أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الأوانس والجَواري 3















المزيد.....

الأوانس والجَواري 3


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 3141 - 2010 / 10 / 1 - 18:20
المحور: الادب والفن
    


تقييد الأبّ لحريّة أبنته، البكر، كانَ له موجباً آخر.
أنسُ عروق شقيقي " جينكو " بالدخان الأزرق، جعلهُ على صلة وَثيقة بمَصدر الجمار. إنه " مصطي "، الحشاش، من كانَ يَمدّ أبن خالته مَجاناً بمَعجون الكيف؛ وكيداً بالعائلة، قبل أيّ اعتبار آخر. مع إطلالة العام ذاته، الذي سيشهد خريفه حربَ تشرين، سيقَ أخي إلى الجنديّة. وفيما كانَ حضورُهُ مُفتقداً في الدار، فإنّ قريبنا الحشاشَ أخذ على عاتقه تمثيل دَوْر حامي الشرَف، الرفيع. من مكان مُناسب على شرفة منزله، دأبَ " مصطي " على مُراقبَة مَدخل منزلنا؛ المُحتفي آنذاك بالحضور المؤنث، المُتتالي. وكانَ ثمّة، ذاتَ عصر مُعتدل الهواء، يَتأمل عن بُعد هيئة " آدم "؛ أبن جيراننا من آل " كرّيْ عَيْشة ".
" هلا دَعَوْتَ صديقكَ على فنجان قهوة، بدلاً عن تركه مُتسمّراً أمام باب المنزل "، خاطبني الحشاش على غرّة من فوق شرفته. فما كانَ مني إلا رفع رأسي وسؤاله مُنزعجاً: " وما الذي يَعنيكَ أنتَ..؟ "
" يا غبي، إنّ حريمَ العائلة يدخلون ويخرجون على مَرأى من إنسان غريب "
" يا هذا، هل عُدمَ الحريمُ في منزلكَ؛ أنتَ من يجلبَ إليه الحشاشين كلّ يوم؟ "، خاطبته بدَوري دونما هوادَة. ردّه على مُساءلتي تلك، المُتهكّمة، كانَ سريعاً. برهة أخرى، وكنا مُشتبكيْن معاً في عراك مَجنون. صديقي، كانَ أجبَنَ من أن يبقى قدّام العتيّ الأخرَق؛ بله مُحاولة فض النزاع. ولكنها جدّتنا، الشديدة الشكيمة، من خرَجتْ على الأثر لكي تجذبَ حفيدَيْها بعيداً عن بعضهما البعض: " تفوو عليك، يا رافضي يا ياهودي.. "، صرَختْ بالحشاش وهيَ تبصق في سحنته. هذا، وَجَدَ نفسه وَحيداً أمام العائلة كلّها، الهادرة فيه بلسان واحد، غاضب. فما لبثَ أن أنسحبَ من المَكان مُتلبّساً بالخزي، فيما كانَ يُبربر مُفردات مُبهمَة.
في يوم تال وما أنْ ظهرَ " جينكو " في ناحيتنا، مُستفيداً من إجازة قصيرَة، حتى ألمّ بتفاصيل المَشادَة. إذاك، وكانَ قد حضرَ تواً من منزل الحشاش، فإنه أخذ يُعاتبني لقلة احترامي لقريب يَكبرني سناً ولديه أسرَة وأولاد. والدُنا، كانَ على الأرجح قد لاحظ ما يُريب في مَظهر أخي، حينما دخل المنزل. فإذا به يَظهر فجأة وراء باب الحجرَة: " هيا، أصلح من نفسكَ قبل أن تجزي النصحَ لغيركَ "، قالَ له وكأنما بالإنابة عني. عند ذلك، راحَ " جينكو " مُحرجاً يَسرد على مَسْمع الأبّ حكايَة العراك في منزل عمّتنا، مُلقياً اللومَ على أخته، الكبيرة.

ما هيَ إلا أيامٌ أخر، وشقيقتي تتسلّم مُذكرَة استدعاء إلى مقرّ الأمن السياسي.
" الأستاذ حسين "، أبن عمّنا، هوّنَ من أمر المُذكّرة بعدما قامَ ببعض الاتصالات مع رفاق حزبه، المسئولين. وبالرغم من التحقيقات والتهديدات، لم يَتحصّل المَعنيون من الأخت على شيء مُجد. إلا أنه لم يجر توقيفها، بل وما عتمَ الملفّ أن طويَ. عندئذ، كانَ السؤال عن ماهيّة المُخبر، الواشي، قد آن أوانه.
" أقسمُ برأس جدّتي، " ريما "، أنني بريء من هذا الأمر.. "، هتف أبنُ خالتنا الحشاشُ مُتباكياً قدّام والدي وشقيقي. الوقتُ، كانَ على حدّ المساء. جهامَة وَجه الأبّ، كانت مُنسجمَة مع الجوّ الشتويّ، المَشوب بالسُحُب والريح. وأردَفَ " مصطي " من ثمّ بنبرَة أخرى، أكثر ثقة " لنتذكّرَ دوماً حقيقةً، أنّ الزقاقَ مَرصودٌ بعينيّ مُخبر في مَدخله التحتاني، وعينيّ مُخبر آخر في مَدخله الفوقاني ". ولم يكُ الأخرَقُ، في واقع الحال، بحاجَة إلى تسميَة المَعنيَيْن: إنّ أبن " المللي "، المُستعير لكنته من الجار العلويّ، كانَ قد جعلَ دكانَ السمانة العائدة لرزقه نقطة مُراقبَة حَسْب؛ ثمة، في صَدر الحارَة. فيما الخياط، " ربيع "، كانَ لا يعبأ بقلّة الزبائن، المُرتادين محلّه الكائن على ناصيَة الطريق السلطاني.
" لا، إنّ الأمنَ لم يكن لينتظر شهراً لكي يتحرّك، لو أنّ الأمرَ مُجرّد وشايَة من أحدهم؛ أكانَ مُخبراً أو حاقداً "، قالها حفيدُ عمّتي في يوم آخر. ثمّ استطردَ بلهجة يقين ونبوءة في آن " هناك من له مَصلحة في إزاحتنا من طريقه، وبأيّ طريقة كانت ". هكذا كلام، خطير، عليه كانَ أن يَصدمني بقوّة لو أني سمعته قبلاً. أما في ذلك اليوم، فكنتُ خال من أيّ همّ من الهموم المُنشغل فيها الحاضرون ثمّة؛ في منزل عمّتي، المَرحومة.

" مصطي "، كانَ غيرَ مُبال بتبرئة ضميره في واقعة أكثر جدّة، دَمَويّة.
مَكانُ الواقعة، كانَ هناك في منزل شقيقه، الكبير، الكائن على ناصيَة مَدخل الزقاق، الفوقاني. من جهتي، كنتُ مذ صغري مُتآلفا مع المنزل الآخر، المُقابل، العائد أيضاً لمُلك أبن عمّنا الكبير، " ديبو "؛ المنزل نفسه، الذي شهدَ فيما بعد مُحاولة قتل الابن الأكبر. آنذاك، حقّ عليّ الذهول في مَوقف مُلتبس، لم يكُ مَفهوماً لإدراك غلام غرّ بعدُ.
" أأنتَ، حَبيبي، شقيقَ " جينكو "..؟ "، سألتني المرأة الفاتنة بعدما انتشلتني بلطف من وَسَط عُصبَة الأولاد، المُجتمعين بالقرب من منزل الإيجار المُقيمَة فيه. ولما أومأتُ لها إيجاباً، فإنها ما لبثتْ أن كلّفتني بشراء طشت غسيل، من عند أحد الباعة في أسفل الزقاق. ولما عُدّت بالغرَض فإنها أصرّتْ على أن أحتفظ بالقطع النقديّة، المُتبقيَة. المرأة الفتيّة، الكريمَة، ندَهتني في يوم آخر: " لدينا ضيوفٌ وابنتي صغيرة، بحاجة لمن يُراعيها قليلاً "، قالت لي برجاء. مُتردّداً بدافع الخجل، وافقتُ من ثمّ على طلب المرأة. الابنة، كانت جدّ صغيرَة وبالكاد تستطيع الزحف. كنتُ معها في الحجرَة الصغيرة، شبه العاريَة من الأثاث، حينما دَخلت أمها إلى الحمّام صُحبة رجل وَسيم.
" إنه زوجها، ولا شكّ.. "، فكّرتُ وأنا مُتململٌ من صَخب الطفلة. في اليوم التالي، إذا برجل آخر يَظهر في حضرة المرأة، الفاتنة. لاحقا، شهدتُ بنفسي كيفَ يتعامل " أبن فيروزا "، العتيّ، مع هذه المسكينة. عندئذ، أدركتُ حقيقة ما التبسَ عليّ من أمر الرجال، العديدين. بيْدَ أنني، في سنّ الحدث تلك، كنتُ أغبط أبن خالتي على تمتعه بتلك الحسناء. بضعة أعوام، على الأثر، وحلّتْ امرأة أخرى في ذلك المنزل، السيء السُمعة.
إنها " سَمَر "؛ الفتاة الشقراء، المُخالف اسمها للون بشرتها. كانت حَسَنة القسمات، بالرغم من أن أحدَ عينيْها كان من زجاج شفاف، اصطناعيّ. الفتاة، كانت تنحدرُ من بلدة " برزة "، على الطرَف الآخر، الشرقي، من جبل " قاسيون ". صفة الأصل، المَوْسومة، كانَ عليها أن تذكّرنا ببعض رحال الحارَة ممن حَظوا أيضاً بنسوَة من تلك الأنحاء، الغريبة، فأنجبنَ لهم الأولادَ ـ كما في أمثلة " أم صلاح " و " أم أبراهيم " و " أم البرزاوي ".

ولكنّ مَقدورَ " سمر "، الغاشم، كانَ يُدبّر لها تصريفا آخر، مُختلفاً ولا غرو.
بطريقة ما، علمَ الأهلُ بوجود أبنتهم، المُنحرفة، في مُتناول يَد أبن خالتنا؛ وبالتالي، بتمرّغها في وَحل طالبي المُتع الرَخصَة، العابرَة. إذاك، بادروا من ساعتهم إلى التحرّك. في تلك الأثناء، شاءَ مَقدورُ الشقراء، المُنتهكة البدَن على مدار اليوم، أن يُضافرَ من تعاستها: ثمة، في منزل سائسها، كانَ لها غريمٌ ضار لا يَني عن الكيد والتنكيد. إنها " هجرَة "، السمراء الشرسَة، الفلسطينية الأصل، ومن كانت تفنى في مُنى أبن خالتنا حدّ أنه أضطرّ للزواج منها فيما بعد، فخلّفتْ منه نصف دزينة من البنات. غيرَتها الشديدة عليه آنئذ، كانت تدفعها للتنكيل بندّتها، الشقراء، شتماً وضرباً، بغيَة دفعها لمُغادرة المنزل نهائياً. إلا أنّ سَبباً، داهماً، لا يَمتّ للمُفاضلة بين السّمر والبيض، عليه كانَ أن يَدفع " أبن فيروزا " إلى عقد قرانه بالشقراء: الأقرباء، الذين حضروا ذات يوم من بلدتهم، مُتعقبين أثرَ البنت المفقودَة، الضالّة.
ولكنّ هؤلاء، مثلما تبيّن فيما بعد، لم يَكن ليهدأ لغلّهم مُستقرّ على وَجه الأرض، طالما قريبتهم تسعى فيها. توبة " سمر "، المَشفوعَة بمنديل رأسها، المُرهف النسيج، لم يَشفعا لها لدى الأقارب، المُتعطشين للدّم. إلا أنّ مَكرَهم، المُستمدّ من بيئتهم الريفية، أجاز لهم أن يَعمدوا لسبُل الإخبات. إذ حضروا مرّة أخرى إلى منزل " ديبو "، أبن عمّنا، ليُخبروا أرملته بأنهم على استعداد لمُصالحة الابنة، الخاطئة، قائلين أنّ الله يهدي من يَشاء. خالتنا، وكانت قويّة المراس ما تفتأ، طرَدَتْ أولئك الدخلاء في الحال، قائلة لهم بدَورها أنّ " صهرهم " مسافرٌ إلى الأردن ولا سبيل لفعل شيء قبل عودته.

أيامٌ أخرى، مَعدودة، وأفاقَ الزقاقُ على مَشهد دَمَويّ، فظيع.
اكتشفتْ جثة " سمر "، ذاتَ صباح صيفيّ، وكانت مَذبوحة العنق من الوَريد إلى الوَريد. العدَسَة الزجاجيّة، المَلفوظة عندئذ من عينها، كانت دليلاً على مَبلغ ألم صاحبتها؛ عندما كانَ يُضحى بها ـ كنعجَة العيد الكبير. بدءً، جرى الافتراضُ بَداهة ً إلى أنّ " سمر "، التعسة، خُدعَتْ بما نمّ إليها عن نيّة أهلها بالصلح والمغفرَة.
إنما في وَقت مُتأخر من تلكَ السنة، وبينما كانَ " مصطي " في بحران إحدى نوباته، العصبيّة، فإنه باح بسرّ مقتل امرأة شقيقه: " المال، كانَ لديهم مالٌ كثير؛ أولئكَ الناس "، كانَ يُردّدُ لمن حوله مقهقهاً بجنون. لقد كانَ هوَ بنفسه من التقى أولاً بأقارب الضحيّة، ليزعم لهم أنّ زواجها مَحضُ إجراء، شكليّ. ثمّ ما عتمّ أن أعدّ معهم، لاحقا، الخطة المَطلوبة وبأجر مُجز، مُتفق عليه.
جدارٌ واطيء، أسمنتيّ، يفصلُ المنزلَ الذي كانت " سمر " تقيم فيه، عن أصله القديم؛ منزل " مصطي ". هذا الحشاش، كانَ إذاً قد تسلق ذلك الجدار ليلاً، مُطمئناً لعمق نوم امرأة أخيه، التي لا تغفو إلا إثرَ شرب بضعة أقداح من الويسكي. الجناة، وكانوا أثنيْن من أشقاء الضحيّة وأبن عمّ لهما، لبثوا قدّام باب منزلها، الموصد، ولحين فتحه من لدُن شريك العَمليّة.
جدارٌ آخر، كانَ يفصلُ منزل القتيلة عن منزل مُجاور، تقطنه امرأة سَتضحي أيضاً ضحيّة للشرَف، المَبذول لرفعته دَمُ الأنوثة، القاني.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,274,859,172
- الأوانس والجَواري 2
- ثمرَة الشرّ: الأوانس والجَواري
- المُتسكعون والمَجانين 4
- المُتسكعون والمَجانين 3
- المُتسكعون والمَجانين 2
- ثمرَة الشرّ: المُتسكعون والمَجانين
- القبلة ، القلب 5
- القبلة ، القلب 4
- القبلة ، القلب 3
- القبلة ، القلب 2
- الأولى والآخرة : الخاتمة
- الأولى والآخرة : مَزهر 13
- الأولى والآخرة : مَزهر 12
- الأولى والآخرة : مَزهر 11
- الأولى والآخرة : مَزهر 10
- الأولى والآخرة : مَزهر 9
- الأولى والآخرة : مَزهر 8
- الأولى والآخرة : مَزهر 7
- الأولى والآخرة : مَزهر 6
- الأولى والآخرة : مَزهر 5


المزيد.....




- عودة حنان ترك للفن تعرضها لانتقادات لاذعة!
- برنامج مهرجان ربيع الشعر العربى فى الكويت
- ما حكاية الممثل مايكل إنرايت الذي تمنعه الولايات المتحدة دخو ...
- حنان ترك تعود للسينما وتثير جدلا واسعا في مصر...هل ينتهي -صر ...
- طبق فاكهة عمره 600 عام، للبيع بمبلغ يتراوح بين 2 و3 ملايين د ...
- الحمامة أرماندو.. واحدة من أغلى خمسة حيوانات في العالم
- تونس تتهيأ لتتويجها عاصمة للثقافة الإسلامية 2019
- أردوغان? ?يعتمد? ?المهارات? ?الكلامية? ?والغناء? ?لاجتذاب? ? ...
- دار أوبرا إيطالية تعيد مبلغا تبرعت به السعودية لضم وزير الثق ...
- -دي كابريو- يعلن عن موعد إطلاق الفيلم الجديد لـ -تارانتينو- ...


المزيد.....

- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الأوانس والجَواري 3