أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامى لبيب - نحن نخلق آلهتنا ( 11 ) - وهم الجَمال والله يحب الجَمال ويستحسنه .















المزيد.....

نحن نخلق آلهتنا ( 11 ) - وهم الجَمال والله يحب الجَمال ويستحسنه .


سامى لبيب

الحوار المتمدن-العدد: 3347 - 2011 / 4 / 26 - 01:55
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عندما نرى شئ جميل نردد " الله " إستحسانا ً على المشهد والصورة .. فماهو الجمال ولماذا نقول " الله " عند كل مشهد جميل لزهرة أو فراشة أو طبيعة خلابة .؟!
ترديدنا لكلمة " الله " تأتى كعادة بدليل ان هناك شعوب لا تذكر كلمة الله عند إستحسانها للجمال ..ولكن أبى يقول لى : نحن نقول " الله" عند رؤيتنا للأشياء الرائعة لنمجد إسم الرب فهو خالق هذا الجمال ومبدعه .. فيزداد اعجابى بالله كفنان رائع وتزداد دهشتى فى التأمل لكيفية صنعه لكل هذه الأشكال الجميلة بالطبيعة ..ولكن هناك أسئلة وتأملات تطفو على السطح , فليس كل شئ فى الطبيعة هو جميل فهل أنجز الله هنا ببراعة ولم تفلح معه هناك ولماذا ما أراه رائعاً قد لا يراه الآخرين كذلك.

فى الطفولة وجدت نفسى أميل للرسم لأجد متعة كبيرة فى رسم الخطوط والألون فأنتج رسومات أنال بها إستحسان الأهل والرفاق ..وتتطور الموهبة وأحس بالألوان فأمزجها وأدمجها لتنساب على صفحة اللوحة منتجة تشكيل لونى أستحسنه ..بدأت أحس بالألوان وأراقبها وأتأملها وأحاول البحث فى مغزاها وهل هى جميلة أم أننى أصنع منها الجمال لأبدأ فى مرحلة متطورة من العمر محاولة فهم مغزى الجمال لأصل لنتيجة بعدم وجود شئ جميل فى ذاته وكينونته بل نحن من نصنع ونتوهم الجمال وتتفاوت قدرتنا فى تجميع أحاسيسنا وخبراتنا عن الطبيعة والتعبير عنها , فنمنح الأشياء الجمال أو القبح وفق حالة مزاجية تعتمد على حاجة نفسية عميقة قد لا ندركها ونعيها فى ذات اللحظة بشكل واعى ملموس ولكن من المؤكد أنها مختبأة فى الدورس الأولى للطبيعة التى أسست المفاهيم الجمالية .

عندما نقول بأن هذه الزهرة جميلة وتلك الفراشه رائعة الجمال ..فهل الزهرة أو الفراشة جميلة فى ذاتها وكينونتها أم أننا نمنحهما صفة الجمال .؟!! .. فلا يوجد شئ جميل فى بنيته الأساسية فلا الزهور أو الفراشات يحتويا على جزيئات مادية تشكل بنيتها تُسمى الجمال بل جزيئات مادية تراصت بشكل عشوائى لتعطينا منظر نطلق عليه جمال ..فالجمال ليس أكثر من صفة نمنحها للأشياء ... هى صفة بدليل أنها نسبية فما أراه رائع الجمال قد يراه آخر أنه ليس رائعا ً بل عاديا ً وقد يكون لدي البعض مشاهد أخرى أكثر جمالا ً من تصوراتى .. و قد يرى آخرون أن مشهدى قبيحا ً !.

إذن ما هو المعنى والمعيار التى نحكم به على الاشياء كونها جميلة او متوسطة الجمال أو قبيحة ..وما الذى يجعلنا نرى أشياء من أول وهلة كزهرة فيجتمع معظمنا على انها جميلة وان تفاوتت إنفعالاتنا ..ما هو أصل حكمنا على الجمال ولماذا نستحسن أشياء ونستقبح أشياء ..وما الذى يحكم إحساسنا وقرارنا ولماذا نتباين .؟!

نحن نمنح الأشياء صفة الجمال عندما تمنحنا إحساس بالراحة وفى المقابل نستقبح الأشياء عندما تثير فينا النفور والضيق ..إذن هناك مشاعر متباينة تنتابنا فى رؤية أى مشهد فما الذى خلق الراحة هنا والنفور هناك ؟!!
يكون الإحساس بأى مشهد هى عملية مزاجية كما تبدو لنا أو كما نختزلها ..نعم هى مزاجية ولكن كيف تولد المزاج وما هو مقوماته ؟!
لا يوجد شعور أو فكر خارج الحاجة والرغبة ولا يوجد إحساس غير دائرة الألم واللذة ..ولا يوجد فعل إنسانى إلا باحثا ً وساعيا ً نحو الراحة واللذة والإشباع ومحاولا ً فى نفس الوقت تجاوز دروب الألم , فتكون إنطباعاتنا عن الأشياء هو تصنيفها فى أى ملعب هى متواجدة داخل مربع الألم أم اللذة والحاجة .
الجمال والقبح هما صورتان شديدتا التعقيد للتعبير عن انطباعاتنا للذة والألم فنحن ببساطة نستحسن الأشياء التى تعبر عن إحتياجاتنا ورغباتنا وتثير فى داخلنا اللذة والراحة فنمنحها صفة الجمال .. وفى المقابل ننفر من الأشياء التى تثير فى داخلنا الألم والحزن والإضطراب فنمنحها صفة القبح .

لا يتشكل الإحساس بالجمال أو القبح بعيدا عن مفهوم الحاجة ..هو إنطباع حسى يختزن فى مرآة الوعى بإرتباط المادة باللذة أو الألم ليتكون مفهوم حسى فى الداخل يتم إختزانه فى الذاكرة لتخلق مفاهيم لدينا يمكن أن نستدعيها ونَتوارثها ونَوَرثها لتشكل ثقافة و ذوق جمالى ولكن كل جذورها البدئية هى حاجات ورغبات .

الجمال جاء من مراقبتنا للأشياء وإسقاط رؤية برجماتية لمدى نفعها وفائدتها لدينا لنستحسنها ونصفها بالجمال ... فجسد المرأة ليس جميلا ولا قبيحا ً فهو جسد بالنهاية من جلد ولحم ودم ولكن بقدر ما يعطينا إحتياج نمنحه الجمال .. فالجسد الغض القادر على الإشباع وإنتاج الأطفال نراه جميلا ً .. بينما الجسد الضعيف الواهن المُجدب نراه قبيحا ً لأنه غير قادر على إنتاج نسل يكون دعم لنا فى عالمنا .

نهد المرأة نراه جميلا ً..فهل وهبت الطبيعة المرأة نهد ووضعت فيه الجمال وجعلته إثارة للرجل ؟!..ولماذا نرى النهد المكور جميلا ً كما نرى النهد الواهن العجوز قبيحا ً .؟!
نحن منحنا النهد الشاب الجمال ونزعناه عن العجوز من مدى فائدة النهد لنا..فالنهد الشاب يكون حسنا ً لأنه قادر على وهب الحياة للوليد وإمداده بسر الحياة ..كما لاحظنا أن النهد العجوز لا يمنح شئ فإستقبحناه .
خطوط النهد هنا اصبحت جميلة بحكم فائدتها بينما خطوط نهد العجوز أصبحت قبيحة لعدم جدواها... ليرتبط فى ذهننا علاقة بين تشكيل خطوط النهد بالحاجة ..ولكننا فى معظم الأحيان ننسى الحاجة التى جعلت النهد جميل أو قبيح فقد تحول لدينا لمفهوم إستقناه من رؤية قديمة وبدئية لنا أو تصدير ثقافة الأجداد وإنطباعاتهم وتم نسيان السبب ليتبقى الحكم كقيمة ورؤية .

لماذا مؤخرة المرأة المنحنية نراها جميلة عن المؤخرة المفتقدة للإنحناء ..ولماذا أصبح خط الإنحناء هنا جميلا ً وفى المرأة الأخرى عاديا ً .. هل نقول شهوتنا ؟..ولكن كيف جاءت وتولدت الشهوة هنا وإفتقدناها هناك .؟!
لا تكون الأمور هكذا .. فكل شئ فى الوجود يرجع لسبب مادى يتحرك فى دائرة الحاجة والغاية ..فنحن لاحظنا أن المرأة ذات المؤخرة المنحنية تكون قدرتها على إنتاج الأطفال أكثر يسرا ً لإتساع الحوض ..كما تعطى متعة وسهولة أكثر فى الممارسة .
من هذه الملاحظة المتكررة إستحسنا المؤخرة المنحنية لفائدتها ووصفناها بالجمال ويتم تلقين هذه المفردة للأجيال اللاحقة لتتكون ثقافة وذوق جمالى .

منظر غروب الشمس قد يستهوى الكثيرون ويرونه منظر خلاب ورائع الجمال فهل الجمال كامن فى هذا المشهد أم أننا منحنا هذا المشهد الجمال نتيجة إرتباطه بحاجة نفسية وجدناه فى مشهد الغروب .
ظل الإنسان لعقود طويلة يعمل للبحث عن طعامه وكان الغروب هو ميقات الإنتهاء من رحلة الشقاء والتوسم فى الراحة والأمان والإسترخاء..فيرتبط مشهد الغروب مع الحاجة إلى الراحة ويصبح هناك إرتباط شرطى فالغروب يرتبط بالراحة والسكينة فهو شئ حسن فلنجعله جميلا ً ليتوالد فى الداخل الإنسانى إستحسان لهذا المشهد ليورثه لأولاده ويصبح جميلا ً...إنه شبيه بإستحسان الأطفال لسماع صوت جرس المدرسة .
كذلك منظر شروق الشمس نراه جميلا رائعا ً بعد أن تكون لنا إنطباع دائم يرافق مشهد الشروق بالأمل والتفاؤل بيوم جديد يحمل معه رزق وحاجة متجددة .

قد يتخلى عن الوعى السبب المُنتج لمعنى الجمال فيصبح قيمة فى حد ذاته ولكن لا يوجد شئ جميل ولا قبيح فى ذاته بل نحن من نهب الأشياء جمالها وقبحها ..فالذهب معدن نراه جميلا .. فما سر جماله هل لكونه ذو لون أصفر أصبح جميلا ً ولكن لدينا عشرات الأشياء ذات اللون الأصفر ولا نراها جميلة .!!
نحن وهبنا معدن الذهب الجمال لأنه حقق لنا غاية أن نكون متميزون بإقتنائه ..أن يخلق حالة من التمايز على الآخر والشعور بالسيادة والسطوة ..أن نستمتع بهذه الحالة من التفوق والتمايز الطبقى لذا أستحسناه ووهبناه صفة الجمال ..ومن السهولة بمكان أن نصدر لأولادنا معلومة أن الذهب جميل فيروه جميلا ً ويزداد جماله فى عيونهم من فتنة الآخرين به ليتكون مناخ وثقافة تمنح الذهب الجمال.. ولنا أن نتصور قدرة كل إنسان على إقتناء الذهب فلن يكون هنا معدن جميل فسيبحث من يريدون التمايز عن معدن آخر يمنحوه صفة الجمال .

الامور أيضا ً لا تكون صارمة فالإنسان كائن حسى وله وعي وتجاربه الذاتية يستقبل الوجود بأحاسيسه ومشاعره ويختلف بها عن الآخرين .. كما لا يوجد تماثل وتناسخ بين البشر فى المشاعر والأحاسيس بل يمكن أن تتقارب بحكم تقارب الإحتياجات والآلام البشرية , وحتى الإنسان ذاته لا يوجد لديه أحاسيس متقولبة ومكررة على الدوام فالماء لا يجرى فى النهر مرتين .

يمكن ان نكون مفاهيم مزدوجة عن الاشياء مابين الجمال والقبح بحكم تباين اللحظات الشعورية فنرى الألوان بأحاسيس متباينة ونسبية .. فبعضنا يفتنه لون ويراه جميلا ً ورائعا ً والبعض الآخر لا يفتنه هذا اللون وقد يراه قبيحا ً ..بل أن اللون الواحد يمكن أن نراه جميلا ً وقبيحا ًوفقا للحالة النفسية وإرتباطه بحاجات ورغبات وأحاسيس متباينة فالأحاسيس ليست حادة ومقولبة .

اللون الأحمر نراه جميلا ً من خلال التفاحة مثلا ً..ولنسأل ما هو سر جمالها ؟ ..يكمن سر الجمال بأنها أشبعت حاجة غذائية مصحوبة بمتعة فى التذوق فإستحسنا منظر التفاحة بلونها الأحمر ومنحناها صفة الجمال ..فالتفاحة أوفت بحاجة فجعلنا تميزها بخطوطها ولونها الأحمر يبدو جميلا ً ورائعا ً ! ..ويمكن أن يبتعد مشهد التفاحة ليبقى معلومة اللون الأحمر كلون جميل فى الوعى الظاهر ولكن نفس اللون الأحمر الذى أمتعنا فى التفاحة نراه سيئا ً عندما نشاهده فى الدم النازف ..فنحن عرفنا أن نزيف الدم سيخلق لنا متاعب تؤدى بنا للموت فلا نقبل اللون الأحمر فى الدم المسفوك بينما قبلناه فى التفاحة ..فتتباين المشاعر من إنسان لآخر وللإنسان ذاته وفقا لعملية التجريد التى يمارسها .

اللون الأسود أيضا ً قد نراه رائعا ً وقد يراه آخرون قبيحا ًكونه إرتبط فى أعماقهم بحاجة أوإنطباع معين ..فمثلا قد يراه البعض لونا ً جميلا ً كونه يرتبط بمشهد بدئى لإمرأة إرتدت ثوبا أسود على جسدها الأبيض وترافق مع بكورية البلوغ وتحرك الشهوة و اللذة الجنسية فإرتبط اللون بالشهوة والإحتياج فجعلنا اللون الأسود جميلا ً... وقد يرتبط اللون الاسود بذكريات الموت والفراق والحزن فنستقبحه ونتشاءم منه ...اللون الأسود ليس جميلا ً ولا قبيحا ً .

اللون الأبيض نراه جميلا ً لإرتباطه باللبن الصادرعن الأم أو البقرة الحلوب فيرتبط فائدة اللبن باللون فنستحسنه ونجعله جميلا ً .. ولكن نفس اللون الأبيض قد نستقبحه عندما نجده حاضرا ً فى شعور رؤوسنا ليصيبنا بالإنزعاج وقد نتسارع للبحث عن اللون الأسود لنصبغ به رؤوسنا .
إستقباح اللون الأبيض فى هذه الحالة لأننا ربطنا الشعيرات البيضاء بالعجز والوهن فإستقبحنا العجز والوهن وإستقبحنا ما يصاحبه من لون وهو الأبيض .
من هذه الرؤية نحن قادرون على تجميع مجموعة من الصور فى مشهد نستحسنه عندما يفى بحاجات ورغبات ولذة فنهبه صفة الجمال ..وقد نستاء منه لما يصيبنا منه من ألم وسوء فنصفه بالقبح .

إمتلاكنا القدرة على التجريد جعلنا نمنح الأشياء التى تمنحنا المتعة الجمال وننزعها عن ما يصيبنا بالألم والعناء والمشقة وتتباين المشاعر بالنسبة للمشهد الواحد حسب ما يؤثر فينا ليتولد فى داخلنا القدرة على الفصل الشعورى فليس كل أحمر جميل دائماً بل يمكن ان نستقبحه فى حالات أخرى لنكون قدرة رائعة وديناميكية وثرية فى التعاطى والتفاعل مع المادة .

فى نفس السياق لماذا نرى معابدنا المقدسة جميلة ولا نراها فى معابد الآخرين لأننا ببساطة أسقطنا عواطف وإنتماءات وهوية إجتماعية ومدى الإرتباط بالأب والأم كمشروع إنتماء على المكان المقدس ككيان ورمز يمنحنا الدفء وأمان العائلة والجماعة ومن هنا يمكن أيضا تفسير سبب من أسباب الإيمان من هذا المنحى.

يمكن تعلم وتوريث مفردات الجمال للآخرين وخلق ثقافة جمالية تتكون ملامحها بما نصدره لهم من تجاربنا الشخصية والتى تتوافق معهم كونهم يعيشون نفس مظاهر الطبيعة .

عندما نحكم على مشهد بالجمال يتعاطى العقل مع كل مخزونه الفكرى ومفرداته الثقافية التى تم توارثها وما تم إكتسابه من تجارب حياتية ليتشكل قرار بالحكم على الأشياء بالجمال ولكن لن تخرج كل المفردات الخالقة للقرار من جذور حاجات ورغبات مستحسنة عميقة سواء أدركناها أم لم ندركها .
يمكن تشبيه التعامل مع الجَمال ببرنامج حاسوب من حيث ان تقريرنا للجمال يتم فى اللحظة والتو بينما مر بخبرات ومخزونات ومفردات كثيرة تمت فى العمق الفكرى الإنسانى كالحاسوب فى سرعة انجازه لخطوات كثيرة فى لحظة .

لن يكون هناك لون جميل لو وُجد وحيدا منفردا بل لا توجد حياة إلا من تنوع الألوان فيستحيل ان تتواجد حياة من لون واحد ,فنحن نصدر حكمنا اللحظى على الجمال وفق حاجات ورغبات وتضاد الأشياء والألوان وصراعها ومن هنا نكون لحظة نظامية وسط وجود عشوائى فلا يتصور أحد اننا فى تواجد نظامى فنحن من نخلق لحظة نظام حتى نستطيع التعاطى مع الوجود ولعل هذا يحتاج مبحث لاحق .

بعد هذا العرض لمفهوم ورؤية الجمال , هل لنا أن نسقطه على الله وسنتبين من خلاله أننا نخلق آلهتنا و نصدر لها كل رؤيتنا ونظرتنا وأحاسيسنا ..نحن أبدعنا الفكرة ورسمناها كما نريد ولم ندرك أنها ستتناقض مع العقل والمنطق بعد ذلك ..فنحن لم نخلق الفكرة من أجل المنطق بل لتفى حاجاتنا النفسية وليذهب المنطق للجحيم أو قل هى محاولة أن نلتف ونناور فى سبيل إصرارنا المُلح أن نحتمى ونلوذ داخل الفكرة لما تفى من تجاوز الألم .

*الله الذى يحب الجمال ويرى الأشياء جميلة وحسنة .

فى قصة الخلق يذكر الكتاب المقدس
1: 4 و راى الله النور انه حسن و فصل الله بين النور و الظلمة
1: 10 و دعا الله اليابسة ارضا و مجتمع المياه دعاه بحارا و راى الله ذلك انه حسن
1: 12 فاخرجت الارض عشبا و بقلا يبزر بزرا كجنسه و شجرا يعمل ثمرا بزره فيه كجنسه و راى الله ذلك انه حسن
1: 18 و لتحكم على النهار و الليل و لتفصل بين النور و الظلمة و راى الله ذلك انه حسن
1: 25 فعمل الله وحوش الارض كاجناسها و البهائم كاجناسها و جميع دبابات الارض كاجناسها و راى الله ذلك انه حسن
1: 31 و راى الله كل ما عمله فاذا هو حسن جدا و كان مساء و كان صباح يوما سادسا

سنهتم بمقولة " ورأى الله أنه حسن " وسنستدعى من التراث الإسلامى حديث " الله جميل يحب الجمال "..فما معنى أن الله رأى الخلق حسن وما معنى ان الله يحب الجمال ؟!!

بداية لوقلنا أن الله رأى الشئ حسن فهذا معناه أن هناك أشياء قبيحة متواجدة لديه ليتم المقارنة والتقييم وعلى هذا الأساس وجد ان ما صنعه هو حَسن فيصبح هناك معيار لديه يقاس عليه الأشياء ولينطلق السؤال المبدئى : من أنتج الشئ السئ هل هو الله أم إله آخر ؟!!..وطالما هو الله فكيف ينتج ويخلق شئ سئ ويراه سيئا ً ثم يتجاوزه بعد ذلك وينتج شئ يراه حسنا ً !.. هذا يعنى ان الله ليس كاملا ًوليس بالخالق الجيد ولا أحسن الخالقين فهناك أمور تظبط معه حينا ً وتفشل فى أحيان أخرى .

وبالمثل لوقلنا أن الله يحب الجمال فقد تمر هذه المقولة من أمام عيوننا فنراها شئ طبيعى أن يحب الله الجمال فبالطبع لن نريده أن يحب القبح أو يليق به ذلك .!!
ولكن معنى أنه يحب الجمال أن هناك قبح يستنفر منه ويستقبحه .. لنقول أيضا ً من أوجد القبح الذى جعل الله ينفر منه ليميل للجمال ..وإذا كان هو من خلق القبح فسيتكرر سؤالنا السابق عن كيفية خلق الجمال والقبح وهل هذا من الكمال ؟! ..وهل هذا من حُسن الخلق ؟!
مقولة أنه رأى الشئ حسن أو أنه يحب الجَمال سيرجع بنا إلى مقالنا ونسأل ما هى معايير الجمال والقبح وكيف تتكون إنطباعات للحكم على الجمال والقبح ما لم تسقط تجارب ومشاهد على الإله تتوافق أو تتناقض مع حاجاته ورغباته ليستحسن أشياء فيصفها بالجمال ويستاء من أشياء فيصفها بالقبح لنصل بذلك اننا وهبنا الإله نفس الاحاسيس والانفعالات والرغبات البشرية فى التفاعل والتعاطى والدخول فى سراديب الحاجة والغاية .

مقولة الله جميل هل هى وصف الإنسان له أم ان الله هو جميل وبعث يخبرنا بهذا الأمر ..لو كان الإنسان هو من يصف الله لعدم توقعه أن الله قبيح أو يحب القبح فهنا يكون الانسان يصف بلا إدراك ولا وعى سوى أنه يريد ان يعظم ويجل إلهه فلنا أن نقول من اين علم ان الله جميل ؟!.. وما تقييم الإنسان للجمال للحكم على الله .؟!
أما لو قلنا ان الله هو جميل بذاته وأرسل للبشر هذه المعلومة لمعرفة ذاته فلنا أن نسأل كيف يكون جميلا ً بدون أن يكون هناك قبح يُبرز الجمال أو هو جميل بالنسبة لمن طالما أنه يتواجد منفردا ً بدون وجود آلهة تشاركه المنافسة على الجمال والتقييم ؟!..ثم تبرز نقطة أخرى عن مغزى الجمال بالنسبة لله وكيف يرى الأشياء جميلة طالما أن الجمال هو إستحسان أشياء تفى حاجة ذاتية ونفسية فهل الله تحت الحاجة والتأثر بها ...أى يكون لديه إنطباعات على الأشياء فيهبها الحسن لما تحققه له من إحتياج وينزع عنها الجمال لما تثيره من ضيق .

لو خلصنا الله من تكوينات الجمال والقبح فسينفى الوجود ولو وضعناه فى دائرة الجمال وأنه يحب الجمال ويرى الأشياء حسنه فقد أدخلناه فى دائرة بشرية ذات مزاج وإنطباع وإسقاط لمشاعر على الشئ فينتفى معه صفة الإله .

لقد تعاملنا مع فكرة الله برؤيتنا وفكرنا وأحاسيسنا فخلقنا فيه ما نراه من إستحسان للجمال فجعلناه يحب الجمال ويرى الأمور حسنة وجميلة كما ننظر نحن بعيوننا ..
نحن نخلق آلهتنا بأفكارنا وأحلامنا وخيالاتنا الجميلة .

دمتم بخير .





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,320,141,432
- تديين السياسة أم تسييس الدين ( 6 ) - الأديان كثقافة وميديا ل ...
- تأملات فى الإنسان والإله والتراث ( 8 ) - الإنسان بين وهم الش ...
- تأملات فى الإنسان والإله والتراث ( 7 ) - وهم حرية الإنسان وا ...
- تأملات فى الإنسان والإله والتراث ( 6 ) - نحو وعى وفلسفة للمو ...
- لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون ( 11 ) - البحث عن جدوى للإنسان وال ...
- كابوس الديمقراطية .. مصر نحو الشرنقة والشرذمة الطائفية .
- تأملات سريعة فى الله والدين والإنسان ( 11 ) .
- فلنحاصر فصائل الإسلام السياسى ونجبرهم على تحديد مواقفهم من ا ...
- خربشة عقل على جدران الخرافة والوهم ( 6 ) - هى فكرة خيالية غي ...
- هل هى ثورات أم فوضى خلاقة .
- الدين عندما ينتهك إنسانيتنا ( 25 ) - مفهوم الأخلاق فى الدين ...
- الدين عندما ينتهك إنسانيتنا ( 24 ) - الشفاعة كتأسيس لمجتمع ا ...
- الدين عندما ينتهك إنسانيتنا ( 23 ) _ لا تسأل لماذا هم مرتشون ...
- الدين عندما ينتهك إنسانيتنا ( 22) - استبداد الحكام العرب هو ...
- خواطر وهواجس وهموم حول ثورة 25 يناير .
- هل تستطيع ثورة 25 يناير أن تٌقلع ثقافة الوصاية والقطيع وهل س ...
- هنيئا ً للشعب المصري .. ولكن حذار فأنتم أسقطتم رمز من رموزه ...
- مشاهد وخواطر حول ثورة الشعب المصرى .
- إنهم يجهضون ثورة الغضب مابين إنتهازية معارضة كرتونية وتواطؤ ...
- جمعة الرحيل وحتمية محاكمة النظام بسياساته وطبقته وأدواته ومم ...


المزيد.....




- إمام أوغلو.. متدين أوصلته المعارضة العلمانية لعرش إسطنبول
- أردوغان يهنئ اليهود في تركيا والعالم
- خطيب المسجد النبوي يتحدث عن أفضل الأعمال والطاعات فى شعبان
- حريق كاتدرائية نوتردام سببه احتكاك كهربائي كما رجّحت الشرطة ...
- إسرائيل تسمح للمسيحيين بغزة بزيارة القدس في عيد الفصح
- شرطة نيويورك تكشف تفاصيل عن الموقوف في كاتدرائية سانت باتريك ...
- خطيب المسجد الحرام يحذر المسلمين من هذه الفتن..تفاصيل
- الفاتيكان يعرض -الدرج المقدس- لأول مرة منذ 300 عام
- من أبرز المتبرعين لإعادة بناء كاتدرائية نوتردام؟
- شاهد: اليهود الإسرائيليون يستعدون للاحتفال بعيد الفصح


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامى لبيب - نحن نخلق آلهتنا ( 11 ) - وهم الجَمال والله يحب الجَمال ويستحسنه .