أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف الاول من آيار 2008 - أفاق الماركسية واليسار ودور الطبقة العاملة في عهد العولمة - رمضان متولي - نماذج من الإضراب الجماهيري(3)















المزيد.....



نماذج من الإضراب الجماهيري(3)


رمضان متولي
الحوار المتمدن-العدد: 2296 - 2008 / 5 / 29 - 10:43
المحور: ملف الاول من آيار 2008 - أفاق الماركسية واليسار ودور الطبقة العاملة في عهد العولمة
    


- تأليف توني كليف
الجزء الثالث
إضراب عمال المناجم في بريطانيا 1972
دعونا نبدأ بلمحة قصيرة عن إضراب عمال المناجم في 1972. من بداية الإضراب، تم تحديد منطقة في بريطانيا لتولي مسئولية حراسة الإضراب في كل منطقة مناجم: اتحاد عمال المناجم في كنت وميدلاندس مسئول عن حراسة الإضراب في لندن وجنوب شرق إنجلترا، وفي جنوب ويلز مسئول عن منطقة جنوب غرب إنجلترا، وفي يوركشاير مسئول عن شرق أنجليا، وفي اسكتلندا مسئول عن جنوب وشمال اسكتلندا بمساعدة من نورثومبرلاند ودورهام عند الضرورة.
نسبة كبيرة جدا من عمال المناجم – بعض التقديرات تشير إلى حوالي ثلثي العمال – شاركوا في إغلاق أو حراسة الإضراب في عدد كبير جدا من المؤسسات. وكتب فيك ألين: "كان يقدر أن 500 مؤسسة وقعت تحت حراسة العمال على مدى 24 ساعة يوميا بمتوسط 40 ألف من عمال المناجم يوميا. وإجمالا، كان 200 ألف من عمال المناجم يشاركون في مهام مرتبطة بالإضراب." (76)
ويصف مالكولم بيت، رئيس اتحاد عمال المناجم في كنت، بالتفصيل كيف تولى عمال المناجم مسئوليتهم بتوفير نظار الإضراب في أكبر مركز لمحطات الكهرباء، والموانئ ومحطات السكك الحديدية في بريطانيا. ويبين بوضوح شديد أن عمال الكهرباء وعمال السكة الحديد وكذلك عمال الموانئ كانوا عموما متعاونين جدا مع عمال المناجم.
وفي اجتماع للمندوبين المنتخبين لعمال كهرباء لندن في ليلة الأربعاء 19 يناير، وافق عمال الكهرباء على العمل من أجل تكوين لجان اتصال على المستوى المحلي بين عمال المناجم وعمال الكهرباء والغاز. وتمت الدعوة إلى اجتماعات جماهيرية كبيرة في محطات الكهرباء.
في اجتماع جماهيري في محطة كهرباء ويستهام، وضع عمال الكهرباء خطة من ست نقاط تضمنت: حظر العمل الإضافي حظرا كاملا؛ رفض القيام بنقل الفحم بين محطات الكهرباء المختلفة أو من موانئ السكة الحديد، علاوة على اتخاذ قرار بالتوقف عن العمل إذا وصلت أي شحنة جديدة من الفحم إلى الغلايات.
واتخذت قرارات مماثلة في محطات الكهرباء الأخرى لتجعل حكومة المحافظين تواجه حربا على جبهتين في أكثر القطاعات خطورة في البنية الصناعية.
وفي نفس الوقت تم استدعاء عمال المناجم في كنت وتوزيعهم في مختلف أنحاء منطقة لندن وبالتالي أصبحت 21 محطة كهرباء تحت حراسة نظار الإضراب، علاوة على مستودعات الفحم الهامة في غرب درايتون وويست هام وداجنهام ونيسدن وفولهام. ومنذ اليوم الأول من الإضراب، قام عمال المناجم في كنت برد جميع إمدادات الوقود في محطات الكهرباء بما في ذلك النفط.
وفي محطة كهرباء هاكني، في ليلة الأربعاء الثاني من فبراير قامت ثلاثة شاحنات نفط باقتحام صفوف حرس الإضراب مباشرة، وكان حرس الإضراب يقفون في صف عرضي أمام مدخل محطة الكهرباء رافعين أياديهم إلى أعلى إشارة للشاحنات بالتوقف، ولكن هذه الشاحنات تقدمت مباشرة في حراسة بعض السيارات باتجاه العمال لاقتحام صفوفهم ودخول المحطة، وتفادت بالكاد إحداث إصابات خطيرة في صفوف العمال. (77)
وردا على ذلك قام عمال الكهرباء في محطة هاكني بنزع الأقباس وفصل الكهرباء.(78)
كان تأثير دور حرس الإضراب هائلا في مناطق أخرى أيضا.
في 22 يناير تم الإعلان أن محطة كينجزنورث سوف تغلق بعد 48 ساعة، ومحطة باترسي تعمل بحوالي 25% فقط من طاقتها الإنتاجية وأنها ستضطر للإغلاق، في 25 يناير أعلنت محطة ويست هام أن إمداد الفحم لديها تغطي يومين فقط، وفي محطة هاكني كانت إمدادات النفط تغطي أربعة أيام فقط، أما محطة كرويدون فقد أوقفت غلايتين من ست غلايات، ولم يعد لديها إلا القليل من النفط. وعطلت محطة بريمسداون ثلثي طاقتها الإنتاجية. وفي 26 يناير، أعلنت محطة كهرباء باترسي أنها سوف تتوقف نهائيا عن العمل إذا لم تتسلم أحماضا خلال 24 ساعة. في 27 يناير أعلنت محطة بورفليت أن غلايتين توقفتا عن العمل وواحدة على وشك التوقف وأخرى تعمل بطاقة إنتاجية ضعيفة جدا، ولو لم يصل إليها النفط بحلول نهاية الأسبوع فإن المحطة سوف تضطر للإغلاق.
توقفت باترسي عن توليد الكهرباء ومحطة برمسداون لم يكن بها إمدادات من النفط تكفي أكثر من يومين. وفي يوم الثلاثاء الأول من فبراير، أعلنت محطة ويست ثوروك أن غلايتين تم أغلاقهما كما أن غلايتين من الثلاث المتبقية تعملان بحالة سيئة. وفي الثالث من فبراير أغلق عمال الكهرباء محطة هاكني احتجاجا على دخول ثلاث حاملات وقود. وفي الخامس من فبراير، أعلنت كنجستون أن محطة الكهرباء قد تغلق في أي وقت، وأعلنت باركينج أن المحطة ليس لديها من الفحم ما يكفي أكثر من ثمانية أيام، وأن بها من النفط ما يكفي فقط حتى يوم الأحد وأنها لم تعد تقوم بتوليد كهرباء لتغذية الشبكة. (79)
نفس الأحداث تكررت في اسكتلندا، وساوث ويلز، وديربيشاير و يوركشاير وبعد فترة وجيزة كان الإضراب في محطات الكهرباء يؤثر على الاقتصاد تأثيرا بالغا. وعندما أوشك الإضراب على نهايته بلغ عدد العمال المضربين مليون و 400 ألف عامل كما أغلقت 12 محطة كهرباء. (80)
أحد مراكز النضال التي شهدت تضامنا قويا بين عمال المناجم وغيرهم من العمال كانت مستودع سالتلي لفحم الكوك. فقد عجز ألفان من عمال المناجم يقودهم أرثر سكارجيل عن وقف شاحنات فحم الكوك بعد عدة أيام من حصارها بحرس الإضراب. وفي يوم الثلاثاء الثامن من فبراير لجأ سكارجيل إلى لجنة المنطقة الخاصة بنقابة عمال الصناعات الهندسية AUEW. واستجابت اللجنة النقابية بدعوة أعضائها إلى مساندة عمال المناجم. وحذت حذوها كل من النقابة العامة لعمال النقل T&GWU وعمال السيارات. وفي يوم الخميس العاشر من فبراير، أضرب 100 ألف من أعضاء النقابات في برمنجهام وخرجت مسيرة إلى مستودع سالتلي تضم 20 ألفا من العمال. وكما يقول سكارجيل: "إن خط حراس الإضراب لم يغلق مستودع سالتلي وإنما أغلقت الطبقة العاملة هذا المستودع" (81).
إن إضراب عمال المناجم في عام 1972 يمكن وصفه باختصار شديد بأنه كان إضرابا لقواعد العمال من الناحية العملية.
خلفية عن إضراب عمال المناجم في 1972
إن حجم التضامن والنشاط الحركي لدى عمال المناجم والعمال الآخرين خلال هذا الإضراب لا يمكن فهمهما بشكل ملائم دون نظرة إلى خلفية هذا الإضراب في السنوات السابقة.
إن الفترة التي سبقت إضراب عام 1972 كانت تناقض تماما الفترة التي سبقت إضراب عام 1926 – فقد شهدت تصاعدا مستمرا لنضالية العمال لفترة طويلة وبدرجة كبيرة. واستندت هذه النضالات على عقدين بعد الحرب العالمية الثانية تزايد خلالهما باطراد قوة اللجان النقابية القاعدية في المصانع. وعلى مدى جيل كامل لم يشهد العمال هزائم خطيرة تقارن بالهزائم المريرة والمرهقة التي تعرضوا لها خلال العشرينيات. وقد تحسن مستوى معيشة العمال بصورة مستمرة. وكان النضال من أجل تحسين الأجور وشروط العمال تقوده لجان النقابات المصنعية ومنظمات قاعدية مماثلة. وقام العمال بتطوير منهج جديد من الإصلاحية "المعتمدة على الذات"، والتي عبرت عن تزايد اعتمادهم على أنفسهم وتأكيد ذواتهم. وعلى مدار هذه الفترة هيمنت الإضرابات غير الرسمية على مسرح العلاقات الصناعية. وكان حوالي 95% من الإضرابات إضرابات غير رسمية. (82) كما أن هذه الإضرابات في مجملها كانت قصيرة الأجل وانتهت بانتصار العمال.
كانت سنوات الخمسينيات تشهد زيادة في الثروة وتوظفا كاملا. غير أن الرأسمالية البريطانية كانت عالقة في تناقضات عميقة وإن لم تكن واضحة، فقد تزامن انتعاشها تزامنا لصيقا بتدهور الاقتصاد البريطاني في الأجل الطويل مقارنة بأداء الاقتصاد العالمي. وكشفت الأزمات المتعاقبة عن ذلك بوضوح. فقد كانت الإجراءات التي تسعى للتوسع الاقتصادي تشتمل على تدهور في ميزان المدفوعات والذي كان يؤدي بدوره إلى فقدان الثقة في الجنيه الاسترليني وحدوث أزمات في النقد الأجنبي. وكانت القاعدة هي دورة الانتعاش – الركود في الاقتصاد البريطاني.
دفع هذا الوضع الحكومات المتعاقبة في بريطانيا إلى تجريب وفرض سياسات تخفيض الدخول. فلأول مرة قامت حكومة ماكميلان في عام 1962 بوقف أي زيادة في الأجور والتي كانت اختيارية إلى حد كبير. وفي عام 1965، فرضت حكومة حزب العمال سياسة أشد وأكثر تفصيلا تهدف إلى السيطرة على الأجور، عن طريق المجلس القومي للأسعار والدخول. وبداية كانت سياسة ضبط الدخول اختيارية ولكن في عام 1966 تم فرض بنود لائحية بشأنها. وخلال أزمة الاسترليني في يوليو عام 1966، تم فرض قانون بتجميد الأجور تجميدا كاملا. وتلى ذلك سلسلة من الإجراءات التي منحت الوزراء سلطة تأجيل تطبيق اتفاقيات الأجور الفردية لفترات متفاوتة خلال فترة دراستها وفحصها من قبل المجلس القومي للأسعار والدخول، وفي حالة إصدار المجلس تقريرا معارضا يمكن استخدام سلطات تأجيل هذا الاتفاقيات لفترات تالية.
الزيادة المستمرة في الأسعار دفعت العمال إلى المزيد من مقاومة سياسة الدخول التي فرضتها الحكومة. وبحلول عام 1969، اضطرت الحكومة إلى التخلي عن معظم النصوص اللائحية، وتعتمد فقط على الاتفاقيات الطوعية.
وعند انتخابه في عام 1971 قام تيد هيث بإلغاء سياسة الدخول تماما، كما قام بحل المجلس القومي للأسعار والدخول. فقد كان ينوي الاعتماد على زيادة معدلات البطالة، وتزايد المقاومة لرفع أجور القطاع العام وقانون العلاقات الصناعية المقترح. وعندما اتضح فشل هذه الاستراتيجية، عادت حكومة المحافظين في عام 1972 إلى سياسة الدخول مع تشديد الضوابط والقيود اللائحية فيها مقارنة بالسياسة التي فرضتها حكومة حزب العمال.
وجاء رد فعل العمال. فكلما اتسع نطاق تطبيق سياسة الدخول، كانت تكبح مطالب زيادة الأجور لدى مجموعات كثيرة، خاصة في القطاع العام، التي انخفضت إلى أقل من مستوى القطاع الخاص. كما شهدت هذه الفترة أيضا ارتفاعا حادا في الأسعار، أولا كنتيجة لتخفيض قيمة الجنيه الاسترليني في نوفمبر 1967، وثانيا نتيجة لزيادة الأسعار العالمية للمواد الأولية التي سادت خلال أوائل السبعينيات.
وفي عام 1969 حدث أضراب هام وطويل لموظفي الإدارة المحلية وانتهى إلى النجاح. كما قام عمال آخرون بإضرابات خلال نفس العام: منهم سائقو اللواري، وعمال شركة فورد، وعمال الموانئ، وعمال المناجم والمدرسون. وكان ذلك حقا ارتفاع انفجاري في الأجور، كما وصف آنذاك. وفي عام 1970، حدثت إضرابات كبيرة وتحركات عمالية أخرى: منها إضراب العمال اليدويين في المحليات، وعمال شركة فوكسول، وعمال المناجم، والكهرباء والمدرسون. وفي 1971، أضرب عمال شركة فورد وعمال الكهرباء وعمال البريد، أما في عام 1972 فقد أضرب عمال المناجم وعمال الموانئ وعمال البناء.
ومنذ عام 1966 وما بعده قامت حكومات حزب العمال وحزب المحافظين بالتوجه نحو سياسة فرض أطر قانونية جديدة للعلاقات الصناعية (علاقات العمل). رئيس الوزراء هارولد ويلسون اضطر إلى التراجع عندما وأدت المعارضة القوية من النقابات مشروع الورقة البيضاء المعروف باسم In Place of Strife. وعندما عاد المحافظون إلى السلطة قدموا مشروعا للعلاقات الصناعية أصبح قانونا في عام 1971. وقد أدى التحريض على الإضرابات ضد مشروع قانون العلاقات الصناعية إلى تنظيم إضراب غير رسمي لمدة يوم واحد في ديسمبر 1970 شارك فيه 600 ألف عامل، خاصة من قطاع السيارات وعمال الطباعة.
وفي فبراير 1971، خرجت مسيرة ضد مشروع القانون انضم إليها 130 ألف عامل، وفي مارس أعلن مليونا عامل تقريبا إضرابا عن العمل احتجاجا على القانون. ولأن الإضرابات السياسية لا يتم احتسابها إضرابات من الجهات الرسمية، لابد أن نعتمد على التقديرات في معرفة حجمها. ويذكر أحد هذه التقديرات أن الإضرابات الرسمية وغير الرسمية التي خرجت ضد قانون العلاقات الصناعية في عام 1970-1971 بلغت المشاركة فيها ضعف عدد العمال الذين شاركوا في الإضرابات الصناعية على مدار العام. (83)
وسيطر أسلوب جديد في تحركات العمال بشكل كبير، وهو احتلال المصانع. بدأ اللجوء إلى هذا الأسلوب في أغسطس 1971 عندما قام 8500 من عمال شركة أبركلايد لبناء السفن باحتلال المصنع. وتلى ذلك أكثر من 200 عملية احتلال للمصانع والورش ومصانع بناء السفن والمكاتب خلال الأشهر الثمانية عشر التالية.
وقد لخص كولين كراوتش بشكل جيد كيف أن تدخل الحكومة – بسياسة الدخول، وقوانين العلاقات الصناعية، ودفع اتفاقيات الإنتاجية إلخ - أجبر العمال على تعميم نضالاتهم. "جزئيا كانت الإصلاحات الي صممت لإعادة صياغة التحركات المحلية صياغة مؤسسية – سياسة الدخول، وإصلاحات هياكل المفاوضة الجماعية ونظم تحديد الأجور، والمفاوضة حول الإنتاجية وإصلاحات قانون العلاقات الصناعية – هي التي كسرت الطابع المحلي المعزول للتحركات النضالية ورتبت عليها تأثيرات أوسع في المجالين الاقتصادي والسياسي. إن نمو نضالية العمال في المصانع أدى في البداية إلى رد حكومي دفع العلاقات الصناعية دفعا لكي تصبح مسيسة بشكل كثيف." (84)
كانت هذه هي الخلفية التاريخية لفترة كانت النقابة العامة لعمال المناجم تنتهج فيه سياسة توفيقية نحو حكومات حزب العمال خلال 1945 – 1951 و 1964-1970 وسياسة الخضوع السلبي نحو حكومات حزب المحافظين خلال الفترة 1951-1964. وعلى مدى فترة حكم المحافظين التي امتدت ثلاثة عشر عاما كانت المناجم تغلق بأسلوب منظم، ولكن قيادات وأعضاء النقابة العامة لعمال المناجم كانوا يعتقدون أن نهاية عمليات الإغلاق هذه سوف تحين مع تولي حزب العمال السلطة. ولكن في الفترة من عام 1964 وحتى عام 1970، قامت حكومة حزب العمال بتخفيض قوة العمل في المناجم تخفيضا هائلا. فقد انخفض عدد عمال المناجم خلال الأعوام الثلاثة عشر الممتدة من 1951 إلى 1964 بمقدار 175 ألفا و 600 عامل، في حين أن عددهم انخفض بمقدار 211 ألف و 900 عامل ليصل إلى 305 آلاف و 100 عامل فقط خلال الأعوام الست من حكومة حزب العمال.
ولم يعد قادة النقابة العامة لعمال المناجم يعارضون ضوابط الأجور التي فرضها حزب العمال كما لم يعارضوا إغلاق المناجم. ومرة تلو الأخرى كان عمال المناجم يقعون في شراك سياسة الدخول التي فرضها حزب العمال. ففي عام 1948، كانت أجور عمال المناجم أعلى من متوسط أجور العمال في الصناعة التحويلية بنسبة 29%. وبحلول عام 1960 كانت أجورهم أعلى من المتوسط بنسبة 7.4% فقط، ولكن بحلول عام 1970 تراجعت أجور عمال المناجم إلى مستوى يقل بنسبة 3.1% عن متوسط أجر العمال في قطاع الصناعة التحويلية. وإضافة إلى ذلك، جاء تأثير الاتفاقية الوطنية للتحميل الكهربائي في عام 1966، وقد وضعت هذه الاتفاقية نهاية لنظام العمل بالقطعة وفرضت مساواة في الأجور في قطاع إنتاج الفحم، وهكذا مثلا فإن عمال المناجم في ساوث ويلز سوف يحصلون على نفس الأجر عن العمل الذي يحصل عليه عمال المناجم في نوتنجهامشاير ويوركشاير. وقد تم تطبيق هذه الاتفاقية تدريجيا خلال الفترة بين 1966 و1971. "كان تأثير هذه الاتفاقية هي مساواة الأجر ، ولكن ذلك كان معناه تعميم انخفاض الأجور على المستوى القومي، غير أن النتيجة غير المنظورة لهذه الاتفاقية كانت تعميم سخط العمال على الأجور على المستوى القومي وعلى مستوى النقابة العامة لعمال المناجم." (85).
كان أكثر العمال غضبا وثورة هم عمال يوركشاير. فحتى الستينيات من القرن الماضي كانت عمليات إغلاق المناجم تقتصر على حقول الفحم في الأطراف بشكل رئيسي والتي تعلمت كيف تتعايش مع هذه الظاهرة لمدة عشر سنوات. وبدأت يوركشاير – أكبر حقول الفحم من حيث المساحة – تشعر بتأثير ذلك كاملا في منتصف الستينيات، وكان لذلك تأثير نفسي هائل على عمال المناجم. وفي 1967 وحدها أغلقت 9 مناجم في مدينة يوركشاير. علاوة على ذلك، كان عمال المناجم في يوركشاير في عامي 1967 و 1968 يعانون من موقف شديد الخصوصية حيث تتراجع أجورهم مرتين: مرة من خلال سياسة الدخول، ومرة أخرى بتطبيق الاتفاقية الوطنية للتحميل الكهربائي. وشهدت مدينة يوركشاير إضرابات كبيرة غير رسمية في عامي 1955 و 1961.
كان إضراب عام 1955 يركز على قوائم الأسعار غير الملائمة وبطء عملية مراجعة هذه القوائم. وقد بدأ الإضراب في منطقة ماركهام مين (أرمثورب) وانتشر بسرعة حتى أنه بعد أيام قليلة بلغ عدد عمال المناجم المشاركين في الإضراب 44 ألف و 660 عاملا.
أما إضراب عام 1961 فرغم أنه بدأ في شمال يوركشاير، تركزت قوته في منطقة دونكاستر عندما طالب فرع مدينة برودسوورث لجنة دونكاستر بإعلان الإضراب احتجاجا على أجر القطعة، وهو الطلب الذي استجابت له اللجنة. وقد أخفق هذا الاضراب في الانتشار إلى حد كبير رغم جهود نظار الإضراب ورغم أن منطقة دونكاستر نفسها استمر فيها الإضراب لمدة ثلاثة أشهر تقريبا. (86)
وما كان له أثر أكبر بكثير هو انفجار أزمة عمال المناجم في عام 1969. وكانت القضية التي فجرت الإضراب هي ساعات العمل بالنسبة للعمال خارج المنجم. ففي صباح الاثنين يوم الثالث عشر من أكتوبر توقفت جميع المناجم في يوركشاير عن العمل ماعدا منجم واحد فقط، وهو المنجم الذي توقف يوم الثلاثاء. "وانتشر الإضراب من قاعدته في يوركشاير إلى اسكتلندا و ساوث ويلز وديربيشاير وكنت ونوتنجهام والأراضي الوسطى حتى ضم في صفوفه 130 ألفا من عمال 140 منجما. واستمر الإضراب من يوم الثالث عشر حتى يوم 27 أكتوبر 1969، وانتشر رغم رداءة وسائل الاتصال بين مختلف المناطق." (87)
ثم تفجر إضراب آخر غير رسمي في عام 1970 وكان الإضراب في هذه المرة يتعلق بالأجور. ومرة أخرى كانت لجنة دونكاستر في مركز الأحداث. وانتشر هذا الإضراب من يوركشاير إلى ساوث ويلز واسكتلندا – وبلغ عدد المشاركين في الإضراب 103 آلاف عامل. (88) وكتب أندرو تايلور: "إن أهمية هذه الإضرابات كانت أنها نظمت من قبل قيادات الأفرع ومن خلال نظام اللجنة." (89)
هذه الضغوط المتصاعدة من قبل القواعد العمالية خلقت قيادة جديدة في النقابة العامة لعمال المناجم في يوركشاير. ففي الفترة بين عامي 1947 و 1973 كان اليمين يسيطر على المنطقة. وحتى وقت متأخر في أبريل 1968، صوت مؤتمر النقابة العامة لعمال المناجم في منطقة يوركشاير ضد اتخاذ إجراءات وشن إضرابات لمواجهة إغلاق المناجم. وقد عرض قرار المؤتمر للتصويت في الفروع والتي أيدته بأغلبية 1671 صوتا مقابل 210 أصوات.(90) ورغم ذلك كانت جماعات من عمال المناجم المناضلين تخرج عن تنفيذ القرار لعدة سنوات. ومن المثير أن نلاحظ أنه في انتخابات نائب رئيس النقابة العامة في منطقة يوركشاير في 1961، حصل جوك كين الشيوعي على 23 ألف و 797 صوتا، وهو عدد لا يقل كثيرا عن عدد الأصوات التي حصل عليها جاك ليج اليميني الذي فاز بإجمالي أصوات بلغ 29 ألف و 797 صوتا. (91)
وفي عام 1967 تأسس منتدى عمال المناجم في بارنسلي. وكان المنتدى يجتمع شهريا ويعمل بمثابة جماعة محفزة لمسئولي الفرع منزوعي الصلة بالعمال. وقد لعب المنتدى دورا هاما في الوقوف ضد القيادة اليمينية في النقابة العامة لعمال المناجم في يوركشاير وهو الذي بادر بالإضرابات الكبيرة غير الرسمية في عامي 1969 و 1970.
ومع ذلك ، فقد حقق عمال المناجم انتصارهم في 1972 ليس بفضل جهودهم وحدهم وإنما أيضا بفضل المساندة التي تلقوها من العمال الآخرين، وأهمهم على الإطلاق عمال الكهرباء وعمال الصناعات الهندسية في برمنجهام. فما هي خبرات عمال الكهرباء قبل عام 1972 التي جعلتهم على استعداد لمساندة إضراب عمال المناجم بإجراء مباشر؟
في سبتمبر 1967، أعلن مجلس الأسعار والدخول زيادة الأجور بنسبة 3.7 % استجابة لمطالب نقابات عمال الكهرباء بزيادة الأجور بنسبة 5% ولكنه ربط هذه الزيادة بشروط جديدة حول الإنتاجية. ورد العمال على ذلك بالتهديد بالإضراب. بل إن الرد بلغ حد الإضراب الفعلي في قليل من محطات الكهرباء، وانتصر العمال وفرضوا زيادة في الأجور بنسبة 10%. (92)
ومرة أخرى شارك عمال الكهرباء في انفجارات الأجور خلال عام 1969 ومن خلال إضرابات غير رسمية حصلوا مرة أخرى على زيادة في الأجور بنسبة 10%. (93) وفي عام 1970، عاد عمال الكهرباء الكرة من أجل زيادة جديدة في الأجور. ففي العديد من الاجتماعات غير الرسمية في مختلف أنحاء البلاد في صيف 1970، رفع العمال مطالبهم بزيادة الأجور بمقدار10 جنيهات استرلينية في الأسبوع دون شروط تتعلق بالإنتاج. وفي نوفمبر عدلت النقابات المطلب العمالي بزيادة الأجور بمقدار 5.80 جنيه فقط في الأسبوع. لكن أصحاب العمل ردوا على ذلك بعرض زيادة مقدارها 1.75 جنيه فقط، والتي تم رفعها بعد ذلك إلى جنيهان. ولذلك أعلنت النقابات الالتزام فقط بالحدود الدنيا ومنع العمل الإضافي. وشرح فرانك تشابل هذا الموقف قائلا أن أحد أسباب عدم اللجوء إلى التحكيم تكمن في أنه كان بلاشك "سيؤدي إلى حدوث إضرابات وفقدان السيطرة على أعضاء النقابات في القطاع."
ومع ذلك فقد ظهرت نتائج التباطؤ (العمل وفق الشروط الدنيا ومنع العمل الإضافي) على الفور وبل وظهرت في بعض المناطق حتى قبل أن يبدأ التنفيذ رسميا. وأعلنت الفايننشال تايمز "إنها أسوأ أزمة انقطاع في الكهرباء منذ أزمة الوقود في عام 1947" كما نشرت الجريدة قائمة بالشركات والقطاعات في مختلف أنحاء البلاد التي تأثرت بانقطاع الكهرباء. وفي اليوم الثاني بلغ إجمالي فترة الذروة في انقطاع الكهرباء 31%. وعلى مدار الأسبوع ، شعر جميع السكان بآثار تحرك عمال الكهرباء، ومع انقطاع الكهرباء توقفت الآلات وأغلقت المصانع. (94)
وانطلقت حملة دعائية خبثة، أسوأ كثيرا من الحملة التي انطلقت ضد عمال المناجم في 1984-1985 ضد عمال الكهرباء:
زادت أعداد القصص الإخبارية حول تعرض عمال الكهرباء والمهندسين للتهديد والاعتداءات. وقام الأطباء وأطباء الأسنان بشطب عمال الكهرباء من قوائم الفحص الطبي، العمال في المحال العامة والبائعون رفضوا تقديم خدماتهم لهم، وتعرض ملتقى اجتماعي لعمال الكهرباء للتهديد بتفجير قنبلة، إلخ. وتعرض العمال لمئات المكالمات الهاتفية المهينة وتهديدات بتفجير قنابل وبالاختطاف. وبحلول يوم السبت ظهرت تقارير حول قذف الشبابيك بالحجارة، ورشهم بمواد الطلاء وتمزيق إطارات السيارات كما تعرض أحد العمال بشركة نورويب للضرب في الشارع وفي وضح النهار.… وفي ليلة الأحد تعرض أحد عمال الكهرباء لاعتداء بدني في برنامج ديفيد فروست التليفزيوني أمام جمهور غاضب كفرق الإعدام. (95)
هذه الحملة الهستيرية ساعدت قادة النقابات حيث قدمت لهم مبررا بإنها الإضراب التباطؤي. وتشكلت محكمة ويلبرفورس وبعد أيام قليلة توصلت إلى تقرير لم يعط العمال أكثر من جنيهان في الراتب الأساسي، مع تغييرات قليلة وطفيفة حول بدل الوردية والعطلة، إضافة إلى اتفاق إنتاجية في صورة دفعة مقدمة، وبيع الوظائف مقابل تعويض إضافي. وبحلول 1971 انخفضت قوة العمل بنسبة 13% فيما ارتفع متوسط الأجر بنسبة 20%. (96)
كثير من عمال الكهرباء رفضوا اتفاق الانتاجية خلال عام 1971. كانت منطقة المقاومة الرئيسية هي منطقة الجنوب الشرقي حيث رفضت 25 محطة من إجمالي 50 محطة كهرباء هذا الاتفاق. كما كانت مجموعات عديدة متفرقة من العمال في مختلف أنحاء البلاد ترفض أيضا ذلك الاتفاق.
وقبل أيام قليلة بعد بداية إضراب عمال المناجم في عام 1972، شارك عمال الكهرباء بدورهم في حملة لزيادة أجورهم. وعقد تجمع عمال الكهرباء، وهو منظمة غير رسمية لأعضاء النقابات الموقعية على المستوى الوطني في هذا القطاع، اجتماعا في 14 يناير لمناقشة الإجراء الذي ينبغي اتخاذه لدفع مطالب العمال. وفي يوم الاثنين 24 يناير بدأ عمال الكهرباء في منطقة ويست هام، ويست ثوروك، وولويتش ومحطات كهرباء أخرى في بريطانيا حظرا على العمل وقتا إضافيا مستبقين بذلك المنع الرسمي للعمل وقتا إضافيا على مستوى البلاد الذي كان يعتزم بدئه في أول فبراير. ومع ذلك، وافق قادة النقابات على تأجيل الحظر الرسمي للعمل وقتا إضافيا على مستوى البلاد حتى يوم 7 فبراير خلال مفاوضات بين الحكومة وهيئة الكهرباء.
(ولم يحدث حظر العمل الإضافي على مستوى القطر لأن مطالب عمال الكهرباء تمت تسويتها).
مهندسو برمنجهام، وأغلبهم من عمال صناعة السيارات، هرولوا أيضا إلى مساندة عمال المناجم في ساتلي. فماذا كان مستوى نضاليتهم في النزاعات الصناعية خلال السنوات السابقة على ذلك؟
كانت شركة السيارات البريطانية (BMC) قلب صناعة السيارات في بريطانيا وتتركز في منطقة برمنجهام – كوفنتري. وحسب نص كلام اثنين من خبراء الاقتصاد اللذين درسا لجنة التجمع العمالي بشركة BMC (كومباين) التي لم تكن رسمية على الإطلاق في تلك الفترة:
كانت اللجنة مهتمة بشكل أساسي بمعدلات الأجور في مختلف المصانع، خاصة فيما يتعلق بمعدل الأجر عن القطعة. كما أن معرفة العمال بوجود معدلات أعلى للأجور عن القطعة الواحدة أو الأرباح في بعض المصانع لعب دورا في تحريض أعضاء النقابات الموقعية في المصانع التي تنخفض فيها معدلات الأجور عن القطعة أو الأرباح من أجل المساواة مع الأخرى. وهكذا، رغم أن معدلات الحوافز المختلفة في مختلف المصانع لم تكن منظمة مركزيا من قبل الإدارة وسمحت بالتباينات في متوسط الأرباح بين المصانع، مارست لجنة العمال ضغوطا من أجل المساوة في زيادة الأرباح في جميع المصانع وفي كل المناطق.
وفي ضوء الموقع القيادي لعمال شركة BMC وأعضاء النقابات الموقعية بها في صناعة السيارات، وفي ضوء الموقع القيادي لصناعة السيارات في مجال الصناعات الهندسية، كان عمال الشركة ينظمون إضرابات أكثر من عمال الشركات الأخرى في صناعة السيارات. وبمعنى آخر كان هؤلاء العمال طليعة الحركة من أجل زيادة الأجور. (98)
ومن المفيد جدا الاطلاع على تقرير مجلة وزارة العمل حول الإضرابات الهامة في عام 1970. ففي صناعة السيارات كان هناك خمسة إضرابات هامة و11 إضرابا في شركات الصناعات الهندسية الأخرى في برمنجهام. وكانت جميع إضرابات برمنجهام هجومية – وفي غالبيتها العظمى كان العمال يطالبون بزيادة كبيرة في الأجور. (99)
في 1971، تكررت القصة نفسها. فقد شهد العام تسعة إضرابات هامة في صناعة السيارات في برمنجهام، مقابل أربعة إضرابات في شركات الصناعات الهندسية الأخرى. ومرة أخرى، كما حدث في العام السابق كانت إضرابات برمنجهام هجومية بنفس القدر أو أكثر من أجل تحسين الأجور. (100)
إن الإجراءات والإضرابات التضامنية التي تتخذها مجموعة من العمال لمساعدة مجموعة أخرى تعتمد على درجة الثقة بالنفس لدى هذه المجموعة في مواجهة أصحاب العمل. وفي ضوء الطبيعة الهجومية والتي كانت ناجحة بوجه عام لنضالات عمال السيارات في برمنجهام أنفسهم، فقد كانوا لذلك أكثر استعدادا بشكل خاص وأكثر قدرة على مساعدة عمال المناجم عند دعوتهم إلى هذه المساندة.
هناك ثلاثة عوامل أساسية تشكل الملامح الرئيسية لأي إضراب : (1) الثقة النسبية لدى العمال في مواجهة أصحاب العمل الذين يعملون لديهم، (2) العلاقة بين القواعد العمالية والبيروقراطية النقابية، (3) وعمق النزعة القطاعية التي تعمل على تقسيم العمال. هذه العوامل الثلاثة متداخلة ونسبية في علاقتها بعضها ببعض.
وقد بين إضراب عام 1972 أن عمال المناجم كانوا على درجة عالية من الثقة في أنفسهم وكانوا أكثر هجومية مقارنة بالحكومة؛ وكانت القواعد العمالية مستقلة نسبيا عن بيروقراطية النقابات، وكانت الانقسامات القطاعية، سواء بين عمال المناجم وأنفسهم أو بين عمال المناجم والعمال في القطاعات الأخرى، في حدودها الدنيا. ومع ذلك لم تكن هذه الحقائق حقائق مطلقة. فلو كانت القواعد العمالية مستقلة بشكل مطلق عن البيروقراطية النقابية، وغابت الانقسامات القطاعية غيابا مطلقا، لكان هذا الإضراب قد تحول إلى ثورة عمالية.
ففي نهاية إضراب عام 1972 استطاعت البيروقراطية النقابية في نقابة عمال المناجم أن تؤكد سيطرتها. ويجب إدراك ذلك إذا كان المرء يرغب في أن يفهم التطورات التي جرت فيما بعد ومهدت لهزيمة 1984-1985.
عندما تم تطبيق المرحلة الثانية لسياسة الدخول في أول أبريل عام 1973، والتي حدت من زيادة الأجور إلى جنيه واحد + 4%، لم تعارضها نقابة عمال المناجم. وهنا جاء دور عمال الغاز وموظفي الحكومة, والمدرسين وعمال الخدمات المعاونة في المستشفيات، والذين ربما شجعهم على شن المعركة انتصارات عمال المناجم وعمال الموانئ وعمال السيارات في العام السابق. ومع ذلك فإن جهود هؤلاء العمال لم يكللها النجاح. (101)
ثم جاء إضراب عمال المناجم في 1974، الذي كشف بوضوح عن عقبة بيروقراطية نقابة عمال المناجم. كان هذا الإضراب مختلفا تماما عن إضراب عام 1972. ففي نوفمبر 1973، أعلنت نقابة عمال المناجم حظرا كاملا على العمل الإضافي. وردا على ذلك، أعلنت الحكومة حالة طورائ في اليوم التالي، بهدف الحفاظ على مخزون الوقود. وفي أول يناير 1974، تم فرض نظام العمل ثلاثة أيام في الأسبوع. وكان الهدف من ذلك توفير استهلاك الفحم وتأليب الرأي العام ضد عمال المناجم. وفي 7 فبراير تم إعلان تاريخ الانتخابات العامة في 18 فبراير. وبدأ عمال المناجم إضرابهم في 9 فبراير. وكما أوضح فيك ألان، قادة نقابة عمال المناجم كانوا يريدون تجنب العفوية التي ميزت إضراب عام 1972 والاستقلال النسبي الذي تمتعت به لجان الإضراب المحلية وكذلك المواجهات. وكانوا يرغبون هذه المرة في السيطرة على الإضراب مركزيا حتى يتمكنوا من تحديد التكتيكات والسيطرة على نطاق الإضراب. ومنذ البداية كانوا يخططون لاحتواء الإضراب ما أمكنهم ذلك حتى يحظى الإضراب بمظهر محترم. (102)
ووضعت اللجنة التنفيذية القومية في نقابة عمال المناجم ترتيبات رسمية للإضراب في اجتماعها في الخامس من فبراير. ومنذ البداية حاولت اللجنة أن تطمئن إلى أن السيطرة على الإضراب سوف تتركز في أيديها. وأكدت أن إدارة الإضراب لا ينبغي أن تسيطر عليها لجان الاتصال على مستوى المنجم ولكن السيطرة ستكون من خلال لجان الاتصال بالمنطقة والتي تضم جميع القطاعات في النقابة وذلك بالتشاور مع لجنة الإضراب على المستوى القومي. كما أنها أقرت أيضا أن عملية حراسة ونظارة الإضراب لا ينبغي أن تتم إلا بعد الموافقة عليها من قبل لجنة الإضراب على المستوى القومي. وكانت هذه القواعد تهدف إلى منع أي قرار عفوي لحراسة ونظارة الإضراب يتضمن اللجوء إلى أنشطة مثل النظارة الطائرة (حيث ينتقل العمال من موقع إلى موقع لإقناع زملائهم بالامتناع عن العمل أو منع كاسري الإضراب - المترجم) أو النظارة الثانوية (حيث يتجه نظار الإضراب من العمال إلى الوقوف أمام الشركات الأخرى التي تتعامل مع شركتهم أو بيوت المديرين للدعاية ضدها – المترجم). (103)
وقررت اللجنة القومية للإضراب ألا يزيد عدد نظار الإضراب عن ستة عمال في أي موقع في أي وقت. وقطعا كانت هناك شكاوى من القواعد العمالية وسط عمال المناجم ضد التعليمات بتخفيض عدد نظار الإضراب إلى ستة عمال. ولكن عندما وصلت هذه الشكاوى إلى مسئولي منطقة يوركشاير، كل ما استطاعوا أن يقولوه هو: نحن نعلم أن هذا الرقم الضئيل يمكن أن يؤدي إلى فتور الحماس بين العمال، ولكن تأكدوا أن هذا الرقم تحدد لأسباب وجيهة. (104) والتزم سكارجيل التزاما كاملا بهذا القرار. (105)
السبب الرئيسي للخط الذي فرضته قيادة نقابة عمال المناجم كان رغبتهم في عدم إرباك حزب العمال خلال حملته للانتخابات العامة. وقد خسر تيد هيث في الانتخابات وأدى ذلك إلى انتصار عمال المناجم. ولو كان هيث فاز في الانتخابات، كان يمكن لعمال المناجم في جميع الأحوال أن ينتصروا أيضا، ولكن ذلك كان يتطلب تغييرا جذريا في تكتيكاتهم، بأن يصبحوا أكثر هجوما وأن يقوموا بتنظيم عددا كبيرة في نظارة الإضراب، إلخ. وقد أبدى عمال آخرون من غير عمال المناجم استعدادا كبيرا لاتخاذ مواقف تضامنية في عام 1974 كما فعلوا ذلك في الإضراب السابق. ومن أمثلة ذلك أن عرض عمال الكهرباء التعاون الكامل مع عمال المناجم. (106) كما عقد عمال آخرون اجتماعات لمناقشة تنظيم إضرابات تضامنية. (107)
خلال الفترة بين عامي 1968 و 1974 كان التوازن غير مستقر بين التعميمات السياسية في جانب أصحاب العمل – مثل سياسة الدخول وتشريعات علاقات العمل – والروح النضالية في جانب العمال. وضع كهذا لا يمكن أن يستمر لفترة طويلة. فالمعادلة غير المستقرة يمكن أن تؤدي إلى إحدى نتيجتين: إما إلى التعميم السياسي للنضالية العمالية، أو إلى تدهور نضالية القطاعات العمالية. وفي الواقع تم تدمير هذه المعادلة غير المستقرة في السنوات التالية نتيجة للسياسات المهيمنة في صفوف الطبقة العاملة البريطانية – أي العمالوية – والتي تلخصها راية نقابة عمال المناجم في كنت: والتي رسمت عليها صورة لأحد عمال المناجم أمام مقدمة المنجم متطلعا إلى مبنى البرلمان. وهذا هو جوهر ما تمثله العمالوية بالنسبة للعلاقة بين التحركات العمالية والسياسة. ويقوم منطق هذا الانفصال بين الاقتصاد والسياسة على أساس أنه لو كان للعمال مطلب يجعلهم يتخذون موقفا ضد حكومة المحافظين، فإن البديل هو حكومة حزب العمال. ولكن إذا كان مطلبهم يدفعهم أكثر إلى مواجهة حكومة حزب العمال، فلا بديل أمامهم إلا التراجع.
الهوامش
76. V.L. Allen, The Militancy of British Miners (Shipley 1981), p.200.
على المرء أن يتعامل مع هذه الأرقام بحذر شديد، رغم أنه لا شك أن عملية نظارة الإضراب كانت تضم جزءا كبيرا من العمال مقارنة بعام 1984-1985 ولكن لم يكن أكثر بقدر كبير.
77. M. Pitt, The World on our Backs (London 1979), pp.151-3.
78. Ibid., p.159.
79. Ibid., pp.163-5.
80. Allen, op. cit., p.212.
81. A. Scargill, New Unionism, New Left Review, July 1975, p.17.
82. Royal Commission on Trade Unions and Employers’ Associations – the Donovan Report (London 1968), p.19.
83. M. Silver, Recent British Strike Trends: A Factual Analysis, British Journal of Industrial Relations, January 1973.
84. C. Crouch, The Intensification of Industrial Conflict in the United Kingdom, in C. Crouch and A. Pizzorno (eds.), The Resurgence of Class Conflicts in Western Europe Since 1968 (London 1978), p.253.
85. A. Taylor, The Politics of the Yorkshire Miners (London 1984), p.88.
86. Ibid., pp.176-8.
87. Allen, op. cit., p.156.
88. Ibid., pp.163-4.
89. Taylor, op. cit., p.309.
90. Ibid., p.67.
91. Ibid., p.178.
92. T. Cliff, The Employers’ Offensive (London 1970), p.209.
93. C. Barker, The Power Game (London 1972), p.34.
94. Ibid., pp.36-7.
95. Ibid., p.46.
96. Ibid., p.54.
97. Pitt, op. cit., pp.157-8.
98. S.W. Lerner and I. Marquand, Regional Variations in Earnings, Demand for Labour and Shop Stewards’ Combine Committees in the British Engineering Industry, Manchester School of Economic and Social Studies, September1963.
99. Department of Employment Gazette, May 1971.
100. Ibid., May 1972.
101. كان عمال الخدمات المعاونة في المستشفيات شديدوا الأهمية أيضا في مايو 1974 عندما انضمت إليهم الممرضات اللائي بدأن أول إضراب لهن في محاولة لتحسين الأجور. وقد أعقبت هذه الإضرابات بسرعة منحة تضمنت زيادة كبيرة في الأجور. وكان المدرسون مشتركين في حملة نشطة في لندن، وأعقب هذه الحملة أكبر زيادة حققها المدرسون في تاريخهم وبلغت 30%.
102. Allen, op. cit., p.240.
103. Ibid., pp.247-8.
104. Taylor, op. cit., p.252.
105. Allen, op. cit., p.252.
106. Taylor, op. cit., p.252.
107. Ibid., p.254.
ترجمة: رمضان متولي







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ضد العولمة
- ما هو البديل؟
- نماذج من الإضراب الجماهيري (2)- تأليف توني كليف
- نماذج من الإضراب الجماهيري - تأليف توني كليف
- بلادنا رغم أنف الحاكمين
- المحلة ورهان السلطة
- التنكيل بالمحلة لإرهاب الفقراء
- 6 أبريل على بوابة الأمل
- ثقوب في قبضة -الأخ الأكبر-
- عذرا يا شيخنا – نرفض الشهادة!
- رأسمالية وطنية وأخرى تابعة!
- معادلة الحرية
- لن نتسول حقوقنا يا رئيس الوزراء!
- قيادة نقابية أم موظف في جمعية دفن الموتى؟
- أبطال المعارك الوهمية
- الشرعية والقانون
- كاليجولا يحاصر الهواء
- حكومة رجال الأعمال لن تحمي مصر من استيراد التضخم
- مجلس الدكتور سرور
- هلفطة


المزيد.....




- الأنصاري: حزب الله شبكة إجرامية والتحرك ضده مطلب شعبي بالخلي ...
- موسكو: مستعدون لإجلاء ممثلياتنا بكردستان في حال الضرورة لكنن ...
- بيونغ يانغ قد تملك قريبا صواريخ يمكنها ضرب الجزء القاري الأم ...
- الصادق المهدي ورسالة لأكراد العراق!
- وطفت الجثث يومها فوق نهر السين!
- حمية -3 أيام سعادة-!
- سبوتنيك: دي ميستورا سيلتقي غدا وزيري الخارجية والدفاع الروسي ...
- للمرة الأولى مشاهد من داخل حاملة -كوزنيتسوف-
- قوات سوريا الديمقراطية تعلن السيطرة على الملعب والمشفى الوطن ...
- صورة لزيت زيتون طبيعي تسبب مشكلة لسيدة مسلمة


المزيد.....

- افاق الماركسية واليسار ودور الطبقة العاملة في عصر العولمة-بق ... / مجلة الحرية


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف الاول من آيار 2008 - أفاق الماركسية واليسار ودور الطبقة العاملة في عهد العولمة - رمضان متولي - نماذج من الإضراب الجماهيري(3)