أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - أَلاَ يَا سَقَى اللهُ تِلْكَ الْأيَّامْ














المزيد.....

أَلاَ يَا سَقَى اللهُ تِلْكَ الْأيَّامْ


السمّاح عبد الله

الحوار المتمدن-العدد: 3160 - 2010 / 10 / 20 - 23:28
المحور: الادب والفن
    



لا أتذكرُ ذلك اليومَ بالتحديدِ، أظنُّه الأربعاءَ، ربما لأنه الوحيدُ من بين أيامِ الأسبوعِ الذي يحملُ ظلالا رماديةً، همسَ لي زميلي في مدرسةِ ( الإعدادية القديمة للبنين بسوهاج )، ونحن خارجانِ في نهاية اليوم الدراسيّ :

- ألن تأتي اليوم لمولد العارف ؟

في سوهاجَ ميدانٌ كبيرٌ اسمه ميدانُ العارف، في الجانبِ البحريِّ منه يوجدُ مسجدُ العارف بالله، الميدانُ كله في موعدِ مولد سيدي العارف السنويّ، يتحولُ إلى ما يشبه يومَ الحشرْ، يأتي الناسُ كلهم رجالا ونساءً وعيالا من كل القرى والنجوعِ المجاورةِ، ومن قرى ونجوعِ محافظاتِ الجنوبِ المجاورةِ، يفترشونَ الحُصُرَ، ويشدُّون في باغة الجوزةِ المحشوّةِ بالمعسّلِ نهارًا، ويتمايلونَ طَرِبِينَ وهم يُرَدِّدُونَ وراءَ المنشدِ الواقفِ وسطَ جوقَتهِ الموسيقيةِ ليلا، لمَ أرَ في حياتي طَرَبًا يخطِفُ الروحَ كما كنتُ أراهُ في ملامحِ هذهِ الوجوهَ الداكنةِ المحمَّصةِ المعروقةِ، ولم أرَ أبدًا مجدًا يعادِلُ مجدَ ذلكَ المنشدِ الذي يُلَوِّحُ بيمينِه في الفضاءِ، بينما كُمُّ جلبابِه الصعِيديَّ الطويل يتأرْجَحُ تبعًا لتلويحةِ يدِه يسارًا ويمينًا، كحمامَةٍ حارسةٍ فرحانةٍ تهفهفُ حولَ صوتِه المشروخِ وهو يعلو في نِدَائِه النشيديِّ الأنَان :

تجليت في الأشياء حين خلقتها
فها هى ميطت عنك فيها البراقع
قطعت الورى من ذات نفسك قطعة
ولم تك موصولا ولا فصل قاطع
ولكنها أحكام رتبتك اقتضت
ألوهية للضد فيك التجامع
فأنت الورى حقا وأنت إمامنا
وإنك ما يعلو وما هو واضع
وما الخلق في التمثال إلا كثلجة
وأنت بها الماء الذي هو نابع .

يأتي ذلك المنشِدُ الأسطوريُّ عادةً قبل صلاةِ العشاء، راكبا حصانا مُزَوَّقًا، ولابسا جلبابا شديدَ البياضِ، ولافحا على كتفيه شالا طويلا منقوشًا برسوماتٍ متداخلةٍ يغطي نصفه الأعلى وبعضا من ظَهر الحصانِ، ولافًّا على رأسِه لاسةً بيضاءَ تزيدُ من ابيضاضِ جبينه اللامعِ، وماسكًا في يمينه عصا غليظةً، طويلةً، يظل يلوّح بها وهو يلف بحصانه حولَ المكانِ، طوالَ عمري لا أعتقد أن ركوب أية حافلةٍ مهما كانت فخيمةً وحديثةً يمكنُ أن يضاهي جمالَ وزهوَ ركوبِ الحصانِ .

بعد صلاة العشاء مباشرةً، تنعقد حلقاتُ الطربِ، تلتفُّ الجوقةُ، حول المنشدِ، ويصطفُّ الناس في صفوفٍ لانهائيةٍ، يصفقون بأيديهمُ تصفيقا موقعًا، أجسادُهم تتمايل مع دقةِ الإيقاعِ، وأرواحهم ترفرفُ حول المكانِ مع تصاعُدِ الصورة الشعريةِ في فمِ المنشدِ، والآهةُ معلقةٌ في الحناجرِ لتنطلِقَ مع انسيابية قافية النشيد، في نهاية كل بيت شعريٍّ .

بعد أكثر من عشرين عامًا على رؤيتي لهذا المشهد، وأثناء كتابتي لسردي الشعري في ديواني ( أحوال الحاكي ) ، كتبت لهذا المنشدِ الأسطوريِّ :

سأعطيك عشرين نارنجة لتغني
، ليكبرَ صوتكَ وهو يطبّق في جنبات الهواءِِ مواويله
، ويروحُ ويغدو .
....................
أُقطّع من عمريَ المرّ بعضا من اللحظات البهيجةِ
، أو أتصيّد ذكرى مغامرة في الطفولةِ
، ثم أطوّحها في الفضاءِِ ولا أتذكرها أبدا
، أو أوَقف تمر النخيل عليك لمدة عشرين عاما
، شريطة أن تضرب العودَ يا قرويّ الكلام
، وتشدو .

*******************************************

مكتبة مديرية التربية والتعليم، ومكتبة قصر ثقافة سوهاج، كانتا في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي هما البوابة السحرية لهذا العالم الغرائبي البهيج، أخذت صورتين شخصيتين لي، واستخرجت كارنيهين يسمحان لي باستعارة كتابين من كل مكتبة لمدة لا تزيد على أسبوعين، غير أن كل هذه اللوائح لم أكن أبدا بحاجةٍ إليها، رغم أنني اصطحبتُ معي والدي لكي يوقع على الأوراقِ التي تضمنُ للمكتبتين حقوقهما في حالة إخلالي بواحد من هذه الشروط، ذلك ببساطة لأنني كنتُ أفضل – دائما – القراءة على طاولات المكتبة، يتيح لك الهدوء الذي توفره المكتبة جوا يسمح لك بالاستيعاب الفاهم، وتتيح لك وحدويتك – غالبا ما تكون قاعة المكتبة خاليةً إلا منك – أن ترفع يدك اليسرى وأنت تقرأ أحداث بطل قصتك وهو يواجه أعداءه الطبيعيين، وأن ترفع حاجبك الأيمن عندما يتوعد بطلُك أعداءه الافتراضيين، بل يمكنك بكل طمأنينةٍ، أن ترفعَ صوتك وأنت تتابع صعود سريانِ الدمِ في عروقِ البطلِ الهُمامِ حين يكون لا حيلة له في الأمر فيضطر للجوء لعالمك المحبب، الشعر، فيقول هذا الكلامَ الإيقاعيّ المحلَّى بالتزاويق والقوافي، والذي لا يمكنك أن تقرأه إلا بصوتٍ عالٍ وبإلقاءٍ يناسب جلال الحدثِ، وفتنة التفاعيل .

في هاتين المكتبتين وقعتُ على كنزٍ حقيقي، سيرة الأمير حمزة البهلوان، لم يزل الشكل الخارجيُّ للكتاب عالقا في مخيلتي لا يفارقها، الكعب قطعة من القماشِ الأخضرِ يأخذُ سنتيمترا من جلدة الغلاف الأول وسنتيمترا من جلدة الغلاف الأخير، جلدةُ الغلافِ الأولِ لونها يميلُ إلى الأصفرِ الباهتِ، في أعلاها بخطٍ فارسيِّ مزوّقٍ كُتبَ ( قصةُ الأمير حمزة البهلوان المعروف بحمزة العرب )، وفي الوسط رسمةٌ باللون الأسودِ لفارسٍ ملثمٍ يمتطي حصانًا، يدُه اليمنى قابضةٌ على رمحٍ طويل، ويدُه اليسرى شادَّةٌ لجامَ الحصانِ، والحصانُ مرتكزٌ على رجليه الخلفيتين، ورافعٌ رجليه الأماميتين، وفي الأسفلِ، كتبت العبارة التالية ( ملتزم الطبع والنشر مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني ، 18 شارع المشهد الحسيني ج . م . ع صندوق بريد 137 الغورية القاهرة ) وتحتها كتب ( الطبعة الثالثة 1389 – 1969 )، أما الغلاف الخلفي فهو صامتٌ وفارغٌ ليس فيه أي شيء .

أخذني الأمير حمزة البهلوان معه في جبال ووديان الأرض الضيقة في بحثه الدائب عن حبيبته وعن ابنه وفي بحثه الحثيث عن الحق والعدل والخير والجمال، وفي سحب وتضاريس السماوات العلا عندما تخطفه الجنيات الجميلات ويصعدن به إلى أعلى عليين، وينفردن به، يبادلنه العشق ويمنحنه القوة والمجد والأولاد السريين، هؤلاء الذين سيشيب شعرُ رأسك عندما يهبطون إليه في لحظات يأسه المريرة، ليحرروه من الأسرِ، ويدافعون عنه باستماتة حتى ينجحوا في الخروج به من حيطانه الضيقة إلى الفضاء الوسيع، وعندما يسألهم ممتنا لأفعالهم وشاكرا صنيعهم :

- ومن أنتم ؟

فيقول له الأول :

- أنا ابنك من زوجتك هيلابيس

ويقول له الثاني :

- أنا ابنك من زوجتك آهاليم

ويقول له الثالث :

أنا ابنك من زوجتك راكيسيا

وهكذا، يأخذهم في أحضانه، كما يليق بأبٍ فاجأه لقاءُ أبناءٍ لم يكونوا أبدا في حسبانه، ويبكون بين يديه تأثرا، كما يليق بأبناء يؤدون واجبهم العاطفيّ في حضرة أبٍ يرونه للمرةٍ الأولى .

عليك أن تتعامل مع مثل هذه الحوادثِ والأشخاصِ كما ينبغي لقاريء السيرة الشعبية أن يتعامل معها، وسيصبحُ دمُك ثقيلا لو انك تساءلتَ عن منطقية الحدث، وعقلانيته، بل ستصبح غير عارفٍ بأصولِ اللعبة الفنية الشائقةِ لو انك تساءلتَ مثلا كعادة المثقفين أصحاب المنطقِ التأريخي الجليل، قائلا :

كيف يشهر سيف بن ذي يزن في هذه السيرة الشعبية إسلامه، وهو – تاريخيا – مات قبل نزول الوحي علي نبينا الكريم محمدٍ عليه الصلاة والسلام، بل قبل ولادته أصلا ؟ .

قادتني قصة حمزة البهلوان إلى عالم السير الشعبية، تتبعت هذه الورقات الصفراء من منضدة إلى منضدة، ومن مكتبة إلى مكتبة، ومن عنترة إلى ذات الهمة إلى سيف بن ذي يزن وأبي زيد الهلالي ورفاقهم الكثار، كنت عندما أضع رأسي على المخدة آخر اليوم، أسترجع هذه الحوادث بتفاصيلها الصغيرة، ونسائها النحيلات ذوات الحسن الذي لن يتسنى لك أبدا أن تقابله في الواقع، وبأشعارها الكثيرة التي لا تخلو صفحة منها، ومازلت إلى الآن أحفظ كثيرا منها :

وسرت أنا للقصر وحدي فأبصرت
عيوني عذارى يرتجون حمايتي
وقالوا تعالى يا ملك سيف عندنا
لتنقذنا من كل بؤس وشدة
وقد رفعوني بالرباط إليهم
وكانوا تمام الأربعين بعذرة
وقد جاءني العفريت يغلظ قوله
بخوف وتهديد ليطلب قتلتي
فبادرته بالسوط كي أسقط زنده
فملت وأخلى القصر صائب همتي
وأسلمت هاتيك البنات لأهلها
وعاقصة كانت رسولي لوصلتي
وناهد قالت يا ملك لا تردني
أريدك حتى أنت سؤلي وبغيتي
فقلت لها عاقصة أوصلي بها
فسارت بها تبكي وتنعي لفرقتي .

من فضلك، لا تكن كسول القلب، وتسألني عن الصحة الشعرية لهذه الأبيات، فلو انك مثلي عشتَ هذه الأحداث، وابتُليتَ بما ابتُليتُ به من محبتها، لسامحتَ شعراءَ هذه السيرِ الشعريةِ عن كل ما يمكن أن يرتكبوه من أخطاء في شكلانية الشعرِ، ولو استمر بلاؤُكَ الحسن مع هذا الضرب من القول، لوصل بك الأمر – كما وصل بي – إلى قناعة راسخة بأن مثل هذا الشعر ينبغي أن يكون هكذا، بل لا ينبغي له بأي حالٍ من الأحوالِ أن ينضبطَ أمرُه، ويستقيمَ حاله، لأنه ساعتئذِ سيفقد ماءه الحقيقيَّ، وصفاءه العذب .

*******************************************
قال لي زميلي في جريدة ( صوت سوهاج ) التي كنتُ أشرف على صفحتها الثقافيةِ مساءً وأنتظم في صفوفِ الطلاب في المرحلة الثانوية صبحا :

- ألا تريد أن تستمع إلى عم جابر أبو حسين وهو ينشدُ السيرةَ الشعبية ؟

لا أعرف اسمَ البلدةِ التي هبطنا إليها، لكنني جلست إلى شيخٍ مهيب ذي لحية بيضاء، كان شيخا لإحدى الطرق الصوفية، وكان الناس يقبلون يده، قدموني له على أنني صحافيٌّ يريد أن يجري معه حوارًا، أجلسني في مواجهته، وطلب مني أن أشاركه الطعام، كانت أمامه حلة نحاسية نصفها السفلي به فتةٌ من الخبزِ الشمسيّ، والنصف العلويُّ ممتليءٌ عن آخره بقطعِ اللحمِ الكبيرة، وبالرغم من إحساسي بالجوع إلا أنني لم أكن مستسيغا للطريقة التي يأكلون بها، حيث يمدون أيديهم التي ربما تكون متسخة في هذه الحلة، ادعيت بأنني صائمٌ، ربّتَ على كتفي بحنوٍ وإعجابٍ، كان يأكل بنهمٍ شديد، وكان رفاقه ينتظرون حتى يرفع يده عن الحلة حتى يمدوا هم أيديهم إليها، قال لي من ضمن ما قاله، إنه له أكثر من خمسين عاما لا يأكل غير التمر، وأخرج لي من جلبابه بضع تمرات ليثبت لي صحة قوله، ولا يشرب غير الماء القراح، وأشار إلى القلة المركونة بجواره، ولما كنت صغير التجربة وقليل المعرفة، بادرتُه قائلا :

- فما هذا اللحمُ الذي تأكله ؟

لم يرد، واصل أكله بشهية كبيرة، غير أن أحد رفاقه ابتسم ابتسامة العارف ببواطن الأمور، وهمس لي بصوتٍ خافتٍ حانٍ مؤثرٍ مقنعٍ :

هناك أمورٌ أكبرُ من حجم إدراكنا ؟ فلا تسأل كثيرًا، واستمتع بحديث سيدنا وكلامه الطيب، ولا تفسد الرفقة يا حديث العهد .

بالطبع، كتمت سؤالي عن لماذا يشرب الجوزةَ إذن ؟ ومعها سطلُ البوظة الذي أتي إليه بمجرد انتهائه هو ورفاقه من الأكل، ورفع الحلة النحاسية بيضاء من غير سوء.

أجريت معه الحوار الذي لم أستطع أبدا نشره بسبب المبالغات الواردة في ثناياه، والتي تخلع عنه صفة البشرية واصلة به إلى صفات أخرى، والتي يؤكدها بكثير من الإصرار رفاقه الذين كدت بسبب صغر التجربة وقلة المعرفة وانعدام الحال أن أفسد عليهم رفقتهم، قبل أن أصافحه وأمضي، أتى أحد رفاقه من أصحاب التجربة الكبيرة والمعرفة المتسعة ممن يقيمون في الأحوالِ، صافحه وقبل يده، ودعاه للطعام، غير أن الشيخ اعتذر له بأنه اليوم صائم، كعادته، منذ خمسين عامًا، صافحته، ومشيت .

قبل المغرب بقليل، أقبل عم جابر أبو حسين، وأقبلت عليه الدنيا كلها، كانوا يتزاحمون بقسوة وغلظة لدرجة أنني طوال سماعي لإنشاده لم أستطع أبدا أن أرى وجهه مكتملا، غير أن صوته القوي الحنون مازال إلى الآن يرن في أذنيّ، كانت سيرة أبو زيد الهلالي في صوته مغايرة تماما للسيرة التي قرأتها سابقا، طبعا الحكاية واحدةٌ، لكنها على لسان عم جابر وبأشعاره هو، وبتدخلاته الإيقاعية التي يضيفها عليها، كل ذلك يجعل منها نصا موازيا للنص الذي قرأته وليس مطابقا له .

أحببتُ هذا الرجل جدا، أحببتُ هذه الفدادين اللانهائية في حنجرته، أحببت هذه الهضاب والبحار في صوته المشروخ .

في هذه الفترة كان جابر أبو حسين في نظري، هو النموذج الحقيقي للشاعر .

وعن جابر أبو حسين، وبإلهام منه، كتبت قصيدتي ( صورة لحامل النشيد ) ، التي ضمها ديواني ( الرجل بالغليون في مشهده الأخير ) :

هذا أنا وهذه ربابتي
، وأنتمُ على مصطبتي
معي أبو زيد وعنترةُ وحمزةُ وابن ذي يزن وغيرهمُ
والعبد أطلق بوقه فجأة
والطارقُ الغجريُّ خبَّط فوق مطرقة النحاسْ
فأتوا سِراعا للميادين الوسيعة في دمي
بسيوفهم ونشيدهم ونسائهم
، ماذا سأفعل يا ندامى
ونذيرُ الحربِ معقودٌ على سقف السماء كصرخة الحدأة ؟
وترُ الربابة صاخبٌ بصليلهم
، ودمي تنقَّط بالدم المنزوفِ من قتلاهمُ
، وأنا أسير اللحنِ
، مشدودٌ إلى نبضاته المجنونة الإيقاع
، منجذبٌ إلى جسد تداعى في مواجهة ابن ذي يزن وندبة إمرأة
لكنَّ حنجرتي مُشَرَّخَةٌ
والعينُ داهمها النعاسْ .

يقول الأستاذ الدكتور على عشري زايد ، في دراسته العلمية الرصينة عن ديواني ( الرجل بالغليون في مشهده الأخير ) :

{ الحوار مع الموروث مدخل أساسي من مداخل الولوج إلى صميم مغامرة السمّاح عبد الله في هذا الديوان، وهو لا يدع مصدرا من مصادر التراث دون أن يمتاح منه، ولا يدع تكنيكا من تكنيكات التعامل مع هذا الموروث دون أن يستخدمه، وفي قصيدة ( صورة لحامل القصيد ) يمتاح الشاعر من موروثه الفلكلوري ممثلا في أبطال السير الشعبية : أبي زيد الهلالي وعنترة بن شداد وحمزة البهلوان وسيف بن ذي يزن وغيرهم، إنهم يملكون أسلحتهم : سيوفهم ونشيدهم، أما هو فلا سلاح له سوى ربابته، ولا عمل له سوى استدعاء هؤلاء الأبطال من أعماق التراث، ولكن حنجرته مشرخة والعين داهمها النعاس، ومع ذلك فهو يقاوم الظروف التي تحاصره بمواتها وخمودها، ويشاكسها ويرفض أن ينكسر أمامها أو يخضع، ولكننا لا نعدم أن نلمح بين الفينة والفينة لحظات انكسار عابرة، وظلال إحباط كابية، تظلل آفاقَ رؤيته . }

يحتاج جابر أبو حسين إلى قطعة وقتٍ أخرى، وإلى حالٍ غير الحال، ومقام غير المقام، لأنني، وبعد هذا اللقاء المزدحم، وفي بلدة أخرى، قابلته، وصافحته، وجلست بالقرب منه وهو يطبّق في جنبات الهواء مواويله، ويطلق العنان لأبطاله النبلاء في صحراء غربتهم العريضة، وعشقهم الأسطوري للنساء الخرافيات، هؤلاء اللواتي يعجز أكثر الأدباء قدرة على امتلاك الخيال، على وصف جمالهن كما وصفه جابر أبو حسين، ذلك الذي منحني من الخيال ما لم يستطع أحد غيره أن يمنحني إياه .

ألا يا سقى الله تلك الأيام .

============
السمّاح عبد الله
============





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,500,143
- السماح عبد الله ومحاورة المألوف ، د. علي عشري زايد
- أوراقٌ للنشرِ في هيئةِ الكِتابْ
- لويس عوض : صورة جانبية
- مديح العالية
- الطوافة
- سَرْدِيَّةٌ أُخْرَى لِلرَّائِيَةْ
- هواء طازج - 3
- انخطاف
- ورود يانعة لنا كلنا من رجل واحد
- سلفادور دالي
- انظر وراءك في فرح لتكتب شعرا حقيقيا
- من أين أقتطع خبزة القصيدة ؟
- خراب السقيفة
- فرلين
- عن مكاوي سعيد
- تصاوير ليلة الظمأ
- أقوال المرأة البليلة وتفاسير أقوالها
- أغنية البحار
- فتنة الذكرى
- معزوفة للحمائم البعيدة


المزيد.....




- منجيب يخترع حقا جديدا من حقوق الإنسان : الحق في -السليت- من ...
- فنانة? ?مصرية? ?تصدم? ?زوجها? ?بكلمة? ?حب? ?غير? ?متوقعة? ?ع ...
- قيادي في المعارضة السودانية لـ(الزمان): مسرحية هزلية لإعادة ...
- -بريد الليل- يوصل هدى بركات إلى البوكر
- المجلس الحكومي يتدارس السياسة الرياضية
- جائزة البوكر العربية تعلن اليوم الفائز بدورة 2019
- مهرجان موسكو السينمائي يعرض فيلما عن تمثال بطرس الأكبر في بط ...
- رسام روسي يجمع ذنوب الإنسانية في مكان واحد
- رغم الجدل.. جائزة -البوكر- تعلن هوية الرواية الفائزة هذا الع ...
- بنعبد القادر يدعو إلى الانتقال إلى تدبير مهني مبني على الكفا ...


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - أَلاَ يَا سَقَى اللهُ تِلْكَ الْأيَّامْ