبرالية و الواقع العربي و إشكالية التحول الديمقراطي في ال ... / رياض طه شمسان
- غربة في احضان الوطن / عاصف حميد رجب
- هل تسقط حضارة غزو الفضاء بالارهاب ؟ / صلاح الدين محسن
- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - منظمة 23 مارس الماركسية اللينينية - التقرير التوجيهي -