أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - أدب السجون في العراق: جدار بين ظلمتين مثالاً















المزيد.....


أدب السجون في العراق: جدار بين ظلمتين مثالاً


عدنان حسين أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 3503 - 2011 / 10 / 1 - 10:50
المحور: الادب والفن
    


سلسلة محاضرات مؤسسة الحوار الإنساني بلندن (6)

بادئ ذي بدء لابد من الإشارة إلى أن موضوع "أدب السجون في العراق" الذي نحن بصدده الآن يتألف من بحثٍ طويل يتضمن تحليلاتٍ مطولةً لأربعين عملاً أدبياً يتوزع بين الرواية والسيرة الذاتية وكتب المذكرات". ولكي أحيطكم علماً بالمواد الرئيسة التي تؤلف متن هذا البحث الطويل أجد نفسي مضطراً للإشارة إلى بعض هذه الروايات والسير الذاتية والمذكرات من بينها "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف، و "مدينة من رماد" لفاضل العزاوي، و "نصف الأحزان" لعبد الستار ناصر، و "دابادا" لحسن مطلك، و "إعجام" لسنان أنطون، و "ليلة الهرير في قصر النهاية" لأحمد الحبّوبي و"جدار بين ظلمتين" لبلقيس شرارة ورفعت الجادرجي مدار بحثنا ودراستنا.

تعريف السيرة الذاتية
لا يزال مصطلح " السيرة الذاتية " مُشوّشاً، يكتنفه اللبس والغموض، ليس بسبب صعوبة تأويله، بل لكونه جنساً أدبياً زئبقياً، غير متعيّن، ولا يميل إلى السكونية والاستقرار. وهذا الحراك النوعي متأتٍ من كونه الفن الأدبي الأكثر مرونة، وقدرة على التراسل مع بقية الفنون القولية، والإفادة منها وذلك لقربها من أنواع أدبية محايثة لها " كرواية السيرة الذاتية، والمذكرات، واليوميات، والرسائل، والشهادات، والمحاورات، وقصيدة السيرة الذاتية." كما يذهب الناقد حاتم الصكر. وقبل الوصول إلى تعريف محدّد للسيرة الذاتية لا بد لنا من التفريق بين السيرة الذاتية، التي يتطابق فيها المؤلف والشخصية والسارد إلى الدرجة التي يمكن فيها تذييل النص بعبارة " أنا الموقِّع أدناه "( )، وبين " السيرة الغيرية " التي تُكتب عن شخص بارز ومبدع في أي حقل من الحقول الأدبية والفنية والفكرية والسياسية والعلمية وما إلى ذلك. فالسيرة الذاتية لا يُخشى عليها من التداخل مع السيرة الغيرية حسب، وإنما يُخشى عليها من الخلط بينها وبين التاريخ والمذكرات واليوميات والرواية. فالسيرة الذاتية بوصفها جنساً أدبياً بحسب فيليب لوجون هي " حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفه خاصة " ( ). ومن أبسط تعريفات السيرة الذاتية هو تعريف ستاروبنسكي حيث يقول: "هي سيرة شخص يرويها بنفسه"( ) كما يرى الباحث أنيس المقدسي " أن فن السيرة نوع من الأدب يجمع التحرّي التاريخي والإمتاع القصصي."( ).

السيرة المزدوجة
تنفرد السيرة الذاتية التي كتبها كل من بلقيس شرارة ورفعت الجادرجي والمعنونة بـ " جدار بين ظلمتين " على أنها سيرة ذاتية مزدوجة قائمة على بنية "التوازي والتداخل"، إذ اشترك كلاهما في كتابة الفصول الأربعة التي تؤلف متن النص، حيث كتبت بلقيس الأجزاء الأُوَل من الفصول الأربعة، ثم كتب رفعت بموازاتها الأجزاء الأربعة الأُخَر التي تداخلت في السياق العام للسيرة الذاتية "المُزدوَجة" التي يكمّل بعضها بعضاً. وهي أول نص سير- ذاتي يوثّق في آنٍ واحد لتجربة متوازية ومتداخلة من داخل الظلمة وخارجها. فالسجن الداخلي مُحدَّد ومعروف، والسجن الخارجي غائم، وهلامي، وغير متعين. ويتصف السجن الخارجي بقسوة ربما لا تقل فظاظة وإيلاماً من السجن الداخلي الذي يُجرَّد فيه السجين من مجمل حقوقه الإنسانية بهدف استلابه، ومَحْقه، وتركيعه. غير أن هذه السيرة الذاتية المزدوجة تقع في تناقض واضح في التعريف من قبل مؤلِفَيها. فبلقيس تصفها بـ "سيرة ذاتية واقعية"( ) بينما يصفها رفعت الجادرجي بـ "المذكرات" ( ) وكما أسلفنا فثمة فرق، واضح ولو كان ضئيلاً، بين السيرة الذاتية والمذكرات. يقول الناقد الفرنسي جورج ماي في هذا الصدد: "إننا كلما أوغلنا في البحث عن الحدود الفاصلة بين السيرة الذاتية والمذكرات ازددنا يقيناً من أنها زئبقية وغائمة"( )، فقد تتحوّل السيرة الذاتية إلى مذكرات كما هو حال "الشعر والحقيقة"، سيرة الشاعر الألماني غوته، وهناك العديد من كتب المذكرات التي انطوت على ملامح السيرة الذاتية. وكما أشرنا سلفاً فإن السيرة الذاتية تركِّز على مسار الشخصية، وتكوينها، والأحداث التي عاصرتها، بينما تهتم كتب المذكرات بالأحداث التاريخية والمعاصرة على حد سواء، وصنّاعها، ومفجّريها، ويكون بؤرة نصه المذكراتي الأحداث التي شاهدها المؤلف أو عاصرها أو ساهم فيها. ومن هنا فلا غرابة أن تكون المذكرات الشخصية مرادفة للشهادة على العصر. غير أن صفة هذه السيرة المزدوجة أنها كُتبت من قبل شخصين، هما رفعت الجادرجي وزوجه بلقيس، وعلى الرغم من التماهي الواضح بين الشخصيتين إلاّ أن زاوية النظر لكل منهما مختلفة عن الآخر لأن الضحية _ السجين يصور الظلمة من داخل جدران السجن، بينما تصوِّر الضحية الطليقة الظلمة المهيمنة على الخارج. وهكذا تتعاقب الوقائع، وتتوالى الفصول لترسم صورة حقيقية صادقة من تاريخ العراق الذي عالجته السيرة الذاتية للمدة من16 كانون الأول 1978 حتى أواخر عام 1982.

الخزين المرجعي السياسي في العراق
يكشف التمهيد الذي كتبه الدكتور رفعت الجادرجي لـ " جدار بين ظلمتين " أن العراق يفتقر إلى الخزين المرجعي السياسي وذلك لأسباب عديدة لعل أبرزها هو غياب الجو الديمقراطي، وانعدام التعددية الحزبية، وهيمنة السلطتين الدينية والدنيوية، وأسباب أُخَر معروفة. إن ما يهمنا في هذه السيرة الذاتية هو الاختراق الذي حققه الكاتبان للجدار الصلب الذي يفصل بين الظلمتين، حتى لو جاء هذا الاختراق متأخراً بعض الشيء. فقد أخلي سبيل الدكتور رفعت الجادرجي في أواخر عام 1982، بينما شرع المؤلفان يكتبان هذه السيرة الذاتية عام 2001، ولا يمكن أن نبرر هذا التسويف إلاّ بخشية الجادرجي وزوجته من ملاحقة السلطة الفاشية التي لم تكن تتورع من اغتيال أية شخصية معارضة لها، فكيف ستتعامل مع الكتاب والأدباء والمفكرين الذين ينوون فضح جرائمها، وتعرية سلوكها القمعي الذي ألحق ضرراً بليغاً بمختلف شرائح ومكونات الشعب العراقي.
لم ينتمِ د. رفعت الجادرجي إلى تنظيم سياسي محدد، ولكنه يمتلك موقفاً ذاتياً من السياسة العراقية بشكل عام، وله وجهات نظر بمختلف الظواهر الاجتماعية التي يؤسس عليها الحراك الاجتماعي في العراق، لذلك لا تخلو هذه السيرة الذاتية التسجيلية التي ترتقي إلى مستوى الوثيقة من موقف سياسي واضح المعالم يستنكر فيه الجادرجي وزوجه " أي نوع من السلطوية على إرادة الإنسان، سواء أكانت من مصدر علماني أو ديني. "( ).

مصادفة البداية والنهاية وقصدية المتن
يحتاج أي جنس أدبي إلى هيكل معماري يرتكز عليه النص. وهذه السيرة الذاتية، على وجه التحديد، ترتكز على قصة واضحة المعالم لكنها لا تستجيب للمنطق العقلاني، ليس لأن الكاتبين مقصران، أو لا يتوفران على أدوات فنية قادرة على صناعة نص سيري ناجح، بل لأن النظام الشمولي في العراق استند إلى عذرٍ واهٍ جداً اعتبره قرينة إثبات أو دلالة جرمية على الضحية. وقد أدّت المصادفة دوراً أساسياً في وضع رفعت الجادرجي خلف قضبان السجن مدة عشرين شهراً من دون أن يرتكب ذنباً أو مخالفة قانونية يحاسب عليها القانون العراقي. وإذا ما عدنا إلى بيت القصيد فإننا سنكتشف باختصار شديد أن الحكومة البريطانية قد اعتقلت شخصين من عناصر الاستخبارات العراقية اللذين تورطا في اغتيال عبد الرزاق النايف، رئيس الوزراء العراقي الأسبق، في لندن. وقد فشلت مساعي السلطات العراقية كلها في إخلاء سبيل المُجرمَين على الرغم من اتصال الحكومة العراقية بمارغريت ثاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية، والتي اعتذرت بدورها، لأن القضاء مستقل، وليس هناك من يؤثر على السلطة القضائية في بريطانيا. لذلك اتخذت الحكومة العراقية قراراً أحمق واعتقلت، عن طريق المصادفة أيضاً، سبارك، مدير شركة ويمبي الذي صادف أن يكون موجوداً في أحد فنادق الدرجة الأولى. وعن طريق المصادفة أيضاً في أثناء سير التحقيق، قال إنه يعرف الدكتور رفعت الجادرجي، بوصفه مهندساً معمارياً مشهوراً، وشخصية عراقية مرموقة، وتنتمي إلى عائلة معروفة تقترن في الأغلب الأعم باسم كامل الجادرجي، مؤسس الحزب الوطني الديمقراطي. وقد أورد اسمه في سير التحقيق مُعتقداً أن مجرد ذكر شخصية معروفة، وذات سمعة طيبة ستخفف عنه الضغط النفسي الذي كان يعانيه بسبب التحقيقات المتواصلة. ولم يسلَمْ لا سبارك ولا الجادرجي من عقوبة السجن، إذ أُعتقل كلاهما في سجن المخابرات في البدء، ثم تحولا إلى نزيلين في سجن "أبو غريب" حيث مكث الجادرجي نحو عشرين شهراً، ثم أُفرج عنه بالمصادفة من قبل "القائد المُستبد" عند لقائه أحد المسؤولين المهمين في الدولة عندما اقترح عليه إناطة هذه المشاريع بأكفأ مهندسَين معماريَين في الشرق الأوسط. وعندما استفسر الطاغية عن المانع في تكليف هذين المهندسَين أجابه المسؤول: " سيدي واحد جوّة، والآخر برّه " ويقصد بذلك رفعت الجادرجي في السجن، والآخر المعماري محمد مكية خارج العراق، فقد ترك العراق منذ بداية السبعينات. فأجاب الرئيس: "الجوّة نطلعوا، والبرّة نجيبوا"( ) وهذا يعني أن الطاغية لم يُخلِ سبيل الجادرجي عطفاً عليه، أو تقديراً لإنجازاته العمرانية والإبداعية، وإنما لحاجة النظام الشمولي إليه كي يعيد تخطيط بغداد، وينفّذ بعض المشاريع المهمة التي تجعل من بغداد عاصمة متطورة لا تختلف عن عواصم العالم المتحضر. لذلك التفت صدام إلى طارق حمد العبد الله، رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، وأمره أن ينهِ قضية رفعت، ويخلي سبيله بعد أن صادر حريته طوال عشرين شهراً. وكان الجادرجي قد قطع عهداً على نفسه أن يغادر العراق قبل يوم من موعد عقد مؤتمر عدم الانحياز، كما لم يُخفِ على المسؤولين العراقيين عزمه على ترك البلد في الطائرة التي سوف تجلب الوفد الأول من وفود مؤتمر عدم الانحياز.

إرهاب السلطة وذعر الأبرياء
يعترف عبد الرحمن منيف أن "تحشيد القوى من أجل فضح ظاهرة السجن السياسي، بهدف تدميرها، قضية تفوق في أهميتها أي ظاهرة أخرى، لأن الوطن ليس مكاناً فحسب، إنما هو، وفي الدرجة الأولى، مواطن حر، مواطن غير خائف، مواطن مصونة كرامته وحقوقه."( ). ولو تمعّنا جيداً في محنة الإنسان العراقي المعاصر في الأقل لوجدناه مواطناً مُستَلباً، خائفاً، مذعوراً من السلطة القمعية من جهة، ومبالغاً في التفريط والتنازل عن حقوقه الشخصية التي يُفترض أن يكفلها الدستور من جهة أخرى. إن سلطة البعث الفاشستي استطاعت منذ وصولها إلى سدة الحكم أن تبني جداراً شاهقاً من الخوف لم يستطع العراقيون أن يقوّضوه طوال حكم الطاغية لأسباب نفسية تستدعي دراساتٍ معمقةً في هذا الجانب لأن السلطة لم تكتفِ بالقبض على المجرم الحقيقي، وإنما كانت تستهدف الأبرياء الذين لم يرتكبوا جُرماً أو إثماً أو مخالفة قانونية، وكانت تزج بهم في السجون والمعتقلات لسنوات طوال، بل كان بعضهم يواجه عقوبة الإعدام شنقاً حتى الموت، أو رمياً بالرصاص، أو صعقاً بالتيار الكهربائي، أو تسميماً، أو تذويباً في أحواض الأسيد لأنه وقف إزاء هذه السلطة الغاشمة، ولم ينسجم مع أهدافها وتوجهاتها وأطاريحها الشوفينية مثل عبد العزيز العقيلي الذي سُمّم لأنه رفض التعاون معهم، وامتنع عن المشاركة في الحرب العراقية- الإيرانية، أو الكرد الذين أعدموا قبل إصدار العفو العام ببضعة أيام. وهناك من اختطفوا في الخارج وزُجَّ بهم في السجون مدة طويلة مثل المترجم عطا عبد الوهاب الذي أمضى ثلاثة عشر عاماً في السجن لأنه كان مختلفاً معهم، ومعارضاً لتوجهاتهم الفكرية، أو الدكتور رفعت الجادرجي الذي لم يعرف هو نفسه الأسباب الحقيقية الكامنة وراء اعتقاله مدة عشرين شهراً على الرغم من اتهامه " بالتخريب الاقتصادي والوطن في حالة حرب دائمة مع إسرائيل! ". فلقد كشفت سير التحقيق أن الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر لم ينسَ الشخصيات التي رفضت التعاون معه، وربما تكون برودة استقبال الجادرجي لفكرة تعاونه مع الحكومة العراقية عن طريق المكتب الاستشاري العراقي هي أحد الأسباب التي دفعت السلطة لاعتقاله. وربما يكون سعدون شاكر، مدير المخابرات السابق، ووزير الداخلية، هو السبب الرئيس في سجنه لأسباب كيديّة، وطبقية تتعلق بالفوارق الاجتماعية والعلمية، ففي الوقت الذي كان فيه د. رفعت الجادرجي مهندساً معمارياً لامعاً طبقت شهرته الآفاق كان سعدون شاكر مجرد "حرَس في مطار المثنى" الذي كان يشرف على صيانته وتطويره الدكتور رفعت نفسه منذ ستينات القرن الماضي. وربما تكون مركبات النقص الأُخَر التي يحملها سعدون شاكر وغيره من المسؤولين البعثيين الذين كانوا يتذمرون لأسبابٍ مرَضية من الشخصيات الوطنية العراقية الكبيرة مثل كامل الجادرجي الذي كان رئيساً للحزب الوطني الديمقراطي فحاولوا الانتقام من الأب عن طريق الابن، بل ربما يكون انتماء نصير الجادرجي، شقيق رفعت، إلى الحزب الشيوعي العراقي هو السبب غير المباشر في اعتقاله لأن حاكم التحقيق صادق سالم خاطبه في أثناء المحاكمة الصورية " أسكت، أليس أخوك شيوعياً؟ "( ) وربما يكون رفعت الجادرجي نفسه ضحية لإرهاب السلطة التي كانت تتهم الأبرياء لتخيف السواد الأعظم من الناس وتروّعهم. لقد نجحت السلطة الفاشية في تحويل المواطنين العراقيين إلى كائنات معرّضه لدخول السجن في أية لحظة ما دامت التُهم جاهزة، وأن التلفيق جارٍ على قدم ٍ وساق، وأن الأعين السرّية مبثوثة في كل مكان تراقب الناس الأبرياء، وتحصي عليهم أنفاسهم في "جمهورية الرعب والخوف".

الكتابة الحميمية
يسمّي النقاد الكتابة الحميمية بـ " كتابة الذات " وهم يقصدون من دون شك كتابة السيرة الذاتية الخالصة التي تتخذ من الذات الفردية محوراً لها، بحيث تستقطب هذه الذات الأضواء كلها، ولا تترك إلاّ أضواءً هامشية باهتة للذوات الأُخَر التي لها علاقة بالكائن السيري. ولهذا فقد انتبه الروائي عبد الرحمن منيف إلى ملاحظة مهمة جداً توضح انتباه رفعت الجارجي ليس إلى ما عاناه هو فقط، بل إلى ما رآه، ودوّنه من معاناة الناس الآخرين الذين شاركوه في محنة السجن بشقيها في سجن "المخابرات" الأكثر قسوة، وسجن "أبو غريب" الذي يعد متنفساً لمن عانى مصاعب وويلات سجن المخابرات، وما ينطوي عليه من تحقيقات تفضي في أغلب الأحيان إلى تعذيب وحشي هدفه تحطيم إرادة السجين، ومسخه، وانتزاع اعترافاته بقوة التعذيب المفرطة. ولو تتبعنا الأشهر الأربعة الأُوَل التي قضاها رفعت الجادرجي في سجن المخابرات لاكتشفنا أن سير التحقيق معه لم يخرج عن إطار علاقته بشركة "ويمبي" ورئيسها سبارك، وقد كرر رفعت سرد هذه القصة عدة مرات إلى الدرجة التي بات يشعر هو نفسه بالملل من تكرارها. ولولا التنويعات الأُخَر التي كان الجادرجي يظنها ثانوية أو تقع ضمن إطار التوقعات البعيدة أو السريالية مثل طبيعة علاقته الشائكة والمريبة بسعدون شاكر، أو معرفته العابرة بأحمد حسن البكر، وسواها من المواقف التي كانت تربطه ببعض الأصدقاء والمعارف والمسؤولين الذين كان يتواصل معهم اجتماعياً عن طريق أخيه نصير أو بواسطة والده الجادرجي الذي كان شخصية سياسية واجتماعية عامة، لولا هذه التنويعات لكانت هذه السيرة الذاتية مبتسرة، ومحدودة، وتتحرك في أفق ضيق. غير أن رفعت الجادرجي قد انتبه في أثناء كتابة هذه السيرة الذاتية إلى أهمية معاناة الذوات الأُخر في رسم مشهد واقعي عريض لمعاناة العراقيين التي رصدها المؤلفان خلال السنوات الأربع التي مثلت زمن النص السيري. ومن حسن حظ رفعت الجادرجي أنه كان يمارس هواية التصوير الفوتوغرافي والتي شغلت جزءاً كبيراً من حياته، بعد الهندسة المعمارية طبعاً، بحيث أتاحت له الفرصة لرصد الكثير من التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها غير المصوِّر الفوتوغرافي أو صاحب العين المدربة القادرة على الرصد والالتقاط.
يستطيع قارئ هذه السيرة الذاتية أن يتتبع حيوات الضحايا الآخرين بدءاً من الفصل الثاني الذي عنونه رفعت "في ظلمة المخابرات". فبعد أن يزودنا المؤلف بأغلب المعلومات المتعلقة به شخصياً، وينقل إلينا هواجسه وهمومه ومخاوفه الحقيقية، سواء تلك التي يبوح بها أو التي يفكر فيها بصوت عال، نتعرّف إلى شخصيات أُخَر تنتمي إلى مختلف شرائح الشعب العراقي وقومياته وأطيافه. ففي الزنزانة "26" يصادفنا حامد الحلاوي الذي تعلّم على "آداب الخِوان" في السجن، و حمه، الشاعر الكردي المطّلع على الفكر الماركسي بشكل عميق، والذي أوقعه حظه العاثر بأيدي المخابرات فحولوا جسده إلى خرقة بالية من التعذيب، وباسل المسيحي الذي لم يتعرّض إلى إرهاب السلطة مسبقاً، ولم يكن يتصور نفسه ذات يوم وهو يعيش في زنزانة مظلمة، وأبو كرم، صاحب شركة نقليات السفر بين بغداد والمدن الشمالية، وسامر السوري الذي لم يسلم من تحرشات أبي كرم الليلية، وعزيز الذي سجن خمس عشرة سنة لأنه كتب في إحدى رسائله أن الحياة في العراق قد أصبحت لا تُطاق! وأبو علي الراعي المنافق الذي جاؤوا به من تخوم الصحراء الغربية في العراق، وعشرات الأشخاص الذين كانوا يلجون الزنزانة ويخرجون منها إما إلى حبل المشنقة أو سجن أبي غريب. وبواسطة هذه النماذج كنا نرى صورة الشعب العراقي المقموع والمُصادَر لأتفه الأسباب. وربما تكشف الحلقة المقرّبة من الدكتور رفعت الجادرجي عن متن النص السيري أو بؤرته الحقيقية، والتي تضم فريق العمل الذي يتألف منه المكتب الاستشاري العراقي وهم محمد، محامي المشروع، والمسؤول عن متابعة الجوانب القانونية والمالية، وعدنان المكلّف بمراجعة الدوائر الرسمية، وزهير المقاول الثانوي الذي يتولّى تنفيذ بعض المشاريع التي تُسند إليه. إضافة إلى الضحايا المبثوثين سواء داخل أقبية المخابرات أو في زنزانات "أبو غريب" أو مَن هم في طور التحقيق المتواصل. هؤلاء الناس جميعاً يمثلون بنية النص السيري من "داخل العتمة" في حين أن أسرة الجادرجي المؤلفة من زوجته بلقيس، وأمه، وأشقائه، وأقربائه، وأصدقائه، ومعارفه العابرين يؤلفون بنية النص من "خارج العتمة". والعتمة هنا تخضع للتدرّجات اللونية، وتكون على أشدها في ظلمة المخابرات، ثم تخف وطأتها في "أبي غريب" وتتضاءل خارج إطار السجون الداخلية، على اعتبار أن العراق قد تحوّل إلى سجن كبير، وبالتالي فإن العتمة الخارجية يجب أن تتناسب مع مساحة العراق الكبيرة.
تكشف هذه السيرة الذاتية عن وحشية السلطة القمعية في العراق، فإذا تجاوزنا قسوة السجن، وفظاظة أمكنته الضيقة، وبربرية الجلادين، فإن هناك جانباً يجب ألاّ يغيب عن القارئ الحصيف، وهو أن قدر المثقفين العراقيين أن ينجزوا أعمالهم الإبداعية في ظلمة هذه السجون. فمن يصدّق أن الدكتور رفعت الجادرجي قد أنجز أهم كتبه في سجن "أبو غريب"، وهذه الكتب هي كالآتي "صورة أب" عن والده المرحوم كامل الجادرجي، و "شارع طه وهامر سميث، والأخيضر والقصر البلوري، وجدلية العمارة أيضاً؟ ومن جانب آخر تلفت هذه السيرة الذاتية انتباهنا إلى مترجم بارع، ومتمكن من اللغتين العربية والإنجليزية، الأستاذ عطا عبد الوهاب الذي ترجم أهم مسرحيات شكسبير في عتمة "أبو غريب" وهو الأديب العراقي السجين الذي مكث في سجون البعث نحو ثلاثة عشر عاماً.
إن تأسيس الخزين المرجعي فكرياً وسياسياً وثقافياً سوف يساهم من دون شك في ترسيخ ثقافة عامة لدى المواطن العراقي الذي يجب أن يعرف ما له وما عليه كي لا يفرِّط في حقوقه الطبيعية في العيش الكريم، ولا بد من أن تفضي هذه المعرفة بتقويض السجون والمعتقلات أو التخفيف من عتمتها في الأقل.

*نص المحاضرة التي ألقاها الباحث عدنان حسين أحمد في مؤسسة الحوار الإنساني بلندن في 28/09/2011 وقد ساهمت الدكتورة جبرا الطائي في تقديم الباحث وإدارة الندوة التي فعّلها عدد من السادة الحضور بينهم سمير طبلة، رافد الجبوري، رسول الصغير، د. عبد الله الموسوي، بدور الددة وعبد المنعم الأعسم.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,909,625
- تريّيف المدينة العراقية
- الدكتور حميد الهاشمي يتحدث عن -عجلة المدنية وعصا العشائرية-
- المبالغة والغرور
- تحيّة لدار الشؤون الثقافية العامة
- الروائي زهير الجزائري في أمسية ثقافية بلندن (3)
- إلى السيد نوري المالكي، رئيس مجلس الوزراء المحترم
- شركة الناصر للطيران
- الأحزاب الدينية والسينما العراقية
- الشخصية المنشطرة وتعزيز الأمكنة الافتراضية
- الحقوق المائية
- رواتب البرلمانيين العراقيين
- القرصنة والابتزاز
- مُحفِّزات أعمال الشغب والعنف في بريطانيا
- الجادرجي في أمسية ثقافية بلندن يتحدث عن تأثير ثورة 14 تموز ع ...
- صلاح نيازي يرصد التغييرات التي طرأت على الأدب والفن بعد ثورة ...
- عبد المنعم الأعسم يتحدث عن ثقافة التسامح
- تحديات الإعلام العراقي في الداخل والخارج
- الصدمات و الكراهية في السياق العراقي
- قاسم حول: -المغني- فيلم متميز في مضمونه وشكله وقيمه الجمالية
- خالد القشطيني يقرأ بعض حكاياته ويوقّع كتابه الجديد -أيام عرا ...


المزيد.....




- الحياة تدب في مكتبات موسكو ومتاحفها في -ليلة المكتبة-
- خمسة أحداث تاريخية ألهمت صناع مسلسل لعبة العروش
- فيلم -تورنر- يلتقط سيرة وصدمة -رسام انطباعي- أمام دقة الكامي ...
- الشرعي يكتب: الهوية المتعددة..
- رسالة السوّاح
- حوار -سبوتنيك- مع الممثل الخاص لجامعة الدول العربية إلى ليبي ...
- هذه تعليمات أمير المؤمنين لوزير الداخلية بخصوص انتخابات هيئ ...
- فنانة تطلب من بوتين على الهواء منحها الجنسية الروسية (فيديو) ...
- في تدوينة له ..محمد البرادعي يعلق على قرار إتخذه زوج الممثلة ...
- مندوبية السجون: إضرابات معتقلي الحسيمة تحركها جهات تريد الرك ...


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - أدب السجون في العراق: جدار بين ظلمتين مثالاً