أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - جهاد علاونه - سقوط أمي















المزيد.....

سقوط أمي


جهاد علاونه
الحوار المتمدن-العدد: 3217 - 2010 / 12 / 16 - 08:38
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


سقطت أمي في حياتها أكثر من مليون مرة ومرة وكانت في كل مرة تقوم وتعود أقوى من سابق عهدها.

قبل يومين استيقظتُ في تمام الساعة الواحدة صباحا بتوقيت عمان على صوت بكاء أمي بصوت عالي وقمت من نومي فزعا جدا ويدي ترتجف ولساني لا يكاد يحتمل أن ينطق بأي حرف,وشعرتُ في البداية أنني أحلم أو أنني أعيش في حلم أو كابوس مخيف غير أنني في النهاية قد صدقت بأن التي تبكي وتصيح بأعلى صوتها هي أمي , فهرولتُ مسرعا من غرفة نومي إلى غرفة نوم أمي وحين نظرتُ في السرير لم أجدها به فاتبعتُ مصدر الصوت وكان قادما من الطريق الرئيسية المؤدية إلى الوحدة الصحية في منزلي وكانت أمي ممدة وتأن بصوتٍ حزينٍ على الأرض في أرضية الصالون وهو الممر الضيق المؤدي إلى الحمام من غرفتها , كانت أمي مرتمية على الأرض ما بين غرفة نومها والحمام وكأنها جملٌ قد وقع أرضا أو ضحية أو ذبيحة تنتظر رصاصة الرحمة أن تنطلق عليها من أي مسدس أو كأنها تنتظر السكين التي تشفيها أو تذبحها وكنت أخالها والدموع تتساقط مني على الأرض بأنها قد تعرضت لحالة من الهستيريا أو كأنها تعرضت لضربة سكين حادة حيث كانت تشير إلى قلبها وخاصرتها ,واستيقظ أولادي معي وصاحوا (يييييي ...الجِده ..الجِده..) وارتمت برديس فوق صدرها وارتمى علي على الناحية الأخرى من صدرها وبقيت لميس تنظر إلينا جميعنا عن قُرب وبيدها اللعبة الجميلة التي اعتادت كل صباح أن تحملها معها حين تنهض من النوم فتأت بها إلى جدتها لكي تمشط لها شعرها وكانت لميس تنظر إلينا وتنظرُ في اللعبة ومن ثم تنظر إلى الجسد الذي سقط أرضا مغشيا عليه وفتحتُ شفاهي ومددت لساني وأخرجته من فمي لأسألها شو فيه؟ .. شو اللي صار؟ غير أنني لم أستطع النطق أبدا وحاولت أن أسمع منها ما جرى وما يجري لها غير أنها أشارت بيدها اليمنى إلى اليسرى ففهمت من حركاتها أنها مشلولة الحركة وفهمتُ من دموعها بأن الألم شديد جدا فحاولت حملها بين يدي غير أن دموعي أضعفت من قوتي وما كان مني إلا أن أرتمي إلى جانبها مثل طفل رضيع وبكيت معها بصوت عالي, كان الطقسُ باردا جدا وكان الهواء عاصفا وكانت اللحظة الحاسمة على أهبة الاستعداد لكي تقضي على أمي , فلملمت جراحي بسرعة ونظرتُ في وجه أمي وتذكرت كل المشاهد التي شاهدتها بها وهي تسقط وتقوم وتسقط وتقوم وتسقط وتقوم لتقاوم الزمن والأيام العصيبة مثل شجرة زيتون رومية وهي تراقبنا عن بعد ونحن نكبر ونكبر ُوكانت في أغلب الأحيان تقيسُ نموي في شبر يدها فتقول : (هذي السنه إنت زايد عن السنه الماضيه شبر ونصف), فقد كان نموي في كل عام يتراوح من شبرٍ إلى شبر ونصف هكذا كانت تلاحظني وهكذا كانت تراقب نموي , ورأيت عبر شريط أعلاني أو وثائقي في مُخيلتي أمي وهي تسقط وكم وقعة وقعت أمي في حياتها على الأرض وهي تحاول أن تفعل لي أو لإخوتي أي شيء!, لقد كانت تتألم لآلامنا قبل أن نشعر بها وكانت تتوجع لأوجاعنا قبل أن نشعر بها وكانت تداري بيدها دموعها قبل أن نشاهدها وكانت وما زالت تسقط على الأرض قبل سقوطنا فمن ملاحظاتي عليها أنها كانت وهي تجلس في قاع الدار تقومُ بسرعة لتسقط بسرعة على الأرض لمجرد أنها أحست بأن أخي وهو يمشي سيقع مثلا على الأرض فكان وهو يتمايل تقف بسرعة وتتمايل مثله فتقع على الأرض قبل أن يقع هو, وكم مرة دخلت أزمات مالية فكانت هي التي تقف لتتصداها ؟ حتى أنها ما زالت إلى اليوم تلقى بيدها وتأكل في بطنها كل آلامنا وأحزاننا.

وهذه المرة لم تكن المرة الأولى التي تقعُ فيها أمي على الأرض فمن الممكن أن تكون لها الأخيرة أو المرة قبل الأخيرة ذلك أن سقوطها في هذا العام كان سقوطا مدويا ارتجت له العائلة بكاملها من الألف إلى الياء وتتدافع الأقرباء والجيران من كل حدبٍ وصوب ليرو سقوطها العظيم أو ليروا الجمل وهو يسقط على الأرض والسكاكين تلاحقه لتكمل على آخرته .

لقد شاهدتها اليوم وهي تسقط سقوط الأبطال وتذكرتُ سقوطها الكثير ففوق الدرج سقطتْ وتحت الدرج سقطتْ وفي الممرات الضيقة كانت تسقط وتقوم وفي الأعياد الرسمية والمناسبات الوطنية كانت تسقط وكذلك كانت تسقط على الأرض حين تفرح بنا وكذلك كانت تسقط على الأرض حين تحزن علينا حزنا أليما كل هذه الأمور جعلت من قلبها عرضة للسقوط الأخير وحاولت أنا شخصيا أن أقلدها بالسقوط أو أن أرد لها جزء من الدين الذي عليّ فقد سقطت نيابة عني في كثير من الحالات واليوم حاولت تقليدها في السقوط ولكن حرارتي لم تكن بمستوى حرارتها وحناني لم يكن بمستوى حنانها , المهم أن بطلة مسلسلنا العاطفي كانت في فراشها ثم استيقظت كما قالت للطبيب على نيران تخرج من جوفها وتصعدُ إلى القلب ومن ثم إلى أعلى الرأس وفي النهاية إلى الأطراف العليا من الجسم متسببة لها بألم فضيع في أصابع اليد اليسرى وأضافت قائلة: قمت لأشرب ماء ولكني ارتميت أرضا من شدة الألم والشعور بعدم السيطرة على الجسم وكل تلك العلامات قال عنها الأخصائي بأنها انسداد تام في ثلاثة شرايين رئيسية تغذي القلب من جهة القلب اليسارية ,ثم سألها الطبيب:

-أنت يا حجه مُدخنه؟
-لالا ولا بحياتي شربت سيجاره .

فقلت بيني وبين نفسي: شرايين أمي مسدودة ليست بسبب التدخين أو الكلسترول الزائد أو الدهون الزائدة أو تقدم العمر ..بل هي مسدودة بسببنا جميعا..فطوال عمرها وحياتها وهي تسقط وتقوم من أجلنا واليوم أيضا لا بد أنها سقطت بسببي , أنا السبب أنا السبب واغرورقت عيناي بالدموع وأنا ألومُ بنفسي وأقول أنا السبب.

وقالت شقيقتي الكبرى: لالا أنا السبب.

وكل واحد كان يقول (أنا السبب) وكلنا نتحمل المسئولية وكلنا اليوم يجب أن نسقط نيابة عنها ,آهٍ..وآهٍ وآه لو رأيتموها ذات مرة وهي تسقط في المستشفى أرضا بسبب آلام (الدِسك) في أسفل ظهرها وكان الطبيب يقول : شوفولكوا واسطه على شان أعمللها العملية بشكل عاجل فقمت إليه يومها وضربته على وجهه ثلاثة بوكسات ومن ثم وضعت يدي اليمنى على رقبته ورفعته بيد واحدة عن مستوى البلاط الذي يقف عليه ومن ثم بصقت في وجهه ..لو رأيتموها لقلتم هذا جَملُ قد ناخَ على الأرض.

لقد كان سقوطها هذا العام رواية وفيلما ربما أننا سنشاهد به الصور الأخيرة من حياة البطلة , لقد عُدتُ بذاكرتي وأنا أحاول إسعافها إلى أيام زمان فأنا أذكر مرة أنها وقعت عن الدرج حين سمعت بأن أختي الصغرى قد أحرقت أصابع يديها من الشاي الساخن, لقد رأيتُ أمي تقع أرضا وأنا طفل صغير حين كانت تركض خلفنا وهي تحاول أن تدبر لنا ما نريده, وتذكرت كل المشاهد التي وقعت فيها أمي على الأرض وكان أهمها يوم فتحت بيدها باب البئر في قاع دارنا لترمي نفسها به بعد أن سمعت بأن سيارة قد هرستني ولكن نساء الحارة منعنها من ذلك وقلنا لها (الولد صاحي وسليم) وأحضروني إليها وكان عُمري وقتها 13 عاما ورأيتها أنا وهي تغلقُ باب البئر بيدها لتركض باتجاهي وقبل أن تصل لاحتضاني تعثرت ووقعت أرضا ومن ثمّ حملتني ودموعها يملآن سطح وجهها بالكامل وصدقوني كل هذا حدث معي في لحظة واحدة وأنا أتذكر بالحنونة وبعدد الوقعات والصدمات التي تعرضت لها وخصوصا الصدمات النفسية بسبب مشاكلنا التي أثرت جدا على قلبها مما أدى بالنهاية إلى الانفجار التام في صمام الأمان.

وتذكرتُ عدد الصدمات التي تعرضت لها في حياتها وهي تحاول أن تشعل لنا دماءها أو وهي تحاول أن تنقضنا أو وهي تحاول أن تحذرنا من أنفسنا أو وهي تحاولُ أن تطعمنا بيدها .

شهدت ظروفنا السياسية القاسية بأن أمي ضد الصدمات في بلد لا تُحترمُ به حقوق الإنسان وبأن أمي أيضا احتملت كثيرا من الآلام بل وكان اسم بيتنا (بيت الهموم والمشاكل) بسبب مشاكل أبي مع جدي , وتحملت أمي كثيرا من الكدمات وكثيرا من اللكمات التي لا تُحصى ولا تُعد ولا يستطيع تحملها أعتا ملاكم على وجه الأرض و تكاد أمي أن تحقق الرقم العالمي القياسي في القفز الحر وفي السقوط على الأرض ليس لأنها لاعبة جمباز رياضية ولكن لأنها حنونة علينا ترمي بنفسها في النار وفي الهواء وفي المياه العميقة وتحت عجلات السيارات وتحت خيول الغزاة وهي تحاول الدفاع عني وعن إخوتي بل وألقت ذات مرة بنفسها أمام وزارة الداخلية وهي تبلغ من العمر 60 عاما وقالت خذوني بدلا عنه ... ولا يكاد يخلو سنتمتر مكعب واحد أو سنتمتر مربع واحد من جسم أمي إلا وبه طعنة من تقرير أمني سري ضدنا جميعا ..ضد كاتب المقالة وقارئة الرواية , ولا توجد بلاطة في أرض الدار إلا وتشهد اليوم على أمي بأنها قد وقعت عليها عدة مرات ومرات, ولو كان باب الدار أو الشبّاك الكبير يتكلم لقال لكم اليوم بأن رأس أمي قد ارتطم به مئات المرات وبلاط أرضية الحمام يشهد عليها ...و أرضية المطبخ تشهد عليها ولا يكاد يخلو رأسها من ضربة نافذة حديدية أو خشبية حين تكون مثلا جالسة تحت الشباك الكبير ويأتيها خبرٌ عن واحدٍ منّا بأنه قد تعرض للأذى أو للضرب من الأطفال فكانت على الفور تنهض بدون أي تفكير ويكون الشبّاكُ مفتوحا فيرتْطم رأسها بالنافذة ويسيلُ منه الدمُ والغريب أنها لم تكن تشعرُ بذلك إلا بعد فوات الأوان وبعد أن تقوم بمواساتنا وبحملنا بين ذراعيها , وكنتُ أتذكرها جيدا وهي تحملنا بين ذراعيها مثل الصيصان لتنقلنا من غرفة جدتي إلى غرفتها ومرة من ذات المرات كان الطقس ماطرا جدا فوقعت على الأرض وهي تحمل أختي الصغيرة , فقد كان أسلوب البناء القديم مفصولة به الغرف عن بعضها فكنا نضطر للخروج خارج الغرفة الأولى لكي ننتقل للغرفة المجاورة .
هل الرجال يسقطون من أجل أبنائهم؟





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,097,785,063
- اقرأ تفرح جرّب تحزن
- مواطن أمريكي
- انحلال الشعور(1)
- الفصام السخيف
- وجوه جديدة وأصناف جديدة
- التجار يحكمون المدينة
- أزياء الحراميه
- أسعار تشجيعية
- المرأة العربية لاجئة سياسية
- يسافرون للعلاج!
- الطلاق بالثلاث
- في الجلجثة
- عرق الجبين
- براءة الأطفال
- الهجوم وسيلة للدفاع
- رسالة إلى الشعب الأمريكي
- تشابه أسماء
- ما زلتُ أنتظر الرحيل
- العقل السليم في الجسم السليم
- الكذب على الأطفال


المزيد.....




- فيديو.. معالج برازيلي ظهر في برنامج أوبرا وينفري يواجه تهما ...
- فيديو.. معالج برازيلي ظهر في برنامج أوبرا وينفري يواجه تهما ...
- بالفيديو... شرطة نيويورك تسحل امرأة لانتزاع طفلها منها
- الاغتصاب في موريتانيا.. جريمة بلا عقاب
- فوزية زينل... تعرف على أهم امرأة في البحرين
- المعالج المتحرش... تسببت أوبرا وينفري في شهرته عالميا ليعتدي ...
- راديو البنات.. حلم المرأة السودانية عبر الهاتف الجوال
- مشروبات تؤثر على حجم الجنين... يجب اجتنابها خلال فترة الحمل ...
- لأول مرة.. انتخاب امرأة لرئاسة مجلس النواب البحرينى
- واشنطن بوست: إدارة ترامب لن تدافع عن خاشقجي.. فلتدافع عن الس ...


المزيد.....

- النسوية الدستورية: مؤسّسات الحركة النسائية في إيران – مر ... / عباس علي موسى
- المقاربة النسوية لدراسة الرجولة حالة نوال السعداوي / عزة شرارة بيضون
- كيف أصبحت النسوية تخدم الرأسمالية وكيف نستعيدها / نانسي فريجر
- الجزءالأول (محطات من تاريخ الحركة النسائية في العراق ودور را ... / خانم زهدي
- حول مسألة النسوية الراديكالية والنساء ك-طبقة- مسحوقة / سارة سالم
- طريقة استعمار النيوليبرالية للنسوية، وسبل المواجهة / كاثرين روتنبرغ
- -النوع الاجتماعي و النسوية في المجتمع المغربي - - الواقع وال ... / فاطمة إبورك
- النسوية واليسار / وضحى الهويمل
- بحث في كتاب (الأنثى هي الأصل ) للكاتبة والأديبة نوال السعداو ... / فؤاده العراقيه
- الماركسية وقضية المرأة / الحزب الشيوعي السوداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - جهاد علاونه - سقوط أمي