أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمين أحمد ثابت - بوابة الحقيقة والبركان قصة قصيرة















المزيد.....


بوابة الحقيقة والبركان قصة قصيرة


أمين أحمد ثابت
الحوار المتمدن-العدد: 3138 - 2010 / 9 / 28 - 00:57
المحور: الادب والفن
    




- أظن أن الصيد الذي حصلنا عليه اليوم كان كافياً .

لوح بيده عالياً لأفراد الفرقة المتناثرين على الرابية المطلة على السهول والمراعي الواقعة تحتها على امتداد النظر .
لم يكن موجوداً ساعتها أي إنسان يمثل الصيد المطلوب – سوى بعض الرعاة الذين انتشرت أغنامهم مبعثرة على المرتفعات المختلفة عن العشب والكلأ المناسب .

الهواء يكاد يكون ساكناً , مع بعض لنسمات الجميلة التي تهب في فترات متقطعة , إلا أن أقدام الخيل قد غيرت من هدوء كالطبيعة الجميلة بقرقعة أقدامها المتسابقة التي كانت تسحق كل ما كان يصادفها من الأعشاب والزهور المتفتحة مؤخراً – رغم تمزيق الطبيعة الساكنة – رسمت هذه الخيول لوحة أكثر جمالاً بشعرها الكثيف المتطاير بين ذرات الهواء المتسابقة مع قوائم الخيل التي اتخذت الأوضاع المختلفة لتعجيل زمن العودة .
لم يكن المبنى بعيداً , إلا أنه كان يقع في مكان ناء بعيدة عن العالم . بنفس السرعة التي كانت تجتاز فيها المنحنيات والطرق المتعرجة , مرقت مجموعة الخيالة من البوابة المشرعة المصراعين , والتي كان قد تراكم عليها الصدا – بعد الإشارات التي أرسلها المراقبون المتوزعون على الأنحاء المختلفة من السور المحيط بالمبنى .

ساعة زمن أكون قد وصلت بعدها تلبية لطلب القائد في موعد حدده سابقاً مع رسوله الذي جاء بجمل تفيد بضرورة الذهاب .

كانت القرية التي أسكنها تبعد عن هذا الموقع المهجور بثلاثة ساعات سيراً على الأقدام – رغم قرب المسافة , إلا أن هذا المركز لم يكن يعلم به أحد من سكان القرية , عدا من كان على علاقة وطيدة مع هؤلاء الذين كان يسميهم مأمور القرية ( بالسفاحين )– حسب مرسوم أعطي إليه شبيهاً بمرسوم التنصيب له كممثل للحكومة بالانتخاب الديمقراطي .

رحلة ممتعة عبر الحشائش والأعشاب , شاركتني المسير فراشة.. صادفتها في منتصف الطريق , ظلت تلاحقني وتجنح على وجهي وكتفي بسعادة كأنها تريدني أن أتذوق معها هذا الجمال الذي تملكه بحرية مطلقة لا يشاركها في التملك أي كائن آخر .

فوهات قد أشرعت للانقضاض عند شعورها بقدوم غريب يقترب من هذا المكان المحرم , فقد كان من العادة أن يطلب منها التستر بلف شال يغطي ملامح الوجه حتى لا يتعرف أحد علينا , وتعصب أعين القادم من مسافة نصف ساعة قبل أن يجد القادم نفسه في الحصن . رغم تلك الاحتياطات , حتى بين أفراد التنظيم فقد كان ممثل الحكومة المدنية يعرف بعض الأشخاص – كيف توصل إلى ذلك ؟ سؤال لم نعرف إجابته بعد – فمعظم أهالي القرية والقرى المجاورة في الغالب تصدق كل ما كانت تقوم به هذه الجماعة من العمليات الانتقامية خلال الضربات العديدة الموجهة لممثلي الحكومة , الذين كانوا يختفون الواحد تلو الآخر - رغم الحراسة المشددة من قبل الجنود – بالأخص بعد اختفاء قاضي القرية عند انتهائه في آخر قضية له , بانتزاع أرض أحد المزارعين وضمها كإحدى ممتلكات مأمور الناحية .
طرقات ثلاث بطيئة .. طرقة أقوى .. ثم ثلاث طرقات قوية متتابعة في الأخير , إشارة تمثل كلمة السر لفتح البوابة الخارجية لمن كان على علاقة بهم من أفراد القوى المنظمين – والذي كان لا يعرف سواهم مقر كمركز قوى المعارضة هذه . أما المتعاطفين كانوا من الكثرة بحيث كان يتم اللقاء بهم بطرق غير مباشرة في أماكن كثيرة مختلفة – في الغالب ما كانت أماكن خراب أو مهجورة من السكان .

إلى الداخل درجت متباطئاً – شتان كان الجو متمايزاً في الداخل والخارج , فنسمات الهواء الباردة المحملة شذو الزهور المتفرقة عبر المروج المغطاة بالحشائش المخضرة , والتي كانت تتخللها السنابل المتمايلة تحت ثقل الطيور الحقلية الباحثة عن غذائها – كان تأثير الطبيعة كثيراً – بحيث ما زال عالقاً في إحساسي , رغم الجو القائم المأزوم في الساحة الداخلية والواسعة التي أحاطت بها الأسوار العالية من جميع الأطراف – والتي حولتها إلى مغارة عميقة , لا يدري أي إنسان مكانها – عمليات إعدام كثيرة كانت تُجرى فيها بعد طقوس ورقصات جنونية صاخبة , تظل مرافقة لها يشتد ضجيجها عند إغراق الأرض بدماء الضحايا من وقع عليهم الإعدام .
كنا نسمع ونعتقد جازمين بأن دولة الممثلين ليست إنسانية , لكثرة ما تمارسه من اضطهاد وقمع لفئات الشعب – ولكن أين تقف هذه الممارسات الفاشية المتطرفة من مسألة الإنسانية ؟ وكيف نبرزها ؟ ... عمل إرهابي أكثر بشاعة .. في الغالب لم تكن هذه المنظمة لديها القدرة في مواجهتها للسلطة بشكل أكثر عقلانية , ولن يكون لها القدرة في إيجاد المجمع الإنساني الهادف للرخاء في تحقيق مثله العليا من لمساواة والحرية والحقوقية والواجب إذا ما تسلمت زمام الأمر مستقبلاً – إلا أن التبرير لمثل هذه الأعمال التعسفية كانت تلصق تحت حجة ضرورة المرحلة ومقابلة أعمال السلطة بالمثل الشائع : " لا يفل الحديد إلا الحديد " .

كانت الساحة شبيهة بأحد الأوكار الشبحية التي كثيراً ما كان الخيال يجسد شكلها من أثر قراءة القصص الخرافية والأساطير المعظمة لروح الانتقام والشر .. تظهر فيها العمليات الانتقامية بأشكال يرتعد لها البدن بمجرد سماع الأصوات والحركة الآلية المفزعة .
انتظمت العديد من المناضد ذات الارتفاع بقدم ونصف في شكل حلقة غير منسجمة على حركة نشطة , لا يسمع منها سوى دبيب الأرجل , التي توحي للمرء كأنها خلية من خلايا النحل , فمن كثرة الحركة والتنقل لا تعرف ما هو عمل كل فرد , فمعظمهم كانت أيديهم فارغة أثناء ذهابها ورواحها .

على ما يبدو بأنني لم أستيقظ على الانقباض الذي كان يسقطه المكان على النفس , إلا متأخراً بعد أن تسربت إلى أنفي رائحة العفن المتصاعدة من الجلود البشرية المسلوخة من اللحم , والتي تجعدت مع الوقت , وتخرمت في كثير من مواضعها بفعل البكتريا المحللة لتكتمل اللوحة الانتقامية في أبشع صورها .

سلخانة . انتقام مريع لم يشهد له مثيل . وقف كل شخص وراء منضدته يباشر عمله برغبة جامحة – يتنافسون في إيجاد صور إبداعية مختلفة عند تقطيع أكوام اللحم الممدة أمامهم .

لحظات من هول المنظر استرقت الرؤية – كان هناك جسد يتوسط الجثث الجديدة التي لم تسلخ بعد , عيناه متصلبتان مبحلقة في الأعلى , لم أشعر بنفسي إلا وهي تتقلص – فالقيء احتقن في الحنجرة من شدة الرعب كان يرفض الخروج , الجثة لم تكن غريبة, فقد كانت جثة القاضي المخطوف قبل فترة وجيزة , والذي اختفى بطريقة غريبة تتداخل فيها التأويل . لحظه الكثير في ذلك اليوم قاعداً على كرسي القضاء – بعد أن سمح حارس الباب لبعض الأشخاص في الدخول إليه .


ساعتان منذ أن باشر عمله ذلك اليوم – لم يبرح مقعده .. لكنه اختفى ,كيف ؟ سؤال لم يستطع أحد أن يجيب عليه ...
كان التعامل مع الجثث بصور عدة , فمنها من علقت بعد سلخها من جلودها , وأخرى كانت تؤخذ إلى آلة التقطيع اللحم لتفرمها إلى قطع لحمية صغيرة ؛ لذلك كان من الصعوبة التعرف على أصحاب الأجساد المشوهة إلا من خلال الملابس المرمية ريبة منها والتي كانت تمثل الدليل الوحيد للتعرف على هوية الجثث المشوهة غالباً ما كانت لبهوات وعساكر يحملون شارة ضباطية .

بقدر ما كنت أكره هؤلاء المقتولين الذين نصبوا علينا كحكام ومأمورين بقرار أو مرسوم حكومي – إلا أنني تألمت كثيراً للوضع الذي كانوا عليه , رغم إيماني بضرورة التخلص من أمثالهم الممثلين للسلطة التي تمارس أحكامها التعسفية في إذلال الناس .

خطوات ثابتة في الصعود على درجات السلم العشرين , والذي قادني خلالها أحد الأتباع بعد طهورة فجأة .



غموض لم يحدث أن تبادل أي شخص حديث مع آخر , فكل ما كان يمكن سمعه هو الحركة الآلية للأرجل في الساحة , وإيقاع خطواتنا العسكرية المنظمة عند ارتقائنا لدرجات السلم الخشبي , والتي كانت كل درجة تردد الوقع على حده بشكل صاخب .

كان يتبادر لذهني غرابة التعمد عند الحارس في ارتقائه لدرجات السلم بخطوات متباطئة يصاحبها قرقعة قوية لم أدر أي تعليل لذلك , إلا بعد رجوعي إلى المنزل بأن هذه الخطوات لم تكن سوى إشارة تنبيه للشخص الذي يقوم بحراسة غرفة القائد , والذي فتح الباب بمجرد أن لامست أقدامنا الدرجة العشرين .
هذه هي التعاليم لا تحرك بصرك ولا تثبته إلا في وجه الزعيم حتى وإن كنت في المبنى الخاص لا يتم التفاهم داخل المركز إلا من خلال إشارات حركة الأيدي أو إيقاعات الأقدام .
أما طريقة الاتصال الخارجي بنا كانت تتم عبر أشخاص لا نعلم من هم بالتحديد ولم يحدث يوماً أن جاء رجل برسالة من الزعيم دون أن يقوم بتغطية وجهه .
بتبادل كلمة السر قادني الحارس تجاه غرفة الزعيم , وما زال وجهه مخفياً تحت شال أسود لا يظهر منه غير عينيه العسلية المتدفق من خلالها القسوة الجامدة .
مبنى قديم تحيط بساحته المطلية بالدم أسوار عتيقة لا تزال قائمة بشموخ تمتد روائح تعفن الجثث حتى الغرف الداخلية – رغم كل ذلك وجدت مشهداً غريباً – وهو أنه لا توجد أي حشرات في أي رقعة تحوم حولها رغم انتشار أكوام القاذورات المتكثفة على الجهة الغربية من المبنى .
- لماذا أنت مضطرب هكذا ؟ رغم ظني أن رحلتك كانت ممتعة عبر الحقول الخضراء .
لم يكن غريباً أن يتعرف ( القائد ) على جمال الطبيعة في هذا اليوم , رغم عدم خروجه منذ الصباح الباكر حتى هذه اللحظة – فالغرفة التي كان يقف القائد في وسطها لها واجهة زجاجية شفافة من الأمام تجعلها تطل على المراعي الخضراء الواقعة على امتداد النظر .
أنهى كلامه بعد أن مرر عينيه الحادتين على وجهي وأجزاء جسمي المرتعد كاملاً . قامته لم تكن بقامة خالد بن الوليد . إلا أن عينيه وثبات قامته المتوسطة بعنقه المتطاول يوحي للمرء بثقته المتناهية بنفسه . وقدرته الواسعة على التحكم بالمواقف المختلفة مهما كانت درجة تعقيدها .
- أنا لــ ... لست مضــ .. طرب .

كان منتظراً مثل هذا الرد , فعيناه كانتا تؤكدان ذلك , وتكشفان قدرتهما على كشف الأغوار , هذا ما دفعني إلى الشعور بالخوف بصورة أ:بر , حتى أنني أحسست بأنه قد تعمد في إعطاء الأمر في تشكيل مثل هذه السلخانة , وأن يتغاضى الجند الملثمين عن مشاهداتي ليجس من خلالها نبض الزائرين أمثالي . ودرجة تأثير مثل هذه المشاهد .
أما إنك إنسان مصلحي حقير تلعب معنا نفس اللعبة التي تلعبها مع مأمور الحكومة أو أنك معنا , ولكنك إنسان متخاذل .. وفي الحالتين تمثل خطراً علينا ... وهذا الوضع لا يمكن تقبله إلا إذا تنازلت عن هذا الجبن , وتؤمن إيماناً كاملاً بما نعتقده ونسلكه تجاه هذه الشرذمات الحقيرة من الناس .

... صدقني .. لست جباناً .. لكني إنسان من الطبيعي أن تؤثر فينا مثل هذه المشاهد . إنني مؤمن بضرورة التخلص من أمثال هؤلاء ؛ إنما .. ليس بهذه الصورة البشعة . ( قلت في نفسي )
- سيدي . أنا مؤمن بكم .
لم يكن يعجبه مثل هذا التناقض في نفس من يعمل معه , فكل كلمة كانت تخرج كان يفحصها فحصاً دقيقاً , ويدرس آثارها الانفعالية قبل النطق بها .

- إذن .. ضع في حسابك أن تكون أقوى من وضعك هذا .
أسابيع بعد لقائي الأمير مرت بصورة طبيعية , إلا أنه كانت توجد بعض الظواهر غير الطبيعية تحدث دون أن يشعر بها أحد , فالسكارى الذين كان زعيقهم يمتد في منتصف الليل بالغناء , كان قد تلاشى والحركة الروتينية في ذهاب ورواح المزارعين من الحقل كانت تتم بشكل صامت من غير العادة .

إيقاع خفي يدرك المرء ما يحتويه في مكنونه , كل ما كنت أدركه بأن هناك حدثاً مخيفاً يمكن أن يحدث ... هذا الشعور الغامض كان مصدره توافد كبراء الناحية إلى مبنى المأمورية والذي يظل مضيئاً حتى وقت متأخر من الليل .

الظلام دامس , والصمت مخيم على القرية , كل ما كان يُسمع ليس سوى أصوات متداخلة من الصراصير وجرذان المزارع , والتي كانت تقف بين الفينة والأخرى مع أقدام العسس المنتظمة أثناء تبادل عملية الحراسة .
- طق .. طق .. طق .. ( دقات قوية على الباب تكاد تخلعه ) .
لم يحدث أن قرع الباب بهذه الصورة , فالعلاقات الريفية في قريتنا رغم بساطتها إلا أ،ها لم تزل تحمل روح المودة .

- احضر المسدس بسرعة .
- ما هذه الوقاحة .. انتظر ..
- أنت عثمان أمين .
- نعم .
- تفضل أنت مطلوب .

الثامنة مساءً , كان الهواء بارداً في الخارج , لم يظهر من القرية غير القناديل الخافتة الضوء المنبعثة من النوافذ الصغيرة المغلقة , ,شكل الحقول الغامسة في الظلام والتي ظهرت كأحراش مرعبة لا تنيرها غير عيون مضيئة لحيوانات مفترسة كانت تزور القرية ليلاً .
أثناء المسير كان قد صادقتنا دوريتنا أعطنا تحيتهما العبارة للضابط الذي كان يتوسط العسكريين الآخرين – والذي لم أكتشفه إلى عند التحية العسكرية التي قدمها له عسكري الحراسة عند دخولنا المخفر .

- عثمان أمين يا افندم .
- أدخله الغرفة المظلمة يا سعيد .
لم تكن الغرفة باسمها الغريب هذا تكفي لإفضاء صفاتها كاملة , فقد كانت معتمة , لا يوجد فيها أي منفذ للتهوية .. فالعناكب المسجونة كانت قد نسجت خيوط مسكنها على جميع أرجاء الغرفة – حتى أنا حجبت ضوء القمر الخافت الذي كان في يوم يمرق من شق ضيق عمل لتهوية الغرفة .
نصف ساعة مرت وأنا جالس كرسي قديم يتوسط هذه الغرفة والذي كانت تتدلى فوقه مباشرة لمبة حمراء خافتة الإضاءة كانت قد كشفت عن سلك تتدلى عند طرفه مغلفاً ببيض الذباب .
كان خوفاً مبهماً في داخلي يطيل الوقت دهراً , حتى فتحت بوابة الغرفة ودخل منها الإثنان .. مأمور الناحية ورئيس المخفر , فقريتنا صغيرة , وليس من الصعب أن لا يعرفهما أحد ...
- دون مقدمات .. نحن على علم بعلاقتك بمجموعة الجرذان من حوالي عدة أشهر فلا داعي للإنكار ... كما وقد علمنا متأخراً بالتقائك بهم .
- أي جرذان تقصد حضرة المأ...
- لا داعي للمراوغة أ،ت على علاقة بالمجموعة الخارجة عن القانون التي تسمي نفسها ( تكتل المعارضة ) .. وستخبرنا أين مقرهم . وكل شيء عنهم فلا تجعلنا نستخدم العنف معك ...
- صدقني لا أعرف شيء . الذي أخبرك كذ ....
لم أكد أكمل كلامي , حتى وجدت نفسي مرمياً على الأرض , وخدي الأيمن يحترق كالجمر من أثر الصفعة التي كان دويها يتردد على جدران الغرفة , فيعمل على خرق طبلة أذني .


إجلس ..
إن الزعيم ذكياً عندما اكتشف الجبن المتستر في أعماقي – رغم مظاهر الشجاعة والكبرياء اللذين كانا ظاهرين إلى ما قبل هذه الصفعة بثوان .
- صدقني لا أعرف .. لا أعــ ....
إشارة إلى رئيس المخفر بعدها لم أعد قادراً على تمييز الأشياء فكلها كانت تلف وتخبط بعضها بعضاً .
حقاً إن الكلية العسكرية التي تخرج منها رئيس المخفر كانت قد أحسنت تدريبه على فنون التعذيب .. هذا ما أدركته بعد أن اكتشفت أن عظامي التي كانت تسند اللحم قد تحطمت بدقة متناهية .
غيبوبة لم أدر كم دامت , فقد أفاقني دلو الماء البارد , والذي أنعش الكدمات السوداء لتمارس دورها التعذيبي في هذه اللعبة .
آه .. كم هو الألم مقيت .. حطام العظام .. أنسجة متلفة .. ضرب وحمام ليلي .. مزيج من الخوف والإجهاد الجسمي ...
بصعوبة ينطق المأمور بجملته . والذي كان قد ظهر عليه هو وزميله الإنهاك حتى أن سرواليهما كان قد ابتلا بالعرق .
- ألا تريد أن تعترف .
قواي لم تكن تحتمل القدرة على الإيماء بالموافقة أم لا – لحظات لاسترداد الأنفاس استغلالها في التهامس – أخذوني بعدها إلى غرفة خلفية من المخفر , والتي كانت تطل على بالوعة تتطاير منها الروائح النتنة – والتي غالباً ما يظهر عليها أنها تُستخدم كوسيلة من وسائل الحصول على الاعترافات , حيث كان ينزل أحد المستخدمين مرتدياً بدلة واقية وبيده هراوة مسننة – لم يكن يشعر الإنسان لحظتها إلا بآلام الرأس الذي قاربت خلاياه أن تنفجر من فعل الهراوة وتزايد تصاعد الروائح القاذورية التي بدأت تستقر في خلايا المخ .
- هل تعترف الآن ...
جبان .. كلمة الزعيم ظلت تتردد في ذهني .. ومنظر الجثث المسلوخة وقرع الباب .. البالوعة .. الهراوة .. الهراوة ..
قشعريرة تعبر حتى أقصى خلايا الدماغ حيث تستقر الأسئلة والاحتمالات الكثيرة التي لا تستطيع على أن نقف حتى على واحدة منها – صفعة مفاجئة تسقط كهزة بركانية على خدي الأيمن , يستعد لقذف حممها النارية فتحطم كل شيء .
- حاضر .. حا ....
بعد كل وسائل التعذيب قلت ما يريدون حتى طريقة تعاملهم مع جثث أولئك من خطفوهم من ممثلين الحكومة المدينة الذين كانوا قد قدموا كمندوبين عن العاصمة لبحث الوضع المتفاقم في هذه الناحية .
- ملازم أنور .. أحتجزه في داره . وأمنعه من الخروج حتى تتأكد من صحة معلوماته .
أيام ثلاث وأنا مقعد على السرير , كانت زوجتي قد ضمدت الجروح التي كانت قد تقيحت , كما أنها أخبرتني بأن المنزل تحت الحراسة منذ اليوم الذي أعادوني فيه إلى المنزل بعد أن كلفوا ستة من العسكر للقيام بهذه المهمة .
كل شيء ممنوع .. الخروج وحتى الاقتراب من المنزل كان ممنوعاً .
في اليوم الرابع استطعت تخمين الموقف الذي وصلت إليه القرية الآن , فقد مرت العديد من المدرعات الحربية التي كانت تحمل المدافع الرشاشة ومن فوقها كانت تحلق أسراب من الطائرات لم أستطع إحصاء أعدادها , ولكن على ما يظهر أن عاصمة الجنرال قد جهزت جيشاً كاملاً حتى قوات الاحتياط التي كانت موجودة في المدينة .
- ماذا يحدث ؟ ....
- ليس لك أي دخل .. أتفهم ...

لم يكن مهماً معرفة الإجابة , فالرياح كانت قد نقلت دوي تراشق النيران والتي قربته كثيراً من المسافة التي تدور فيها المعركة.
أسبوعاً كاملاً والأعيرة النارية لم تصمت . وكل خمس ساعات كانت تصل قوات جديدة مساندة للجيش في حربه ضد قوى المعارضة والتي كانت تجر معها المدرعات من الجنود المدججين بالأسلحة .
معركة لم أر مثلها من قبل , حتى وصف والدي للمعارك التي حدثت للبلدة المجاورة ضد الاستعمار بعد مزجها بالبطولة , والخرافة لم تصل وحشية الحرب فيها إلى درجة ما وصلت إليها هذه الحرب القصيرة الأمد . رغم ما استخدم فيها من أسلحة الإبادة الأكثر فتكاً من الأساطيل البحرية والطائرات .
الأرض لا تزال على حالتها من الارتجاج بعد أن كانت قد تساقطت معظم المباني من القصف , فالحرب استطالت حتى امتد الحريق وأبخرة البارود إلى الحقول التابعة للقرية , فأكلت كل ما كان باق ٍ على قيد الحياة .
هدوء خانق بدأ يخيم بعد أن قارب الأسبوع الثالث من القتال على الانتهاء والسحب الدخانية الممتزجة بذات الغبار كانت قد أظهرت في طياتها فقدان الحياة , والتي كانت قد تحول معها الإنسان إلى مسخ مشوه صمت للأبد .
في لحظة الصمت لانتهاء العاصفة – ترى أين الفراشة التي رافقتني المسير هل راحت ضحية الحرب ؟ أم أنها قد استبدلت أرضاً غير أرضنا التي يسودها الخراب .
لم يتبق من السور المحيط بالمبنى إلا جزءاً يسيراً على ارتفاع نصف قدم أو يقل في الجهات المتفرقة , والمبنى يظهر كشبح شيخ عجوز تساقطت أسنانه وتقوس ظهره , فدبا راكعاً تنزف دماءه الأخيرة في محاولة لضم القتلى الذين تناثرت جثثهم وأبخرة البارود لا تزال تغطي المنطقة العابقة برائحتها .
أما المنظر المهول , بدأت القية وكأنها تغط في سبات عميق بعد أن ذرفت الدمع طويلاً للمرة الأولى – هل كانت تكفيراً عن الذنب ؟ أم تطهيراً لأخطائنا جميعاً . كل ما تبقى دار شائخ ما زال شامخاً رغم دماءه النازفة المغطاة برائحة البارود , وأصوات نزيف الدمع التي رددت صداها السماء .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- مقترح مشروع تحديثي في البناء التنظيمي لمنظمة الحزب الاشتراكي ...
- أنا . . والقصيدة نثر شعري
- خوف نثر شعري
- من بلاد . . سجن الأمراض النفسية من يمنحني . . هواء إنسانيا
- الصلصال
- وكر الأشباح قصة قصيرة
- مغايرة في ال 7 المضطربة نثر شعري
- الهاتف
- حمى
- إشهار المرصد العربي لمكافحة السرطان
- ( ورقة العمل بفكر الضرورة ) مشروع التحرر الإنقاذي اليمني (ال ...
- مؤتمر لندن - مكشاف عورة العقل السياسي اليمني ( الجزء الأول + ...
- مشروع رؤية إستراتيجية لمكافحة السرطان يمنيا ، قابل للتطبيق ع ...
- مرآة . . في وجه طفل راحل
- أقدر . . ممكن له أن يأتي نثر شعري
- ملخص رؤية مشروع إستراتيجي - يمني . . عربي لمكافحة الأورام وا ...
- اليمن : السياسي السائد . . والهجرة الخارجية
- جامعة تعز . . غرائبية الوجود والإستراتيجية التطويرية (2)
- يامجور . . يظل لنا وطن
- في الثقافة ... مقدمة لما قبل النص


المزيد.....




- 19 شاعرًا يرفضون قرار ترمب حول القدس
- مساجين يشاركون بعرض فني في أيام قرطاج المسرحية
- فنان بحالة وراثية يعزف التشيلو في مترو الأنفاق.. لماذا؟
- شركات السينما العالمية تقتحم السوق السعودية
- مجلس المستشارين يصادق بالأغلبية على مشروع قانون المالية
- البرلمان المغربي يندد بقرار الإدارة الأمريكية نقل سفارتها إل ...
- السعودية توقع عقدا مع أكبر مشغل سينما في العالم
- الجامعات الروسية تدخل تصنيف الأفضل في العالم
- السعودية: مشروع سينمائي بالتعاون مع شركة إيه.إم.سي انترتينمن ...
- في صحف عربية: السماح بالسينمات في السعودية خطوة -في الاتجاه ...


المزيد.....

- المدونة الشعرية الشخصية معتز نادر / معتز نادر
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - القسم الثانى والاخير / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسى المقاوم للنازية - الفسم الأول / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - مقدمة / سعيد العليمى
- تطور مفهوم الشعر / رمضان الصباغ
- البخاري الإنسان... / محمد الحنفي
- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمين أحمد ثابت - بوابة الحقيقة والبركان قصة قصيرة