أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الحسين شعبان - التعذيب والإفلات من العقاب















المزيد.....

التعذيب والإفلات من العقاب


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 3827 - 2012 / 8 / 22 - 18:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



التعذيب ظاهرة مشينة وهمجية تعود إلى الماضي، حتى وإن استمرّت في عالمنا المعاصر، حيث تكاد تكون روتينية في الكثير من بلدان العالم الثالث، ومنها البلدان العربية والإسلامية، بعيداً عن المساءلة والشفافية حيث يقتضي الأمر في الدولة القانونية إنزال العقوبات بمرتكبيها، ناهيكم عن إدانتها أخلاقياً ودينياً وإنسانياً .
وإذا كانت هذه الظاهرة متفشيةً في العديد من البلدان المتخلّفة، فإن البلدان الغربية ليست بريئة منها تماماً، سواءً بتورّطها في الحقبة الاستعمارية أو خلال حروبها الخارجية واحتلالها لبلدان أجنبية أو بفرض عقوبات جماعية وحصارات دولية ألحقت الأذى بشعوب بكاملها، أو حتى في سجونها لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول العام 2001 الإرهابية التي تم استخدامها ذريعة للتجاوز على الحقوق المدنية في الولايات المتحدة والعديد من البلدان الأوروبية، في الحملة التي شنّتها على الإرهاب الدولي والتي شملت إصدار قوانين وتشريعات تتعارض مع المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، سواءً على المستوى الداخلي كما أشارت إلى ذلك تقارير صدرت عن منظمات دولية معتمدة كمنظمة العفو الدولية والفيدرالية الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، أو على الصعيد الخارجي كما حدث في سجن غوانتانامو وسجن أبو غريب والسجون السرّية الطائرة والعائمة .
وقد وصف كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة التعذيب بقوله “يعدّ (التعذيب) انتهاكاً شنيعاً للكرامة الإنسانية، إنه يقتلع صفة الإنسان من الضحية ومن مرتكب التعذيب (الجلاد) على السواء . . وإن الأمان من التعذيب حق إنساني أساسي يجب حمايته في جميع الظروف” .
يمكن القول إن ثقافة تبرير التعذيب من طرف الحكام كانت أمراً شائعاً، بل إنها اكتسبت أحياناً بُعداً مجتمعياً، فتاريخياً كانت أثينا القديمة تنظر إلى التعذيب باعتباره نظاماً مسوّغاً في التحقيق مع العبيد والأجانب لانتزاع المعلومات، ولعل ما يثير الدهشة أن فيلسوفاً عظيماً مثل أرسطو عدّ التعذيب أحد الوسائل الخمس المشروعة للحصول على الأدلة، إضافة إلى القانون والعُرف والشهود واليمين . كما لم يتردد الرومان وبعض منظريهم من وصف التعذيب بأنه “البحث عن الحقيقة باستعمال الألم والمعاناة الجسدية” .

ومورس التعذيب تاريخياً في الشرق، وشهدت الحضارات القديمة: السومرية والآكادية والبابلية والفرعونية والصينية والهندية ضروباً من التعذيب ومبررات لتسويغه، كما عرِف الإسلام بعد انتهاء الفترة الراشدية أشكالاً مختلفة من التعذيب، وهو ما دفع باحث تراثي جاد مثل هادي العلوي لكتابة بحث موسع أطلق عليه “من تاريخ التعذيب في الإسلام” . وكان القانوني عبود الشالجي قد كتب سبعة مجلّدات تتناول تاريخ التعذيب أطلق عليها “موسوعة العذاب” . ولعل الثورة الفرنسية على الرغم مما رافقها من دماء وقتل، تعتبر منعطفاً تاريخياً مهماً لمناهضة التعذيب، لاسيما بصدور إعلان حقوق الإنسان والمواطن، وذلك استناداً إلى مؤلفات مهمة سبقت ذلك، خصوصاً كتاب مونتسكيو “روح الشرائع” وجان جاك روسو “العقد الاجتماعي” وفولتير ورسالته المعروفة عن التسامح .
وفي حين تذهب الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية كما هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وإعلان مناهضة التعذيب لعام ،1975 والمدوّنة الخاصة بتنظيم سلوك الموظفين لعام 1979 ومبادئ آداب مهنة الطب لعام ،1982 وقبلها القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء لعام ،1955 والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب لعام ،1984 والبروتوكول الملحق بها لعام ،2002 والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 والذي دخل حيّز التنفيذ العام ،2002 إضافة إلى قواعد القانون الدولي الإنساني الذي يعتبر التعذيب “جريمة حرب” وقواعد القانون الدولي الجنائي الذي يعتبر التعذيب “جريمة ضد الإنسانية”، أقول على الرغم من كل هذه الكوابح التشريعية والقانونية والاعتبارات الدينية والأخلاقية والمعايير الإنسانية، فإن الإفلات من العقاب، ناهيكم عن غياب ما يقتضي من تدابير وإجراءات وقائية تكفل منع هذه الجريمة أو الحد منها، ما زال موجوداً ومستمراً وإنْ كان أوفر حظاً في السابق، فإنه لم يتوقف أو يختفي حتى الآن، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى قصور البيئة التشريعية وعدم كفالة العقاب الرادع لكل من تسوّل له نفسه اقتراف هذه الجريمة .
ولعل الاهتمام بالبحث العلمي، لاسيما العربي في موضوع التعذيب لا يزال في بداياته، ناهيكم عن قصور البيئة الفكرية والثقافية والاجتماعية التي تشكل مرتعاً خصباً للإفلات من العقاب، خصوصاً بنقص التشريعات ووسائل وآليات حظر التعذيب ومعاقبة المسؤولين عنه .
من هنا يأتي الاهتمام بمؤتمر عربي نظمته مؤسسة التميمي في تونس وقدّمت فيه 14 بحثاً أساسياً بخصوص التعذيب، واستمع المؤتمر إلى شهادات عن التعذيب أدلى بها ضحايا سبق أن تعرضوا للتعذيب بينهم شخصيات قيادية سياسية ومدنية من النساء والرجال، وفي مقدمتهم راضية النصراوي وحمّه الهمامي وعدد غير قليل من الذين تعرضوا للتعذيب . وكانت المحكمة العسكرية الدائمة في تونس قد أصدرت قراراً في 7 نيسان (ابريل) الماضي 2012 في قضية “براكة الساحل” التي شملت تعذيب ضباط سابقين في العام ،1991 وجاء في القرار لا مرور لزمن في قضية التعذيب، أي أنه لا يسقط بالتقادم .

ولعل الاهتمام بظاهرة التعذيب إزداد خلال اندلاع ثورات الربيع العربي ففي مايو/أيار 2011 نظّمت وزارة الخارجية الألمانية مؤتمراً حول التعذيب في العالم العربي وسيادة القانون، وقد ابتدأت مداخلتي في المؤتمر بأنني أشعر بحساسية خاصة لقرب هذا المكان من موقع جهاز ستازي (الأمن السياسي السرّي في جمهورية ألمانيا الديمقراطية) سابقاً وهو جهاز أشرف على تدريب الكثير من الأجهزة العربية المماثلة لدوره ومهماته ولاسيما في مجال التعذيب .
وكانت ندوة مهمة نظمتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في مطلع التسعينات قد التأمت في لندن تحدث فيها خمسة من ضحايا التعذيب في كل من فلسطين وليبيا والعراق والبحرين والسودان، ذكروا فيها شناعات لا حدود لها، وهو ما تم استنكار ما يماثلها على نحو بشع في مؤتمر مؤسسة التميمي في تونس، لاسيما شهادات الضحايا، كما تم الاستماع إلى شهادة مدير أمن سابق .
وبقدر حساسية الأمر فإنه يتطلب شجاعة خاصة للضحايا لكي يرووا ما حصل لهم، وإذا كان من يدلي بشهادته من الجلادين تطهّراً واعتذاراً، فهو الآخر بحاجة إلى وقفة جدّية أساسها: كيفية التعامل مع الجلادين لكي لا يفلتوا من العقاب من جهة، ولكي تأخذ ما نطلق عليه العدالة الانتقالية مجراها، ولا بدّ من التفريق بين العدالة الانتقالية والعدالة الانتقامية أو حتى العدالة الانتقائية، لاسيما إذا كان الهدف لا يتعلق بالثأر والكيدية، بل بكشف الحقيقة كاملة والمساءلة وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح الأنظمة الدستورية والقانونية والقضائية، خصوصاً إصلاح أجهزة إنفاذ القانون والأجهزة الأمنية بشكل خاص .
ولعل شخصية يسارية جزائرية مرموقة هو بشير الحاج علي كان قد روى في كتابه “العسف” كيف تعرّض للتعذيب، وعندما كان يصحو بعد إنزال رأسه بالمغطس وبين جلسة وأخرى، كان يردد: علينا أن نكنس التعذيب من بلدنا ومن بني البشر، وكان في ذلك يردّ على أحد الشبان الذين كانوا معه في جلسات التعذيب، حيث كان يهدد الجلادين بالانتقام بالطريقة ذاتها التي تم فيها تعذيبهم .
أذكر ذلك وقد استمعت على مدى عقود إلى شهادات عراقية حول التعذيب سواءً في قطار الموت أو قصر النهاية أو سجن أبو غريب أو غيره من السجون الكثيرة ولحقب تاريخية ولأنظمة متنوعة ومختلفة، لكن ما كان يجمعها هو ممارسة التعذيب بعيداً عن العقاب الذي تستحقه مثل هذه الانتهاكات .
وبقدر التحديات التي تواجه مسألة حظر التعذيب ومناهضته، خصوصاً الزعم بحالات الطوارئ واستمرار الفساد والمنازعات الداخلية والحروب وعدم التصديق على الاتفاقيات الدولية، فثمة ضرورات تقتضي التعاون عربياً لانجازها ونعني بها إنشاء “صندوق عربي لدعم ضحايا التعذيب” وتأهيلهم وتوفير الفرص المناسبة لهم، وتأسيس “محكمة عربية لحقوق الانسان”، خصوصاً بعد جعل الميثاق العربي لحقوق الانسان مرجعية دستورية وقانونية، والعمل على رفع الوعي الحقوقي والقانوني والتربوي بشكل عام، لاسيما وأن تعذيب الإنسان للإنسان شرٌّ لا يوصف على حد تعبير هنري ميللر .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,470,481,417
- سلطة الاعلام
- المشروعان الإيراني والتركي في العراق
- الطائفية: مقاربة قانونية وأكاديمية
- العراق: نصف لأميركا ونصف لإيران
- كي لا تطمس الحقيقة
- الربيع العربي وديناميات التأثير الإقليمي
- حكاية الدستور الثاني في العالم الحديث
- جدار برلين الثاني !
- من باليرمو إلى دوكان
- صبراً جميلاً وعزاءً حاراً لفقدان الراحل جاسم القطامي
- الثورة التونسية ومسار التغيير العربي
- المسيحيون والبيئة الطاردة
- النموذج الإسلامي
- يوسف سلمان يوسف ... فهد- الأخيرة
- الاتجار بالبشر
- يوسف سلمان يوسف ..(فهد)-( 2 – 3 )
- يوسف سلمان يوسف ... فهد ( 3 – 3 )
- تعويض الضحايا!
- يوسف سلمان يوسف -فهد-...(1 – 3 )
- زمن الفتاوى ومغزاها


المزيد.....




- الاتحاد الأوروبي يعلن عدم موافقته على مقترحات جونسون بشأن -ش ...
- فرنسا توقف 5 أشخاص دعوا لمهاجمة الشرطة خلال قمة مجموعة السبع ...
- هل يقوض التصعيد في أبين وساطة السعودية؟
- سلامة المرور والسير... ما هي أكثر الطرقات دموية في دول الات ...
- شاهد: شرطيان يضربان مريضا مقيدا في مستشفى بهونغ كونغ
- عبارة -أوروبا للبيض فقط- تطيح بدبلوماسية كرواتية
- سلامة المرور والسير... ما هي أكثر الطرقات دموية في دول الات ...
- شاهد: شرطيان يضربان مريضا مقيدا في مستشفى بهونغ كونغ
- جدل بعد تصريحات لمحمد صلاح نفى فيها التدخل لإعادة وردة المته ...
- بذريعة مكافحة الإرهاب.. الأمن المصري يقتل 11 شخصا في سيناء


المزيد.....

- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- اللاشعور بحث في خفايا النفس الإنسانية / جان كلود فيلو - ترجمة علي أسعد وطفة
- رأسمالية المدرسة في عالم متغير :الوظيفة الاستلابية للعنف الر ... / علي أسعد وطفة
- الجمود والتجديد في العقلية العربية : مكاشفات نقدية / د. علي أسعد وطفة
- علم الاجتماع المدرسي : بنيوية الظاهرة الاجتماعية ووظيفتها ال ... / علي أسعد وطفة
- فلسفة الحب والجنس / بيير بورني - ترجمة علي أسعد وطفة
- من صدمة المستقبل إلى الموجة الثالثة : التربية في المجتمع ما ... / علي أسعد وطفة
- : محددات السلوك النيابي الانتخابي ودينامياته في دولة الكويت ... / علي أسعد وطفة
- التعصب ماهية وانتشارا في الوطن العربي / علي أسعد وطفة وعبد الرحمن الأحمد
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الحسين شعبان - التعذيب والإفلات من العقاب