أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جعفر المظفر - حل المشكلة بمشكلة.. إجه يكحله عماها














المزيد.....

حل المشكلة بمشكلة.. إجه يكحله عماها


جعفر المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 3720 - 2012 / 5 / 7 - 16:52
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



يبدو حديث البعض عن مسألة المذاهب وضرورة احترام شرعيتها وخصوصياتها وتنوعها هو حديث معقول ومطلوب أيضا, فالمذهب الديني الذي يأتي التمسك به كحق أساسي من حقوق الإنسان لا يجوز منع الانتماء له أو ممارسة تعاليمه في العبادات والأخلاقيات العامة أو التضييق عليه إلا إذا عبر عن نفسه بصيغ إلغائية أو عدوانية أو عنصرية أو خارجة على مصلحة البلد ومتقاطعة مع سيادته. وكذلك فإن البحث عن المظالم المذهبية هو بحث مشروع لغرض إزالة تلك المظالم لكن على شرط أن لا يكون وسيلة لتأسيس نظرية طائفية سياسية مقابلة أو لتبرير طائفية قائمة لأن ذلك هو نوع من رد الفعل الذي قد ينتج ضررا أكثر من ضرر الفعل نفسه.

إن المجتمع المدني العلماني لا يفترض غيابا كاملا للموروث الطائفي ولا اختفاء كاملا للطائفيين, بل يفترض وجود تراكمية حضارية من شأنها أن تحاصر الثقافة الطائفية وتحد كثيرا من تأثيراتها على قوانين الدولة المدنية وحقوق الإنسان فيها بغض النظر عن انتمائه المذهبي أو الديني أو القومي.
لكن هناك أيضا ثمة أخطار يمكن أن تبرز حينما يكون البحث عن هذه الممارسات المذهبية الخاطئة قد جرى بشكل غير محايد وبطريقة تأخذ فقط الأخطاء على الجهة المقابلة دون حساب للأخطاء المرتكبة على جهة الباحث نفسه, ولو جرى البحث بطريقة محايدة وبأقصى حذر وخوف من ارتكاب الأخطاء لأمكن وضع اليد على كثير من الأحداث التي لا يمكن أن تكون نشأت إلا لكونها رد فعل على فعل كان هو بالأصل رد فعل, قبل أن يتحول بفعل الزمن إلى فعل قائم بذاته ولذاته وكأن لا علاقة سابقة بالفعل الذي أنتجه.

سياسيا يبدو الكثير مما يكشفه الجانب السلبي في العلاقات الشيعية السنية يتحرك في هذه الدائرة المغلقة من الفعل ورد الفعل الذي صار من الصعب كسر حلقة منها للخروج بالإنسان العراقي من ضغوطات موروثها الذي هو على أبواب أن يبلغ الألف ونصف من عمره. وما يجعل هذه المهمة صعبة أو حتى مستحيلة هو كونها تدور في دائرة المقدس, وكونها أيضا تراكمت بأشكال كادت أن تنفخ في المذاهب وتضخم جانبها السياسي بشكل جعله يطغى على جانبها الفقهي لتحولها بالتالي إلى أديان جديدة لا علاقة لها حقيقية بالدين الذي نشأت منه. وكونها أيضا أصبحت جزء من ثقافة سياسية إقليمية يدور حول محورها حسم الكثير من المعارك الإستراتيجية التي لا علاقة حقيقية لها بالدين بل بمصالح البلد الذي يحمل رايته وبأهواء قادته وأحلامهم الذاتية.

إن فترة الألف وأربعمائة سنة من الصراعات الدموية المتراكمة كانت قد حولت مذاهبنا الدينية وبفضل من السياسة والمؤسسات الدينية وصراعات السلطة إلى أديان جديدة لا علاقة لها بجوارها المذهبي إلا من خلال تواريخ مثقلة بالخصومة, وإلا كيف يمكن أن تعجز المشتركات الأخلاقية الدينية عن غربلة التاريخ العقائدي للعلاقات المذهبية لتنقيته على الأقل من متراكماته المؤذية.
وفي تاريخ العلاقات المسيحية اليهودية ظلت قضية مقتل السيد المسيح قضية محورية ومركزية تتحكم بالجانب السلبي لهذه العلاقات والتي كان من شأنها أن تساهم كثيرا في خلق حالة العداء لليهود التي تسيدت المجتمع الأوروبي المسيحي لفترات تاريخية طويلة. لكن ذلك لم يلبث أن راح إلى نهاية حينما صدر بيان الكنيسة البابوية لتبرئة اليهود من دم المسيح. ولقد حدث هذا بين دينين مختلفين, أما نحن فإن قضايا الخلاف المعمدة بالدم ما زالت تشكل مصدرا أساسيا للتثقيف الطائفي السياسي بما يجعل التصالح المذهبي أمرا بعيد المنال.

وفي العراق بشكل خاص فإن إعادة بناء الثقافة المذهبية بشكل جديد بحيث يجري تشذيبها من بواعث الاقتتال وإحياء الثارات ولغرض التقريب بين المذاهب هي مسألة هامة, لكن الأهم منها بكثير هو إقامة الدولة والمجتمع المدني الذي يبعد الدين عن الدولة ويعفي المجتمع من حاجته لصراعات مذهبية أثبت التاريخ أن لا قدرة له على حلها, وسيكون من أول شروط هذا البناء هو تحريم قيام أحزاب دينية ومذهبية والتي من شأنها أن تكون مرتعا خصبا لمنع التطور من جهة وميدانا حيا لإعادة إنتاج الخلافات والتمزق الاجتماعي.
وفي كل الأحوال فإن ذلك لن يتضمن منع الممارسات والنشاطات الخاصة بكل دين أو طائفة إلا أنه بكل تأكيد يمنع أن يجري ذلك في الميادين المشتركة التي يسمح فيها للنشاطات العامة وحدها والمتأسسة على ثقافة المجتمع المدني العلماني التي تساوي بين الجميع والتي ستكون مذهبا لجميع المذاهب.

صحيح أن تجربة الدولة المدنية العلمانية التي كانت تأسست في فاتحة العشرينات من القرن الماضي لم تؤدي إلى غياب كامل للثقافة الطائفية, لكن بوجود كل ما قيل وما قد يقال من ممارسات طائفية سابقة فإن نجاح هذه التجربة لا يمكن أن يقاس بمعزل عن قياس تأثير أكثر من ألف وأربعمائة سنة من الصراع الدموي المتواصل الذي لم يكن مقدرا لإلغائه أو محاصرته إلا بمعجزة أسمها الدولة العلمانية المدنية. وليس من الحق أن يجري طرح منجزات تلك الدولة أو إخفاقاتها بمعزل عن كونها كانت قدمت حلا مقتدرا لمشكلة تاريخية عميقة ومستفحلة وقابلة للاستثمار داخليا وإقليميا ودوليا.

وإذا كان صعبا علينا أن نتفق على أن الدولة المدنية العلمانية السابقة كانت خالية من الممارسات والثقافة الطائفية, فإن من المستحيل علينا أن نتفق بالمقابل على أن حل المشكلة يكون من خلال مشكلة بدلا من أن يجري حلها بحل هو في خلاصته مزيدا من التمسك بالدولة العلمانية والعمل من داخلها على رصد كل ما له علاقة بالطائفية لغرض تجريمه وتحريمه والقضاء عليه.
إن حل المشكلة بمشكلة هو التعبير بالفصحى عن المثل الشعبي المشهور.. إجه يكحلهَ عماها.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,554,713,471
- أعظم مفقود وأهون موجود.. دعوة لتشكيل حزب بإسم حزب الماء
- المظلومية الشيعية.. ظلم للشيعة قبل أن تكون ظلما لغيرهم
- البعثي الصفوي... الذي هو أنا
- أحاديث عن الطائفية... المظلومية الشيعية
- العمالة والخيانة بين فقه الدين السياسي وفقه الدولة الوطنية
- للمهاجرين العراقيين فقط
- سوريا والعراق.. حديث الصورة والمرآة
- من بشار الأسد إلى عرعور المستأسد.. يا لها من مأساة
- قراءات خاطئة جدا جدا لمواضيع صحيحة جدا جدا.. القراءة الثانية
- قراءات خاطئة جدا جدا لمواضيع صحيحة جدا جدا.. القراءة الأولى
- التحالفات السياسية وخطاب البارزاني الأخير
- في المسألة المشعانية* والقضاء العراقي الممشعن
- العملية السياسية وخطاب البارزاني الأخير... 1
- الإيمو... المجتمع حينما يقتل نفسه
- الطائفية.. حينما ينفصل السياسي عن الأخلاقي وحينما يتناقضان
- الشعب العاري وحكاية نوابه المصفحين
- الطريق إلى قاعة الخلد والتجديد المفتوح لرئيس الوزراء
- العراق بين حروب القرار وحروب الاستجابة
- الهاشمي.. قضيته وقضيتنا .. القسم الثاني
- الهاشمي .. قضيته وقضيتنا


المزيد.....




- بالفيديو.. وفد من المنتخب السعودي يزور المسجد الأقصى
- الخارجية الفلسطينية: الاحتلال الإسرائيلي يجند الأعياد الديني ...
- المسجد البابري تحت الضوء مجددا.. الهند تشدد القيود الأمنية ق ...
- الفاتيكان: أحداث سوريا أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية ...
- الفاتيكان: أحداث سوريا أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية ...
- المنتخب السعودي يدخل المسجد الأقصى (فيديو)
- مرصد الإفتاء: العدوان التركي على الأراضي السورية تسبب في هرو ...
- السلطان والشريعة.. هل انقطعت الصلة بينهما في العالم العربي؟ ...
- هل انتقل مسلحو القاعدة والدولة الإسلامية إلى بوركينا فاسو؟
- قراءة معمارية للأفكار الصوفية.. ما علاقة الإسلام بفكر التنوي ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جعفر المظفر - حل المشكلة بمشكلة.. إجه يكحله عماها