أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - سلام على الغائبين















المزيد.....



سلام على الغائبين


رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 3926 - 2012 / 11 / 29 - 00:09
المحور: الادب والفن
    



أدب الحرب محدود نسبيا في الرواية العربية، فرغم خوض العرب لثلاثة حروب قبل احتلال كامل فلسطين التاريخية، لم يكتب الروائيون العرب ( أدب حرب ) بمعنى الكلمة، باستثناءات معدودة، فهناك وصف للأعمال الحربية التي نشبت بين أفراد من المقاومين العرب والعصابات الصهيونية عام 48، كما هو الحال في رواية "السفينة" لجبرا إبراهيم جبرا، فهي تمثل

اشتباكات فردية وليس بين جيشين نظاميين، وهذا الأمر يشير إلى قناعة الكاتب العربي بان الجيوش العربية لم تحارب في عام 48 ولا في عام 67، وذلك لان نتيجة المعارك كانت محسومة سلفا لصالح الاحتلال الصهيوني، وما حدث فيها فعليا لا يعدو أكثر من عرض مسرحية ليس أكثر.

من هنا لم يتم كتابة روايات حربية عربية، كما هو الحال عند الروس، إلا بعد عام 1970، مثل رواية "زمن القارب الثقيل" لعبد النبي حجازي، ومن بعد عام 1974 تم إصدار مجموعة من الروايات الحرب بقلم الروائي المصري جمال الغيطاني فاصدر " ارض ارض" ورواية " الرفاعي" واصدر نبيل سليمان من سوريا "أحزان حزيران" وأديب نحوي الذي أذهلنا في رواية "سلام على الغائبين".

ما يميز هذا العمل اللغة الأدبية التي استخدمها الروائي أديب نحوي، فاستخدم ألفاظ ومعاني وأعطانا صور فنية، جعلت القارئ ينهل وبشغف وباضطراد من هذه الرواية.

الرواية تتحدث عن موقع عسكري ـ تل الفخار ـ في الجولان مكون من سرية واحدة ـ فصيل المدفع، فصيل الهاون، فصيل الرشاش ـ يستبسل أفرادها في الدفاع عن موقعهم، فيقاومون حتى الرصاصة الأخيرة، يوقع الجنود أفدح الخسائر بالغزاة، من خلال كمين محكم تم نصبه للقوات المهاجمة، يتم القضاء على عناصر السرية باستثناء ستة جنود يقعون في الأسر، ويبقى وضع قائد الموقع النقيب خالد ضو القمر مجهولا عند القيادة السورية، لا هو من الشهداء ولا من الأسرى، حتى يتضح بعد ذلك انه وقع في الأسر،



ولكن يتم تصفيته من قبل الكابتن جدعوني ـ موفد الحرب النفسية ـ في جيش الاحتلال ـ إلى تل فخار، وذلك انه كان يعتقد ـ جدعوني ـ إن هذا القائد هو

من قادة المعارك الباسلة ضد القوات الصهيونية، وأوقع بها هذا الكم الهائل من الخسائر في الأرواح والمعدات، وهو من حث جنوده على الصمود لأكثر عشرة ساعات وحتى الرصاصة الأخيرة.

يصاب جدعوني بانهيار عصبي بعد معرفته حقيقة النقيب ضو القمر فيطلق الرصاص عليه وهو يسير أمام الجدعوني فيرديه قتيلا، هذا سرد موجز مختزل لأحداث الرواية، لكن عظمتها لا تكمن في فكرتها وحسب، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تناولها الكاتب، وباللغة الأدبية التي استخدمها، وقدرته على التحكم بشخوص الرواية وسيطرته على أحداثها، فاستطاع الإمساك بكافة الخيوط فيها، فلم يترك فردا في روايته إلا جعله يتحدث بذاته ويبدي ما في صدره وعقله من مشاعر وأفكار.

من هنا نستطيع القول بنجاح الكاتب في ـ حياديته ـ وجعل الشخصيات تتكلم بذاتها دون تدخل من الكاتب، وهذا الأمر من ابرز معالم نجاح وتألق الرواية، وسنحاول في يلي إضاءة الجوانب المشرقة في العمل الروائي " سلام على الغائبين" إن كان على صعيد الشكل أم المضمون.

كرواية حرب لا بد من الحديث عن الجنود وصف الأعمال الحربية، وها هو الكاتب يبدأ روايته " إن الأسرى التلفخاريين الستة" هذه البداية شكلت محور الرواية، فهؤلاء الستة هم أبطال العمل، وتدور الأحداث حولهم " قالت :يا مروان هم جماعة ذبح الأمهات والأطفال في دير ياسين والقسطل. قال : ليعون أمهات وأطفال دير ياسين والقسطل. وأخذ يرمي. مروان حنون. وبين يديه يحن السلاح. لعيني الطفل مخزن. ولعيني أمه مخزنان. لأنهم ذبحوها مرة وهي تشاهدهم يذبحونه، ومرة عندما ذبحوها بعد ذلك. ثم احترقت إحدى ناقلات النجود. وخرج منها السفاحون بالعشرات. المذخران يذخرون، أنا ألقم ومروان يرمي. رشاشات طيب. ومروان أطيب. للقسطل مخزن. ولدير ياسين مخزنان. الأول لأنه دير. والثاني انه لياسين. ذخر يا نحاس إن كنت تذخر. وناولني المخازن يا اسعد فقير فاني أراها بين يديك قد أخذت تزهر " ص7

الرقيب شاكر الحموي تكلم بهذه الكلمات عن الأحداث ، ما يميز هذا الوصف من المعركة إن الكاتب استطاع إن يأخذنا إلى الماضي ويجعل منه دافع ومحفز للجنود، فهو كائن حي يعطي المقاتلين النشاط ويمنحهم السرعة والدق والحماس، فلم يعودا يشعرون بالتعب أو الخوف أو الإحباط، فهم مع بعضهم البعض واستحضار الماضي ـ دير ياسين ـ جعل منهم عناصر فوق الطبيعية البشري، فالحماس والتلذذ والانسجام في القتال وكأنهم في لعبة أو نزهة، يدل على إن الجندي العربي خلق للحرب وليس للاستعراض.

وإذا عدنا إلى الاقتباس وجدنا ـ الجماد " مروان حنون. وبين يديه يحن السلاح " ـ كائنات حية تبدي من الأفعال ما هو بشري، وسنجد في بعد إن السلاح كائن حي تماما وقيوم بأفعال بشرية، وتكمن أهمية الأسلوب الذي استخدمه الكاتب في جعل القارئ يدخل أجواء المعركة من خلال الطريقة التي تناول بها الأحداث والأسلوب الذي تكلم به شخوص الرواية.

ويضيف الرقيب محمود الشيخوني واصفا جزء آخر من المعركة " أدعو الله أو ثم ارمي الحشوة. يا رب اعم عيون اعدائك عن مدفعي كلما رميت منه الحشوة. يا رب باسمك أرميهم وليست من يدي بل من جلال قدرتك. يا رب أنظر إلى خندقك الشرقي في تل الفخار بعين الرضا. فلم يبقى فيه سوى مدفع واحد مضاد للدروع ب عشرة. يا رب من يرد جنازير الغزاة الطامعين عن شباب فصيلتك الشرقية الصامدة في وجههم سوى دال ب عشرة.

.... شعرت بأمر عجيب.

قال : ـ شعرت يا سيدي العقيد بأمر عجيب. صحيح إن الرب تبارك حكمته، لم يرزقني إلا بالبنات، لكني شعرت وأنا أتنقل في الخندق، بان مدفعي قد أصبح ابنا على سبع بنات. فأخذت أحنو عليه بكفي، وكأني أضم بينهما، من ابني، وجهه، واقبله، فكأني اقبل من ابني، خده. ورأبت بيدي على ظهره : بيضت وجهي اليوم في تل الفخار يا ابني، الله يرضى عليك. وهكذا خرجوا من مجال الرمي المجدي، ولم يتجاسروا بعد ذلك على العودة إليه أبدا، طيلة النهار. فلما أتى الليل هجروا الدبابات واضطروا للتقدم نحو الخندق مترجلين" ص74، علاقة السلاح بالجنود تأخذ شكل العلاقة الأسرية، فالأب الشيخوني يعامل ابنه "المدفع" بكل حنان وحب وحرص، وما كان لمثل هذه العلاقة إن تكون بدون الانجازات التي حققها الشيخوني وابنه في ارض المعركة، وهنا تعود الحياة إلى ـ الجماد ـ فيأخذ في "الزغردة واللحق" ويتم تطويرها لتكون كائن بشري، وأي كائن؟ ابنا للشيخوني، العلاقة الحميمة بين الابن والابن تنشأ في أجواء القتال والقتل والتقتيل.







كما إن الإيمان الذي اقترب بكافة شخصيات الرواية، المقاتلة وغير المقاتلة، جعل الرواية تبدد ما قيل عن الجنود العرب في حرب 67 بأنهم لم يكون يحملون من الإيمان شيء، وسوف نخصص في موضع لاحق لموضوع الإيمان تحليل منفصل.

الوصف السابق جاء على لسان الجندي العربي السوري، أما وصف المعارك من قبل جنود الغزاة فجاء كما يلي" لا شك إنها نامية عند الميجر بلاك أكثر مما عندي بكثير. تلك الحاسة السادسة التي تشعر المحارب في ميدان القتال، بالخطر قبل إن يقع فيه. وإلا فما الذي أوحى إليه، قبل ظهر هذا اليوم، عندما قفز من عربته المحترقة، إن لا ينبطح على الأرض ثم يزحف ويختفي في إحدى الحفر، كما فعل جميع من قفزوا من الناقلات والعربات المحترقة فما إن مضت على ذلك، عشرون دقيقة من الزمن، حتى هطلت عليهم من السماء قذائف الهاونات اللعينة حيث قتل منهم نصفهم بلا شك في أعماق تلك الحفر الجهنمية؟ وإلا فما الذي أوحى إليه إن يظل راكضا وه8و يحاول اللحاق بالعربات الهاربة من القذائف الميم دال حتى شاهدته أنا بنفسي، وهو يعدو بسرعة مذهلة في آخر مئة من مجال الرمي المجدي فأوعزت لسائق عربتي بالإبطاء قليلا حتى وصل إلينا فالتقطناه" ص112.

" إن الكابتن آهارون فكر : تماما. فلو أنها كانت نامية عندي، لما أرسلت عشرة من جنودي إلى ذلك المنخفض الشيطاني ليفاجئوا الخندق الشرقي من الخلف، فقتلوا هناك جميعا ولم يعد منه8م واحد "ص113، جاء الوصف عادي جدا للمعركة، وكأن الحدث غير مهم للراوي، فهو لا يبدي أي حماس أو انفعال، على النقيض من الجندي العربي السوري، فالكاتب أردنا إن نقف على حقيقة الجنود الذي خاضوا المعركة من كلا الطرفين، ونحكم عليهم بحيادية قدر المستطاع. وهنا ومن باب الأمانة نقول بان المقاتلين الأعداء اخذوا يدرسون ويحللون المعركة بكافة جوانبها وأين كان خطئهم ولماذا وقع بهم هذا العدد الكبير من الخسائر وذلك ليداروه في المستقبل، وعلى النقيض منهم العرب الذين لم يدرسوا الحرب ويداروا الأخطاء القاتلة التي وقعوا فيها، وهذه تعتبر أمانة تاريخية تحسب للكاتب الذي رغم انحيازه لوطنه ومواطنيه إلا انه قام بشهادة حق.

سائق العربية جدعوني يقول "لقد هربوا ولم يتركوا أمامي سوى الغبار، والحفر سيدي الكابتن، كثيرة وعميقة. فإذا أسرعت سقطنا في واحدة منها قبل إن أراها. وإذا لم أسرع، أخشى إن تسقط فوقنا واحدة تخرق درع الدبابة، فماذا لو أصابتنا ونحن عربة مسكينة تلبس درعا، سيدي الكابين" ص138، هذا الحديث يضاف إلى ما قلنا عن عادية الحديث والحدث عند الغزاة، فإذا استثنينا " ونحن عربة مسكينة لا تلبس درعا" نجد إن المعنويات هابطة جدا و تنم عن مشاعر الانكسار رغم أنهم فعلا انتصروا، وردات الفعل التي أبدوها تبين لنا بأنهم غير متحمسين للحرب، ويمكن إن يفهم منها أنهم اجبوا على خوضها مكرهين، على النقيض من خصومهم العرب الذي كانوا يتشوقون للقاء الأعداء.

أما وصف المعركة من قبل الراوي ـ الكاتب ـ فجاء بطريقة مغايرة لما سبق، " وهب واقفا واخذ مكان زوهار أمام المنظار فألصق عينيه بالعدستين , ثم هتف :- ما هذا ؟ وظل ينظر وهو يصف ما يشاهده : انه أمر عجيب حين سقط في نفس اللحظة فوق مدر عته شيء مريب . لم يشعر به إلا بعد أن حدث الأمر الرهيب ز فخرقت الحشوة سقف العربة ونفذت إلى داخلها من فوق رأس الكولونيل وانفجرت وزوهار ألقى بنفسه إلى الزاوية الخلفية منبطحا ثم نهض. والحشوة ألقت بكولونيله تحت منظار المواشير , لكنه لم ينهض ثم أن العربة تحولت بمثل لمح البصر إلى عدة أقراص طائرة . وكل قرص صعد في الجو فدار حول نفسه قليلا ثم سقط وكانت قد انعقدت فوق الحطام سحابة من الدخان الكثيف , ما لبث أن خرج منها ميجر اسود. وخرج بعد ذلك لسان النار , أما الآخرون الذين كانوا في العربة و فلم يخرج منهم احد. وثمة دبابات كانت قد أخذت تصل , وجوهها إلى الشرق ومدافعها ترمي من الخلف , ومسرعة لتخرج من مال الرمي المجدي . فاستدارت ناقلات ومدرعات كتيبة الكولونيل كلاين وأخذت تسابقها نحو الشرق كذلك , بسرعة برقية بينما كان المشاة المحمولون يقفزون من الناقلات المحترقة ويتدحرجون على الأرض , محاولين إطفاء النيران العالقة بثيابهم , بالتراب . ما هذا ؟غاضب تل الفخار , وبركان من اللحم والنار ولأنه لم يعد أمامه من خيار , فان الأرض وما عليها , لم تعد أمامه كذلك سوى مجالات . فحتى الألف متر , مجال للرمي المجدي من الميم دال ب عشرة على مختلف أنواع الدروع . لكنه من مسافة تتراوح بين ثلاثمائة وأربعمائة متر يصبح مجالا للرمي المحكم على لنسق التساعي من الدبابات , ومن مسافة سبعمائة إلى ثمانمائة متر يصبح م بين المحكم والمجدي على النقلات والمدرعات . لقد ظل قتال المدافع بضع دقائق وحيد الطرف وهو ليس إلا قذائف صاعدة . أما الآن , وقد دخلت جميع أنواع آليات الغزاة إلى المجالين المحكم والمجدي معا , فقد أصبحت القذائف صاعدة نازلة , من تسع مدافع إلى الخندق الشرقي صاعدة ومن مدفعين مضادين للدرع نحو الدبابات والناقلات والعربات نازلة , ولان الغزاة كانوا يهاجمون منتشرين في خطين متتبعين عرض كل واحد منهما , أربعمائة متر , فقد اقتسم مدفعا تل الفخار خطي الانتشار بالتساوي مئتا متر يمينية منهما للميم الدال الجنوبي , ومئتان يساريتنا للميم دال الشمالي.مجالات.غزاة يخرجون من السنة النار المندلعة من دروع الفولاذ , وعند ذلك آتى دور الفصيلة الشرقية بكاملها , وابتدأ في ارض تل الفخار الشرقية , مبكرا و موسم الحصاد, فللبنادق والرشاشات أيضا , وهي في قبضات التلفخاريين . مجالات . أن اللذين خرجوا من الدبابات على مسافة ثلاثمائة أو أربعمائة متر من الخندق الشرقي , كانوا مجالا لرمي البنادق المحكم , فلك ينج منهم أحد , أما اللذين نزلوا من الناقلات على مسافة سبعمائة أو ثمانمائة متر , فإنهم كانوا في نفس الوقت مجالا لرمي الرشاشات , المجدي ألي أن اختفوا في الحفر المنتشرة هناك , وكانت قد أقبلت حينذاك , خارجة من قلب الحرائق البعيدة , داخلة إلى قلب الحرائق القريبة , عربة الكابتن جدعوني المتكلمة. كانت قد عبرت بمكبرها وعلمها الأبيض كل المجالات : من المحكم الأقرب إلى الأبعد منه لكنه كذلك محكم , إلى أول المجدي وهو أيضا في قلب الخطر, دون أن يمسها , ورغم ذلك أي أذى.

أقبلت وهي لا تتبخر , بل تمشي مكسورة الخاطر ومعها من مدافع تل الفخار عفو خاص . لقد حاكموها على ما يبدوا من الأمر , هناك وهي والفاعل الأصلي محاكمة وجاهية , فلما وجدوا أن الفاعل ألأصلي ليس سلاما مختالا سيء النية , وأنها هي الشريك المنفذ مع سبق الإصرار والترصد أدانوهما معا , ثم حكموا عليهما بعقوبتين شديدتين الموت للفاعل الأصلي وهو صاحب المدفع , والحرب والنفس و عقوبة الأشغال الشاقة مدى الحياة , ثم أن الرقيب الشيخوني وهو عضو المحكمة المفوض بصلاحيات الميم دال ب عشرة عديم الارتداد , وجد أن مشاركتها في الجريمة لم تلحق في النتيجة أي ضرر بتل الفخار وإنها كذلك دون الفاعل الأصلي , لا تستحق واحدة من حشواته الجوفاء , فمنحها عفوا خاصا شيخونيا من عنده , وتركها تعود ألي أهلها الغولانيين , سال مطمئنة , لتساعدهم على مواجهة مصاعب هذه الحياة فاتت تمشي وحدها تعيسة مهزومة , ومتأخرة كل التأخر فمن كثرة ما تقرب قائدها من تل الفخار ليحصل على ثقة الأعداء لم تستطع عربته المتكلمة أن تلحق ألا متأخرة جدا بفلول الأصدقاء" ص135-138، مقدرة هائلة على التحكم بالألفاظ في النص السابق، فيجعل ـ الحياة تدب في الآلات الحربية ـ الجماد ـ ومن الجندي العربي السوري الأمر الناهي في المعركة، "أقبلت وهي لا تتبختر، بل تمشي مكسورة الخاطر ومعها من مدفع تل الفخار عفو خاص"ص137، لقد جعل الكاتب من الآلات وأدوات كائنات بشرية وتقوم بفعل المشي والعفو، وهذا الأمر يدل على حذق أديب نحوي ومقدرته على استخدام الأفعال البشرية للمعدات والأدوات القتال، فالمجاز ليس من السهل استخدامه في هكذا موضع.

وقد جمع الكاتب في موضع آخر بين الإنسان والآلة، إشارة منه إلى التوحد والتماهي بينهما في إصدار عفو عن عربة جدعوني " لقد حاكموها على ما يبدو من أمر، هناك . هي والفاعل الأصلي محاكمة وجاهية" هذه المقدرة على التلاعب بالألفاظ والمعنى تنم عن القدرات اللغوية الفائقة التي يمتلكها الكاتب، فاستخدام ثلاثة أصوات لسرد حدث عمل بحد ذاته إبداع، فاللغة الخاصة لكل راوي ومن ثم الوصف الحدث لكل صوت، جاء يعطي الرواية موسيقى متنوعة للقارئ إن يختار الأفضل من بينها.

من يطلع على أدب الحرب السوفيتي نادرا ما يجد هذا التعدد في الأصوات وهذا الإحياء للجمادات، وهذه الألفة ما بين السلاح والمقاتل، كلها يفتقدها الكتاب السوفييت.





المكان والزمان



ما يميز الرواية أنها تركز على المكان والزمان فهما ملازمان للحدث الروائي ملازمة وثيقة، فأديب نحوي يذكرنا بتفاصيل المكان ليؤكد تاريخية الحدث الروائي وواقعيته، فهو بين الفينة والأخرى يتحدث عن المكان، وكأنه يردنا أن نتذكره بكل ما فيه وأن نهتم به كاهتمامنا بالجنود تماما، فهو يشكل مع الإنسان وحدة واحدة لا يمكننا أن نأخذ احدهما ونتجاهل الآخر" فإذا كان الغائب قد غاب في القطاع الشمالي من الجبهة، فأين شاهده رفاقه آخر مرة، هل في عين فيت أم في مجدل شمس؟ هل في قلعة نمرود أم في تل الأحمر. فإذا كان من عناصر مرصد زعورة ولم يشاهده أحد في تل مالك أو ... شوهدوا في أحراش بقعاتا ... من عناصر مخفر برج بابل... قد وقع قي الأسر أو قتل ما بين عرتا والمغر أثناء قصف تل العزيزيات"ص19، مثل هذا الوصف الدقيق للمكان ينم على الإحاطة الكاملة به وعلى انه يحتل مكانة في قلب الكاتب أولا ثم لتذكير السوريين والعرب به وبتفاصيله البسيطة ثانيا.

أما الزمن فرغم وضوحه إلا أن الكاتب تطرق له بتحديد دقيق " وان ملاك فصيلة الجزيرة الشرقية التي يقودها الملازم بشير العدناني، كان في اليوم التاسع من حزيران"ص14، فالدقة في الزمان جاءت لتأكيد على تاريخية الأحداث وإشارة إلى أهمية هذا التاريخ بالنسبة للعرب.



الجندي العربي السوري





تناولت الرواية الجندي العربي والكيفية التي يتعامل بها أثناء القتال والحرب، " صالح سواس رئيس المخفر؟" ص158، إننا أمام ظاهرة مزدوجة للبطولة، القتال والصمود ـ رغم شدة التعذيب ـ ففقدان إحدى العينين أثناء التحقيق ولا يحصل المحقق على اعتراف يبين المقدرة الفولاذية التي يتمتع بها العربي، فهو يستطيعان يتعامل مع كافة الظروف والأحوال، إن كان طليقا يقاتل ولا يهاب، وان كان أسيرا يتحمل أقسى أنواع العذاب والتعذيب ويبقى شامخا صلبا، أليس امتلاك الصفتين معا يشير إن العربي فيه من القدرات على التحمل والعمل ما هو فوق الطاقة البشرية؟

ويعطينا الكاتب أنموذج آخر لطبيعة العربي فيقول رسلان عن أبيه " كلا إلا بأيدينا"ص222، العناد والمقدرة على الاستمرار في الكفاح ضد الاحتلال في أماكن عدة وفي ظروف متباينة وعلى امتداد سنوات طويلة، يشير إلى القوة والإرادة الكامنة في هذا العربي العنيد، وعلى امتلاكه قدرات خارقة ليس من السهل وجودها عند الآخرين، ومثل هذا الوصف يعطينا دفعة إلى الأمام في زمن القهر والهزائم والانتكاسات، والاقتداء بهم وبنهجهم.

بهذا التمهيد لماهية العربي يدخلنا أديب نحوي إلى نوعية الجنود الين استبسلوا في تل فخار، فها هو العريف ذيب يقول" لا يمكن اقتناص الأفعى "ص78 " فإذا لم يكن الراعي"ص89، طبيعة البدوي الذي يعمل بالرعي منحته مقدرة على التعامل مع أعداءه الطبيعيين ـ الأفاعي والذئاب، ومن بعدهم أي أعداء آخرين سيظهرون، يجب العامل معهم بسرعة وحزم، فالطبيعة الصحراوية جعلت منه إنسان قاسيا مع من يريدون أذيته أو آذيت أو الاعتداء على ممتلكاته.

صور أخرى لجندي آخر والكيفية التي يستعد بها للمواجهة الأعداء، جاءت عن الرقيب مصباح الأعمى "كيف أنها كلها بوضع الاستعداد للرمي الفوري: حشوا للحشوة وتسديد إلى الهدف وإطلاق للقذيفة في زمن لا يتجاوز بحال من الأحوال مدة دقيقة"ص172، في الفقرة السابقة توضح لنا التهيئة والاستعداد للقتال في اقل زمن لا يتعدى الدقيقة الواحدة، إشارة إلى نوعية الجنود العرب، المستعدون للحرب والقتال بسرعة فائقة ودقة ومتناهية.

وقد أضاف أديب نحوي إلى الصفات القتالية للجندي العربي صفة نادرة تحمل الإبداع والتألق، مما يجعله شخصية مميزة تستطيع إن تحلق عاليا من خلال الابتكارات والمبادرات الشخصية، فتخرج عن القواعد الجامدة لمهمة للمقاتلين، فعمليا وجد الجندي للقتال وللحرب وتنفيذ الأوامر الصادرة من القيادية، لكنه هنا في تل الفخار استطاع إن يكلف نفسه عمل جديد يستطيع من خلاله إن يطور الجنود محفزا إياهم على التطور والسعي نحو الأفضل لمواجهة الأعداء " هل إن الملازم" ص81، "من علمني سيفا"ص82، نجد فيما سبق الإبداع للجنود العرب بكل تجلياته، كما انه لم يكن باتجاه واحد ـ الملازم المعلم ـ مع إن مجهوده يقدر ويحترم، ولكن الانذهال جاء من الجنود، فقلب أو تطوير مقولة متداولة ليس بالأمر السهل، وهذا ينم على إن فعل الإبداع ملازم ومواكب للجندي العربي.

كما إن تحويل المعنى من عبد إلى سيف لها مدلول تحرري يدفع المعنى إلى الأمام ويخلصه من مفهوم العبودية التي رفضها العرب من خلال الحديث عن السواس وأبيه الأعور، فالأحداث والشخصيات مكملة لبعضها البعض ومنسجمة مع فعل الحرية والتحرر، من هنا نجد الرواية تبنى فكرتها بشكل تراكمي يؤكد المفاهيم التحررية التي تطرحها.

الحديث الساق عن المعركة جاء على لسان الجندي العربي وعلى لسان لكاتب، والآن سنقر ما يقوله الجندي الإسرائيلي عن المعركة من خلال الكابتن جدعوني " أمام موقع عسكري صغير يسمى تل الفخار، سقت في الساعة الحادية عشرة من صباح هذا اليوم، حربنا النفسية. ثم حلت محلها، خلال بضع دقائق حرب القتل، وهي الحرب التي علمتنا يا سيدي الجنرال، إنها المزيفة والخاسرة ولو خضنها ضد أعدائنا، مئة سنة... لكن بعد أن نصب، للواء غولاني وكتيبه البرقية تتقدم نحو موقعه، فخا جهنميا، سقط فيه عدد كبير من الضباط والجنود دفة واحدة، ثم استمر يقاتلنا بعد ذلك، مدة عشر ساعات متتالية، قتالا ضاريا مستميتا، ملحقا بهم مزيدا من الخسائر في الأرواح ... لاكتشاف المادة المشعة التي تتركب منها نفوسهم وهأنذا الآن أمام واحد من أؤلئك: جسدا متمددا أمامي وغارقا في الغيبوبة. لكنه ما أن بدأ يعود إلية قليل من الحياة منذ دقائق، حتى أخذ يدعو، وهو ما زال يهذي ، الجنود للنهوض من اجل متابعة القتال "ص294و295، شراسة المواجهة والاستبسال ومن ثم الإبداع والابتكار والتجديد في نصب الكمائن وأخيرا الاستماتة في الدفاع ـ حتى آخر رصاصة ـ جعلت من الجندي العربي يمتلك ( إشعاعا ) من وجهة نظر موفد الحرب النفسية الكابتن جدعوني في جيش الغزاة، فجعله يذهب بعيدا في تفكيره، فأصبح المقاتل العربي بما يمتلك من قدرات وإبداعات قتالية، يمثل حالة فريدة نادرة تستحق الدراسة.

فهذا الكلام الذي جاء على لسان العدو يمثل شهادة للجندي العربي وعلى قدراته وابتكاراته في المعركة.









الخوف



هناك حالتين للخوف تم التطرق لهما في الرواية، (عبد اللطيف مسكين، والنقيب ضو القمر) فالأول عبد الوهاب الذي كان ينادى " بالخويف" الذي كان لا يجرؤ على الخروج لمناوبته الليلية وحيدا، لأسباب وظروف عاشها في طفولته، بدع وتألق في المعركة، وها هو الشيخوني يشهد لهذا " الخويف" بالبطولة التي أقدم عليها " إن كان قد سمع مسكين يظل يخاف قبل الحرب حتى من الخروج وحده في أليالي الشتاء للحراسة، لكنه في الحرب يلقي بنفسه فوق عريفه الذيب، متلقيا وعن صندوق من الرومانات، موتا صاعقا في خندق الاتصال المؤدي إلى مستودع الذخيرة... فالعريف الذيب يلقي بنفسه فوق صندوق الرمانات لئلا تصيب الصندوق طلقات رشاشات العدو فينفجر ويتلف الرمان قبل إن يكون قد حان موسمه في خندق القتال" ص86، مثل هذا الموقف يشير إلى عدة مسائل، أولا الجندي العربي عبد اللطيف مسكين استطاع إن يتخلص من خوفه، ثانيا أراد إن يحمي رفيقه وصديقه الذي تعامل معه بكل احترام ومسؤولية واستطاع إن يخلصه من هواجس الخوف، ثالثا إن المقاتل العربي على استعداد إن يقدم حياته للدفاع عن رفاقه الآخرين، رابعا إن السلاح عند العربي كالنفس يجب المحافظة عليه حتى لو أدى ذلك إلى الموت، إننا نقف أمام صورة نادرة والتضحية التي يمتلكها الجنود العرب اتجاه رفاقهم وسلاحهم، الإنحاء على السلاح ـ صندوق الذخيرة ـ يشبه إنحاء الأم أو الأب على ابنه، فهو يمثل الحماية لهذا "الابن" وكذلك الحب الذي يكنه الأب للابن، كما انه يعد هذا الحدث ـ حماية الرمانات ـ مكملا لما تحدث به الشيخوني عندما تمثل المدفع كابن له جاء بعد سبع بنات، فالصور والأحداث في الرواية تكمل بعضها البعض، وكأن الجنود الستة يتجسدون في شخص واحد في الرواية، يحمل ذات الصفات وأيضا مقدرة على تحقيق وانجاز الإبداعات.

ويذكر لنا أديب حموي هذا الخوف على لسان الكابتن جدعوني " كان علي إن لا أنسى أن الشجاعة إذا نفذت إلى روح الجبان مرة، كما ينفذ المطر الغزير إلى أعماق الأرض العطشى، فإنها لن تخرج من هناك، إلا نبعا متدفقا حتى نهاية العمر، ذلك إني اعلم سيدي الجنرال، إن الشجاع قد يجبن مرة في العمر أو مرتين، لكني اعلم كذلك، إن الجبان الذي استطاع إن يقتل غول الخوف والأنانية في أعماق نفسه، يصبح بعد خروجه من الكابوس، من أشرس الشجعان.ذلك انه يعرف أكثر من سواه، ماذا يعني الجبن بالنسبة للإنسان من ضعة وذل وحقارة"ص350، هذا تأكيد آخر إن الجندي العربي هو في النهاية إنسان، ويمكن إن يخطئ، لكنه سرعان ما يعود إلى جادة الصواب ويتراجع عن خطئه، ويعود إلى مواقعه وموقفه السليم، لكن لا يكتفي بذلك بل وحاملا معه اندفاع وحماس وإصرار وإرادة جديدة لكي يعوض ما فاته من وقت في مجابهة الأعداء وأيضا لتحقيق وانجاز إبداعات كان من المفترض انجازها في فترة تراجعه.







الجندي والسلاح



العلاقة بين الجندي ورفيقه الجندي، والجندي وسلاحه من أهم العلاقات قبل ومعد المعركة وهي تتطور أكثر أثناء القتال، فهي إن كانت ناجحة وسليمة تكون عامل قوة أساسي في المعركة، والعكس صحيح، وقد أعطانا أديب نحوي صورة لهذه العلاقة " فقال البلبل:

ـ اسمع يا سواس. إذا كان رفيقاك في خطر، فمن تنقذ منهما؟ تنقذ الرفيق الأنفع وهو صندوق الرمانات. فهيا امسك بحلقه واسحبه وأنت تزحف، فهو انفع لرفاقنا من بلبل مكسورا لجناح يا سواس.

لكن السواس لم يقبل. وقال للبلبل:

ـ آخذك يا بلبل أو، فإذا سمح لي الملازم، أعود مع احد رفاقنا لسحب الصندوق"264و265، العلاقة الجدلية بين الجندي العربي ورفيقه وبين الجندي وسلاحه علاقة بحاجة إلى وقفة وتحليل، الجندي المصاب يقول عن السلاح " رفيق انفع منه " والجندي الثاني رغم إدراكه ومعرفته بأنه لا يستطيع إن يستمر في المعركة بدون سلاح، مع هذا تم قلب المعادلة في المعركة، وتم اختيار الرفيق ـ العبء ـ وليس لأنفع، فقد تم تدفق الإحساس الأخوي والإنساني داخل الجندي السواس لكي يترك السلاح ـ الأهم ـ وينقذ رفيقه رغم خطورة الموقف، وهنا يضعنا الكاتب في مسالة البحث عن أي المسألتين أهم، البلبل أم الرمانات؟، وهل فعل السواس بسحب رفيقه البلبل وترك الصندوق الرمانات كان أهم؟ وهل الطلب الذي تقدم به البلبل للسواس ـ بتركه وسحب الرمانات ـ كان صائبا؟، اعتقد إن التوحد بين هؤلاء الجنود مع بعضهم البعض ومع سلاحهم جعل منهم جميعا جنود وسلاح شيئا واحدا منسجما متلاحما، لا يمكن إن نفصل بينهم أبدا، خاصة بعد إن أعطا الجنود الصفات الإنسانية للسلاح وجعلوه منه كائنا حيا " تحن وتغادر وتعفو، ويلمسها بلطف كابن له" كل هذا جعل من عملية الفصل بين الجنود والسلاح امرأ مستحيلا فهم مجتمعين يشكلون وحدة واحدة متكاملة ومتجانسة.











هيئة الجندي



كما تحدث الكاتب عن جوهر وإمكانيات الجندي العربي تحدث عن شكل وهيئة الجندي، فالشكل له أهمية كما هو الحال الجوهر" اسمر، طويل القامة، نحيل الجسم، لكنه منتصب كالرمح، ومشدود كأنه وتر القوس، وعلى رأس انفه، دقة الحس الزرقاء ... انه بدوي قادم من قلب الصحراء. حلو القسمات وممتلئ العينين بشمس وهاجة وعزم شديد يشيع في وجهه، الجد، فيبدو كأنه ليس داخلا ليؤدي شهادة، بل ليعبس في وجه القاضي"ص77، الشكل ينم عن المقدرة الفذة التي يمتلكها هذا الجسد، في رجل رياضي ذو بنية جسدية قوية، كما أنها ليس شكلا وحسب بل أيضا جوهر نقي صافي ليس فيه شيء من الشوائب، فيدب الهيبة في من يقابله أو يقف في وجهه.

لكن ننوه إلى إن أديب نحوي لم يعر كثيرا مسألة الشكل والهيئة للجنود، فلم يتطرق لها إلى في هذا الموقف فقط، ودون ذلك كان الحديث عن الجوهر والمضمون لهؤلاء الجنود، ونعتقد إن ذلك يعود إلى البعد الزمني بين الحدث الروائي وكتابة الرواية، فبعد إن وجد أديب نحوي بعد حرب 67 و74 ما حل بالجنود العرب من الذهاب إلى الشكليات والابتعاد إن الروح الحية للمقاتلين، ارتأينا إن يبتعد عن الحديث في الشكل والمظاهر ويركز على الجوهر والمضمون، من هنا نعتبر هذا التطرق للشكل لا يعدو أكثر من تحسينات لهؤلاء الجنود.







الإبداع في استخدام وسائل بديلة في الحرب



في حالة تعطل إحدى الوسائل المستخدمة في القتال لا بد من إيجاد بديل وبسرعة، لكي يتمكن الجنود من تحقيق هدفهم بنجاح وبنفس الكفاءة، وها هو العريف الزعلان يتحدث عن اختراع جديد في الاتصالات العسكرية " ... وبذلك أستطيع أن انقل أوامر جماعتين بالهاتف البشري، سيدي العقيد.

قال العقيد متسائلا: ـ بالهاتف البشري

فقال له الزعلان:

ـ طبعا، سيدي العقيد. من فم مقاتل إلى جاره، ولا يستغرق أمر الملازم سوى دقيقة واحدة، يكون قد وصل فيها، إلى آخر واحد من الجماعة، ودقيقتين شماليتين واثنتين كنوبيتين، يكون الأمر قد وصل إلى آخر جنوبي من الناحية، والى آخر شمالي من الناحية الأخرى"ص65، عملية نقل المعلومات والتعليمات من والى ومركز القيادة لا يتجاوز دقيقة بواسطة الهاتف البشري، وهذا الاستخدام لم يكن بدون وجود البداهة والفطنة عند الجنود، ففي حالة الشدة يفقد الإنسان توازنه ور يعود يفكر بطريقة سليمة كما هو الحال في الهدوء والراحة، لكن هنا نجد الذهن صافي تماما ويبدع في التفكير لكي لا يعيق العمل ويبقي القتال في أفضل حالاته، ذكر هذا الأمر يبم الطبيعة الخلاقة التي يتحلى بها الجندي العربي فهو قادر على إيجاد البديل وبسرعة فائقة وبكفاءة عالة،





الحرب النفسية



جاءت كافة الأحاديث عن الحرب النفسية على لسان الكابتن جدعوني، حيث انه متخصص في هذه الحرب، وهو صحاب خبرة ودراسة لهذه الحرب وأساليبها، يعطينا معلومات مهمة عن هذه الحرب، والطرق التي يجب أن تتبع لإنجاحها لاختراق دفاعات العدو وتحطيم معنويات جنوده

"فكر الكابتن جدعوني:

ـ يا له من كولونيل حرب أحمق . كأني عنده قائد سرية تهاجم هذا التل لاحتلاله , ويصدر إلي الأمر : مكانك يا جدعوني وافتح من هنا النار

ـ ثم أنه قال لنفسه :

ـ إنهما حربان مختلفتان . في حربه , انك وأنت تهاجم الأعداء لابد من إن تمهد للهجوم بقصف المدفعية من مسافة ما و لا بد من إن تكون بعيدة عن موقع عدوك . لكنه لا يعلم إني أمارس حربا أخرى , يجب على ضابط الحرب النفسية وهو يخوضها , إن يقترب من موقع الأعداء بأكثر ما تسمح به الظروف , من اجل أن يوحي إليهم إيحاء نفسي مباشر , بأنه لا ينتظر منهم أي تصرف عدائي على الإطلاق .

هكذا فكر الكابتن الجدعوني وهو ينظر إلى ورقة تل الفخار فيشاهد فيها أربعة أسماء : الأول هو اسم قائد السرية النقيب خالد ضو القمر . والتالية هي أسماء قادة الفصائل وهم ثلاثة ملازمين . لا يلزمني الملازمون في البداية لان من قواعد الحرب النفسية أيضا و أنك وأنت قاعد داخل عربتها , وأعدائك أمامك . يشاهدون مكبر الصوت فوق سقفها ومستعدون للاستماع إليك طالما إنهم لم يدمروها حتى الآن , بقذيفة واحدة تجعلها هباء منثورا , من قواعد حرب النفس ك أنه لا يجوز لك عند ذلك إن تخاطب الضابط الأقل رتبة و لان قائده يغضب . وكيف لا يغضب وأنت تتجاهله ! بل يجب عليك أن تخاطب الضابط الأعلى رتبة ولو كان بعيدا عنك ولا يسمعك , فلا بد لمن يسمعونك من إن يخبروه بأنك تخاطبهم جميعا لكن من خلاله . ولا تتجاهله كأنه غير موجود , محاولا اللعب بعقول ضباطه الصغار , من وراء ظهره , لذلك و ولان في هذا التل , قائد سرية برتبة نقيب , فلا نكلم الملازمين من قادة الفصائل , بل نبدأ به أولا , وبعد ذلك نتسلل .



قال الكابتن جدعوني لمعاونه الفني و وقد تذكر أوامر الكولونيل كلاين التهكمية فابتسم بمرارة قال :- حول جهاز الإرسال إلى البث لان الكولونيل حريص على الاستمتاع إلى البث , ورفعه قليلا , ليقربه أكثر ما يمكن من مكان الميكروفون . ثم إن الكابتن قد امسك بمفتاح علبة المكبر : افتح .

ففتح . واخذ المكبر فوق سقف العربة يصفر ويخشخش . فيا ليت أن العلم الأبيض كذلك يخفق , لأنه والعربة واقفة , لا يخفق فيبقى خرقة صغيرة خاملة ملتصقة برأس سارية الحديد لا يشاهد احد إنها علم ابيض يرفرف داعيا للمحبة والسلام .

لقد اخذ المكبر فوق سقف العربة يصفر وجاره الفوقاني خرقة لا تخفق والكابتن جدعوني أصولي , ومتقيد بقواعد الحرب النفسية تماما : لا تكلم عدوك إلا بعد إن تسلم عليه . سلم عليه أولا , ثم قدم نفسك إليه فورا لئلا يظن وهو يشاهدك بعينيه , انك تتخفى داخل العربة . فهل هي مجرد عربة ؟ وميكروفون ومكبر ؟ فكأنها من عربات الإذاعة حيث لا شان للمستمعين بشخص المذيع و أم إن الإنسان وله اسم وصفة وعواطف هو الذي , من خلال العربة والميكرفون فالمكبر , يخاطب نفوس البشر ؟ وهكذا بدأ الكابتن جدعوني , عند ذلك , يخطب . قال :

_ يا نقيب خالد ضو القمر . أبداك بالتحية : السلام عليكم ورحمة الله .

وأعرفك بنفسي . فانا من أفراد الجيش المقاتلين . وليس لي أي مهمة عسكرية تدعوني لتكتم . أنا سليم الجدعوني , مجرد إنسان تعلم قيادة جيشنا إني أحبكم انتم معشر السوريين الأكارم . فقالوا لي : أصلك من سوريا يا سليم وأبوك فؤاد الجدعوني هو الذي أتى بك من هناك إلى فلسطين . فأنت لذلك تحب أهل سوريا , أليس كذلك يا سليم ؟ قلت ك كيف لا أحب أهلها وأنا ولدت وعشت عندهم حتى بلغ عمري اثنتي عشرة سنة قلت لهم : إني أحب سوريا وعظم أكتافي هو من خيراتها و فلولا إن أبي فؤاد الجدعوني هو الذي هاجر وأخذني معه وأنا ولد لا استطيع معرضته , لما تركت أهل سوريا الطيبين فيما بيننا وبين إخوانك السوريين واشرح لهم كيف إننا لا نريد إن نلحق بهم أي أذى , معاذ الله . قالوا : إلا تأتي معنا يا سليم بن فؤاد جدعوني ؟ قلت كيف لا أتي معكم ما دمت استطيع بذلك حقن دماء أحبائي و بل أتى معكم وأنا مسرور وأقوم بواجبي تجاه إخواني السوريين بكل طيبة خاطر . أيها السيد النقيب خالد ضو القمر , أيها السادة ضباط وضباط صف وأفراد حامية تل الفخار الأعزاء . هذا هو سبب وجودي هنا و فانا راغب في التفاهم مع حامية تل الفخار فانظروا, ما أنبلها من رغبة ! أليست مناسبة تبعث السرور في نفوسنا جميعا إن نلتقي هكذا بعضنا مع البعض الأخر , لنعيش جيرانا متحابين ونبني معا في هذه الأرض صرح السلام . أيها الإخوة الأكارم , نحن كلنا بشر , لكل منا بيت يتمنى إن يعود أليه بسلام لكل منا أهل أعزاء : أب و أم وزوجة وأطفال , ينتظر بفارغ الصبر ومنتهى الشوق إن يرجع أليهم ليضمهم إلى صدره, وينعم إلى جانبهم بالحان والسعادة ويتمتع بمباهج الحياة . لماذا نقتل ؟ ماذا وراء الإقتال سوي الموت لنا والفجيعة لأهلنا وأطفالنا الأحباء ؟ انبذوا السلاح إذن ,أيها الإخوة الأكارم , وها انتم تشاهدون بعيونكم إن قيادة جيش إسرائيل قد رفعت فوق هذه العربة لتي وضعتها تحت تصرفي من اجل الوصول إلى هذا المكان , علما ابيضا تعبيرا عن رغبتها المخلصة في حقن الدماء,أيها السيد النقيب ضو القمر , تكرم إذن وأوعز لضباطك وجنودك إن يفعلوا مثلما نحن نفعل . هيا , أذا سمحت . وأوعز إليهم بان يلقوا أسلحتهم فورا إلى الأرض وبان يرفعوا فوق احد المرتفعات موقعكم علما ابيض ثم تفضلوا جميعا بالنزول إلينا واحدا خلف الآخر وأيديكم مرفوعة فوق رؤوسكم , تجدونا بانتظاركم وأيدينا ممدودة إليكم , لنتصافح مثلما يفعل الناس المتمدنون , أيها النقيب خالد ضو القمر , إني أحييك مرة ثانية واكبر فيك الشهامة والعقل الناضج والتفكير السليم , إن تسلني إذا كنت قد عرفت اسمي و فهكذا أمر ممكن لكن كيف تصفني بالشهامة والعقل الناضج والتفكير السليم يا أخي سليم وأنت لا تعرفني أجبك فورا : إنني استنتج ذلك بكل سهولة دون إن أكون عرفتك , فلولا انك على هذا المستوى من الشهامة والنضج والتفكير , لما تركتني أكمل كلامي و بل لأوعزت بتدمير عربتي في اقل من لحظة واحدة إني لذلك , أقول لك , يسعدني إن التقي بك بعد قليل لأعبر لك عن إعجابي وامتناني في آن واحد إني باسم السيد الكولونيل قائد لواء غولاني و ادعوك و أنت وضباطك وضباط صف وأفراد حامية تل الفخار و لتنزلوا ضيوفا مكرمين لديه , وان تكونوا أول من يجتازون الحدود من بين الأسرى و عائدون إلى بيوتكم وأهلكم خلال مدة لا تزيد على أيام معدودة إن شاء الله .

لغة الدهاء والمكر تفوح من فم جدعوني ( الذي يتمسكن حتى يتمكن ) فهذه اللغة السلمية والعقلانية ـ شكليا ـ تنطلي على الجنود العرب، الذين يتشوقون لمواجهة الغزاة.

في بداية الرواية أعطانا الجنود العرب فكرتهم عن جنود الاحتلال وأعمالهم المشينة، فمجازرهم في دير ياسين كانت حاضرة في عقول الجنود العرب وتشكل لديهم فكرة واضحة عن سلوك الغزاة، من هنا تشكل لديهم ثقافة وطنية لا يمكن التأثير عليها من خلال كلمات جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع، فمعنوياتهم كإرادتهم فولاذية صلبة لا يمكن اختراقها أبدا، وهم يمتلكون من خلال البناء الذي شكله الملازم تحصينا ضد أي أفكار خارجية، فالتعامل الأخوي ولرفاقي والسلوك السوي بينهم، ومن ثم الثقافة الوطنية التي يحملونها جعلتهم ( يا جبل ما يهز ريح )





الإيمان



ما يلفت الانتباه في هذا العمل الروائي اقتراب الإيمان بكافة شخصيات الرواية، إن كانوا جنود أم أهالي، فالكاتب يتحدث عن الإيمان الذي يحمله كل شخص في "سلام على الغائبين" فهو يشكل مكون أساسي من مكونات المجتمع ولا يمكن إلا أن يتم التطرق إليه بكل ما يحمل من راحة وسكينة وأمل ورجاء، والإيمان الذي يتناوله الكاتب ليس فقط في القلب بل يتعداه إلى القيام بالعبادات، فهي التي تأكد وهو الصورة والانعكاس لذلك الإيمان، وها هو الحاج صبحي ضو القمر أب النقيب خالد يتحدث عنه " قال لنفسه : ـ أنا وعدتها، أني قبل شروق الشمس أنهض وأتوضأ وألبس ثيابي وأذهب فاصلي الصبح في الجامع الأموي، وأتلو دعاء إلى الله من اجل أن يكون اسم خالد مكتوبا في القائمة الدولية أنه بين الأسرى" هذا الوصف لإيمان الإباء والأمهات الجنود وكبار السن، فهو يعد من التشكيلة الأساسية للشخصية العربية، إذا عدنا إلى الاقتباس نجد ذكر "المسجد الأموي" كتذكير لان الإيمان والعبادات تتشكل من العقيدة داخل النفس الإنسانية ولا بد من مكان لتقام به العبادات، كما إن ذكر المسجد الأموي الذي يصلي فيه آباء الجنود جاء به الكاتب ليربطه بالجنود الذي استشهدوا في تل الفخار، فهنا يكون المسجد وتل فخار مكان يأخذان من الأهمية مكانة واحدة لا يمكن أن يقلان عن بعضهما الأول بيت الله والثاني مكان استشهاد الأبناء المقاتلين.

أما حديث عن الجنود الذي قاتلوا في تل الفخار فيحدثنا عنهم أديب نحوي قائلا " أدعو الله أولا ثم ارمي الحشوة، يا رب اعم عيون أعدائك عن مدفعي كلما رميت منه حشوة، يا رب باسمك ارميهم والس من يدي بل من جلال قدرتك، أطلق الحشوة، يا رب انظر إلى خندقك الشرقي في تل الفخار بعين الرضا، فلم يبقى فيه سوى مدفع واحد مضاد للدروع ب عشرة. يا رب من يرد جنازير الغزاة الطامعين عن شباب فصيلتك الشرقية الصامدة في وجههم سوى الميم دال ب عشرة"ص74، في القتال وعن اشتداد الأمر يلجأ الإنسان إلى ربه لكي يخلصه من كربته، هذا وضع طبيعي جدا، لكن ما يميز هذا الدعاء وهذا الوضع، ربط الذات مع الله بشكل كامل، فنجد كلمة ـ أعدائك، خندقك، شباب فصيلتك، فكأن الشيخوني هنا يمثل جندي من جنود الله، وانه يقاتل أعداء الله وليس أعداءه وحده، كما إن الخندق لم بعد يخص الشيخوني فقط بل هو خندق الله "خندقك" الكلمات التي قليت آنفا تمثل ذروة الإيمان وهو تعكس الحالة الإيمانية التي يعيشها الجنود في الحرب، فلم يطلب الشيخوني أن يخلص نفسه من هذا المأزق أبدا لكن كان دعاءه إن يثبتهم في وجه الأعداء لكي لا يدنسوا الأرض ويقتلوا الشباب، فهذا الأمر تقديم العام وتجاهل الخاص ـ يعد ذروة العطاء ونكران الذات، وليس كل شخص يستطيع أن يقوم به،

هذا الوضع كان أثناء القتال واشتداد الوطيس في المعركة، لكن هل استمر الإيمان بعد ذلك "فكرر الشيخوني أقواله بشأن ما لا يعرفه عن مصير النقيب ضو القمر، ثم بشان ما يعرفه عن الملازم العدناني ضارعا إلى الله إن يتغمده برحمته، مضيفا إن أباه يتلو كل يوم بعد صلاة الفجر، حرزا من القرآن الكريم على روحه"ص72، إذن الجنود ـ الأبناء ـ أيضا هم مؤمنون ويحملون الإيمان كزاد في كل مكان وفي أي ظرف، فهو يلازم الإنسان أينما كان وفي أيما حل، ولا يمكنه أن لا يكون بدون الإيمان،





إلام والأب



الرواية تتطرق إلى الهم والمحبة التي يكنها الإباء والأمهات لأولادهم، " قال الحاج: ـ لأني انتهيت من استجوابهم منذ عشرة أيام، قضيت أسبوعا بكاملة وأنا أسافر غليهم عند أهلهم، حيث كانوا يقضون الإجازات"ص 94" ـ قتيل، فلكن، وأعود به إلى بيتي قتيلا يا حضرة العقيد لان أم القتيل مهما طال بها البكاء والسهر،فإنها في النهايات الليالي، تتعب وتنام"ص95، المقطع السابق يتحدث فيه أبو النقيب ضو القمر الذي لم يستطيع الانتظار لحضور الجنود الذين تم عودتهم إلى الوطن بعد الأسر، فقرر الذهاب إلى كل واحدا منهم إلى مدينته وسؤاله عن أبه النقيب ضو القمر، والمقطع الثاني يتحدث فيه أيضا عن التعب الذي يسببه عدم وضوح مصير النقيب خالد ضو القمر، له ولامه، فهو في النهاية إنسان يتعب وتضعف معنوياته، كما أن عامل السن له التأثير على كل ما يصيب الإنسان من ضعف وعدم القدرة على الاستمرار في العطاء، فالأم التي كانت توقظ زوجها ليبحث عن ابنها في ساعات الفجر الأولى، بعد أن تقضي طيلة الليل في قلق وحيرة، لا بد أن تستريح حتى لو كانت الاستراحة صعبة وقاسية عليها وعلى زوجها، هكذا تم التحدث عن إلام والأب من قبلهما ومن الكاتب، وها هو النقيب خالد ضو القمر يقول عن أمه بطريقة غير عقلانية، اقرب إلى الحلم والخيال من المنطق، إني سقطت آخر مرة عند مشارف تل الفخار مع آخر ضوء الشمس وأخذت انظر إليه بعد أن ذهب عين فيت، عائدة إلى مكانها، فشاهدته في الأفق، كأنه غيمة من البنفسج، ما لبثت أن أطلت منها أمي، قالت: أنا علمت أن أباك هو الذي يصنع مكاتيبك لي يا خالد، فلماذا لا تكتب لي وأنا أمك، طول السنة، مكتوبين؟ قلت لها : سامحيني يا أمي. ففرحت وقالت: إياك أن تكون قد زعلت مني لأني أعاتبك يا خالد؟ قلت لها : أبدا. وسأكتب لك مكتوبا يا أمي، كل يوم. قالت أراك قد تعبت من عناء هذا اليوم يا خالد. فهل انك تريد أن تجلس لتسند راسك إلى ركبتي وتنام.فإذا الحاج صبحي يحضر. قال وهو مقطب الحاجبين: ماذا تفعل يا خالد؟ قلت له : هاأنذا وصلت لكني لا استطيع الصعود. قال لي :لكن الحج لا يكون يا خالد يوم الوقفة إلا إذا صت ووقفت في عرفة، قلت له : إني تعبت يا أبي فدعني أنام. قال : وماذا افعل أنا بالشباك وقد أمسكت به والصق خدي عليه. فسألته وأنا أتعجب: أي شباك هذا الذي تمسك به يا أبي وتلصق خدك عليه. قال شباك قبر الرسول. فانا منذ أن شاهتك عائدا إلى تل الفخار، امسك به والصق خدي عليه. وأتضرع : شفاعتك لابني خالد يا نبي الله، يا محمد. فها هو بعد أن كاد يضيع في شبعا على حدود لبنان، قد عاد في طريق تل الفخار. فقلت له دعك ممسكا بالشباك إذن يا أبي، وهات يدك الأخرى وساعدني على النهوض لأتابع طريقي إلى هناك"ص341، إننا أمام حالة فريدة من لعلاقة ما بين الابن وإلام والأب، فالأم تظهر لابنها وهو في اشد حالات الصراع مع الذات وتنقذه من الهموم والجرائر التي ترهق روحه وتأرقه، والأب يأتي للابن ليعطه الدافع والهمة لكي يستمر في طريق السليم، إلام تريد أن يجس ابنها ويضع رأسه على ركبتها، نعتقد أن التذكير فيه من العاطفة والمحبة ما يعجز الإنسان عن وصفه، وذلك لأني ونحن صغار كنا ننام على ركب أمهاتنا فهنا يعيدنا الكاتب إلى علاقة إلام بطفلها، وهنا تكون المحبة المتبادلة في أوجها، كما أن استحضار الموقف السابق ينم على أن هذا الشاب رغم البعد الزمني ما زال يرتبط بأمه بطريقة الأطفال، نعتقد أن هذا الاستحضار للام يتماثل مع الاستحضار الذي قام به الروائي الفلسطيني غسان كنفاني في رواية أم سعد، فالأم في المجتمعات العربية لها من المكانة والمحبة والاحترام والروابط ما لا يستطيع المنطق أن يستوعبه، فنحن هنا لا نقول لا أن ما أصاب النقيب ضو القمر إلا حقيقة واقعية وليس وهما أو تخيلات.

أما حضور الأب وإعطاء الابن الدوافع لرفع معنوياته وجعله يستمر في التقدم في الاتجاه الصحيح، يصب أيضا في التأثير الذي يكنه الأبناء للآباء الذين لا يتوانون ولو للحظة على تقديم كل ما يستطيعون، ونعتقد بان ذروة العلاقة ما بين العائلة تتمثل في هذا الموقف تحديدا، كما يؤكد هذا الاستحضار على الوقع الإيماني عند الأب وعند الابن معان وهذا يجعل الرواية تسير في خط تراكمي لشخوصها، فتبني على مواقف وأحداث وأعمال وأقوال قامت بها الشخصيات، ومن ثم نجد البناء الروائي يتصاعد ويتراكم ليصل إلى الذروة.





الحكم



الرواية فيها الكثير من المقولات والعبارات التي ترتقي إلى الحكم والأمثال، فها هو البدوي ذئب صائد الأفاعي يقول " لا يهرب من الذئب، سوى الغنمة. لكن الذئب لا يفترس ذئبا مثل" ص0 8 ، مثل عادي يتم تداوله في المناطق العربية لكن مثل هذا المثل جاء بمثابة عقيدة تترسخ في قلب الجندي ذئب فتكون حصنا له في المعركة وحافزا لكي يعطي أكثر.

" المسالة ليت عيني الحارس ولا مسدسه بل قلبه" ص156، هذه العبارة تشير إلى أن الإرادة والمعنويات أهم من السلاح، فرغم أن الكلام يتعلق بحادثة سرقة مخزن، إلا أن سياقها جاء ليعطي السواس مفهوم عن المعنويات وأهميتها في لمعركة.

" إذا نحن لم نقلب عنها ترابها اليابس مرة في السنة، فإنها تختنق وتموت" ص160، هذا الحديث تكلم به أب الهلالي حيث يحمل الحث على الاهتمام بالأرض وعدم تركها بور حتى لو لم يكن مردودها الاقتصادي مجدي، فهي مقولة لكي لا يترك الفلاح أرضه وان يبقيها حية،

" احسبوا للعدو حسابا وللجهل ألف حساب. إملاوا مخازن نفوسكم بالعلم فهو أفضل ذخيرة حية"ص178 " المدرسة مربض والعلم مدفع عديم الارتداد" ص179،دعوة من الجنود لكي يهتموا بالعلم والتعليم فهو الترياق الذي يشفي من المرض، كما انه الحامي والمنقذ عند الشدة والخطر.

لم أكن أريد منك يا ضو القمر سوى أن ترفع يديك فوق راسك وتستسلم. إننا لم نكن راغبين في سفك الدماء، قال لي : لكنكم كنتم وما زلتم راغبين في اغتصاب الأرض ياجدعوني، أليس كذلك؟ .... هي ليست أرضكم إلا بمقدار ما تحشدون فيها من المدافع والجنازير يا جدعوني" ص243و 244، هذه الكلمات قالها النقيب ضو القمر للجدعوني، فهي تمثل حقيقة الصراع العربي الصهيوني.



الترميز والتلاعب بالكلمات والمعاني



لقد استطاع أديب نحوي أن يستخدم الكلمات بغير معانيها وان يطرح أفكاره من خلال الرمز بحث جعل من الرواية في بعض أجزاءها اقرب إلى أدب الساخر منها إلى الأدب الواقعي، كما إن استخدام الترميز فيها والحديث عن الأحداث ـ غير منطقية ـ عندما تحدث عن النقيب ضو القمر وكيف حضرت أمه وأباه والحديث معهما جعلها تتجاوز الحدث التاريخي الواقعي وتتخطاه، هذا التمازج والتنوع في الأسلوب جعل من الرواية ذات طابع خاص وأسلوب مميز لا يمكننا أن نضعها ضمن المدارس الأدبية المعروفة، فهي رغم أنها تتكلم عن حادثة واقعية إلا إن أسلوبها وطريقة طرحها للأفكار والأحداث جعلها تتجاوز الواقعية.

" علمنا الجبال والسهول والبحار، فشاهدنا من أين تنبع وأين تصب كل الأنهار، ا نهر النفط، فهو غير مرسوم على الخريطة رغم انه أطول نهر عربي، فهو ينبع من جزيرة العرب ويظل يجري ويجري، إلا انه لا يصب في أي مكان من الخريطة" ص83، مثل هذا الترميز لم يكن ليوجد في الرواية بدون أن يكون الكاتب قد توصل إلى ذهنية واعية ومنفتحة على كافة الأساليب الأدبية لكي يأتينا بمثل هذا التصوير العقلاني، فالهم السياسي عند العربي يعيش معه ويشكل جزء مهم من مكونه الفكري، فيرد أن يعرف أين يذهب هذا النهر الجاري من الثروة العربية وأين مردوه على الأمة؟.

وبما إن الواقع التجزئة له تأثيره السيئ على المواطن العربي فها هو يتناول واقع التجزئة بصورة هزلية "قال الجبلي: أبي. أقول له كفاك عملا في التهريب من لبنان، فيقول لي: هل التهريب من لبنان تهريب العمى. كلها بلاد الشام، ونحن أهل مضايا، لا نقبل بما أقامه الفرنسيون في بلادنا من الحدود"ص196، إذا كان الهم الأول هم اقتصادي سياسي فالطرح هنا طرح سياسي اقتصادي، بمعنى أن التجزئة تلعب على خنق المواطن العربي ولا تعطيه الفسحة والأفق للحركة والترزق من خيرات الله في هذا الوطن، فكل مواطن عربي يعلم ويشعر بان الحدود ما هي أصفاد تكبله وتجعل منه أسير المخطط الامبريالي الذي سنية ب (ساكس بكيو)

من المفارقات المذهلة عندما تحدث الكاتب عن وضع جدعوني بعد سقوط ألعربته في المعركة " قال زوهار : انك إذن ربطت عنقي بعلمك الأبيض يا جدعوني؟ قال الجدعوني: ـ نعم. فهو لم يعد يلزمني بعد أن تلقيت إنذارا بأنه لا يصلح لمساعي السلام" ص232، التخلي عن راية السلام والحديث عنها بهذه الكيفية يبين لنا أن هؤلاء الغزاة لا يعرفون من السلام سوى الخداع والتضليل ليس أكثر من هذا، وهنا يجعلنا الكاتب ـ مجبرين ـ على تناول السلام الذي حدث بين دولة الاحتلال والأنظمة العربية وكيف تتعامل معها، فهي ليست أكثر من شكل لا يمت إلى جوهر السلام الذي يتردد كثيرا هنا وهناك، فالكاتب سبق الكثير من ـ القادة العرب ـ في فهم هؤلاء الذين يتحدثون عن السلام وفهم طبيعة السلام الذي يريده هؤلاء المحتلون.

وهناك مواضع تم التمازج فيها بين الحكم والخيال والترميز معا مما احدث ـ فوضى ـ في حديثنا عن الرواية، فلم نقدر أن نفرز كل المواضيع حسب صنفها أو شكلها، وهذا طبعا يشير إلى المقدرة التي يتمتع الكاتب وعلى وصوله إلى نوع من الكاتبة خاص به، فيستخدم كافة معرفته الأدبية ليخرج لنا هذا العمل، " ... رجالا يدفعون صخورا من فوق صخور وإذا بالنبع يتدفق من قلب صخور" ص324، " إني شاهدت أن الجبل لا يخون نبعه. لمن على الظامئين أن يبحثوا أين اختفت صخور الخضراء"ص326، هذه العبارات قالها النقيب ضو القمر فهي تقع بين الرمز والحكم والخيال، ولا يمكننا أن نضعها ضمن صنف معين، وهذا التنوع جعلنا في حيرة من أمرنا، وأيضا إذا تمعنا في الاقتباس السابق لا بد لنا أن نفكر ونفكر فيه كثير، يحث أن الكلمات تقع بين المفارقات الثلاث.





السخرية





ومن العلامات الفارقة في الرواية استخدام أديب نحوي السخرية في الرواية مما منح القارئ حيز من التمتع والحصول على شيء من الفكاهة رغم أحداثها الدامية، فلمقدرة على إعطاء فاكهة أدبية في موضوع الحرب والقتل ليس بالأمر اليسير أبدا، ومع هذا جعلنا أديب نحوي نبتسم ونشعر بالراحة والفرح من خلال النص" أقبلت وه8ي لا تتبختر، بل تمشي مكسورة الخاطر ومعها من مدافع تل الفخار عفو خاص" ص137،





"لقد هربوا ولم يتركوا أمامي سوى الغبار، والحفر سيدي الكابتن، كثيرة وعميقة. فإذا أسرعت سقطنا في واحدة منها قبل إن أراها. وإذا لم أسرع، أخشى إن تسقط فوقنا واحدة تخرق درع الدبابة، فماذا لو أصابتنا ونحن

عربة مسكينة تلبس درعا، سيدي الكابتن"ص138، هذه اللغة التي تقع ضمن الأدب الساخر هي ضمن مجموعة كبيرة من القدرات التي استخدمها الكاتب في روايته، ولا نستطيع أن نقول بأنه فعلا استطع على جعلنا نأخذ هذا العمل حالة فريدة في الرواية العربية فلم يسبقه احد في هذا التنوع والتزاوج في استخدام اللغة والأسلوب.

" ثم أتى دور الشيخوني

قالوا : ـ نقيبك

فقال : ـ اشوني

فجردوه من قميصه واخذوا يشونه حسب الطلب، فسقط إلى جانب الزعلان. لكن ضابط الصف العملاق لم يعجبه المكان الذي سقط فيه الشيخوني. لأنه كان قد اضطجع إلى جانب الزعلان، تماما. وجهاهما متقاربان. باللسان لا يتكلمان بالعيون لا ينظران ... وقد لقموه لذلك، على فمه ضربة بأخمص البندقية، فسقط. لكنه اتخذ وضع الرامي منبطحا، واخذ يطلق من فمه أسنانه المحطمة إدراكا، سنا بعد سن، فبكل سن يرمي طلقة" "ص104، التحدث عن عملية التعذيب للجنود العرب بهذه الشكل يعد عمل خارق للكاتب، فرغم الوجع الذي يسببه هذا الحديث للقارئ جعلنا نتقبله ونتجاوز وجعه، من خلال طرافة الأسلوب الذي استخدم، فليس المهم أن نتحدث عن الفكرة ـ رغم أهميها ـ لكن الأهم اللغة والأسلوب الذي نوصل به فكرتنا، بحيث نجعل القارئ يحصل المتعة والمعرفة معا وبدون أن يتشنج أو يمتعض من الحدث إذا كان قاسيا كما هو الحال في الموقف السابق.



لعبة الكلمات



ومن ميزات الرواية تلاعب الكاتب بالكلمات حتى بدت لنا بأنها بحد ذاتها ممتعة وتستحق أن يرجع إليها للمعرفة أو المتعة، " وزعلان يزعل لانه8 لا يشتبك. ومصباح يضيء لأنه بالنور اشتبك. وسدنة يتبددون في الجنوب، أشعة لا تلبث أن تتجمع في الشمال، وإذا بها في فم رئيس السدنة الأخر، نار. وحسن يسابق حسنا إلى خطر الموت، فأي الحسنين يا زعلان أحسن؟" ص75، مثل هذا المقطع يبن لنا مقدرة الكاتب على التلاعب بالكلمات، فهي عجينة طيعة يستطيع أن يشكل منها كل ما يجول في خلده من أفكار، ويقدمها لنا في أبهى صورة، حيث نتمتع ونحصل على فكرة ـ الخير ـ ترسخ فينا وتبقى ضمن المخزون الثقافي.

" أن المساعد الغضبان كان غضبان جدا أول الأمر" ص 146

" لا تظنوا إني أنا الرقيب المصباح لعمي، ابد أني أشاهد من مربضي كل حجر في مجال الرمي المجدي، أما مجال المحكم، فان عيني تقيسانه بالأشبار. ومدفعي كذلك عينه مفتوحة، فانظروا إليه كيف انه بوضع الاستعداد للرمي الفوري"ص171،

استخدام الألقاب التي يتداولها الناس بطرقة معكوسة، أو يجتمع اللقب مع الاسم الأعمى وهو مصباح الذي يصيب الهدف بدقة، والغضبان غضبان، لعبة فنية تضاف إلى الجمالية التي أمتعنا بها أديب نحوي في رواية سلام على الغائبين، ونحن نقول بدورنا للكاتب المتألق سلام لك وسلمت يداك وسلمت لغتك





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,092,083,832
- غوركى بين الفرد والمجتمع
- ماذا يحدث في سوريا
- قصر رغدان والقمع الادبي
- مريم الحكايا
- شوقي البغدادي
- قارب الزمن الثقيل
- أخطاء الماضي والحاضر
- الذاكرة الخصبة


المزيد.....




- مهرجان أفلام الهجرة الدولي يسلط الضوء على المهاجرين في السين ...
- مهرجان أفلام الهجرة الدولي يسلط الضوء على المهاجرين في السين ...
- الشارقة: انطلاق فعاليات وأنشطة أسبوع التراث الإماراتي
- جبل طارق.. الهوية التائهة بين أوروبا والتاج البريطاني
- مغربي ينقذ طبيبة إيطالية من الموت
- عدد مستخدمي المكتبة الإلكترونية في مترو موسكو بلغ 100 ألف شخ ...
- أول فنان عربي يشارك بحفل -أعياد الميلاد- في الفاتيكان
- رحيل الشاعر اللبناني مرشح -جائزة نوبل- موريس عواد
- المحقق كونان.. يعود من جديد في السينما
- متاحف الكرملين تستعد للانتقال إلى مبنى جديد


المزيد.....

- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - سلام على الغائبين