أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - وليد مهدي - عندما تستفيق ُ آسيا - 1















المزيد.....

عندما تستفيق ُ آسيا - 1


وليد مهدي
الحوار المتمدن-العدد: 2440 - 2008 / 10 / 20 - 07:13
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


عرض و تقديم

في هذا الموضوع سنبين واقع الإختلاف الجوهري بين الذهنية الشرقية والغربية وما أنتجته كلتاهما على مر التأريخ ، فالذهنية الشرقية سابقة للغربية في ظهورها بما يزيد على الأربعة آلاف عام ، فيما الغربية ، السائدة هذه الأيام و الطامرة للأولى تحت ثرى الميثولوجيا والتراث، أكثر جدة وحداثة ، وسنوضح إن تحول الإقتصاد العالمي بمركزيته إلى الصين والشرق الأقصى بدل الولايات المتحدة سيؤدي إلى " عودة " الذهنية الشرقية إلى مسرح التأريخ .. و إنتفاض المارد العقلي الشرقي من رقدته الطويلة جدا ً ، وما سيعنيه ذلك من ثورة بركانية فكرية كبيرة ستحول مسار المعرفــة والثقافة البشريـــة إلى فلك جديد وغير متوقع ..
حيث سنتطرق و لأول مرة لموضوع وجود " تناقض " بين منطقين .. أو أداتين أساسيتين يستعملهما العقل الإنساني .. في التفكر و التأمل والرؤية لتفسير من هو الإنسان .. وما هي الطبيعة.. ؟
الأولى هي أداة قديمة كانت تستعملها الشعوب الأولى في الشرق قبل ما يزيد على الستــة آلاف عام مضت ، وقد باد إستعمالها ولم تعد رائجة في الذهنية البشريـــة ..
كانت تسأل ببساطة :
من هو الإنسان ... و " من " هي الطبيعة ..؟!
فـــ " من " هذه تستعمل للعاقل ، والأداة أو النظام الذهني القديم كان يرى الكون كائناً عضوياً حياً عاقلا ً كالبشر ، ولذا فقد سمى الشرق القديم القوى المختلفة المتحكمة فيه و حسب فلسفة عقله " الجمعي " بالآلهـــــة .. أو الملائكــــة ..
أمــا الأداة الثانية ، والتي قمت بنفسي بإستعمالها في نفس التساؤل في البداية أعلاه :
من هو الإنسان .. و " مــــا " هي الطبيعة ..؟
فهي أداة حديثة الظهور في تأريخ الحضارة البشرية ، وتعود لحدود ثلاثة آلاف سنة فقط ، و " مـــا " المستعملة في التساؤل السابق تستخدم لغير العاقل ، فالكون أو الطبيعة نظام غير عاقل ولا يتحلى بخصائص الوعي التي يحوزها الجنس البشري حسب هذه المسطرة الذهنية ، والتعريف العام لهذه الأداة هي " منطق أرسطو " ...
فالشرق القديم ، بمنطقه الأول كان يرى الحياة في كل شيء ، وكان يجد إن العناصر الكونية الأساسية حية :
فالتراب .. فيه " روح " يراها تعبيراً عن خصائص الحياة ، وكذلك الماء .. والهواء .. والنار ..
أما العقل البشري ما بعد اليونان فكان يرى هذه العناصر في فلسفته مجرد تكوينات غير حية بما يصطلح عليه بلفظة " الجماد " .. !
العقل الشرقي القديم .. ما قبل اليونان .. كان يرى الليل والنهار دورة .. وتعاقب يشتركان معاً في تكوين الزمن ، فهما يندمجان معاً في تكوين ثالث ، كما يفعل الرجل و المرأة لإنجاب الأطفال .. كانت الآلهة تتزوج وتنجب ( قوانين الطبيعة ) ..
أما العقل الإنساني .. ما بعد اليوناني .. فكان يضع الحدود والفواصل بين الليل والنهار ..
بين الرجل و المرأة ، وكان لا يقبل بوجود الحد الوسط حسب قاعدة الثالث المرفوع ..
لم نزل حتى اليوم نستعمل هذا المقياس الذهني في تعاملاتنا اليومية ، فهناك حدود وفواصل ، نبحث في التفاصيل الجزئية بسبب هذه الخاصية .. الفصل والتحديد ، نغوص في عمق التحليل بمحاولة البحث عن الحقيقة بإرجاع القضية العامة إلى مجموعة من القضايا الجزئية فيما يعرف اليوم بـــ " النظرة التجزيئية " .. أو " التحليلية " أو التفكيكية " ..
فيما العقل الذي يكاد أن يندثر ، عقل الشرق القديم ، كان يجمع القضايا الجزئية في قضية واحدة جامعة ، فهو لا يحاول وضع الفواصل وإنما " توحيد " العناصر في وحدة كلية جامعة بمسار الرؤية والتفلسف والتفكر في كل شيء ...
لم يتبق من هذا العقل إلا " بذور " كامنة في عمق الثقافة الآسيوية في الهند والصين ، حيث لا تزال النظرة " الكلانية " هي السمة الإجتماعية المميزة لتلك المجتمعات ، ولعل صورة الين و اليانك في الفلسفة الصينية و المتمثلة بصورة سحابتين سوداء وبيضاء تدوران حول بعضهما لتكوين الكون خير مثال على " بقايا " منطق الشرق القديم الذي يجمع الإثنين في كيان ثالث ...!
حينما تستيقض آسيا من رقدة سباتها الطويـــــــــل ، بعد أن يتحرك التأريخ من الغرب نحو الشرق بفعل التحول الإقتصادي الكبير في آسيا ، سيشهد تأريخ الحضارة البشريـــة سلسلة تحولات كبرى ، و إنقلابات ثورية عاصفـــة في الذهنيـــة الإنسانية ..
لن تكون النظرة العلمية للطبيعة بعد ذلك مبنية وفق سياق النظرة التفصيلية التجزيئية فقط ، سيظهر إتجاه معرفي آخر يبني للحضارة البشريـــة " قيمــة " فلسفية جديدة ، تؤدي حتماً إلى نظريـــة معرفية " شرقية " جديدة منطلقة من قواعد المنطق الشرقي القديم لتنتهي في آخر نظريات العلم الغربي المعاصر ، هذا المنطق هو ما نحاول توضيح ما هيته في هذه الدراسة بالعودة إلى جذور ثقافات الشرق القديم ..

الشرق .. وعي ٌ متفوق رغم كل شيء !

إن كل من يمارس اليوغا من الشرقيين والغربيين على حدٍ سواء بإمكانه أن يدرك حقيقة إن التأمل العميق وإن كان يعدم " الفردية " لكنه يحيلها إلى أنا من نوع ٍ آخر ، فالعدمية في تلك الحال هي عدمية ُ الواقع المحسوس وليست عدمية نيتشه أو سكانر ( 1 )..
إنها عدمية كل ما يتعلق بالزمن من ماض ٍ وحاضر ٍ ومستقبل ٍ مقرون بالطموح والأمنيات .
فهي تخلق البديل في " لحظة " لكل هذا ، وهي بذلك عدمية ولادة .. و إنبعاث ٌ جديد ٌ للحياة ، فالقوة ُ موجودة بدلاً من اليأس والضعف ، و الذات متركزة مدمجة مع العالم .. فهي والعالم كيان ٌ واحد دون أن تسحق قيمتها كذات واعية لها خصوصية وعي معرفي مستقل عن العالم، فتتحد مع العالم بكليته وما يمثله من معنى كلي جامع ، متغير في ديناميكية فاعلة بين الذات والعالم، لأنها تنبعث أصلاً من ذهنية كلانية توحد الجزئيات في كلية جامعة ، الذات تندمج مع الكون ولا تذهب في مسار التلاشي العدمي ..
فيما العدمية الغربية " الحداثوية " نافية للذات كقيمة جوهرية ، وتقوم بهرسها في مدمج العالم " الحسي " الفرداني ، الغرائزي الذي يعتمد مبدأ الإستجابة الشرطية كمعيار أساس للخير والشر .. الحق والباطل .. وبطريقة توهم الذات بإستقلاليتها المطلقة .. ، فهي تنبثق أصلاً من الثنائية " الأرسطية " المتناقضة :
الوجود والعدم .. الخير والشر .. الحياة والموت ..
لذا فهي تستغرق الذهن الفردي في مسار بحثه عن التفاصيل والحدود بين الفرد ومجتمعه وبين الفرد و ذاته ... وصولاً إلى حالة الإستلاب الذاتي و الإغتراب المطلق عن كل شيء في الفلسفة والرؤية التي عبر عنها العقل الغربي المعاصر ..
حينما نتحدث عن الذات بالمفهوم الغربي لا نتحدث عن مذهب معين ٍ ، ولكن حصيلة ما أنتجته الحضارة الغربية من معنى للذات.. والعقل .. والشخصية بإستخدام أداة العقل الغربية والتي وإن تطورت و أنكرت على أرسطو ما طرحه لكنها لا تزال ومن حيث لا تدري سائرة بالدرب الذي أضاء طريقه ، فهو طريق طبيعي لم يرسمه أرسطو نفسه ...
فالخير أو الحق هو اللذة ، فيما الشر أو الباطل هو الألم .. ، وهي حالة نابعة عن " خواء " في القيمة " الذاتية " ... وهي متغير عقلي .. إدراكي ، يشكل ذبذبة بين " العقل " كقيمة وعي ذاتي وبين الحس ، والعدمية التي تتشكل وفق مبدأ " صفر واحد " السلوكي هذا مناسبة ومتناغمة مع عالم الرقميات المعاصر ( الدجتال Digital ) ... عالم البرمجة البشرية التي نـــظـّـر لها سكنر على وقع ما دعى إليه " بافلوف " ، والتي أفرغت العقل الغربي الإجتماعي من محتواه خصوصا ً في الولايات المتحدة الأمريكية منذ فترة الستينيات ، وتأثر العالم بها بسبب مركزية الإقتصاد الغربي - الأمريكي ..
فقد أصبح الوعي نسبياً هو الآخر وكذلك الحرية التي لم تعد هي التي نادى بها العقل الأوربي في عصر التنوير وقامت على نهجه وفلسفته الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية قبل قرون ..
إن المنهجية التي تتجلى في فلسفة نيتشه في كتابه " ما وراء الخير والشر " و سكانر في كتابه " ما وراء الحرية والكرامة " إنما تكشف ومنذ الوهلة الأولى التي نشعر بتشابه العناوين في الكتابين ، ما يعبر عن " شكلية " الحرية والقيمة الذاتية لمعاني الخير والشر في الغرب ، و نجد حين نقارن بينهما إن الرجلين كانا خاتم أنبياء العقلانية الغربية التي أكملت العقل الغربي ورضيت له السلوكية َ دينا ً .. بما يتماشى مع المنهج العام للنظام الرأسمالي في الغرب وما أنتجه من مجتمع إستهلاكي " متحضر " .. ( 2)

ورغم كل المحاولات الجادة في الغرب لنبذ هذا " الإنتحار " إلا إن النظام الرأسمالي هناك إنتهى إلى إنعكاس صورة جديدة للعقلانية " الفقاعية " التي أنتجها رغم كل الإستثناءات الجبارة في البحث عن عقلانية علمية واقعية ، كتلك التي نــظر لها الفيلسوف الراحل بنهاية القرن العشرين " كارل بوبر " والتي هي بحق قاعدة لعقلانية ثورية سنناقشها خلال متابعة فصول ِهذا الكتاب .


العقل الغربي .. والحبل السري مع " الحسية "

إن الحضارة الغربية " العلمية " العصرية ، والتي تعهد ُ أبوتها للفرنسي رينيه ديكارت صاحب الفلسفة العقلية التي عالجت قضية " العقل " و"الوعي " و "الإدراك " إنتهت بعد الثنائية التي أطلقها ديكارت عن " العقل " و " الجسد " بإعتباره إن العقل عالم ٌ مستقل ٌ عن عالم الطبيعة الذي فيه الجسد ، إنتهت بنهاية القرن الماضي إلى تعميم نظريات السلوكية والظاهرية المصاحبة والوظيفية والمادية عن العقل ، و آخرها في القرن الحادي والعشرين التي إعتبرت من العقل البشري " برنامج " تم تنصيبه في " الدماغ " على غرار الكومبيوتر ، مع إن هناك أصواتاً تنادي بدحضها ( 3 ) ، وهي نظريات تعدم الثنائية التي إنطلقت بها أوربا وأرست بها دعائم نهضتها في عصر التنوير أو عصر " العقل " كما يسمى أحيانا ً ، لم يعد " العقل " عالماً مستقلاً كما كان وتحول إلى مسخ ٍ سلوكي .. أو مادي .. أو ظاهري مزيف ، أو مجرد برنامج كما تصفه آخر فلسفات العقل في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية ، ويمكن أن نخرج بخلاصة عن هذا التصور الجديد وتأثيره في الوعي الجمعي الأوربي – الأمريكي ..
فكما يقول جون سيرل في كتابه :
( العقل .. مدخل ٌ موجزMind : a Brief Introduction ) في تعريف ووصف النظرية الظاهرية المصاحبة بأن العقل حسب هذه الفلسفة أو النظرية عبارة عن رغوة طافية فوق الأمواج ، والأمواج هي الجسد ، بمعنى إن " الوعي " مجرد زيف ووهم ناتج عن فعالية الدماغ والأعصاب ..
إن هذه النظرية هي أكثر الصور ملائمة كي نصف بها وعي الحضارة الغربية وتصورها المعاصر عن العقل وما ينتج عنها من مفاهيم عن " الإنسان " ، فهي وإن باتت تعبر اليوم عن وجود " عقل " ككيان مستقل ، فهو تعبير فضفاض لا يحمل معنى العقل في عصر التنوير ، ولكون العقل الغربي إنتهى بالشيخوخة بالفلسفات التي جاءت كصدى مرتد لتطور الفيزياء النظرية في الولايات المتحدة ، الكمية والنسبية وما جرته من يأس وقنوط في معرفة البنية الكونية ، فإن وعياً دينياً لتفسير العقل بات مخيماً على الثقافة الغربية منذ نهاية الحرب الباردة وتفكك الإتحاد السوفييتي ، هذا الوعي الديني المختلف عن " الصحوة الإسلامية " في العالم الإسلامي يتميز في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية بإنفصاله عن واقع السياسة غالباً ، ويحاول أن يرأب هذا الصدع في الفكر الغربي المعاصر ويحاول أن يملأ هذا الفراغ في الشخصية الغربية ، حتى إن جون سيرل في كتابه يصرح إن " المهنيين " في فلسفة العقل يتمسكون بالثنائية " العقل " و " الجسد " لكونها تعبير عن وعي ديني دون أن تكون هناك إثباتات موضوعية علمية في الوقت الراهن ، لذا فإن فلسفة السياسة الخارجية لعموم الدول الغربية كانت مبنية على إعتبار إن مرحلة الصدام الجديدة ما بعد الحرب الباردة هي مرحلة صدام حضاري مدفوع بالفكر الديني بين الأرثوذوكسية و البرتستانتية – الكاثوليكية والإسلام والكونفوشيوسية والهندوسية ..
ما يعني ، إن العقل الحضاري الغربي حل محله العقل التأريخي الشرقي !
فهذه الحضارات التي ذكرها هنتغتون ما هي إلا كيانات عضوية مؤسسة وفق الوعي التأريخي الشرقي حتى لو أضفى على ( البروتستانتية – الكاثوليكية ) مسمى الحضارة الغربية ، فهي حضارة غربية ظاهرية ، لكن العقل الذي يحركها هو العقل اليهودي المسيحي الشرقي !
ونصحح للسيد جون سيرل رأيه حول الإيمان الغربي بالثنائية :
هذه الثنائية ليست سوى إنعكاس لمنهجية العقلانية الغربية المؤسسة على ذهنية أرسطية ، وهي ذهنية نمطية في الإستدلال ، تنعكس صورتها بهيئة وعي ديني ..يؤمن بالثنائية في تكوين العقل ... الروح والجسد ..
حتى العالم الإسلامي اليوم .. ولكون ثقافته مؤسسة على أصول اليهودية والمسيحية ، فقد نحى منذ بداية الحضارة الإسلامية إلى تبني الذهنية ذاتها ، الحدية ، التفصيلية ، التجزيئية

العقل الشــرقي .. عقل التجرد المطلق

ولذا .. فالعقل الشرقي .. يميل للتجرد المطلق وربما كانت هذه محنته ، فيما العقل الغربي مرتبط بحبلٍ سري مع عالم الحواس .. وهذا هو سر قوتـــه ، ولكن إلى متى ؟

عندما يصل الإدراك إلى مرحلة معينة من الشعور تتصف بالعدمية التامة ، وعلى النقيض مما يمكن توقعه من إن الذي يمر بهذه الحال ، أو هذا النمط من المشاعر ، يكون يائساً كارهاً لوجوده ، فإن التجرد المطلق من أي فكرة ٍ وأي إرتباط بأي شعور يتعلق بفكرة آنية أو سابقة .. أو حتى أمنية بالمستقبل ، كما يحدث في ممارسة التأمل و " اليوغا" ، يمكن أن نصفه وبأدق توصيف هو :
" الحرية المطلقة " وربما تستغرق إلى أبعد من ذلك لو أسميناها " الشعور بالإلوهية " ..

من الصعب أن نتصور حالة كأنها الشعور لدى " إلــه " مفترض وهو يشرع في أول فكرة ٍ قبل أن يخلق عالماً ما ، نحتاج أن نمر بتلك الحال التي لا تصفها الكلمات ، خصوصا ً وإنها حالة ٌ فريدة من الإحساس ، بل هي الأكثر ُ فرادة ً بين جملة أحاسيس ٍ ممكن ٌ أن نمر بها كبشر ...
تصور نفسك وقد نهضت َ ذات يوم ٍ فجراً ، مستفيقاً من نوم ٍ عميق ، فوجئت َ لحظة إستيقاضك إنك لا تعرف من تكون ؟
ربما كانت ثلاثين .. أو أربعين ثانية ً من لحظات ِ فقدان ٍ مؤقت ٍ للذاكرة ، لكنها كانت شعوراً متميزاً .
مثيرٌ حقاً أن تمر على المرء لحظات لا يحمل فيها أي إسم .. ولا يتعامل مع ما يحيطه بأي أداة ذهنية ٍ للقياس ، فالعقل حينها مثل جهاز حاسوب مصنع ٍ للتو وقد ركبت فيه الذاكرة وباقي أجزاء " الهارد وير Hardware " ، ولكن دون برمجة ، مع إننا نضرب المثل للتوضيح فالفرق بين العقل والحاسوب شاسعٌ جداً..
لا تكون ُ هناك حينها ظلمة ٌ في الأفكار ، كما أن لا وجود للنور بعد ، وكل ُ ما هو موجود ٌ هو الشعور ُ الأولي .. الأساسي .. الخالد ، العدم !
من الغريب ربما أن نتصور إننا موجودون ، ونفكر .. ولكن بدون أفكار !
نعي عالمنا ووجودنا .. ولكن بلا أي معنى !
إنها بالضبط حالة " الوعي " بقيمتها المجردة المطلقة التي دأبت فلسفات الشرق القديمة لكي توصل إليها " المستنير " .. الذي يسعى " لرؤية " الحقيقة الكلية المطلقة بواسطة التأمل ، وعلى النقيض من فلسفات الغرب العدمية ... كالنيتشوية .. و السكنرية السلوكية .. وغيرها ، فإن عدمية المعنى الشرقية في الوعي تعني " توحد " العالم الحسي مع العالم العقلي ، توحد الحس الخارجي مع الشعور الداخلي في تركيبة بنيوية واحدة ديناميكية ، دورية ، بحيث إن الرغبة هي التخليق نفسه ، لا توجد رغبة خارج المتناول ، بل إن ما يتشكل في تلك اللحظة من رغبات تعني وفي نفس الوقت خلقها في عالم ٍ جديد .
فرغبة الإله بالخلق .. هي الخلق ُ نفسه ، والعنصر المرغوب يتجسد في عنصر ٍ مخلوق ، و الإنفصال المطلق عن جاذبية أفكار العالم تعني خلق عالم ٍ جديد ٍ من الأفكار يوازي كل العالم في لحظة !
إن الغاية من هذا التقديم المبسط عن " فلسفة التجرد المطلق " هي وضع القارئ في الصورة والمعنى الحقيقي للإبداع في كونه يتجرد عن البنى الأولية للأفكار ، ويعيد تقييمها من نقطة وزاوية تفكر بعيدة عن " موج " العقيدة الباطني الراسخ في اللاشعور ، والذي يضرب الإدراك الواعي ويهزه بعنف فيما نحن في مقصورة مغلقة في واقع حياتنا اليومية لا ندرك منها إلا ما نراه في الغرفة دون وعي بحقيقة البحر الذي تعوم عليه سفينة الأفكار ، إن ما نحتاجه ونحن في ظل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها الإنسانية جمعاء ، والخطر الماحق الجاثم في أفق المستقبل من إحتمال توسع الصدام إلى حرب ٍ كونية جديدة لا يعلم عاقبتها إلا الله ، هو إعادة " إنتاج " القيمة العقلية الإنسانية .. برؤى علمية جديدة ، وتوجهات فلسفية جديدة تنطلق من نهاية ما وصلت إليه سجالات الحضارة الغربية ..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,918,811,811
- نهاية الإنكلوسكسونية ... والدخول في عصر التنين ( الفصل الراب ...
- نهاية الإنكلوسكسونية ... و الدخول في عصر التنين ( الفصل الثا ...
- نهاية الإنكلوسكسونية ... والدخول في عصر التنين ( الفصل الثان ...
- هل تفرض الصين نفسها بديلاً إقتصادياً وثقافياً عندما ينهار ال ...
- نهاية الإنلكوسكسونية .. والدخول في عصر التنين ( الفصل الأول ...
- أميركا .. و كلمة الوداع الأخير
- بين يدي الله .... في ذكرى تسونامي آسيا
- المعرفة النفسية العربية ... الفلسفة والمنهج
- إغتيال تموز ... إغتيال ٌ للأمة ، في ذكرى الثامن من شباط الأل ...
- الشرق والغرب .. بين الثقافة والسياسة
- وجهة نظر في : جغرافيّة الفكر لريتشارد نيسيت ، ورسالة إلى الل ...
- المعرفة ُ الشرقية (1)
- المعرفة ُ في الشرق ... هل لها مستقبل ؟ ((4))
- المعرفة ُ في الشرق ...هل لها مستقبل ؟ ((3))
- المعرفة ُ في الشرق ... هل لها مستقبل ؟ ((2))
- المعرفة ُ في الشرق ....... هل لها مستقبل ؟ ((1))
- النظرية ُ الإسلامية ِ...سوء ُ تطبيق ٍ ..أم سوءُ تخطيطٍ رباني ...
- المجتمع كما رآه الرسول محمد....العلاقة بين الديمقراطية والعل ...
- صراع الحضارات ، حوار الحضارات، مستقبل الحضارات، هذا العالم.. ...
- الدخول إلى فضاءات النفس الداخلية وفق الطريقة البابلية


المزيد.....




- حدث في 21 سبتمبر.. أمين الجميّل رئيساً للبنان وبدء البحث عن ...
- وفاة رئيس فيتنام تران داي كوانغ في إحدى مستشفيات هانوي بعد م ...
- وفاة رئيس فيتنام تران داي كوانغ في إحدى مستشفيات هانوي بعد م ...
- وفاة رئيس فيتنام اليوم الجمعة
- صحيفة: سفن روسية تصوب صواريخها نحو ادلب
- رئيس كوبا يلتقي مع سناتور أمريكي وسط توتر العلاقات بين البلد ...
- الخارجية العراقية توجه بإعادة سفيرها لدى طهران إلى بغداد لات ...
- استقالة نائب وزير التربية والتعليم في اليابان بسبب فضيحة رشو ...
- بالصور.. فرنسا تمنح الجيش الأردني دفعة من الآليات العسكرية
- رويترز: وفاة رئيس فيتنام تران داي كوانغ عن عمر يناهز 58 عاما ...


المزيد.....

- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب
- جاليليو جاليلي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / محمد صديق أمون
- نفهم الحياة من ذكرياتنا وإنطباعاتنا البدئية العفوية / سامى لبيب
- أوهامنا البشرية - وهم الوعى وإشكالياته / سامى لبيب
- أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ناصر الحلواني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - وليد مهدي - عندما تستفيق ُ آسيا - 1