أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر خصباك - القهقهة ومسرحيات اخرى















المزيد.....



القهقهة ومسرحيات اخرى


شاكر خصباك

الحوار المتمدن-العدد: 2520 - 2009 / 1 / 8 - 07:24
المحور: الادب والفن
    



مسرحية القهقهة
1993



(يرتفع الستار عن مسرح عار سوى أربعة كراسي خشبية مرتفعة على شكل حلقة . النور مضاء نصف إضاءة ، رسوم على جدران المسرح تمّثل مناظر كوميدية من الحياة .
يدخل أربعة ممثلين واحداً وراء الآخر يرتدون ملابس مهرّجين ويصبغون وجوههم على نحو مضحك . ينحطون على الكراسي في وقت واحد بحركة كوميدية . يتطلعون إلى الرسوم على الجدران ثم يتبادلون نظرات ساخرة . يتنحنحون لبضع دقائق ، يطلق أحدهم قهقهة ممدودة . يعقبه الثاني فالثالث فالرابع . ثم تتوالى قهقهاتهم في صوت واحد . يهيمن على الصالة صمت تام ولا يبدر من المشاهدين ردّ فعل على القهقهات . تدوم القهقهات لبضع دقائق ).
متفرج : (بلهجة استغراب ) إلى متى ستستمر هذه القهقهات ؟
(تتواصل القهقهات لدقائق أخرى )
متفرج : يظهر انه ليس هناك تمثيل .
متفرج : هل حضرنا إلى هنا إذن لنسمع قهقهة؟
متفرج : يا إخواننا .. هل هناك مسرحية أم لا ؟
(ينقطع الممثلون عن قهقهاتهم وكأنهم الآت موقوته ويلتفتون إلى المشاهدين ويهتفون في صوت واحد ) .
الممثلون : طبعاً هناك مسرحية.
متفرج : ولكنكم تقهقهون فقط ، فمتى تبدأ المسرحية ؟
الممثلون : المسرحية بدأت .
المتفرج نفسه: أتعنون أنكم لن تقولوا شيئاً ؟! لن تمثّلوا ؟
الممثلون : نحن نمثل فعلاً .
(يعاود الممثلون قهقهاتهم وهم يتبادلون نظراتهم الساخرة00 تمضي دقائق )
متفرج : هذه مسخرة !
متفرج : يا اخواننا .. نحن حضرنا لنشاهد مسرحية لا لنسمع قهقهة .. جئنا لنراكم تمثلون لا لنراكم تضحكون .
(ينقطع الممثلون عن قهقهاتهم ) .
الممثلون : نحن نمثل فعلاً .
متفرج : وهل تسمّون هذا تمثيلاً ؟! (يتلفت المتفرج حواليه كأنه يستشهد بجمهور الصالة ) نحن إذن كلنا ممثلون .. من مناّ لا يستطيع أن يضحك ؟ كان الأولى بنا ان نبقى في بيوتنا ونضحك بدلاً من أن نتكلف عناء الحضور إلى هنا .
ممثل 1 : ومن قال إنكم تستطيعون أن تضحكوا؟ نحن نقوم بهذا الدور نيابة عنكم .
متفرج : الكل يستطيع أن يضحك ولا حاجة بنا لمن يقوم بذلك نيابة عنّا .
ممثل 1 : أتستطيع أنت إذن أن تضحك مثلنا أيها السيد ؟
المتفرج نفسه : طبعاً .
ممثل 2: نحن نتحدّاك ان تفعل ذلك .
المتفرج نفسه: المسألة لا تحتاج إلى تحدّي.
ممثل 2: تفضل هنا واثبت وجودك .
(يبدو على المتفرج التردد ، صيحات في الصالة " قم يا أخ .. قم يا أخ " ينهض المتفرج ويرتقي المنصة متردداً . الممثلون يتنحّون عن مقاعدهم ويتقهقرون إلى الوراء ويصطفون كالتماثيل . يجلس المتفرج ويتنحنح للحظات ثم يطلق ضحكات قصيرة يردفها بقهقهات طويلة منفرة . صيحات احتجاج في الصالة " كفى .. كفى"0 يتحرك الممثلون كالآلات وينتصبون بجواره ) .
ممثل 2 : أرأيت أيها السيد ؟ أنت لا تحسن الضحك .
المتفرج نفسه: أؤكد لكم أنني كنت مقتدراً على الضحك لكنني كما يبدو فقدت هذه المقدرة. لم يعد في حياتي ما يعينني على الضحك.
ممثل 1: الضحك أيها السيد صنعة .. وهي صنعتنا .
المتفرج نفسه: المفروض أنها صنعة الناس السعداء جميعاً .
ممثل 3: اعترف أنك فشلت .
المتفرج نفسه: أعترف بذلك .
ممثل 1: هل تسمح إذن بإخلاء المكان لنا لكي نواصل عملنا ؟!
(يعود المتفرج إلى مقعده في الصالة . يستعيد الممثلون مقاعدهم ويتبادلون نظرات ساخرة ثم يندفعون في قهقهات موصولة . تمضي دقائق ) .
متفرج : (بلهجة عدائية ) يا إخواننا .. هل نحن في مسرح محترم ام في سيرك للمهرجين؟
(تتوقف القهقهات فجأة ) .
الممثلون : أنت في مسرح محترم أيها السيد .
المتفرج نفسه: أهذا مسرح محترم ؟! هذا سيرك للمهرجين .
متفرج : كنا نتصور أننا في مسرح جادّ .
الممثلون : أنتم في مسرح جادّ فعلاً .
المتفرج نفسه: فأين المسرحية الجادّة إذن؟
متفرج : هذه مسخرة .. أسوأ من المساخر التي تعرضها المسارح الرخيصة والتي تستدر بها ضحك المشاهدين .
متفرج : (بلهجة عدائية) أنتم غشّاشون .. ضحكتم علينا وسرقتم فلوسنا .. هذه ليست مسرحية بل ضحك علينا .
ممثل1: (بلهجة مجروحة ) أنتم تهينونا أيها السادة .. وهذا ليس عدلاً .
ممثل2: نحن نحتج .. نحن لا نقبل هذه الإهانات .
ممثل3: لماذا تهينوننا؟! ما ذنبنا ؟
المتفرج نفسه: ذنبكم أنكم تخدعوننا .. وتضحكون علينا وتزعمون أنكم تمثلون مسرحية جادة .
ممثل3: هذا هو الدور الذي أملاه علينا المؤلف والمخرج ، فما ذنبنا ؟
المتفرج نفسه: ذنبكم أنكم تشاركون في المؤامرة على المشاهدين .
ممثل3: ما علاقتنا بما تسمّيه بـ " المؤامرة " ؟ نحن نؤدي عملنا كما أمرنا به.
المتفرج نفسه : المفروض أنكم ترفضون المشاركة في هذه التفاهات .
ممثل 2: ومن يطعم أطفالنا ؟
ممثل 1: الظاهر أنك لم تجرّب البطالة أيها السيد .. إنها مرّة كالعلقم .
ممثل2: نحن أناس كادحون وامرنا ليس بيدنا .
متفرج : (وهو يطلب ضحكة هازئة) أنتم كادحون؟
ممثل 2: نعم ، نحن مثلكم نكدح من اجل لقمة العيش .
المتفرج نفسه: (بلهجة متهكمة) وكيف ذلك ؟ بالضحك على المشاهدين ؟! ما أشق عملكم !
( تنطلق ضحكات هازئة في الصالة )
ممثل1: (بلهجة مجروحة) لا تسخروا من مصاعب مهنتنا أيها السادة .
ممثل2: لا تستهينوا بجهدنا أيها السادة .
ممثل3: نحن نشقى بمهنتنا أيها السادة .
متفرج : (وهو يطلق ضحكة هازئة) ما كنا نعلم أن هذه القهقهات تقتضيكم هذا الجهد العظيم !!
(ضحكات هازئة في الصالة )
متفرج : هل تتوسطون لي أيها الإخوان لأعمل ممثلاً ؟
متفرج : أريد أن أكدح أنا أيضاً مثلكم يا إخوان ، فعملي طوال النهار يقصم ظهري.
(صيحات هازئة من الصالة "شغّلونا معكم")
ممثل1 : (بلهجة مجروحة ) لا تسخروا منّا أيها السادة فأنتم تجهلون مشقّات مهنتنا.
مفترج : وأين المشقّات في مهنتكم ؟ هل هناك مشقة في ترديد ما تلقنون من كلام كالببغاوات ؟
ممثل 1 : أنتم أيها السادة تجهلون مشقة حفظ الممثل للنصوص وترديدها ليلة بعد ليلة.
ممثل 2: وتجهلون مشقة قيام الممثل بتسلية الآخرين وهو مهموم مغموم.
ممثل 3: وتجهلون مشقة أداء الممثل لدور الغنيّ وهو لا يملك ثمن علاج زوجته المريضة .
ممثل 2: وتجهلون مشقة تقمّص الممثل لدور الإمبراطور وهو يتعرض في حياته اليومية للمذلة والمهانة .
ممثل 1: هذا أيها السادة غيض من فيض من مشقات مهنتنا .
ممثل 2: وكما قلنا لكم نحن نكدح من أجل لقمة العيش .
ممثل 3: نحن نغمس لقمتنا بعرق جبيننا .
متفرج : (بتهكم) ولهذا فأنتم مقتدرون على إطلاق القهقهات الصادرة من أعماق قلوب خليّة بينما عجز زميلنا عن الضحك مثلكم .
ممثل1: لكننا أخبرناكم إنها صنعتنا .. مهنتنا التي نأكل منها الخبز .
متفرج : (في هزء ) لا تأكلوا حلاوة بعقولنا .
(صفير وصيحات استهزاء في الصالة مع صخب وضجيج)
ممثل1: (محاولاً تهدئة جمهور الصالة ) أيها السادة .. اسمعوني .. أرجوكم أن تسمعوني .
(يخفت الصخب تدريجياً حتى تستعيد الصالة هدوءها )
ممثل 1: سأحكي لكم أيها السادة هذه الحكاية التي قد تقنعكم بمشقات مهنتنا . ( يهدأ الضجيج تماماً . يتحدث الممثل بلهجة مؤثرة ) كان هناك زميلان يعملان معاً في المسرح .. ممثل وممثلة . وكانا يشتركان دائما في بطولات مسرحية . كانا متخصصين في المسرحيات العاطفية .. كانا يرتقيان كل مساء خشبة المسرح ويتناجيان . ويوماً بعد يوم استحال الخيال إلى واقع . وانبعثت عبارات الهيام التمثيلية من صميم قلبيهما . وأخيرا توّجت حكايتهما بالنهاية السعيدة . وكان أسعد زواج . وصار تمثيلهما للمسرحيات العاطفية مثالاً للإبداع .
ومرت السنون .. وذات يوم شكت الزوجة من ألم في عمودها الفقري ، وعزت هذا الألم إلى وقوفها الطويل على خشبة المسرح . وذهبت لاستشارة الطبيب . وبدأت سلسة من الفحوصات كان لها أول ولم يكن لها آخر . وفي النهاية اختلى الطبيب المختص بالزوج وأنبأه بأن زوجته مصابة بسرطان العظام ..(يتهدج صوته ) سرطان العظام في مراحله الأخيرة .. ودارت الأرض بالزوج ، واسودّت الدنيا في عينيه . وبدا الأمر محّيراً له .. لماذا يجب أن تصاب هذه المرأة الرقيقة الحنون بسرطان العظام ؟! سرطان العظام بآلامه الفظيعة؟ ما الذي جنته في حياتها لتكفّر عنه ؟
وافترسه عذاب مقيم لا يفارقه ليلاً ولانهاراً حزناً على زوجته المنكوبة . لكنه ظل يقف أمامها على خشبة المسرح كل ليلة ووجهه يفيض بشاشة ويشاركها الحوار عن السعادة التي يدخرها لهما المستقبل.. المستقبل الواعد المشرق كما تقول المسرحية .. وهو يعلم أن رصيدها من الحياة لا يتجاوز الشهور وربما الأسابيع ، وأن القبر سيفتح فمه البشع ويبتلعها . وكان عليه أن يبدو سعيداً متفائلا مع أنه يعلم أنه مهدّد في أية لحظة يفقد أجمل شيء في حياته . ولكن ما حيلته ؟ هكذا تتطلب منه المسرحية التي يمثلها .. وهي مهنته التي يأكل منها الخبز .. ( وهو يهز رأسه ) ما علينا .. أخيراً حلّ اليوم الذي عجزت فيه الرفيقة عن الوقوف على خشبة المسرح .. نهشتها آلام لا تجدي معها المسكنات .. وما كان أقساها من آلام .. ( بصوت متهدج ) كانت تقف على خشبة المسرح كزهرة ذابلة صُوّح عودها تتلوى ألماً وتكتم آهات جريحة . لكنها ظلت مصرّة على إمتاع جمهورها . ثم انهارت مقاومتها أخيراً ولزمت الفراش . ( يصمت طويلاً وأنظاره سارحة في الفضاء ثم يستأنف كلامه بلهجة مرتعشة ) وأخذت الزوجة تذوب كالشمعة . وتوقع الزوج ان تنطفئ في أية لحظة . بل كثيراً ما خطر له وهو يقف على خشبة المسرح أنه سيجدها قد انطفأت حينما يعود إلى البيت . ومع ذلك واصل إمتاع المشاهدين بأدائه .بل وكان في بعض أدواره الكوميدية يتفنن في إضحاكهم ..وقد يطلق قهقهات كالتي سمعتموها الآن . ( يصمت لحظة ثم يستأنف الكلام بصوت مرتجف ) وفي صباح هذا اليوم أيها السادة غّيب القبر تلك الرفيقة الحبيبة .. الزوجة الحنون ، ولم يتبق أمامه سوى الوحدة والوحشة والأحزان . ومع ذلك حضر هذا المساء إلى المسرح ليمتّع المشاهدين ويطلق القهقهات المرحة . فهذه صنعته التي يأكل منها الخبز .. ( يطلق قهقهات متصلة بضعة دقائق ثم تنقلب القهقهات إلى شهقات يستسلم على أثرها إلى نحيب أليم . يسود الصالة صمت مطبق . تسمع شهقات بكاء صادرة من المشاهدات . يظهر فجأة المؤلف على المسرح) .
المؤلف : (يخاطب الممثل رقم 1 بلهجة غاضبة ) مهلاً .. مهلاً أيها الزميل. أنت تجاوزت دورك0 لم يكن دورك أنت وزملاؤك أن تبكوا المشاهدين ( يلتفت إلى المشاهدين ) أنا آسف أيتها السيدات وأيها السادة فأنا مؤلف ومخرج هذه المسرحية0 لم يكن مخططاً لها أن تبكيكم بل أن تضحككم .
ممثل 1: (في اعتذار) نحن حاولنا ذلك لكنهم اضطرونا إلى هذا ، فهم يتصورون أن مهنتنا يسيرة .
المؤلف : هذا أمر طبيعي ، وينبغي ألاّ نتوقع ممن يجهل أسرار هذه المهنة أن يدرك مشقاتها . نحن الفنانين شموع تحترق كما يقول المثل. ولا يدرك هذه الحقيقة إلاّ من خبر مهنتنا0 نحن نحترق لنقدم للجمهور غذاءهم الروحي الذي يفوق في أهميته غذاءهم المادي.(يخاطب جمهور الصالة ) أليس كذلك أيها السادة ؟
متفرج : (في تهكم ) وأين الغذاء الروحي في القهقهات التي سمعناها ؟!
متفرج : نحن لم نسمع أي حوار في المسرحية . فهلاّ أخبرتنا أين المسرحية؟
المؤلف : المسرحية ما كان يقدّمها لكم الممثلون .
المتفرج نفسه: فهي مسرحية صامتة إذن .. هي مهزلة .
المؤلف : (بلهجة شبة غاضبة ) من لم يفهم هذه المسرحية ليس مؤهلاً للحكم على قيمتها .
متفرج : هذه سخرية بعقولنا وليست مسرحية .
متفرج : إننا دفعنا نقوداً لنحضر مسرحية نفهمها لا ألغازا .
المؤلف : نحن لسنا مطالبين بأن يفهم فنّنا جميع المشاهدين ، وهذه مشكلتكم وليست مشكلتنا .. ولا حقّ لأحد أن يتدخل في صنعتنا .
متفرج : وأين هو المشاهد الذي فهم مسرحيتك أيها المؤلف ؟!
متفرج : موجود أيها الأخ ، وهي مسرحية رائعة فعلاً .
(يلتفت بعض المشاهدين إلى المتكلم بفضول ) .
المؤلف : (وهو ينظر بسرور وانتصار إلى المتكلم ) ها قد وجدت المسرحية من يقدّر قيمتها حقّ قدرها .
متفرج : (بسخرية ) ومن قال إن الأخ قد فهم هذه المسخرة حقيقة؟ لعله من أعوانك.
المتفرج السابق:(بلهجة متعالية) أنا ناقد أيها الأخوان ولا علاقة لي بالمؤلف . وأؤكد لكم أنكم تسيئون إلى هذه المسرحية الرائعة وتبخسون قيمتها .
متفرج : (للناقد) فهل تتفضل فتفهمنا أيها الناقد أين الفن في هذه القهقهات السخيفة؟
الناقد : هناك فن عظيم في هذه المسرحية المبتكرة .. فن لا يمكن أن يدركه المتفرج الاعتيادي. إنها ذات مغزىً عظيم .
متفرج : نحن جئنا إلى المسرح لنستمع إلى شئ يمتعّ عقولنا وأفئدتنا لا لنحل مثل هذه الألغاز ، ألستم تقولون إن المسرح مدرسة ؟
الناقد : طبعاً المسرح مدرسة .. مدرسة مهمتها عرض المشكلات الاجتماعية والإنسانية وتقديم غذاء عقلي وروحي للجمهور .. هذا أمر لا جدال فيه.
المتفرج نفسه: إذن كيف يتحقق ذلك إذا لم تفهم المسرحية؟
الناقد : وما ذنب المؤلف إذا لم يكن الجمهور في المستوى المطلوب؟
متفرج : (بتهكم) نحن لسنا في المستوى المطلوب أيها الناقد ، فهلاّ أفهمتنا بمغزى مسرحية القهقهة هذه ؟
الناقد : ليس هذا من مسؤوليتي .. كل مشاهد مسؤول عن فهم قيمة العمل الفني.. هذا الأمر متروك لثقافته ولوعيه الفني .
المتفرج نفسه: فمن المسؤول إذن عن إفهامنا ؟
الناقد : أنتم مسؤولون عن ذلك. فليفهمها كل منكم بطريقته الخاصة.
متفرج : وماذا نفهم ؟! هل فيها كلام لكي نفهمه ؟ إنها مسخرة !
الناقد: وأنا أؤكد لكم كناقد أنها مسرحية رائعة. أما من يستعصي عليه فهمها فالعيب فيه وليس في المسرحية .. العيب في جهله . إنها ابتكار في عالم المسرح وإني أهنئ المؤلف عليها .
المؤلف : (وهو يحني رأسه مسروراً ) شكراً أيها الزميل الناقد ، ويكفيني تقييمك للمسرحية على هذا النحو .
متفرج : (بغضب ) أنتما تتبادلان المديح وتتقاذفاننا بين أرجلكم كالكرة ( متجهاً للناقد) ثم بأي حق تحكم أيها الناقد على عقول أفراد الجمهور بالجهل لمجرد أنهم لا يفهمون ألغازا؟ لماذا لا يكون العيب فيك أنت فتكون مدّع ولم تفهم منها شيئاً في الحقيقة مثلنا ؟
(صيحات في الصالة : " فعلاً .. فعلاً )
الناقد : (بلهجة متعالية) أرجوكم أيها الأخوان .. احفظوا مقام الآخرين . أنا ناقد وصنعتي هي الحكم على الأعمال الفنية . ويجب أن تعلموا أن من طبيعة الفن الراقي وسماته أن يكون عصّيا على فهم الناس العاديين ، فثقفوا أنفسكم وتعالوا إلى المسرح.
المتفرج نفسه : (يغضب) ما تقوله أيها الناقد ليس سوى ادعاء وكلام فارغ ، وليس المفروض أن يكون الفن أحاجي وألغازا ، وما هذه المسرحية سوى مسخرة .
الناقد : وماذا يفهم أمثالك في الفن الراقي ؟ بل ما ذنب المؤلف إن لم تكونوا مؤهلين لفهم الفن الراقي ؟
المؤلف : (للناقد) صدقت أيها الزميل . ( متجهاً إلى المشاهدين) أنا لست مسؤولاً عمن ليس مؤهلاً لفهم الفن الراقي .
المتفرج نفسه : ( في سخرية ) كان الأولى بك أيها المؤلف أن تدعو الناقد وحده لمشاهدة مسرحيتك ما دام لا يفهمها سواكما .
متفرج : مالنا وهذه المهاترة يا إخوان ؟ ستضيع علينا المسرحية .
متفرج : وماذا سيضيع علينا ؟ هل هناك شئ سيضيع علينا سوى هذه القهقهات السخيفة ؟
متفرج : طبعاً ن ستضيع علينا فلوسنا .
متفرج : (بغضب)نحن نطالب بنقودنا . جئنا لنشاهد مسرحية نفهمها لا قهقهة .
متفرج : ولا ألغازا !
(ضجة في الصالة وصيحات غاضبة)
المؤلف : (محاولاً إسكات الضجة في الصالة ) أيها السادة .. أيها السادة .. إهدئوا .. إهدئوا من فضلكم .. الهدوء رجاء . ( يعود الهدوء تدريجياً إلى الصالة ، يتكلم المؤلف بلهجة رصينة) مادمتم مصرّين على الغضّ من قدر هذه المسرحية فأراني مضطراً إلى الكشف عن مغزاها العميق .. وإن كنا نحن الفنانين غير مطالبين بتقديم تفسير لأعمالنا الفنية . فالعمل الفني خلق خاص بذاته . ولكل امرئ أن يفهمه بحسب ما يهيء له ذوقه وثقافته كما يقول الزميل الناقد المحترم. ولكن قبل أن أقدمّ لكم تفسيراً لهذه المسرحية اسمحوا لي أن ألقي عليكم سؤالاً وأرجو أن أتلقّى جواباً صريحاً .. من منكم سعيداً في حياته وفي غير حاجة إلى الترفيه عنه ؟! أرجو من مثل هذا الشخص أن يرفع يده .
( الصمت يعم الصالة 0 بعض المشاهدين يتلفتون حواليهم . تمضي دقائق أحد المشاهدين يرفع يده ) .
المؤلف : (وعيناه تتجولان في وجوه جمهور الصالة) أخيراً وجدنا بينكم أيها السادة شخصاً سعيداً في غنى عن الترفيه .. لكنه شخص واحد فقط . انتم البقية في حاجة إلى الترفيه إذن. انتم تعساء وهناك ضرورة للتخفيف من تعاستكم ...
متفرج : (مقاطعاً) لا تبالغ أيها المؤلف ولا تحكم على الظواهر . فقد لا يفضل المرء الكشف عن أمره دفعاً للحسد . ( ضحك في الصالة ) .
متفرج : (متجهاً إلى المشاهد الذي رفع يده ) وهل أنت سعيد حقاً أيها الأخ بالرغم من كل المصائب والمآسي التي تواجهنا صباحاً ومساءً ؟
متفرج : (بلهجة مغمومة) وأين السعادة في الحياة الدنيا ؟!
متفرج : (بلهجة هازئة ) لا تنسوا يا إخوان المثل القائل : " الإنسان سعيد ما دام لا يراجع حاكماً أو حكيماً " .
متفرج : (بتهكم ) يا إخوان .. لا داعي للمبالغات . مجتمعنا عامر بالسعداء ممن يمتصون دماء الآخرين (يشتد اللغط في الصالة ويختلط الجدل بين المشاهدين ) .
المؤلف : أيها السادة .. هدوءا من فضلكم .. واسمحوا لي بالتحدث إليكم .. أرجوكم أن تسمحوا لي بالتحدث إليكم .. ( يهدأ الضجيج في الصالة . يستمر المؤلف بلهجة رصينة) من الواضح أن غالبيتكم من التعساء . وهذا أمر لا يدهشني فهذا هو حال مجتمعنا . ونحن أهل الفن مسؤولون عن التخفيف من تعاسة الناس . هذا واجبنا . فمن أولى من أهل الفن بهذه المهمة النبيلة ؟ ومما لاشك فيه أن تعاسة الناس ناجمة عن كونهم لا يعرفون كيف يضحكون في أوقات الأزمات والمصاعب . فالضحك هو الدواء الشافي الذي ينبغي أن نواجه به قسوة الحياة . علينا ان نضحك من الحياة ونضحك عليها أيها السادة لنخفّف من تعاستنا.
متفرج : (بتهكم ) هل حضرنا إلى هنا لنستمتع بمسرحية نافعة أم لنستمع إلى محاضرة تخديرية ؟
متفرج : أيها الأخوان . من غير المعقول أن تحرجوا المؤلف إلى هذه الدرجة0 من قال أن لديه عصا سحرية يستطيع أن يحلّ بها جميع مشاكلكم وينقذكم من تعاستكم؟
متفرج : (بلهجة عدائية) بالضبط . أنت تحاول تخديرنا وصرفنا عن واقعنا الأليم أيها المؤلف.
متفرج : (بتهكم ) هلاّ بصّرتنا أيها المؤلف كيف سيمكننا الضحك على الحياة في حلّ مشكلاتنا والتخفيف من تعاستنا ؟
متفرج : أنا عاطل عن العمل منذ تخرجت من الجامعة قبل أكثر من عام0 فهل سيقودني الضحك على الحياة إلى إيجاد عمل أيها المؤلف ؟
متفرج : أنا مهدّد بالطرد من مسكني والعيش مع عائلتي على الرصيف0 فهل سينفعني الضحك على الحياة في العثور على سكن مناسب أيها المؤلف؟
متفرج : أمنيتي أن أتزوج ، ولكن ما من أسرة ترضى بمصاهرتي وأنا على البلاط . فهل سيحقّق لي الضحك على الحياة أمنيتي هذه أيها المؤلف؟
متفرج : أنا عاجز عن مواجهة مطالب عائلتي المادية في هذه الظروف الصعبة. فهل سيحلّ الضحك على الحياة مشكلتي هذه أيها المؤلف؟
متفرج : لقد حكم على ولدي بالسجن خمسة أعوام بتهمة سياسية جائرة. فهل سيعينني الضحك على الحياة على إطلاق سراحه أيها المؤلف؟
متفرج : أنا فقدت ولدي الوحيد في الحرب الباطلة ، فهل سيعيده إليّ الضحك على الحياة أيها المؤلف ؟
متفرج : يا إخوان . ارحموا المؤلف وارحمونا معه. هل حضرنا إلى هنا لنشاهد مسرحية نروّح بها عن أنفسنا أم لنزداد غمّا ؟ لدى كل واحد منّا ما يكفيه من الهموم وزيادة.
(يعلو اللغط في الصالة )
المؤلف : (محاولاً إسكات اللغط ) هدوءا أيها السادة .. هدوءاً أيها السادة .. لو استمرّ كل واحد منكم يعدّد همومه لاضطررتم إلى البقاء هنا حتى الصباح . ( وهو يضحك ) ولا أظنكم ترغبون في ذلك. فلا شك أنكم مرتبطون بأعمال .. أليس كذلك؟ ثم أن وقت المسرح محدّد وساعات العمل فيه معدودة. وسيطالبنا الممثلون والعاملون وراء الكواليس بأجور إضافية، ولسنا مستعدين لذلك. فأنا مضطر إلى قطع هذا الحوار .. أنا مضطر إلى ذلك أيها السادة ، فأعذروني .. همومكم كثيرة ، وأحزانكم كثيرة ، ومشاكلكم كثيرة ، ولن نفرغ منها لو استعرضناها خلال عام . أليس كذلك؟ المهم أنني برهنت لكم على وجهة نظري وهي ان حياتكم قاسية ، وأنكم شئتم أم أبيتم في حاجة إلى الضحك لترفهوا عن أنفسكم .. الضحك الذي بات عملة نادرة في حياتنا . ومسرحيتي هذه استهدفت هذا الغرض ، واسمحوا لي أن أقول إنها مسرحية غير اعتيادية 0 وهي لا تعتمد على الكلام في الإضحاك .. فالناس قد ملّوا الكلام وملّوا "النكت" السخيفة .. أليس كذلك ؟ ملّوا الكلام المعاد المكررّ بجميع أشكاله وألوانه .. ملّوا كلام السياسيين المعسول المليء بالأكاذيب .. ملّوا كلام أهل الفكر القابعين في أبراجهم العاجية والبعيدين عن واقعهم " ملّوا حتى كلام أهل الفن المغرق في الخيال والرومانسية والذي يخدّرمشاعركم0 ثم أنه ليس من الحكمة لأيّ واحد مناّ أن يتحدث بما يجول في فكره دائماً ، فقد يوقعه ذلك في المتاعب ، وقد يكون الصمت أحياناً أبلغ من الكلام . أليس كذلك؟ لهذه الأسباب كلها أيها السادة اقتنعت أن خير ما أفعله هو البحث عن وسيلة للتخفيف عن مآسي حياتنا غير الكلام . وأنا أعترف أن مسرحيتي هذه مسرحية غريبة نوعاً ما . ولكنها ليست أكثر غرابة أو غموضاً من مسرحيات ما يسمى" بمسرح اللامعقول" . ولا بد أنكم سمعتم أو قرأتم مسرحيات بيكيت ويونسكو وأداموف ومن لفّ لفهّم من كتّاب مسرح الطليعة.. فلا لوم علىّ ولا تثريب . ثم أليس هدف الفن طرح المعاني المألوفة في قوالب غير مألوفة ؟! إن هذه المسرحية أيها السادة تمثل شكلاً جديداً من أشكال الرفض لواقع حياتنا الأليم . وهي تنطوي على مغزيين : المغزى الأول هو الضحك من حياتنا . وانتم ولا شك تتفقون معي على أن المشكلات التي عرضها السادة والتي تنغّص عليهم حياتهم هي من النوع الذي يثير الضحك ، ولا يجوز أن تتواجد في مجتمع سويّ . فالمجتمع السويّ هو الذي يهيئ الفرض لأفراده لكي يعيشوا سعداء .. على الأقل لا يعانون من هذه الهموم المادية السخيفة التي تفسد عليهم الاستمتاع بالحياة. لاحظوا أيها السادة أن من حقّ أي واحد منكم أن يعيش سعيداً في هذه الحياة الدنيا ، وأن تتوافر له ظروف السعادة المادية على الأقل ، ناهيكم عن السعادة الروحية . إنه حقكم ، ولهذا وجدتم على هذه الأرض . أليس كذلك ؟ فأسباب تعاستكم إذن أسباب تافهة تستدعي الضحك منها. وإلاّ فهل من المعقول أن نعيش في هذا القرن الذي استطاع فيه الإنسان أن يهبط على القمر وأن يطوف الكون بمركباته الفضائية ، ثم يشكو الناس من البطالة وأزمة السكن والعجز تجاه مطالب الحياة المادية في حين تنفق المليارات على ما يسمى بعلم الفضاء ؟! لو كانت بواعث تعاستكم ترجع إلى أسباب ميتافيزيقية تنبثق من صراع الإنسان مع نفسه ومع القدر ومع المجهول ومع الآخرين لوقفنا حيالها عاجزين . أما والأمر كما رأيتموه فهو وضع مضحك حقاً . ثقوا أنه لو كان هناك مخلوقات عاقلة في الكواكب الأخرى يراقبوننا لضحكوا من حياتنا هذه أشدّ الضحك ، ولعجبوا كيف تصرّف شؤون البشر على هذا الكوكب . نعم أيها السادة ، من واجبنا أن نضحك من دنيانا هذه التي تعجّ بالمضحكات .. ولكنه ضحك كالبكاء"0 ( ينطلق في سلسلة من القهقهات، ثم يلتفت إلى الممثلين قائلاً : " اضحكوا00 اضحكوا " فيندفع الممثلون في قهقهات طويلة . يستأنف المؤلف الكلام بعد دقائق وبلهجة رصينة ): ولنعد إلى مغزى المسرحية الثاني ، فقد قلت لكم إن للمسرحية مغزيين ، فأما المغزى الثاني للمسرحية أيها السادة فهو محاولة التخفيف من تعاستكم عن طريق دغدغتكم .. أعني إثارة ضحككم بالقوة ، أو على الأصح بالعدوى. فالضحك يولّد الضحك ، وهذا ما حاول زملائي الممثلون أن يفعلوه ، وما يبدو أنهم فشلوا فيه . ولعل مرجع فشلهم إلى أن أحزانكم كثيفة جداً وليس من السهولة أن تنجح الدغدغة البسيطة في تبديدها . ولكن صدقوني أيها السادة لابد أن تمنحوا أنفسكم فرصة وتضحكوا لتنفّسوا عن أحزانكم . فالضحك رياضة مهمة تعين الإنسان على مواصلة حياته البائسة التي قد يضيق بها ذرعاً .. إنها كالرياضة البدنية والهواء النقي والشمس ، وهي متطلبات ضرورية لإدامة الحياة .لابد لنا أن نضحك أيها السادة لنتغلّب على متاعب حياتنا وإلاّ صارت الحياة عبئاً ثقيلاً يوقر ظهورنا .. وهي كذلك بالفعل للكثيرين منكم . والآن اسمحوا لزملائي الممثلين أن يعيدوا الكرة وأرجوكم أن تتيحوا الفرصة لهم ليواصلوا أدائهم حتى النهاية . وهذا من حقّهم عليكم. وأرجوكم أن تلزموا الهدوء حتى نهاية المسرحية ، وعنئذ عّبروا عن رأيكم فيها بالأسلوب الذي ترتئونه ( وهو يضحك ) حتى ولو برجم الممثلين بالبيض الفاسد! (يلتفت إلى الممثلين الذي يصطفون وراءه كالتماثيل ويخاطبهم قائلاً : " أيها الزملاء .. باشروا عملكم " . يتحرك الممثلون كالآلات نحو كراسيهم وينحطون عليها منتصبي القامات . يتوارى المؤلف خارج المسرح يتطلع الممثلون إلى الرسوم المعلقّة على الجدران لدقائق ثم يتبادلون نظرات ساخرة 0 يتنحنحون للحظات بصوت عال ثم تنطلق فجأة قهقهاتهم الطويلة الممدودة. يسود صمت مطبق . تستمر قهقهات لدقائق والصمت يهيمن على الصالة ) .
متفرج : إلى متى ستستمر هذه القهقهات ؟!
متفرج : وإلى متى ننتظر أن يضحكنا الممثلون ؟!
متفرج : هل يصدّق هذا المؤلف المعتوه حقاً أن هذه القهقهات ستنسينا متاعبنا وتبعث السرور في قلوبنا ؟
متفرج : أيها المؤلف المرائي : أين هربت وتركت ممثليك يضحكون علينا؟
متفرج : يا إخوان .. الذنب ليس ذنب المؤلف أو الممثلين بل ذنبنا نحن الذين صبرنا عليهم حتى الآن .
متفرج : أظن أن الوقت حان يا إخوان لنعبّر عن رأينا في هذه المسخرة .
(صيحات في الصالة " فعلاً .. فعلاً " تبدأ كرات صغيرة من الورق وأشياء أخرى تتطاير في الهواء وتتساقط على المسرح ) .
ممثل : أيها السادة .. صبركم .. نحن لم نستنفذ وقتنا بعد .
متفرج : بل استنفذتم وقتكم وزيادة .
ممثل : اصبروا علينا قليلاً أيها السادة .. اصبروا قليلاً .. الصبر مفتاح الفرج.
متفرج : صبرنا حتى مللنا الصبر .. إلى متى نبقى صابرين على ضيمنا ؟
( الكرات تستمر في التطاير والسقوط على المسرح والممثلين )
متفرج: ( وهو يقف مخاطباً المشاهدين) يا إخوان .. انتهت المهزلة .. إنهم شبعوا ضحكاً علينا .
( صيحات في الصالة : " فعلاً .. فعلاً ". يبدأ المشاهدون بالنهوض ومغادرة الصالة وهم يلغطون فيما بينهم بعبارات الاستنكار والاحتجاج . تهبط الستارة ببطء في حين يتصايح الممثلون : " انتظروا أيها السادة .. نحن لم نستنفذ وقتنا بعد .. انتظروا.. المسرحية لم تنته بعد .. لا تغادروا مقاعدكم .. انتظروا ..").


- ستار الختام -



















دردشة
1994















شخصيات المسرحية

عبود – في أواسط الستّين
وحيد – في الخامسة والثلاثين .
سعدون – في أوائل الأربعين .
رسول – في أواخر الأربعين .
النزيل الجديد – في نهاية العقد الثالث .















المشهد :

" صالة فندق صغير . تطل نوافذه على جبال مكسّوة بالأشجار . مدخل الصالة ينفتح على باب الفندق الرئيسي 0 في ركن من الصالة سلّم يؤدي إلى غرف الطوابق العليا . ينزوي مكتب مدير الفندق في ركن من الصالة ووراءه لوحة عليها مفاتيح الغرف .
حركة دائبة في الصالة . النزلاء يدخلون ويخرجون ويصعدون إلى الغرف العليا ويهبطون منها وقد يقاطعون الحوار الدائر بأسئلتهم لمدير الفندق .
سعدون ووحيد يجلسان متجاورين على مقربة من مكتب مدير الفندق .
سعدون : تأخر اليوم الأستاذ عّبود عن موعد نزهتنا العصرية .
رسول : بلي .. كاكه عبود تأخر .
سعدون : أتتصور أنه تأخر في النوم يا سيد وحيد ؟
وحيد : لا أظن .. لعله يقرأ في الفراش .
رسول : ( وهو يمدّ يده الى التلفون ) سأتصل به إذا أحببتم .
وحيد : لا، لا داعي ..لعله ينزل بعد قليل .
سعدون : ولكن سيفوتنا مراقبة مشهد غروب الشمس من على رأس الوادي يا سيد وحيد . ( وهو ينظر في ساعته ) لم يبق على غياب الشمس سوى نصف ساعة .
وحيد : نحن حفظنا هذا المنظر يا عقيد سعدون . فماذا لو فاتنا اليوم ؟
رسول : ( هو ينظر إلى السلّم ) جاء كاكه عبود .
( يهبط عبود إلى الصالة ويلقي التحية ويتخذ مقعداً بجوار سعدون)
سعدون : خيراً يا أستاذ عبود ؟ تأخرت عن ميعاد نزهتنا العصرية .
عبود : هذا صحيح .. تأخرت .
سعدون : ( وهو يبتسم ) أخذتك النومة كما يظهر يا أستاذ عبود .
عبود : لم أكن نائماً في الحقيقة .. كنت أستريح في الفراش .
وحيد : كنت تقرا .
عبود : كنت متمدداً فقط يا وحيد .. شعرت بشيء من التعب بعد أن فرغت من مقالي الأسبوعي .
سعدون : ( وهو يتهيأ للنهوض) إذن هيا بنا لنتمشى لنلحق الشمس قبل غروبها .
عبود : أعفياني اليوم يا عقيد سعدون .. سأبقى هنا أتسامر مع كاكه رسول .
رسول : (بحماس) والله هذا سروري يا كاكه عبود .
سعدون : ( وهو ينظر إلى وحيد) هكذا؟! نحن إذن سنبقى معك ونشاركك سمرك مع كاكه رسول. ماذا وراءنا في المصيف سوى الأكل والنوم والتمشي والدردشة ؟ ( وهو يرنو إلى عبود مداعباً) ولكن أيمكن أن يشعر شيخ الشباب بالتعب ؟
عبود : (باسماً) ولماذا لا يمكن ؟! ألا يحق لشيخ الشباب أن يشعر بالتعب ؟
وحيد : معنى ذلك أنك أجهدت نفسك يا أستاذ عبود في كتابة المقال .
عبود : يجب ان يصل المقال بعد غد إلى الجريدة يا وحيد .
وحيد : ( بلهجة ساخرة) وإذا لم يصل بعد غد ،ماذا سيحدث ؟
عبود : ( باستنكار) وماذا عن مسؤوليتي تجاه الجريدة ؟! وماذا عن مسؤوليتي تجاه قرائي ؟
وحيد : قتلتنا بهذه المسؤولية يا أستاذ عبود .. ستجهز عليك هذه المسؤولية يوماً.
سعدون : (بلهجة شبه مازحة) لابد لك ان تعترف بعامل الزمن يا أستاذ عبود .
عبود : وما علاقة عامل الزمن بالسؤولية ؟
سعدون: ( بلهجة شبه مازحة) أترك المسؤولية للشباب يا أستاذ عبود فأنت شبعت مسؤولية .
عبود : ومن قال لك إنني لم أعد شاباً ؟
سعدون: (بحماس) مضبوط ، فأنت شيخ الشباب يا أستاذ عبود .
رسول : ( وهو يكركر )ما شاء الله على شبابك يا كاكه عبود !
عبود: هكذا يا رسول ؟! هل تراني أدليت رجليّ في القبر ؟!
رسول : أستغفر الله كاكه عبود .. أستغفر الله .
سعدون : كاكه رسول يقصد انك يجب أن تريح نفسك يا أستاذ عبود وتترك المسؤولية لغيرك في هذا السن ، فالمسؤولية تقصم الظهر .
عبود : هذا غير صحيح . فالمسؤولية هي التي تحافظ على شباب الإنسان مهما تقدم به العمر.
وحيد : ( وهو يطلق ضحكة هازئة) بل هي التي تقصف عمر الإنسان قبل الأون يا أستاذ عبود .
سعدون : مضبوط يا سيد وحيد .. إنها تشيخ الإنسان قبل الأوان .
عبود : هذا غير صحيح . المسؤولية معناها تجدّد الحياة0 وهذا يكسب الإنسان الشباب الدائم .
( تتوقف سيارة فخمة عند باب الفندق ويترجل منها النزيل الجديد . يدخل ويتجه مباشرة إلى رسول دون أن يلقي التحية على الموجودين ) .
النزيل الجديد : (لرسول) ألم يسأل عني أحد ؟
رسول : لا والله كاكه .
النزيل الجديد:أنا أنتظر مكالمة مهمة . أرجو أن تحوّلها إلى غرفتي .
رسول : بلي كاكه 0
( يرتقي النزيل الجديد السلّم إلى الغرف العليا)
عبود : ( بعد لحظة) قل لي يا عقيد سعدون : ألم تطلق عليّ لقب "شيخ الشباب؟
سعدون : (في حماس) مضبوط .. وأنا متمسك برأيي .
عبود : ألا تعرف أنني في أواسط الستّين ؟
سعدون : أعرف ، لكنك لا تبدو في هذا السنّ .. أنت تبدو في أواسط الأربعين.
عبود: (باسماً) هكذا ؟
سعدون: ( في حماس) بشر في أنت أكثر شباباُ مني يا أستاذ عبود .
عبود : (بلهجة جادة) إذا كنت ترى ذلك حقّا ، ألم تسأل نفسك عن السبب؟
سعدون: (مفكراً) أصارحك أني لم أسأل نفسي عن السبب يا أستاذ عبود.
عبود : أنا أقول لك السبب يا عقيد سعدون . إنني أدين بشبابي لأمرين ، الأول شعوري بالمسؤولية والثاني تفاعلي مع حياة الناس .
وحيد : (بلهجته الساخرة) وكلا الأمرين يقصف العمر .
رسول : أي والله كاكه وحيد .. آخ من المسؤولية .. آخ من مسؤولية الأبناء.
سعدون: مضبوط كاكه رسول . مسؤولية الأبناء هي قاصمة الظهر في هذا الزمان الصعب .
عبود : ( لرسول وهو يبتسم ) ألهذا الحدّ يتعبك أبناؤك يا كاكه رسول ؟
رسول : (وهو ينفخ بأسى) خلّني كاتماً همي يا كاكه عبود .. أين هم أبنائي ؟ كبيرهم قُتِل واثنان هربا إلى الخارج والشرطة تلاحقني بسببهما ، والصغير يهدّدنا يومّياً باللحاق بأخويه ، وأمّهم تبكي عليهم ليلاً نهاراً . هذا ما نابني من مسؤولية الأبناء .
عبود : أنا حزين من أجلكم يا كاكه رسول . (بعد لحظة) وعلى كل حال فهذه ظروف طارئة وإن شاء الله تزول يوماً .
رسول : (بمرارة) بلي كاكه عبود .. لكننا نحن الكرد نمر بهذه الظروف الطارئة منذ سبعين عاماً0 وبدلاً من أن يعترف لنا بحقوقنا تجيّش لمحاربتنا الجيوش وتزخ على أرضنا القنابل .
وحيد : (بلهجته الساخرة) أرأيت يا أستاذ عبود ؟ لولا الشعور بالمسؤلية ما تعرّض كاكه رسول لهذه المتاعب .
سعدون : ( بلهجة جادة) الحقّ مع كاكه رسول يا سيد وحيد ، فمسؤولية الأبناء باتت بثقل الجبال في هذه الأيام .
وحيد : الحمد لله الذي كفانا شرّ مسؤولية الأبناء .
عبود : نحن نتحدث عن المسؤولية بمعناها العام يا وحيد وليس عن مسؤولية الأبناء على نحو الخصوص .
سعدون : إنني جرّبت المسؤوليات من كل نوع يا أستاذ عبود فوجدت مسؤولية الأبناء أثقلها .. إنها في ظروفنا الحاضرة قاصمة الظهر فعلاً .. لعنة الله على السياسة .
وحيد: ومن قال لك أن تتزوج وتأتي بالأبناء ثم تلوم السياسة ؟
سعدون: طبعاً ألوم السياسة يا سيد وحيد .. السياسة تغلغلت في صميم حياتنا فأفسدت كل شيء .. هي التي فككت عرى الأسرة وأفقدت الآباء سيطرتهم على الأبناء وأضعفت دورهم في الأسرة .. السياسة جعلت مسؤولية الأبناء بثقل الجبال .. لعنة الله على السياسة.
رسول : أي ولله كاكه سعدون .. لعنة الله على السياسة .
سعدون: (بعد لحظة) والسياسة هي التي تجعلنا قلقين على مصير ومستقبل أبنائنا طول الوقت . صار الأب لا يعرف ماذا يمكن أن يحدث لأبنائه بسبب انغمارهم في السياسة . (ملتفتاً إلى عبود) هذه هي نتيجة الشعور بالمسؤولية يا أستاذ عبود وأنت تقول إنها تجدّد الشباب ( وهو يهزّ رأسه كالمخاطب لنفسه) ويا ليت الأبناء يخفّفون عناّ مسؤوليات الحياة اليومية التي تزداد صعوبة يوماً بعد يوم .. إنهم يريدون منّا أن نخدمهم فحسب .. صاروا أنانيين لا يهمهم إلاّ أنفسهم .
عبود: (باسماً) هذه سنّة الحياة الدنيا يا عقيد سعدون .. أنت تخدم أبناءك وهم سيخدمون أبناءهم .
وحيد : (ضاحكاً) من زرع حصد يا عقيد سعدون0 وأنت زرعت فاحصد ما زرعت . وعلى كل حال فما زلت في بداية مسلسل مسؤولية الأبناء .. فأمامك مسؤولية إدخالهم إلى الكليات المناسبة ، ثم فيما بعد مسؤولية البحث عن وظائف لهم عند تخرّجهم ، ثم فيما بعد مسؤولية المعاونة في زواجهم ، ثم فيما بعد مسؤولية مساعدتهم في البحث عن مسكن مناسب إلى آخره .. إلى آخره .
سعدون : (وهو يهزّ رأسه مؤمناً) مضبوط يا سيد وحيد .
وحيد : ( بلهجته الساخرة) لو كنت تشبهت بشاعرنا أبو العلاء المعري يا عقيد سعدون كنت كفيت نفسك مؤونة هذه المسؤوليات . ولا تنس أنك جنيت على أبنائك يا عقيد سعدون بزجّهم في هذا المجتمع الأناني ، بينما كان بإمكانك أن تقول كما قل المعرّي :
هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد.
عبود :مشاكل الأبناء لا تعفينا من مسؤوليتنا تجاه استمرار الحياة يا وحيد0 ولو فكّر كل شخص على طريقة المعري لخربت الدنيا. (وهو يبتسم ) أما بالنسبة لك فأنت تقول ذلك تهرباً من المسؤولية . فأنت تستحق بجدارة لقب " الهارب من المسؤولية " .
وحيد :(وهو يطلق ضحكته الساخرة ) وأنا أفتخر بهذا اللقب .
عبود : (وهو يبتسم ) وما دمت كذلك فماذا تعرف عن مسؤولية الأبناء ؟
وحيد : ألا يكفيني ما أسمعه عما يعانيه أرباب العوائل من هذه المسؤوليات؟
سعدون : (وهو يهز رأسه ) لا يا سيد وحيد .. ليس من يده في النار كمن يده في الماء البارد .
رسول : أي والله كاكه سعدون .
عبود : ( لوحيد وهو يبتسم ابتسامة عريضة) إذن فأنت لا تزال مهتماً بمشاكل الناس يا وحيد .
وحيد : لا تفهمني خطأ يا أستاذ عبود ، فأنا طلّقت مجتمعك ولا علاقة لي بمشاكله . وقد استعضت عن مخالطة الناس بمن هو خير منهم وهو الكتاب . وصدق شاعرنا المتنبي حين قال : " وخير جليس في الزمان كتاب " .
سعدون : وكيف يمكن للإنسان أن يقطع صلته بمعارفه يا سيد وحيد ؟ هذا أمر صعب .
وحيد : الشهادة لله معارفي هم الذين قطعوا صلتهم بي حين أصبحت غير نافع لهم0 فالتقطت الخيط منهم (وهو يضحك بتهكم )0 الناس يجرون وراء مصالحهم يا عقيد سعدون أكانوا معارف أم أصدقاء أم أقارب .
سعدون : مضبوط يا سيد وحيد .. الناس مصلحيون ولا تهمهم سوى مصالحهم. فهذا ما جرى لي أنا أيضاً . فمنذ أُحلت على التقاعد لم يعد يتفقّدّني إلاّ القليل من المعارف والأقرباء لأنني لم اعد ذا نفع لهم في الوساطة بعد أن كان بيتي يغصّ بهم في المناسبات والأعياد .
وحيد : (بلهجة نصف جديّة) ولكنك لا تزال قادراً على الوساطة يا عقيد سعدون ، وإن كنت عقيداً متقاعداً .
سعدون : (وهو يهز رأسه بحزن ) لا يا سيد وحيد . لم تعد وساطتي في الدوائر الحكومية ذات نفع منذ خلعت بدلتي العسكرية . كانت بدلتي العسكرية والنجوم التي تلمع على كتفي تفتح لي الأبواب على مصاريعها.
وحيد : (بجدّ) الحق معك ، فالبدلة تعني للناس الشئ الكثير . ( وهو يضحك) كان بعض زملائي الموظفين لا يهتمون بالمراجعين الذين لا يرتدون البدلة المهندمة .
رسول : أي ولله كاكه وحيد .
عبود : (وهو يبتسم ) يبدو أن احترامنا للبدلة قديم . وكلّنا سمع بقصة أشعب حينما مُنع من حضور وليمة بسبب بدلته الخلقة ، فعاد إليها وهو يرتدي جُبّةَ فخمة ، وراح يغترف الطعام بكمّها باعتبارها مسؤولة عن حضوره .
(ضحك )
سعدون : (بعد لحظة وهو يهز رأسه ) هذه هي حقيقتنا مع الأسف !
وحيد : (لسعدون بلهجته نصف الجدية ) معنى ذلك أنك صرت من عباد الله المستضعفين مثلنا يا عقيد سعدون .. تساويت معنا .. فقدت الدلال الذي كنت تتمتع به .
سعدون : (وهو يهز رأسه بحزن ) أيّ دلال يا سيد وحيد ؟
وحيد : اسمع يا عقيد سعدون .. هذه حقيقة لا يتناطح فيها كبشان ، فالعسكر عندنا مدللون في جميع العهود وامتيازاتهم لا حصر لها . مع أن جيوشنا لا تفعل شيئا سوى أن تقوم بالانقلابات العسكرية . فهم قادرون على أن يطيحوا بالحكومة في غمضة عين بل وان يصبح أي واحد منهم المتصرف بشؤون البلاد 0
وحيد : (بلهجته الساخرة) هذا أمر لا شك فيه فنصف حكّام بلدان العالم الثالث منهم .
رسول : (وهو يكركر ) أي والله كاكه وحيد .
سعدون : لا تظلمونا يا إخوان ، ولا تنسوا أن مسؤوليتنا كبيرة ، فنحن نضحّي بأرواحنا في سبيل الحفاظ على مصالح الشعب والوطن .
وحيد :(بلهجته الساخرة) ليس دائماً يا عقيد سعدون ، وربما العكس هو الصحيح في كثير من الأحيان .
سعدون : (وهو يهز رأسه ) نحن مأكولون مذمومون كالسمك يا سيد وحيد . فحياتنا عرضة للخطر أكثر من أية فئة أخرى من موظفي الدولة ، كما أننا معرضون لفقدان وظائفنا لأدنى شك في ولائنا للسلطة ، فنلقى في الشارع ونعجز عن القيام بأي عمل آخر . ويكون الأمر بالنسبة لنا كمن يهبط من السماء إلى الأرض .
وحيد : (بلهجة قاسية) ليس جميعكم يا عقيد سعدون .. إن بعضكم من الظالعين مع السلطة قد أصبحوا من أكبر التجّار ومن أثرى الأثرياء وقصورهم أفخم القصور حتى وإن خرجوا على التقاعد .
سعدون : أنت تظلمنا يا سيد وحيد ، ولا يمكن أن يحترق الأخضر باليابس .
عبود : (لسعدون مبتسماً ) الحق معك يا عقيد سعدون ، فوحيد يبالغ في قوله. ولكنك أنت أيضا تبالغ فليس معنى إحالة الضابط على التقاعد أن يكون كمن يهبط من السماء إلى الأرض .
سعدون : هذه هي الحقيقة يا أستاذ عبود فنحن لا نحسن أيّ عمل آخر0 (وهو يهز رأسه بحزن كمن يخاطب نفسه ) أين كنّا وأين صرنا؟! من كان يجرأ على إطالة الكلام معي حينما يدخل عليّ مكتبي ؟ حتى كبار الضباط كانوا يعترفون بهيبتي 0فالكل يعرف مدى صرامتي . أما اليوم فلم يعد حتى أبنائي يعترفون لي بهذه الهيبة .
عبود : ما هذه سوى تخيلات يا عقيد سعدون .
سعدون : (بلهجته الحزينة) لا يا أستاذ عبود .. ليست تخّيلات ..أبنائي أخذوا يتمردون على مسؤوليتي تجاههم منذ أُحلت على التقاعد 0 ما عدت في نظرهم ذلك الشخص المهاب الذي كانت سيّارة الجيش الفاخرة تقف على باب منزله صباح كل يوم لتقله إلى عمله .
وحيد : (بلهجته نصف الجدية) لكن المفروض أنك ربيّت أبناءك حسب النظام العسكري الصارم يا عقيد سعدون .
سعدون : المفروض شئ والواقع شئ آخر يا سيد وحيد ( وهو يهز رأسه بمرارة ) وهم الآن يتهمونني بأنني نقلت سلطتي العسكرية كاملة إلى البيت بعد أن فقدتها في الوظيفة .
وحيد : (بلهجته نصف الجدية ) أنا لا أستبعد ذلك يا عقيد سعدون خصوصاً وأن الكثيرين من الضباط يفقدون هيبتهم أمام الناس بعد التقاعد فينقلون عنجهيتهم إلى بيوتهم .
( يهبط النزيل الجديد وينتحي مقعداً منزوياً في الصالة دون أن يلفت إليه انتباه الموجودين)
عبود : (بلهجة جادة ) لعلك قمت بذلك فعلاً يا عقيد سعدون بدون أن تقصد ذلك أو تشعر به .
سعدون : ولنفرض ذلك يا أستاذ عبود .. ألا تتطلب مسؤوليتي تجاههم المحافظة على حياتهم ومستقبلهم في هذا الزمن الصعب ؟ وأنا لم يبق لي مهمة في الحياة سوى الاهتمام بتربية أولادي والحرص على مستقبلهم . فهل أستحق ما يجابهونني به من تمرّد؟
وحيد : (بلهجته الساخرة) ذنبك على جنبك يا عقيد سعدون 0 من الذي أجبرك على الزواج وإنجاب الأبناء وتحمّل هذه المسؤولية ؟ ما الذي دعاك إلى كل هذا العناء ؟
سعدون : (وهو يهز رأسه ) مضبوط يا سيد وحيد . فما الداعي إلى كل هذا العناء فعلاً ؟ وما نتيجته ؟ نتيجته أن كل واحد من الأبناء سيتركنا حتماً حينما يحين الحين ويجري وراء مصلحته . وقد يتفضل علينا بالزيارة كل أسبوع مرة ويجلس معنا نصف ساعة على عجل لأنه مشغول بأسرته الجديدة وبأعماله الخاصة ، أو ربما لن يجد وقتاً لزيارتنا إلا كل شهر مرة 0 وليس لنا إلاّ أن نستسلم للإهمال والوحشة والوحدة ومصاعب الحياة في كبرنا .
عبود : (مبتسماً ) هذه سنة الحياة الدنيا يا عقيد سعدون وما يجري لك يجري لغيرك وهو ليس مبرراً للمرء كي يتخلى عن مسؤوليته في تكوين عائلة وإنجاب أبناء .
سعدون : (محتجاً) ولكن هذا سلوك خاطئ وما هكذا أوصي الله الأبناء بالآباء0 فالآية الكريمة تقول (وبالوالدين إحسانا) 00 إنه سلوك مرفوض .
عبود : ( وهو يبتسم ابتسامة وادعه ) يجب ألاّ ننظر إلى الأمر على هذا النحو يا عقيد سعدون . هذه سنّة الحياة الدنيا . فأنا مثلاً حدث لي ذلك لكنني لا أشعر تجاهه بمثل هذه المرارة . فقد تركنا ابننا الوحيد وهاجر إلى مع علمه بما تقاسيه في سننّا هذا من صعوبات الحياة ، وما تعانيه أُمُّه بالذات من مشاعر الوحدة والوحشة لافتقادها ابنها الوحيد . وللأسف أن شباناً كثيرين محبطين أمثاله هجروا بلادهم وفي ظنهم أنهم سيلقون في بلدان المهجر كأمريكا وكندا واستراليا الثروة والنجاح ، في حين إن الغالبية الساحقة منهم يعانون معاناة شديدة في حياتهم الجديدة هناك ويندر منهم من يحقق النجاح .
سعدون : (محتجاً ) لا ، لا يا أستاذ عبود . هذه الحرية المطلقة التي تُمنح للأبناء مرفوضة ، وهي التي أوصلتهم إلى هذا التحلل والأنانية وعدم الالتزام 0 كيف يجوز لهم أن يتنكروا لمسؤوليتهم تجاه الأبوين ؟ أليست هذه المسؤولية هي أقدس أنواع المسؤوليات ؟
رسول : أي ولله كاكه سعدون .
وحيد : (بلهجته الساخرة) فلتسقط المسؤوليات !
عبود : يا عقيد سعدن . علينا أن نعترف بأن حرية الإنسان في التصرف بحياته هي فوق كل شئ . فإذا اتخذ أبناؤنا قراراً في التصرف بحياتهم على نحو معّين فلا يحق لنا أن نمنعهم 0 إنها حياتهم وليست حياتنا. وأنا شخصياً لم أكن متفقاً مع ابني في قراره بالهجرة واعتبرته هروباً من مواجهة الواقع 0 لكنه كان مقتنعاً بصحته فلم يكن لي بدّ من التسليم به.
سعدون : ولماذا كان مقتنعاً بصحته ؟
عبود : (وهو يبتسم بمرارة ) كان يقول إنه استخلصه من مجريات حياتي.
سعدون : وكيف ذلك يا أستاذ عبود ؟
عبود : كان يقول إنه اقتنع بأنه مهما أخلص في عمله فلن يكن أكثر إخلاصاً مني، ومهما تحمّس لخدمة بلاده فلن يكون أشدّ حماساّ مني . وفي رأيه أنني كوفئت على مسلكي بالجحود والنكران0 وبالتالي فهو مقتنع انه لن يكون له مستقبل في بلده0 ولا تنس يا عقيد سعدون أن هناك الآلاف من الشباب أمثاله قد هجروا وطنهم بسبب يأسهم من الأوضاع المحبطة في البلاد . وقد قرر ابني أن يعيش في بلد يجني فيها ثمار جهده وإخلاصه.
سعدون : ابنك محق إذن يا أستاذ عبود . فكلّ من يعرفك يعلم أنك كنت من أكفا وأنزه موظفي الدولة . ومع ذلك أوقفت عن العمل قبل سنّ التقاعد وحرُمت البلاد من كفاءتك . وإنه لشيء مؤسف أن يكون هذا مصير النزيهين والملتزمين بالمسؤولية في بلدنا ( وهو يهز رأسه وكأنه يحدث نفسه ) وأنا ؟! ما الذي أوقعني في البلوى ؟ أليست هي نزاهتي وحنبليّتي والتزامي بالمسؤولية ؟ وكم نصحني الناصحون أن أكون واقعياً وأماشي الأوضاع فسخرت منهم متصوراً أن نزاهتي وكفاءتي هما خير حماية لي . ويا ليتني اتبعت نصائحهم ! ( وهو يهز رأسه ) وكل ذلك من بلاوي السياسة لعنة الله عليها .
رسول : اي والله كاكه سعدون !
وحيد : (بلهجة جدية) أنت تدهشني بهذه الأقوال يا عقيد سعدون وكأن ما حدث لك أو للأستاذ عبود أمر شاذ . ألم يحدث للآلاف غيركما؟ ألم افصل أنا من وظيفي بسبب السياسة؟ لقد كنت بين زملائي أشدهم حماساً للمسؤولية والتزاماً بالُمُثل. (وهو ينظر إلى عبود نظرات ساخرة) ويريدنا الأستاذ عبود أن نلتزم بالمسؤولية لنحافظ على شبابنا إلى آخر العمر !
سعدون : (وهو يهز رأسه) مضبوط .. ليس وراء الالتزام بالمسؤولية سوى البلاوي !
عبود : إن حدوث التجاوزات بسبب السياسة أو لأي سبب آخر لا يعني التخلي عن الالتزام بالمسؤولية تجاه المجتمع .
وحيد : (بلهجته الساخرة ) وأي مجتمع يا أستاذ عبود ؟! أؤكد لك أن أي فرد من هذا المجتمع لم يستنكر الظلم الذي وقع عليّ ولم يرفع أي واحد من زملائي الموظفين صوتاً ضده. (وهو يضحك ضحكة متهكمة )بل إن زملائي انفضّوا عني وكأنني صرت أجربا يُخشى العدوى منه باعتباري لم أعد مرضياً عنه من قبل النظام .. كل ما كان يهمهم هو التملق للرؤساء ولذوي النفوذ من رفاقهم0 (وهو يحدج عبود بنظرة قاسية) كفاك يا أستاذ عبود حماساً للمسؤولية ودفاعاً عن هذا المجتمع الأناني وكن واقعياً وأرح نفسك .
عبود : (وهو يبتسم ) ليس معنى فصلك من الوظيفة نتيجة لأخطاء السياسة او تعسفها أن تغضب على المجتمع بكلّيته وتقاطعه وأنت لا تزال في ريعان العمر يا وحيد .
وحيد : (وهو يبتسم بمرارة) صدقني يا أستاذ عبود ليس هناك أحد في المجتمع يستأهل التضحية من أجله .
سعدون : ( وهو يهز رأسه) مضبوط يا سيد وحيد !
عبود : (وهو يبتسم ) فهل يتوجّب عليّ إذن أن أقاطع المجتمع وأعيش في برج عاجيّ مثلك يا وحيد لأنني حرمت من عملي مبكراً ؟
وحيد : (بتهكم ) العاقل من اتعظ يا أستاذ عبود .
عبود : (بجدّ) أتريدني أن أشيخ قبل الأوان يا وحيد؟ يجب أن تعلم أن اعتزال المرء للناس هو الذي يُسْرع بهم إلى الشيخوخة0 لا بد للمرء أن يتفاعل مع حياة الناس وألاّ يعيش على هامش الحياة إذا أراد أن يعيش حياة صحيّة .
وحيد : بل العكس هو الصحيح يا أستاذ عبود .
عبود : ولكن إذا وقف كل شخص من الحياة والمجتمع مثل موقفك السلبي هذا يا وحيد ، فمن الذي سيتولى إصلاح الأوضاع الخاطئة إذن؟
وحيد : (بلهجة ساخرة ) أنسيت يا أستاذ عبود المقولة الشعبية " لا تفكر لها مدبرّ " ؟
عبود : وأنت أيضا هل نسيت المقولة المقابلة لها " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً " ؟ ومن يهتم بالدنيا لا يمكنه أن يتخلّى عن العمل من أجل الإصلاح.
سعدون : (وهو يهز رأسه ) ومن يكترث في بلدنا بالذين يعملون من أجل الإصلاح يا أستاذ عبود ؟ وحالك خير دليل على ذلك .
وحيد : (بجدّ) فعلاً00 أفلا ترى يا أستاذ عبود ان جهودك الإصلاحية خلال حياتك الوظيفية الطويلة ذهبت كلها أدراج الريح بل وأُبعدت عن العمل قبل الأوان ؟
عبود : وهل يعني إبعادي عن العمل التخلّي عن مسؤوليتي تجاه المجتمع؟ وإذا كنت أُبعدت عن العمل الحكومي فما زال هناك أمامي مجال آخر وهو الصحافة ، ومقالاتي الأسبوعية في جريدة " الكفاح " تطمئن في نفسي شعوري بالمسؤولية تجاه المجتمع .
سعدون : وهي مقالات يتابع قراءتها باهتمام الكثيرون من الناس يا أستاذ عبود والحقّ يُقال .
وحيد : ولكن فلنكن صريحين يا أستاذ عبود . إذا كنت لم تستطع وأنت في السلطة أن تحقّق آراءك ،فما بالك وأنت خارج السلطة ؟ ومن الذي يأخذ بالآراء والدعوات التي تنشرها في جريدة " الكفاح " أو في غيرها ؟! من يسمع ومن يقرأ ؟
سعدون : لا ، لا يا سيد وحيد . لا يمكن أن نقول هذا عن مقالات الأستاذ عبود، فهي تحظى بتأييد الكثيرين من الناس .
وحيد : (في سخرية) وهل تتصور حقاً يا عقيد سعدون أن مقالات الأستاذ عبود قد أكسبته أهمية حقيقة لدى الناس ؟ تأكد أنه لو دخل في مشاكل مع السلطة لما سأل عنه أحد ، ولكان حال الناس معه حال اليهود حينما قالوا لموسى : " اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون "0 ولنكن صريحين .. ما مدى تأثير آرائك التربوية في الجيل الجديد ، وأعنى التلاميذ ، وما مدى استجابتهم لها في رأيك يا أستاذ عبود ؟
عبود : (وهو يبتسم ابتسامة حزينة) وهل هناك بينهم من يقرأ مقالاتي أو كتبي يا وحيد ؟! إنهم مشغولون بكرة القدم أو بالتلفزيون أو بحفلات الطرب0
وحيد : ها أنت ذا أجبت عن سؤالي يا أستاذ عبود .
سعدون : (وهو يهز رأسه) مضبوط يا سيّد وحيد . حقيقة إن أوضاع الجيل الجديد من التلاميذ ساءت عما عهدناه في أيامنا . فهم لا يهتمون بالآراء الإصلاحية ولا يهتمون بالقراءة أصلاً ، ولم يعد التلاميذ يشعرون بالاحترام القديم نحو المدرسة والمعلمين . وما أبعد الفرق بين ما كنّا نشعر به من احترام وتبجيل لمدرّسينا وما يشعر به الجيل الجديد من استهانة بالمدرسة والمدرّسين.
رسول : أي ولله كاكه سعدون .. كناّ نحترم المعلمين أكثر مما نحترم آباءنا . كنا نخجل من مواجهة معلمينا في الطريق فنأخذ طريقاً غير الذي يمشي فيه المعلم .
سعدون : مضبوط يا كاكه رسول ، والمدرسة كانت هي المسؤولة عن ذلك ، كانت المدرسة تعلّم التلاميذ احترام الصغير للكبير وتبجيل الآباء وطاعتهم والالتزام بمكارم الأخلاق . أما اليوم فقد ضعف دورها في تربية النشء ولم يعد لها شأن بتلقين هذه الفضائل الأخلاقية . وكل ذلك بسبب السياسة. لعنة الله على السياسة . أصبحت هي الأساس وما عداها لا أهمية له. حتى عندنا في الجيش لم يعد الضّباط يحترمون من هم أعلى رتبة منهم بسبب السياسة ، ولا شك أن الضبط العسكري في الماضي كان أقوى بكثير مما هو عليه اليوم .
عبود : للأسف هذه حقيقة لا نستطيع إنكارها0 فأوضاع المدارس في السابق كانت أفضل مما هي عليه في الوقت الحاضر ، والمستوى التعليمي للتلاميذ قد تدهور عما كان في الماضي . ولقد تراجع مع الأسف اهتمام المدرسة بالأنشطة الثقافية اللاصفية على اختلاف ألوانها . كذلك أضعف تدخل السياسة في شؤون الطلبة والمدارس نفوذ المدرسة التربوي فعلاً .
وحيد : وما العجب في تدهور الجانب التربوي لدى التلاميذ يا أستاذ عبود ؟ أليس التلاميذ هم جزء من المجتمع الكبير ؟! وكلّنا يعلم أن مُثُل الناس قد تدهورت عما كانت عليه في الماضي بسبب فساد السلطة0 فتراجع الصدق والأمانة والنزاهة وتفشّى النفاق والانتهازية والنفعية.
سعدون : مضبوط يا سيد وحيد . وكل ذلك بسبب السياسة .. لعنة الله على السياسة .
عبود : الناس يشكون دائماً من تدهور المثل في جيلهم عن الجيل السابق يا وحيد . وينبغي ألاّ تثّبط هذه الشكوى من عزم المخلصين أو تجعلهم يتخلون عن مسؤوليتهم تجاه المجتمع .
سعدون : لكن المسؤولية معناها المتاعب يا أستاذ عبود في هذا الزمن الصعب الذي سيطرت فيه السياسة على حياتنا . لعنة الله على السياسة . نغّصت علينا عيشتنا .
وحيد : طبعاً ، لأنها أفسدت أخلاق الناس وعلمتهم الانتهازية والجبن والنفاق .
رسول : أي والله .. دمرّت السياسة حياتنا .
النزيل الجديد :(يهتف فجأة من ركنه المنزوي بلهجة عدائية) مالها السياسة؟ إنها هي التي تجعل الشخص يفكّر بالآخرين ولا يكون أنانيّا . هل يمكن أن يعيش اليوم أي مجتمع متقدم بلا سياسة ؟
(يلتفت الجميع بدهشة نحوه ويلوح على وجوههم الاستغراب وكأنهم فوجئوا بوجوده . تمرّ لحظة صمت يشوبها التوتّر والإحراج ) .
سعدون : ( وهو يبتسم ابتسامة متكلفة ) نحن لم نتشرف بمعرفة السيد .
النزيل الجديد: ( بلهجته العدائية) ليس المهم أن تتشرفوا بمعرفتي لكن المهم أنني مواطن شريف من واجبه أن يصحح الآراء التخريبية إذا بلغت سمعه.
عبود : (بلهجته الهادئة) ولكن أفلا تعتقد أيها الشاب أن من حقّ كل إنسان أن يعبّر عن آرائه الشخصية ويطرحها للمناقشة ، وأن القضية بالتالي ليست قضية تخريب ؟
النزيل الجديد : لا ، ليس من حقّ الشخص أن يطرح آراءه للمناقشة إن لم تكن سليمة . يجب على كل مواطن شريف أن يراعي الدقّة في أقواله وألاّ يزيف الحقائق .
وحيد : (بلهجة خشنة ) اسمع يا أخ ، نحن كناّ نتحدث حديثاً خاصاً فيما بيننا كأصدقاء ولم نكن في مناقشة عامة أمام الجمهور حتى نزّيف الحقائق له .
سعدون : (في لطف )مضبوط يا سيد ..كنّا ندردش مع بعضنا. كان كلامنا نوعاّ من دردشة الأصدقاء لا أكثر ولا أقلّ . ( وهو يضحك ضحكة مفتعلة ) ونحن في المصيف والوقت لا ينقضي إلاّ بالنوم والتمشّي والدردشة .
النزيل الجديد : ومع ذلك كانت هذه الأقوال التي تسمّيها" دردشة" مليئة بالدسّ والافتراء وتشويه الحقائق .
عبود : (بلهجته الهادئة ) وأين الدسّ والافتراء فيما كناّ نتبادله من حديث أيها الشاب؟
النزيل الجديد : كل ما كنتم تقولونه عبارة عن دسّ وافتراء وتشويه للحقائق . ألم تقل أنت نفسك أن أوضاع المدارس كانت في السابق أفضل مما هي عليه في الوقت الحاضر ؟ ألم يقل السيد الضابط المتقاعد ان الضبط العسكري كان في الماضي أفضل مما هو في الحاضر ؟ ألم يقل السيد الذي لا أدري ما هو عمله أن مثل الناس تدهورت عما كانت عليه في الماضي ؟
وحيد : (بغلظة) وما علاقتك أنت بهذه الأقوال ؟
النزيل الجديد : ( في صلف ) لا عجب أن يسأل شخص من نوعك مثل هذا السؤال ، فمن الواضح أنك تتعمد الإساءة إلى سمعة النظام .
وحيد : (بلهجة غاضبة) ومن أورد في كلامه ذكر النظام ؟
سعدون : (بلهجة مضطربة ) لا ، لا يا سيد . أنت مخطئ في تصوراتك . أنت أسأت فهم كلامنا .لم يكن لحديثنا أية علاقة بالنظام 0كناّ ندردش في الجوانب السلبية في سلوك الناس بمن فيهم أبناؤنا.
النزيل الجديد : وكيف ذلك ؟ ألم تقل أنت نفسك أن السياسة أفسدت المدارس والجيش؟
سعدون : (في اضطراب ) لا يا سيد ، لا . أرجوك .. لا تشوّه كلامي . أعني لا تسيء تفسير كلامي . أنا لم اقصد أن رجال السلطة هم المسؤولون عن ذلك بل قصدت عدم فهم الناس لجوهر السياسة . فما علاقة رجال السلطة بما يحدث من أخطاء وتجاوزات من قبل الناس؟
عبود : (بلهجة هادئة ) الواقع يا أبني .. وأسمح لي أن أناديك بذلك فأنت في سنّ ابني إن لم تكن أصغر منه ..
النزيل الجديد : ( مقاطعاً في استخفاف ) لكنني لا أسمح لك بأن تناديني " ابنك" ، فأنا لا أرتضي لأبي أن يحمل مثل أفكارك .
عبود : ( وهو يبتسم ابتسامة وادعة ) كما تحب.
سعدون : ( وهو يبتسم في لطف مصطنع ) اسمح لي يا سيد أن ألفت نظرك إلى خطئك فأنت على ما يبدو لا تعرف الأستاذ عبود ..
النزيل الجديد : (مقاطعاً باستخفاف ) ومن يكون الأستاذ عبود ؟!
سعدون : أعني انك لا تعرفه معرفة حقيقية0 ( وهو يضحك ضحكة متكلفة ) والحق معك فأنت لا تزال شاباً صغيراً .. إنه من أهم كتّابنا الاجتماعيين ومن أكبر رجال التربية والتعليم في بلادنا ، وإن التعليم في بلادنا يدين له بفضل عظيم ، والكلّ يعترف بخدماته الجليلة في حقل الثقافة والتربية والتعليم .
النزيل الجديد : (مقاطعاً في تهكم ) معلوم .. معلوم .. هذا ما يقوله جميع رجال العهود السابقة عن أنفسهم . لقد بُنيت البلاد على أكتافهم ولولاهم ما تحقق فيها أي تطور .. وما نشهده من تطور اليوم هو من صنع أيديهم .
عبود : (مبتسماً ) وأنت ما رأيك أيها الشاب ؟
النزيل الجديد : ( وهو يطلق ضحكة هازئة ) رأيي أنا ؟! رأيي أن هذه أكبر أكذوبة يمكن أن يطلقها إنسان .. رأيي أن رجال العهود السابقة حفنة من المصلحجية الذين لا يؤمنون بمبادئ وكل ما كان يسيرّهم هو المصالح الشخصية .
وحيد : ( بخشونة ) اسمع يا أخ . أعتقد أن من أبسط قواعد الذوق واللياقة ألاّ يتهجّم الشخص على أناس لا يعرفهم .
عبود : (بلهجته الهادئة وهو يبتسم ) ألست مبالغاً في أحكامك أيها الشاب ؟ أعني أنه مما لاشك فيه أن جوانب من التقدم قد تحققت في البلاد قبل قيام الحكم الحالي .
النزيل الجديد : وأي نوع من التقدم ؟! إنه ليس سوى قشور . لم يكن ممكناً أن يتحقق أي تقدم في ظلّ الأنظمة السابقة لأنها كانت تفتقد الأيديولوجية . فكيف تتوقع من مسؤولين بلا أيديولوجية ان يخدموا البلاد خدمة حقيقية؟
وحيد : (في تهكم ) إذن فهل تتفضل يا أخ فتبصّرنا بالخدمات التي قدّمها أصحاب الأيديولوجية للبلاد سوى أنهم فرضوا عليه الحكم الديكتاتوري واحتكروا الحكم لأنفسهم وفازوا بالثروات والمكاسب والمناصب العليا ؟!
النزيل الجديد : (بلهجة حادة ) لا عجب أن يسأل شخص مثلك هذا السؤال . ونحن نعرفكم أنتم رجال الطابور الخامس الذين يعملون بكل الوسائل الشيطانية لتقويض هذا النظام الوطني المعادي للاستعمار كي يحلّو محلّه أنظمة فاسدة تخدم مصالحهم الأنانية الضيّقة وتخدم أسيادهم المستعمرين0 .
وحيد : ( في غضب وهياج ) اسمع .. اعرف كيف تتحدث مع الغير .
سعدون : ( في اضطراب ) لا موجب للحدّة بيننا يا إخوان فكلامنا ليس سوى دردشة .
عبود : (بلهجته الهادئة ) أنت أيها الشاب بالغت في اتهاماتك . ولا يصح ان ترمي كل من يخالفك في الرأي بهذه التهم الجائرة . ولاشك أن من حق أي مواطن أن يعبر عن آرائه إذا ما تحدث مع معارفه ، ولا يحقّ لأي إنسان مهما كان أن يمنعه فذلك من حريات الإنسان الأساسية .
النزيل الجديد: (بلهجة متهكمة ) طبعاً من حقّ أي إنسان أن يعبّر عن آرائه 0فمن ينكر حرية الإنسان في التعبير عن آرائه ؟ لكن ما تقوله هو كلمة حقّ أريد بها باطل0 ويجب ألاّ تكون أراء الشخص باطلة هدفها الدسّ وتشويه الحقائق والافتراء على النظام الوطني .
عبود :ومن لديه حقّ احتكار الحكم على آراء الآخرين أيها الشاب واعتبارها باطلة ؟ ومن لديه الحقّ في أن يفكرّ نيابة عن الآخرين ؟!
النزيل الجديد: الآراء الباطلة لا تحتاج إلى عبقريّ ليميّزها .
سعدون : (وهو يبتسم ابتسامة مصطنعة) من الطبيعي أن تختلف آراء الناس يا سيد . وهناك الرأي والرأي الآخر . ولكننا متفقين جميعاً على إخلاص رجال النظام . ( وهو يضحك ضحكة متكلفة) ثم إننا كّنا ندردش دردشة مصيف يا سيد لا أكثر ولا أقلّ ولم يكن حديثنا جدّياً أصلاً .
النزيل الجديد: ( بلهجة صارمة ) لكن من واجب كل شخص أن يحرص على سلامة أقواله ما دام يتحدث في مكان عام .
سعدون : ( وهو يهز رأسه ) مضبوط يا سيد .. مضبوط .
وحيد : ( بلهجته الغاضبة) اسمع . هذا ليس مكاناً عاماً . ونحن كنا نتحدث فيما بيننا كأصدقاء . ولم يسألك أحد منّا أن تحشر نفسك بيننا وتشاركنا الحديث .
النزيل الجديد: ( بلهجته الصلفة ) أنا لست بحاجة إلى إذن منك لمشاركتكم في الحديث ولا إلى رخصة منك لكي أعترض على ما أسمعه من دسّ وتشويه للنظام .
وحيد : ( بلهجته الساخرة) ومن نصّبك قّيما على النظام ؟ !
النزيل الجديد: كل مواطن شريف مسؤول عن حماية نظامه الوطني . أما غير الشرفاء فهم الذي لا يعنيهم الأمر .
وحيد : ( وقد استشاط غضباً ) اسمع 0 أظنك بلغت الغاية في قلّة الأدب وفي تطاولك على الغير . (ملتفتاً إلى رسول) كاكه رسول .. إمّا أن تطرد هذا الدعيّ أو نترك لك الفندق .
سعدون : (في اضطراب) يا إخوان ، لا داعي إلى الحدّة . كلنا إخوان ولا داعي للحدّة فيما بينا . وهناك دائماً الرأي والرأي الآخر ، ثم أن كلامنا ليس سوى دردشة .
رسول : (في انزعاج ) كيف تتركون الفندق يا كاكه وحيد؟ أنا أفضّل أن أغلق فندقي على أن تزعل منى أنت أو كاكه عبود أو كاكه سعدون . غير كم هو الذي يجب أن يترك الفندق إذا لم يعجبه النزلاء . والله أنتم عندي أغلى من الفندق .
النزيل الجديد: ( وهو يرمق رسول بغضب) الحق معك . إن الطيور على أشكالها تقع . ولست أنت الملوم ، بل الملوم من ينزل في فندقك الذي ليس سوى وكر للمخرّبين . ( وهو ينظر إلى الجميع شزرا) ولكن تأكدوا أنني سأعمل على جعلكم تندمون على ما صدر منكم من أقوال .
( يغادر مقعده ويرتقي السلم عجلاً ويختفي في الطابق الأعلى. يسود صمت متوتر لبضع دقائق وقد ارتسم الغضب والاشمئزاز على وجوه الجميع )
رسول : (و هو يدمدم) الله بلانا بلوة !
سعدون : ( بلهجة قلقة ) كان من الخير لنا لو تجنّبنا النقاش معه وكلّمناه على قدر عقله .
وحيد : وهل نحن الذين احتككنا به أم هو الذي فرض نفسه علينا ؟
عبود : هذا صحيح ، فنحن لم نقل شيئاً يثير غضبه .
( يرن جرس التلفون فوق مكتب رسول فيرفع السمّاعة ويتسمع للحظات ثم يعيدها إلى موضعها وقد بان القلق على وجهه) .
رسول :(بلهجة مغمومة ) إنه طلب التحدث مع احد المسئولين .
سعدون : ( وهو يحاول إخفاء اضطرابه ) هذه بادرة شؤم . من اين ساق الله لنا هذا البلاء لينغّص علينا مصيفنا ؟
وحيد : (لسعدون في استهانة) مالك تبدو مهموماً يا عقيد سعدون؟ هذا الجلف لا يستحق منك كل هذا الاهتمام .
سعدون : (بلهجته القلقة ) ما يدربنا من يكون هذا الشخص يا سيد وحيد؟! نحن لا نعرف حتى ماذا يعمل .
عبود : لا أظنه شخصية هامة يا عقيد سعدون . أغلب الظن انه يحاول ان يضفي على نفسه أهمية لا يمتلكها .
سعدون : إن لم يكن شخصية هامة فهو أكثر خطراً يا أستاذ عبود . ( ملتفتاً إلى رسول ) هل تعرف عنه شيئاً يا كاكه رسول ؟
رسول : لا والله كاكه سعدون .
سعدون : (بلهجته القلقة) الله العالم ماذا يعمل وربما كان من " المخابرات " . ونحن انطلقنا على سجيتنا في حضوره نقول كل ما يخطر على بالنا .
عبود : لا داعي لقلقك يا عقيد سعدون .. نحن لم نقل شيئاً ذا بال .
سعدون : أنت تعلم يا أستاذ عبود كيف يحوّر أمثال هؤلاء الأشخاص أقوال الآخرين ليلقوهم في بليّة .
وحيد : ( في تهكم ) فهل تريدنا أن نكمّم أفواهنا حتى ونحن في مثل هذا المكان القصيّ يا عقيد سعدون ؟ ثم ما الداعي لقلقك أنت بالذات؟ لقد كنت تجامله طوال الوقت !
سعدون : أنا ضابط يا سيد وحيد وإن كنت متقاعداً والضابط يظلّ عليه علامة استفهام حتى يموت . وأنا في غنى عن المشاكل التي لحقتني بسبب حنبليّتي .. ولا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين . ولست وحيداً مثلك يا سيد وحيد .. ورائي مسؤولية الأبناء ومستقبلهم . وأنت تعرف المقولة القديمة " أنج سعيد فقد هلك سعد " .
وحيد : (يلتفت إلى عبود بسخرية) وأنت تلومني يا أستاذ عبود على عزلتي عن المجتمع .. هذه نتائج الاحتكاك بالناس .
عبود : (مبتسماً ) ومع ذلك فأنت برهنت على أنك لا يمكنك العيش بمعزل عن المجتمع وهمومه يا وحيد ، وأنك لابد أن تدافع عما تراه حقاً مادمت ذا ضمير حيّ .
وحيد : (وهو يضحك ضحكة متهكمة ) ما أكثر ما تكلّف الضمائر الحية أصحابها من متاعب !
عبود : لكن هذه المتاعب هي التي تعبّد للبشر طريقهم الطويل نحو المجتمع الأمثل يا وحيد .
سعدون : وهل يمكن أن يتحقّق مثل هذا المجتمع على الأرض يا أستاذ عبود؟! إنه حلم أمثالك فحسب ، وهو حلم لا أكثر ولا أقلّ . نحن راضون بالعيش ضمن أدنى ما يمكن أن يتحقق للإنسان من إنسانية .. ومع ذلك فالمشاكل تطاردنا رغماً عنّا . ماذا يدرينا ماذا ستثمر لنا دردشتنا هذه من متاعب؟
رسول : بلي كاكه سعدون .. الله يكون في عوننا .
(يلوح صمت متوتر على وجوه الجميع ، وتشخص أبصارهم القلقة في الفضاء ، بينما تهبط الستارة ببطء) .

- ستار -








هو وهي

1995
(يرتفع الستار عن غرفة واسعة مزدحمة بالأثاث يسودها طابع الإهمال0 يجلس"هو و" هي " على مقعدين متقابلين وقد بان على وجهيهم الحزن
واليأس 0في بعض الحوارات يجسّم الكلام بتمثيل إيمائي أو رقوق سينمائية تعرض على
شاشة في عمق المسرح .
موسيقى حزينة هادئة تصور الملل واليأس تستمر طوال المسرحية خصوصا في فترات الصمت و تتغير في نهاية المسرحية 0
صمت طويل
هو : لم يبق هناك شئ . لم يبق ما يستحق الحياة من أجله .
هل : أظن ذلك .. لم يعد هناك شئ . كانت أيام حلوة وانقضت .
هو: صارت الأيام متشابهة .
هي: اليوم مثل أمس . وأمس مثل أول أمس .. وغداً مثل اليوم .. وبعد غد مثل غد .
هو : كل يوم يتكرر بنفس تفاصيله .. ليس هناك سوى الملل .
هي : حتى هو لم نعد نعرف عنوانه .
هو : لم يعد في عالمنا سوى جدران هذه الغرفة الخاوية 0
هي : كانت هذه الغرفة تضجّ بالحياة. كان أصدقاؤنا مولعون بالحضور إلى بيتنا .
هو : كنت تعدّين لهم طعاماً شهياً .
هي : كان بيتنا يغصّ بالأصدقاء .. معظمهم رحلوا والباقون لم يعودوا يسألون عنا .
هو : كنت اشغل منصباً خطيراً .
هي : لم يعد يزورنا أحد .. حتى هو لم نعد نعرف عنوانه .
هو : هكذا هي الحياة .
صمت
هي : حتى صديقتي زينب انقطعت عن زيارتي .. كانت أعز صديقاتي .. كم تمتعنا في شبابنا بأوقات حلوة. لم نكن نفترق أيام زمالتنا في الجامعة0 وكان بعض زملائنا يتصورون أننا شقيقتان . وكانت ترتدي فساتيني وخصوصاً الجديدة منها . لم تكن تمتلك سوى بدلتين . ومرة ارتدت أحدى بدلاتي الجديدة قبل أن أدشّنها . كانت تحب الظهور بمظهر المترفات .
هو : وقد صار زوجها واسع الثراء .
هي: لماذا لم نصر أثرياء ؟
هو: وهل يمكن لأمثالنا أن يصيروا أثرياء ؟!
صمت
هو : ( ينهض نحو النافذة ويقف أمامها ) إنه الغروب .
هي : (تنهض وتقف إلى جواره ) ما أحلاه من منظر !
صمت قصير
هو : كم كنّا نستمتع بغروب الشمس على شاطئ النهر !
هي : كان منظر الغروب يسحرك دائما . وكم كنت تنبهر بمنظر الشمس وهي تغوص رويداً رويداً في أعماق النهر .. كنت تبدو كالمسحور . كان ينبغي لك ان تكون شاعراً . لو كتبت قصائد عن الغروب لحفظها كل شخص .
هو: الطبيعة هي الشئ الوحيد الذي يمنحنا المتعة بلا مقابل .
هي : والآن لم يبق لنا إلا أن نراقب غروب الشمس من هذه النافذة .. لقد تغيّر كل شئ .
صمت
هو: ها قد غربت الشمس .
هي : لعلها آخر مرة نشد فيها غروبها 0
(يعودان إلى مقعديهما – صمت )
هو : الغروب يذكرني برحيله .ش
هي : لم تنم ليلتين يوم رحيله . وأنا أيضاً لم يمكنني النوم . كنت أفزّ من نومي وألتفت ناحيتك فأراك معلّق العينين بالسقف .
هو: كان آخر عملة نادرة أتعامل معها.
هي : كم كنت أشعر بالأسف لحياته الشظفة . كان بإمكانه أن يكسب الألوف من منصبه .
هو: كان يتصور أنه يستطيع أن يغيّر الحياة إلى الأفضل بُمُثله .
هي : كان موته صدمة للجميع . كان في صحة جيدة .
هو: كان لابد أن يموت . لقد اقتنع بأن كل ما في الحياة باطل وأن لأشرارهم الذين يهيمنون على مصائر الناس . وجدير بنا أن نحذو حذوه .
هي : مشى عدد قليل من الناس وراء جنازته .
هو : حينما مات الطاغية شيّعه عشرات الألوف وقامت حفلات العزاء في طول البلاد وعرضها.
هي : لم تشهد العاصمة مثل جنازته في فخامتها . كان الناس يتراكضون وراء الجنازة .
هو: مع أن الجميع يعلمون أنه لم يترك بيتاً دون أن يجعل الحزن يعشعش فيه.
هي : كم عدد الذين سيمشون في جنازتنا ؟
هو: ربما لا أحد .
هي : حتى هو لن يمشي في جنازتنا .. ليته يسأل عنّا .
صمت
هي : (تضحك) .
هو: لماذا تضحكين ؟
هي : تذكرت ذلك الصباح الذي ولدته فيه .
هو: كانت ولادة صعبة .
هي: كنت تكاد تطير فرحاً . منحت الممرضة التي حملت إليك البشرى مبلغاً كبيراً .. وكان أول شئ تفعله حينما تفتح عينيك في الصباح إيقاظه من نومه وملاعبته .
هو: ما أجمل الأطفال حينما يستيقظون !
صمت طويل
هي : أمس حلمت حلماً لطيفاً .
هو: ماذا حلمت ؟
هي : حلمت أنني عدت طفلة .
هو: ليت بإمكان الإنسان أن يظل طفلاً .
هي: كم استمتعنا بطفولتنا .. ألا تتذكر كيف كنت تجبرني على اللعب معك ؟! كنت شديداً معي 0 وكانت الألعاب التي تصر على أن أشاركك فيها خشنة دائما مثل لعبة " المصارعة " ولعبة " الكميشة "0 ولم تكن توافق على أن تلعب معي الألعاب التي أفضلها مثل لعبة " المحلقوه" و" طفيرك يا قمر " . ولم تكن تسمح لي أيضا أن ألعب بلعبي .وكنت تكره محروسة لأنني أحبّها .. (وهي تضحك ) كنت تغار منها .. كنت تريدني أن ألعب معك دائما .. ومع أنني كنت أتظاهر بالغضب وأشكوك إلى خالتي لكنني كنت أسرّ لغيرتك من محروسة .. ما أحلى أيام الطفولة ! كم كنت أشعر بالسعادة حينما كنت تصحبني أيام العيد لنركب المراجيح و دولاب الهوا 0 ولم أكن اشعر بالخوف وأنا معك 0 وكم كنت أفرح حينما كنت تتسلق شجرة النبق في بيتنا وترمي لي النبق الكبير .. كم كانت حياة الطفولة حلوة !
هو: كنت أخشى وأنا طفل أن أفقد الفرح الذي كان يغمرني أيام العيد . وما كان أسعدني في حينها0 كنت أتنقل بين الباعة في ساحة العيد وأشتري منهم كل أنواع الحلويات . كنت أخشى أن أفقد متع الحياة البريئة حينما أكبر وقد صح ما توقعته .
صمت
هي: (تبتسم حالمة) كانت حفلة زواجنا من الحفلات المشهودة . كل صديقاتي حضرن الحفلة . وقد أجمعن على أن فستان زفافي كان أجمل فستان . وكنت أنت سعيداً جداً .. كانت الدنيا لا تسع فرحتك .
هو : كان حلماً جميلاً .
صمت طويل
هو : لم يعد هناك شئ جديد .
هي : لم يعد أمامنا شئ جديد . شاهدنا الكثير من بلدان العالم .
هو : كل أمكنة العالم سواء .
هل : هل تتذكر العمارات الشاهقة في بومباي التي تطل على البحر ؟
هو: أتذكر فقراء الهنود الذين كانوا يتخذون من أرصفتها مساكن لهم.
هي : هل تتذكر حدائق سانتا مونيكا في لوس أنجلوس الممتدة على ساحل البحر ؟
هو : أتذكر المشردين الذين كانوا يمضون ليلهم فيها في صناديق الكارتون .
هي : إنه لشيء ممتع أن يرى الإنسان العالم وأن يتعرف على الناس فيه .. ولقد عرفنا كثيراً من الناس الذين صاروا أصدقاء لنا.
هو: الكل يبحث عن تزجية لوقته .
صمت طويل
هو: هل أنت نادمة ؟
هي : وعلام أندم ؟! لم يعد لنا ما نعيش من أجله .. لم يعد لدينا أصدقاء .. كلهم ذهبوا .. حتى هو لم يعد يسأل عنا .. ما أشد وحدتنا !
(ينهض هو فجأة إلى مكتب في ركن الغرفة ويبحث في أدراجه ثم يستخرج مسدساً )
هو : (يقف وسط الغرفة ) أريدك أن تعلمي أنني أحببتك دائماً .
هي : وأنا لم أكف لحظة واحدة عن حبّك .
هو : لعل ذلك الحقيقة الوحيدة في حياتنا .
(يدنو " هو " من " هي " ويعانقها ثم يبتعد عنها )
هو : الوداع ( يصوّب المسدس إلى رأسه )
هي : (صائحة بفزع ) لا .. لا .. أرجوك .. انتظر .. لا تفعل .
هو : أنتظر ماذا ؟! لم يعد لنا ما ننتظره .. لم يعد لنا من شئ سوى أن نأكل وننام .
هي : لعله يسأل عنا .
هو: لا أحد يسأل عنا .. الكلّ مشغول بنفسه .
هي : ولكن ..
هو : ولكن ماذا ؟ ألم نقرر؟
هي : لكننا اتفقنا على أن أكون أنا الأولى .
هو: لا بل أنا الأول .
هي : لا . لا. ليس بقدرتي أن أراك ترحل قبلي .
هو : ولا أنا .
هي : أتوسل إليك. لا تتركني بعدك . لا أتحمل رؤيتك تذهب قبلي .
هو : وأنا أيضا لا أستطيع رؤيتك ترحلين قبلي .
هي : ارحمني .. أرجوك .
هو : ولكن ..
هي : أرجوك .. أرجوك .
(يصوب المسدس إلى رأسها فترتجف يده ويسقط المسدس )
هو : لا أستطيع ان أراك مضرجة بالدماء .
هي : أغمض عينيك وستستطيع . سأكون بجوارك لكي لا تخطئني .
( تدنو منه حتى تقف بجواره . تنتصب وهي مغمضة العينين )
هو : ( يلتقط المسدس من الأرض ويصوبه إلى رأسها وهو مغمض العينين فترتجف يده ويسقط المسدس ثانية ) لا .. لا . لا أستطيع .
( يعودان إلى مقعديهما – صمت )
هي : ماذا سنفعل ؟
هو: لا أدري .
صمت طويل
هي : لعله يأتي يوماً .
هو : لا أظن .
هي : لعله يسأل عنا .
هو : لن يسأل أحد عنا .. ليس لدينا ما نعطيه لأحد .
صمت
( تنهض " هي " فجأة إلى خزانة الكتب وتنهمك في التفتيش ، ثم تعود إلى مقعدها وبين يديها " ألبوم " صور )
هي : ( في فرح ) وجدته.
هو : ماذا ؟
هي : " ألبوم " الصور .
صمت
هي : ( وهي منشغلة بتصفح " الألبوم " ) أنظر .. أنظر .
هو : ماذا ؟ ( ينظر في "الألبوم" ) .
هي : كان في الثانية من عمره في هذه الصورة .. كنت تلاعبه في حديقة المنزل .
هو : (وهو منحن على " الألبوم " ) إنها صورة جميلة .
(يستعرضان " الألبوم " معاً ) .
هي : أما هذه الصورة فقد أخذت بمناسبة احتفالنا بعامه الرابع0
هو: كان احتفالاً جميلاً .
(يستمران في تقليب " الألبوم " وقد بدت على وجهيهما النشوة – صمت )
هي :(تلتفت إليه فجأة ) ربما حضر يوماً وبصحبته طفل مرح . حفيد لنا .. وسيملأ علينا البيت .
هو : ربما .
هي : أنت تحب الأطفال .. كنت دائماً تصطحبه في مشاويرك .
هو : (مبتسماً ) كنت استمتع بصحبته وبأسئلته اللجوج عن كل شئ .
هي : ( بانتشاء ) سأحوك للطفل بعض الملابس .. كانت الأردية التي أحوكها لأبيه تثير إعجاب الجميع .
هو : كانت متميزة فعلاً .
هي : غداً سأذهب إلى السوق وأشتري الغزول .
هو : قد أصحبك إلى السوق .. وربما تغدينا في مطعم الشموع .
هي : منذ مدة طويلة لم نزر هذا المطعم .
هو : وربما عرجنا على شاطئ النهر لنتمشى في حدائقه ونراقب غروب الشمس .
هي : ما أحلى التمشي في حدائق شاطيّ النهر ، وما أبدع مراقبة الشمس وهي تغوص في النهر . ما زال في الإمكان مراقبة غروب الشمس من بين فجوات العمارات القائمة على شاطئ النهر .
صمت قصير
هو : (يتلفت حواليه ) ما أشد ما أصاب هذه الغرفة من إهمال !
هي : (وهي تنهض فجأة ) سيعود كل شئ فيها كما كان .
(تشمر على ساعديها وتنهمك في نفض الغبار عن الأثاث وفي إعادة ترتيب محتويات الغرفة)
صمت قصير
هي : (تتوقف عن عملها ملتفتة إليه) وأنت .. هل ستترك مكتبتك بهذه الفوضى ؟
هو: أطن انه لابد لي من إعادة تنظيمها .. ما كان ينبغي لي أن أهمل مكتبتي .. هناك كتب كثيرة لابد لي أن أقرأها ..
( ينهض "هو" فجأة نحو خزانة الكتب وينهمك في ترتيب كتبها . ينصرف " هو " وتنصرف " هي " إلى عملهما في حماس بينما تنطلق موسيقى ناعمة تصوّر الأمل والتفاؤل تملأ جو المسرح رويداً رويداً بالبهجة والمرح ) .
- ستار الختام -

في انتظار جودو

1998






















* العنوان مقتبس من مسرحية بيكيت الشهيرة .

( المسرح مضاء نصف إضاءة ويظل كذلك طوال الوقت .
ثمة كرسي عال يتصدر المسرح يُصعد إلى مقعده بعدة درجات .
عدد غير محدد من الحضور يجلسون على أرض المسرح وهم خليط من الرجال والنساء والأطفال . حركاتهم ولهجة كلامهم خلاف المألوف .
جوّ المسرحية كلّه مزيج من الخيال والواقع .
الصمت الحزين يخيّم على الجميع 0
موسيقى قاتمة حزينة تتلوّن حسب مقاطع المسرحية )0
رجل رقم 1 : (ينهض فجأة ويقف أمام الكرسي ) ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع .. ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع .. ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع .
شاب رقم 1 : (يقفز فجأة إلى وسط المسرح ويكشف عن عضلاته ) من منكم يمتلك مثل هذه العضلات ؟
فتاة رقم 1 :( بإعجاب) نعم00نعم0عضلاتك قوية أيها الشاب0
شاب رقم 2 : (وهو ينهض إلى وسط المسرح ويكشف عن عضلاته ) ما رأيكم في هذه العضلات ؟ أليست هي أقوى من عضلاته ؟
شيخ رقم 1: فوق ذي كل علم عليم وفوق ذي كل قوة قوي0
شيخ رقم 2 : عضلات السيد أيها الشابان أقوى من عضلاتكما وسيظل هو أقوى الجميع .
فتاة رقم 2 : طبعاً .. طبعاً . عضلات السيد أقوى من عضلاتكما وهو أجمل الجميع .
رجل رقم 1 : (وهو واقف أمام الكرسي) ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع .. ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع .
طفل رقم 1 : ماما .. هل هذه أنشودة ؟
امرأة رقم 1 : لا أدري يا ولدي .
شيخ رقم 1 : إنها حكمة يا بنيّ .
شاب رقم 1 : لا بل هي تخريفة أيها الصغير .
امرأة رقم 2 : لا تقل ذلك عن كلام الرجل الطيب أيها الشاب .
شاب رقم 1 : طبعاً تخريفة . ليس من الضروري أن تقع الطيور وهي طائرة0 إنها تطير آلاف الكيلومترات وتذهب إلى بلاد بعيدة فلا تقع .
شيخ رقم 1 : لابد لها أن تقع في يوم من الأيام .
امرأة رقم 1 : صدقت أيها الجد . لابد لها ان تقع بعد ان تتعب من الطيران .
رجل رقم 2 : فلماذا لا يقع طيرنا إذن؟ إنه يطير من سنين طويلة دون ان يقع .
شيخ رقم 1 : سيقع يوماً .
رجل رقم 1 : ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع .. ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع .. ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع .
شاب رقم 1 : أحكموا يا ناس . هل عضلاته أقوى من عضلاتي !
فتاة رقم 1 : كلا .. كلا . عضلاتك أقوى من عضلاته .
فتاة رقم 2 : بل عضلاته هي الأقوى .
فتاة رقم 1 : أنت لا تفهمين في عضلات الرجال .
فتاة رقم 2 : بل أنت التي لا تفهم في عضلات الرجال .
شيخ رقم1 : عضلات الثور أقوى من عضلاتكما أيها الشابين .
شاب رقم 1 : (للشاب رقم2) تعال نجرّب .
شاب رقم2 : فلنجرب .
(يشتبك شاب رقم 1 وشاب رقم 2 في صراع ينتهي بطرح شاب رقم 2 أرضاً ) .
شاب رقم 1 : (وهو يطلق ضحكة انتصار ) لا يمكن لأحد أن يتحداني.. أنا أتحدى الجميع .
فتاة رقم1 : (وهي تصفق ) تعيش .. تعيش .. تعيش .
شيخ رقم1 : الثور أيضا لا يمكن أن يغلبه الإنسان ولكنه يظل ثوراً .
شاب رقم1 : أنت تقول دائما كلاماً أحمق أيها الجدّ الخرف .
امرأة رقم1 : الجدّ لا يقول إلاّ حكماً .
شاب رقم 1 : وماذا تفهمين أنت في الحكمة أيتها المرأة الجاهلة ؟
شيخ رقم 1 : لا تغترّ بعضلاتك أيها الشاب وتتطاول على الأمّ .. تحدّ بعضلاتك من هم أهل للتحدي إن كنت قوياً حقاً .
شاب رقم1 : (بسخرية ) لعلك تريد أن تتحداني أيها الشيخ الفاني ؟
شيخ رقم 1 : وكيف لي أن أتحداك أيها الشاب وأنا لا أمتلك عضلات ثور؟
فتاة رقم 2 : ( وهي تضحك ) طبعاً .. طبعاً . عضلاته عضلات ثور .(ملتفتة إلى فتاة رقم 1) ألم أقل لك ذلك ؟
فتاة رقم 1 : أسكتي .. أنت لا تفهمين في عضلات الرجال .
رجل رقم1 : (وهو جامد في مكانه ) ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع00 ما طار طير وارتفع إلى كما طار وقع .
شاب رقم 1 : اسكت أيها العمّ .. أنت دوّختنا .. الطيور لا تقع إلاّ حينما تموت .
رجل رقم 2 : أيها الأخ.. تعال استرح . أنت تتعب نفسك . لا فائدة مما تقول .
شيخ رقم 1 : دعه ينفّس عما في صدورنا أيها الرجل .
رجل رقم 2 : وما فائدة ذلك أيها الجد ؟
رجل رقم 1 : ( وقد علا صوته ) ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع .. ما طار طير وارتفع إلى كما طار وقع .
( ينهض فجأة طفل رقم 1 ويقف وراء رجل رقم 1 ويردد هتافه ثم يعقبه طفل آخر ثم مجموعة الأطفال . تعلو أصواتهم تدريجياً وهم يصفقون في رويّ موسيقي فيضج المسرح بهتافهم . تمضي دقائق ثم يلوح السيد داخلاً من الركن القصي من المسرح فيخمد الضجيج في الحال ويتحول الجميع إلى تماثيل . يخطو السيد داخل المسرح في خيلاء . إنه مبسوط القامة مفتول العضلات يرتدي ملابس زاهية ويحلّى أصابعه بالخواتم . يتبختر في مشيته ويتحرك حركات بهلوانية لإظهار قوته . يجر بيد كيساً ويلوّح باليد الأخرى بسوط . يتوقف في وسط المسرح أخيراً ويدير عينيه في أرجائه )
السيد : سمعت أصواتاً00 هل كنتم تتكلمون ؟ ألاّ تعلمون أن الكلام ممنوع أيها الأغبياء ؟
أصوات مختلطة: نعلم يا سيدنا .
السيد : ألا تعلمون أن الكلام محرم عليكم إلاّ إذا أذنت لكم بذلك ؟
أصوات مختلطة: نعلم يا سيدنا .
السيد : ألا تعلمون الحكمة القائلة : " إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ؟ "
أصوات مختلطة : نعلم يا سيدنا . الكلام لغو والصمت عقل.
(يتبختر السيد دقائق في أرجاء المسرح وهو يفرقع بالسوط ثم يتوقف فجأة )
السيد : والآن فلتتكلموا .. إنني آذن لكم بالكلام أيها الحقراء .
(يضج المسرح بكلام مختلط لا يُفهم يشارك فيه العديد من الحاضرين . يستمر الضجيج لدقائق )
السيد : (وهو يشير بيده ) كفى . أنتم تصدّعون رأسي بلغوكم الفارغ . ماذا كنتم تقولون ؟
( يتحول الجميع إلى تماثيل )
السيد : (مشيراً إلى شيخ رقم 2) أنت أيها الشيخ الخرف . ماذا كنت تقول ؟
شيخ رقم 2 : كنت أقول لم تنجب الأرض شخصاً عظيماً أخر كالسيد .
السيد : (مشيراً إلى فتاة رقم 2) وأنت أيتها المرأة الحمقاء . ماذا كنت تقولين؟
فتاة رقم 2 : كنت أقول نحن نحبك جميعاً أيها لسيد .
السيد : (مشيراً إلى شاب رقم 1) وأنت أيها البغل .. ماذا كنت تقول ؟
شاب رقم 1 : كنت أقول إننا عبيدك أيها السيد .
السيد : (مشيراً إلى رجل رقم 2) وأنت أيها الحقير.. ماذا كنت تقول ؟
رجل رقم2 : كنت أقول أنك أعظم العظماء أيها السيد .
السيد : (مشيراً إلى فتاة رقم 1) وأنت .. ماذا كنت تقولين أيتها الفتاة الخرقاء؟
فتاة رقم 1 : كنت أقول إننا جميعاً فداك يا حبيبنا السيد .
السيد : ( وهو يهز رأسه ) كل شئ على ما يرام إذن .
( يدور السيد حول نفسه لدقائق في دائرة صغيرة وهو يجرّ الكيس وراءه ويفرقع بالسوط ثم يتوقف فجأة ) .
السيد : هل انتم جائعون ؟
أصوات مختلطة: كلا يا سيدنا .. كلا . كيف نكون جائعين وأنت وليّ نعمتنا ؟ كلّنا شبعانون .
السيد : هذا صحيح فأنا أطعمكم أكثر مما ينبغي .
طفل رقم 1 : ماما .. أنا جوعان .
مجموعة الأطفال: كلّنا جوعانون .. كلنا جوعانون .
السيد : (يفرقع بسوطه ويصرخ ) هس أيتها الديدان الحقيرة .. ألا تشبعون أبداً؟!
( يتراكض الأطفال مرعوبين ويختبئون وراء أمهاتهم )
أصوات مختلطة : كلنا شبعانون أيها السيد .. كلّنا شبعانون .
السيد : ( وهو يفرقع بسوطه ) أنتم شبعانون أكثر مما يجب .. ينبغي أن تجوعوا حتى تعرفوا للطعام قيمة.
أصوات مختلطة : نحن شبعانون لحدّ التخمة يا سيدنا والشكر والحمد لك .
السيد : ألم تسمعوا ماذا قالت الديدان الحقيرة ؟
أصوات مختلطة : هؤلاء ديدان لا تعي ما تقول يا سيدنا وهم ميّتون من الشبع .
( يدور السيد حول نفسه في دائرة صغيرة وهو يجر الكيس وراءه ويفرقع بالسوط)
السيد : أنتم تعلمون أن قلبي يفيض بالرحمة وأنا لا أرتضى أن يتصور أي واحد منكم كبيراً كان ام صغيرا أنه جوعان . لذلك أحضرت لكم طعاماً .
أصوات مختلطة: أطال الله عمرك يا سيدنا .. حفظك الله يا سيدنا .
(يفتح السيد الكيس ويخرج منه عظاماً يرميها في كل الاتجاهات فيتزاحم عليها الحاضرون ويتصارع البعض في سبيل الحصول عليها .. يتعالى صوت قرقشة العظام .
يرتقى السيد الكرسي حاملاً الكيس ويضعه إلى جواره ويستخرج منه لحماً شهياً ويقبل عليه بشره. وبين الحين والحين يرمي إلى الأرض بعظمة فيندفع البعض نحوها ويدخلون في صراع حاد بينما يقهقه السيد مبتهجاً)
السيد : ( وهو مقبل بشره على طعامه ) لا تسرفوا في الأكل .. ستمرضون إن فعلتم .
أصوات مختلطة : شكراً لك يا سيدنا .. شكراً على نعمك . الله يديم نعمك علينا ويحفظ لنا .
(يتحول الجميع إلى تماثيل بينما ينهمك السيد في تناول طعامه . لا يُسمع إلاّ أصوات مضغ السيد ) .
رجل رقم 1 : ( في صوت خافت عميق ) ما طار طير وأرتفع إلاّ كما طار وقع .
السيد : ( ينتفض منزعجاً ) سمعت أحداً يتكلم .
رجل رقم 1 : (بصوت أكثر ارتفاعا ) ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع .
السيد : (يتلفت حواليه بغضب ) هل أذنت لكم بالكلام أيها الحقراء ؟
رجل رقم 1 : (بصوت أكثر ارتفاعا) ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع .
السيد : (يرمي رجل رقم 1 بنظرات ملتهبة ) أنت أيها الحقير ..هل أذنت لك بالكلام ؟
رجل رقم 1 : (بصوت أكثر ارتفاعا ) ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع.
السيد : (بغضب شديد ) ماذا ؟! أتقول أن الطيور تقع أيها الحقير ؟! أفلا تعلم أنها تحلق في السماء ولا تقع أبداً إلا حينما تموت ؟ (ملتفتاً إلى الآخرين ) أفلا تعلمون ذلك أيها الحقراء ؟
(يستعيد الموجودون حيويتهم )
أصوات مختلطة : نعلم ذلك يا سيدنا .
السيد : (مخاطباً رجل رقم1) تعال هنا أيها الأخرق . ( يدنو رجل 1 من الكرسي بخطوات ثابتة ) هل الطيور تقع أيها الحقير ؟
رجل رقم 1 : (بلهجته الثابتة ) ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع.
السيد : (ينهال على الرجل رقم 1 بالسوط فيتهاوى على الأرض) الطيور لا تقع أيها الكلب ( ملتفتاً إلى الآخرين ) هل الطيور تقع أيها الكلاب ؟
أصوات مختلطة : كلا .. كلا يا سيدنا .
السيد : ( بلهجة غاضبة ) كيف يقول هذا الكلب إذن أن الطيور تقع ؟!
أصوات مختلطة : لا تؤاخذنا بأقوال سفهائنا يا سيدنا .. لا تغضب مناّ .
السيد : بل أنا غاضب منكم .. غاضب جداً .
أصوات مختلطة : نتوسل إليك ألاّ تغضب منا يا سيدنا .. نحن لا علاقة لنا بهذا السفيه.
السيد :لا .. لا . أنا غاضب عليكم فهذا الحقير منكم .
أصوات مختلطة : نتوسل إليك ألاّ تغضب علينا يا سيدنا . قُل لنا ماذا تفعل لننسيك غضبك .
السيد : هذه مشكلتكم وليست مشكلتي .
(يسود المكان صمت مطبق يتحول خلاله الأطفال إلى تماثيل ويظلّون كذلك حتى نهاية المسرحية ) .
أصوات نسائية : سنبدّد غضبك أيها السيد .. سندخل السرور على قلبك وننسيك غضبك.
( ينهض عدد من النسوة ويبدأن بالرقص والغناء على صوت الموسيقى. بقهقهة السيد لدقائق ثم يصمت فجأة . يشير بيده فيتحولن على تماثيل).
السيد : لا .. لا أنا لا أزال غاضباً عليكم .
أصوات مختلطة : ماذا نفعل لننسيك غضبك يا سيدنا ؟ مرُنا نطيعك .
السيد : ( يطرق مفكراً ثم يرفع رأسه) فليتحول الرجال إلى كلاب والنساء إلى قطط ولتعضوا بعضكم بعضاً لعلّ ذلك يسليني وينسيني غضبي .
( يقلّد عدد من الرجال الكلاب فينبحون ويعضّ بعضهم بعضاً. ويقلد عدد من النساء القطط فتخمش ن الواحدة وجه الأخرى . يقهقه السيد لدقائق ثم يصمت فجأة . يشير بيده فيتحول الجميع إلى تماثيل) .
السيد : لا .. لا . أنا لا أزال غاضباً عليكم .
أصوات مختلطة:نتوسل إليك أن تعفو عنا يا سيدنا . ماذا نفعل لننسيك غضبك ؟ مرُنا نطيعك .
السيد : (يطرق مفكراً ثم يرفع رأسه ) فلتدخلوا في مباراة يصفع فيها بعضكم بعضاً لعل ذلك يسلّيني وينسيني غضبي .
( يهجم عدد من الحاضرين رجالاً ونساء على بعضهم بعضاً ويتبادلون الصفعات واللكمات . يقهقه السيد لدقائق ثم يصمت فجأة . يشير بيده فيتحولون إلى تماثيل ) .
السيد : لا .. لا .. أنا لا أزال غاضباً عليكم .
أصوات مختلطة : عفوك يا سيدنا .. عفوك .. ماذا نفعل حتى يزول غضبك؟ مُرنا نطيعك.
السيد : ( يطرق مفكراً ثم يرفع رأسه ) فلتبصقوا في وجوه بعضكم بعضاً لعل ذلك يسلّيني وينسيني غضبي .
(يندفع عدد من الحاضرين يبصقون في وجه بعضكم بعضاً في حماس . يقهقه السيد دقائق ثم يصمت فجأة . يشير بيده فيتحول الحاضرون إلى تماثيل ) .
السيد : (وهو يهز رأسه في رضى ) لقد تلاشى غضبي ولم يبق منه إلاّ القليل.
أصوات مختلطة فرحة : لكننا لن يهدأ بالنا يا سيدنا حتى يذهب غضبك تماماً وترضى عنا . مُرنا نطيعك يا سيدنا .
السيد : ( يطرق مفكراً ثم يرفع رأسه ) إذن فلتزحفوا على ركبكم نحوي وتلعقوا حذائي .
( يتسابق رجال ونساء في الزحف على ركبهم ويتدافعون للعق حذائه. يرفس كل واحد منهم فيتدحرج على الأرض فيقهقه مسروراً ).
رجل رقم 1 : (فجأة بصوت مدوّ ) ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع .
السيد : ( وهو يرمي رجل رقم 1 بنظرات ملتهبة ) أنت أيها الكلب . تعال العق حذائي .
رجل رقم1 : (بصوته القويّ دون أن يتحرك من موضعه ) ما طار طير وأرتفع إلاّ كما طار وقع0
السيد : (وقد استشاط غضباً ) أرأيتم كيف يتحدى هذا الكلب أوامري ؟
أصوات مختلطة مرعوبة : لا تؤاخذنا بما يفعله سفهاؤنا يا سيدنا .
السيد : (بلهجته الغاضبة) أنا وليّ نعمتكم .. إنا الذي أطعمكم وأكسوكم ؟. لولاي لكنتم من الأموات .. هل رأيتم كيف يتحدى هذا الكلب أوامري.
أصوات مختلطة متوسلة : أعف عناّ يا سيدنا ولا تؤاخذنا بما يفعله سفهاؤنا .
السيد : ( يتلفت حواليه ثم يشير على شاب رقم 1) أنت أيها البغل . لقّن هذا الكلب الدرس لمن يتحدّى السيد .. أريدك أن تخمد أنفاسه في الحال.
(يهجم الشاب رقم 1 على رجل رقم 1 ويطرحه أرضا ويبرك على صدره حتى يلفظ أنفاسه .. يستخرج السيد من الكيس قطعاً من اللحم ويرميها إلى الشاب رقم 1 فيتلقفها بحبور ويقبل على مضغها بشراهة .
يهبط السيد من الكرسي ويدور حول نفسه في دائرة صغيرة وسط المسرح وهو يفرقع بسوطه ) .
السيد : سأذهب الآن حينما أعود لا أحب أن أرى جثة هذا الكلب فلترموها لكلاب الجائعة .
(يخرج السيد وهو يفرقع بسوطه يسود المكان صمت مطبق )
امرأة رقم 1 : (تنفجر فجأة بالبكاء ) فليرحمك الله أيها الرجل الطيب 00كم كنت طيباً 0
شيخ رقم1 : وكم كنت شجاعاً .
امرأة رقم1 : ( مستمرة في نواحها ) وارحمتاه لك أيها المسكين .. ويريدنا السيد أن نلقي بجثتك للكلاب .. كيف ستهدأ روحك إن لم تدفن في القبر ؟!
شاب رقم1 : (بحدة) هذه أوامر السيد ولابد من تنفيذها . من منكم يستطيع أن يتحدى السيد ؟
رجل رقم2 : نحن لا نستطيع أن نتحدى السيد .. نحن لا نملك عضلات .
امرأة رقم1 : وماذا فعل الذي يملك العضلات؟ لقد قتل الرجل الطيب .
شاب رقم1 : ما لي وقتله أيتها المرأة الجاهلة ؟ إنها أوامر السيد ولا بد من تنفيذها0
شيخ رقم2 : هو الذي قتل نفسه بحمقه .
شيخ رقم1 : ( بلهجة متهكمة ) كل ما نرتكبه من آثام هي من مسؤولية السيد .. كل ما نفعله من حقارات هي من صنع السيد . هكذا نبرّيء أنفسنا من عواقب جبننا0
امراة رقم 1 : وارحمتاه لنا من ظلم السيد .
شيخ رقم2 : ( في جزع) أتريدين أن توقعينا في بلية أيتها المرأة ؟!أتريدين أن تعرضينا لغضب السيد ؟
شيخ رقم 1 : ( بتهكُم ) إلى متى ستظلون أسرى السيد ؟
رجل رقم2 : سنظل كذلك ما دام هناك السيد أيها الجدّ .
شيخ رقم2 : (برعب) أسكت أيها الشيخ الأحمق .
شاب رقم2 : أنت شيخ فان أيها الجد الأحمق لذلك لا تهمك حياتك أما حياتنا فتهمنا .
فتاة رقم1 : نعم .. نعم . حياتنا تهمنا نحن نريد أن نعيش .
فتاة رقم 2 : طبعاً .. طبعاً . نريد أن نعيش الحياة حلوة .
شيخ رقم2 : ومن قال لكم إن حياة الشيوخ لا تهمهم ؟ هذا الشيخ أحمق0 يريدنا أن نتحدى السيد .. هل هناك حمق أعظم من هذا الحمق ؟
أصوات مختلطة غاضبة : الجد أحمق .. الجدّ أحمق .
شاب رقم 1 : حياتنا أثمن من أن نضيّعها من أجل تحدّي السيد .
شيخ رقم1 : ( في ازدراء) وأي حياة هذه التي تتحدثون عنها أيها المساكين؟
فتاة رقم 1 : الحياة حياة كيفما تكون أيها الجدّ .
شيخ رقم2 : لا تدفع الآخرين إلى تحدّي السيد أيها الشيخ الأحمق0 السيد أقوى من أن يتحداه أحد .
شاب رقم2 : نحن لا قبل لنا بتحدّي السيد .. جودو وحده الذي باستطاعته أن يتحدى السيد .
صيحات مختلطة : ( وهم يرفعون أذرعهم بتوسل) جودو .. جودو .. جودو ..
شاب رقم1 : أنت أحمق أيها الجدّ وإلاّ ما تصورت أن باستطاعة أحد مناّ أن يتحدى السيد .
شيخ رقم1 : ( بتهكُم ) وماذا تفعل بعضلاتك القوية أيها الشاب ؟ !
شاب رقم1 : وما قيمة عضلاتي تجاه عضلات السيد ؟
شيخ رقم1 : وهل جرّبت أن تتحدّى بها السيد ؟
شاب رقم1 : وهل أنا مجنون حتى أتحدى السيد ؟ لا أحد يستطيع أن يتحدّى السيد بعضلات أم بغير عضلات .
رجل رقم2 : جودو وحده الذي يستطيع أن يخلصنا من أسر السيد .
أصوات مختلطة متوسلة :( وهم يرفعون أذرعهم) جودو .. جودو .. جودو
شيخ رقم1 : ( بلهجته الساخرة ) وإلى متى ستظلون تنتظرون جودو ؟
شيخ رقم2 : سنظل ننتظره حتى يأتي .. نحن لسنا حمقى حتى نستعجل مجيئه .
شاب رقم 1 : الجدّ الأحمق يريد أن يسلبنا حياتنا وهو شيخ فان لا تهمه حياته .
رجل رقم2 : جودو وحده القادر على إنقاذنا من أسر السيد .
شيخ رقم1 : كلكم جودو لو شئتم .
شيخ رقم2 : لا تصغون إلى كلام هذا الشيخ الأحمق .. إنه يريد أن يوقعكم في بلية.
صيحات مختلطة : ( وهم يرفعون أذرعهم بتوسل) جودو .. جودو .. جودو ..
نحن في انتظارك يا جودو 0
شيخ رقم1 : ( ناظراً إلى الموجودين برثاء ) سيطول انتظاركم أيها المساكين وسيظل السيد يفسد حياتكم .
(فترة صمت .. يقفز فجأة شاب رقم2 نحو الكرسي ويخاطب الأطفال التماثيل)
شاب رقم 2 : هيا بنا يا أطفال ننشد نشيد الرجل الشجاع ( وهو يهزّ قبضته تجاه الكرسي) ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع .. ما طار طير وارتفع إلاّ كما طار وقع .
مجموعة الأطفال :( تدب الحياة في الأطفال التماثيل فيتقافزون نحو شاب رقم 1 وهم يهزون قبضاتهم تجاه الكرسي وينشدون ) ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع .. ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع .. ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع .
( يضج المسرح بهتاف الأطفال في حين تهبط الستارة ببطء)


- ستار الختام -























الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,330,363,126
- الطائر
- كتابات مبكرة
- مسرحية -الغرباء-
- عالم مليكة
- البهلوان ومسرحيات اخرى
- هيلة
- مسرحية-القضية-
- اوراق رئيس
- مسرحية -الدكتاتور-
- الهوية
- الاصدقاء الثلاثة
- عهد جديد....مجموعة قصصية
- السؤال؟!!
- الشيء مسرحية من ثلاث فصول
- تساؤلات وخواطر فلسفية
- حكايات من بلدتنا
- دكتور القرية
- بداية النهاية
- حياة قاسية
- صراع


المزيد.....




- تسريب فيلم -Avengers: Endgame- قبل ساعات من إطلاقه!
- محاكم دمشق تحارب الطلاق بفيلم عن مساوئه
- الكدش تنسحب من حفل توقيع اتفاق الحوار الإجتماعي
- عاجل.. العثماني يقدم تفاصيل الاتفاق الذي تم توقيعه مع النقاب ...
- اشتهر بعد إلقائه قصيدة أمام صدام.. الموت يغيّب الشاعر العراق ...
- الضوء: وسيلة الرسم المغرقة في القدم
- فنانو روسيا يعدون -الصرخة- لمسابقة -يوروفيجن-
- رامي مالك يواجه -جيمس بوند- في أحدث أفلامه
- بالصور.. تشييع جثمان الشاعر الشعبي خضير هادي إلى مثواه الأخي ...
- تأكيد انضمام رامي مالك إلى سلسلة -جيمس بوند-!


المزيد.....

- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر خصباك - القهقهة ومسرحيات اخرى