أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الإحسايني - تأملات نقدية حول أعمال محمد الإحسايني3















المزيد.....



تأملات نقدية حول أعمال محمد الإحسايني3


محمد الإحسايني

الحوار المتمدن-العدد: 2264 - 2008 / 4 / 27 - 14:45
المحور: الادب والفن
    


تأملات نقدية حول أعمال محمد الإحسايني
(3)

" المغتربون"[1] والأبعاد الأولية لمفهوم الغربة

الحلو أحمد

حجم ما جريات الأحداث في المجتمع التقليدي المتخلف



يحدد القاص موقع روايته منذ البداية، فيقول[2] : " على مقربة من جبل الكست تقع أنامر القرية ذات البناءات البربرية الحمراء". على أن تحركات الأبطال لا تقف عند حدود القرية، وإنما يمكن اعتبار القرية منطلقاً للحركة. وهكذا تتسع الأرضية التي تجري عليها الأحداث لتشمل مناطق نائية نسبياً كـ الدار البيضاء التي كانت مرتع شباب أحد أبطال الرواية؛ وهو عبد المالك. تبدأ أحداث الرواية منذ أبريل 1959، على أن هذه الفترة التي تجري فيها الأحداث تعتبر حاسمة بالنسبة لتاريخ المغرب الحديث. فإلى أي حد كانت وقائع الرواية انعكاساً لهذه الفترة التاريخية الدقيقة والحاسمة؟
*** *** *** ***


تبدأ الرواية بوصول أحد أفراد أبناء القبيلة عبد المالك. ثقف سيارة في حوض القرية لتستقبل هذا الوافد الجديد الذي وصل مكدود الذهن بعدرحلة شاقة من الدار البيضاء إلى أنامر، حيث كان طول المسافة يغرقه في بحر لجي من الأفكار، فيها ما يتعلق بماضيه عندما كان تلميذاً يأوي إلى شقة بشارع فوكو بـ البيضاء، وفيها يتناول آفاق مستقبله بعد أن أتم الشهادة الثانوية وأصبح مؤهلاً للجامعة، وبعد أن استنزف والده من فرط ماكان يبعث به إليه شهرياً[ 4 آلاف ريال]، تطرح به بعد ذلك، هواجس شتى ، تتعلق بتوقعات حول أسرته، ووضعها الاقتصادي، فقد غاب عن أهله ما لايقل عن عشر سنوات، ولا بد أن تكون هذه المدة كافية ليشهد بعد أوبته في أسرته تحولات كثيرة. يصل منزل أهله ليجد والدته ماماس وأخته زينة قاعدتين، وليعرف أن أباه قد تراجع عن مواقعه التجارية، وأصبح مجرد أجير في إحدى ضيعات تافراوت. بينما تستعد أخته لتصبح خادمة لدى إحدى الأسر بـ الدار البيضاء. ينخرط عبد المالك مع شباب القرية متحفظاً، ويبقى إحساس بغربة ما، يلازمه، ومع ذلك، يشاركهم ممارساتهم،.يركبه حب عاصف لأحدى فتيات القرية وهي تعزة التي ستصبح بمثابة المحور الذي تدور حوله الأحداث في الأخير. يلتقي بشاب يعرفه، إنه قاسم بن عدي أحد أبناء الأثرياء. ويتعرف على أحد شعراء القرية الذين يكتبون بالفرنسية وهو بدر، بينما يمسي "عضواً عاملاً" في دار سيدي الفاهم التي كانت ملتقى شباب القرية، وحلبة إرغاء وإزباد الفرسان حيث تختلط المغامرة بالبحر، والخيل، والبظولة في أحلام اليقظة لتبدأ[ الرحلات وألف ليلة وليلة والسندباد البحري].
ومن خلال هذا الجو، تتبين شخصيات أخرى من أهمها بورون وعم بوهو وبا الحبيب. هذه هي الحلقة التي كان يقحمها وهو في قريته. من أصدقائه وهو في الأحراش ينطلق إلى تادينارت بحثاً عن تعزة إلى دار سيدي الفاهم لقضاء ليلة ساهرة حالمة. ومن خلال علاقاته يرتسم في ذهنه واقع أسرته المزري، وواقع حبه لـ تعزة. وبقدرما كان يشتد حبه لها، كان قاسم بن عدي يمارس دور العناد والمنافسة. غير أن تعزة كانت تملك وعياًـ كما أراد لها مؤلف الروايةـ طبقياً؛ ولذلك رفضت قاسم بن عدي، عندما تقدم لخطبتها رغم أحواله وأمواله وأمتعته، ورفضت هداياه،بينما قبلت الزواج من عبد المالك مع أن مستقبله ما يزال في حكم الغيب. وهكذا يقدم لها خاتماً كعربون على المحبة، مما يشعل نار الحقد في قلب قاسم بن عدي، فينصرف يحيك المؤامرات من أجل خلق ظروف سيئة بين عبد المالك وتعزة. وفعلاً فقد أوعز إلى بورون بسرقة الخاتم من تعزة مقابل أجر معين، والسكوت عن جرائمه، وعدم إخبار الشرطة بوجوده. وتمت له المؤامرة، ولكن بورون يلقى عليه القبض بعد ذلك. وتتأكد علاقة قاسم بن عدي بالواقعة فيعتقل من طرف الدركيين، ويعود عبد المالك إلى تعزة مؤملاً أن يدرس ثلاث سنوات، لكي يصبح محامياً فيما بعد. غير أن ظروفه العائلية القاسية تستعجله في شخص أخته زينة عندما عاد [السي حسن] إلى الظهور من جديد على مسرح الأحداث في محاولة لأخذ زينة خادمة عنده في المنزل مقابل مقدم مالي يساعد عبد المالك على الدراسة. إن ظروف أخته فتحت عينيه على واقع أسرته المزري، فوالده أصبح مهدداً بالطرد من الضيعة التي يعمل فيها أجيراً، وأخته تحت تأثير الحاجة، تكاد تضيع مثلما ضاع في المدينة نهبا للغربة، ثم هناك حبيبته التي تحاك لها في الخفاء الدسائس. يقرر انطلاقاً من قناعاته الذاتية الخصية، والموضوعية الأسروية، رفض المقدم المالي، والعزوف عن متابعة الدراسة، والاحتفاظ بأخته في المنزل، مقابل أن يرحل إلى المدينة، وأن يعمل في مكتب للطيران موظفاً بسيطاً ليكسب عيشه، وينقذ ما يمكن إنقاذه ليقيم أود أسرته. لقد قرر أخيراً أن يعود إلى القرية قبل أن تورق الأشجار مرة أخرى ليتزوج بعد ذلك تعزة. هذه هي الأحداث التي تعتبر أرضية تموضع مصائر شخوص الرواية، وهي أحداث، كما يلاحظ تتراوح بين بين مستويات الحب في دلالته التقليدية، والغربة في هناها الأولى، والامتياز الطبقي في المجتمع القروي، وهي أحداث كما يلاحظ أيضا تقليدية، معتادة، إلا أنها غالباً تشكل ملامح المجتمع التقليدي احتماعياً واقتصادياً.

الطبقة التركيبية للمجتمع القروي من خلال ملامح الأبطال في رواية "المغتربون"

من خلال استعراض أبطال الرواية، تتضح الخريطة الطبقية للمجتمع القروي في مغرب بداية الاستقلال. فهناك في الرواية، نموذج البورجوازي، ثري الصفقات والحروب[ قاسم بن عدي]، وهناك نقيضه الطبقي[ والد عبد المالك ] نموذجاً، وغيره هؤلاء أجراء في ضيعات غيرهم، بعد أن اغتصبت منهم أراضيهم، واضطروا بعد أن حوصروا منهجياً عن طريق الإقطاع المحلي إلى بيعها. وهناك نموذج البورجوازي الصغير الذي يحلم ويفكر، ويقيم في مكره عالماً من القيم والأفكار[ عبد المالك وبا الحبيب]. وهناك حثالة البروليتاريا من العاطلين المفنعين[بورون الخادم وعم بوهو نموذجاً] إن المجتمع الذي يرصده القاص رغم تخلفه الحضاري، ورغم ملامحه البدوية الصرفة، ليس محتمعاً متوفراً على شرائط المجتمع الإقطاعي بالضرورة، فالظاهر أن القاص إنما يريد رصد مجتمع متمدن نسبياً من خلال الاهتمامات التي تستقطب الأبطال، ولكن في ديكور قروي وفي ملابس بدوية، وعادات تقليدية. فكل أبطال القاص تبدو أواصرهم بالمدينة أوثق من القرية. وأكثر من ذلك، فإن القاص لا يتوق إلى تقديم مجتمع فلاحي. حقاً هناك اهتمام جزئي ببعض القضايا التي تشكل ملامح مجتمع فلاحي، ولكن هذا الاهتمام لايرقى إلى مستوى طرح قضايا مجتمع فلاحي في أزماته وهواجسه. إن قاسم بن عدي مثلاً يلخص ممارسة البورجوازية الهجينة أكثر من أن يسعفنا على تصور الإقطاع في مجتمع البادية المتخلف. تبقى المرأة رغم تعدد ممارستها غير خارجة عن نطاق المكابرة والمعاناة. فهي في الرواية مهما تعددت انتماءاتها الطبقية، فإنها تبقى واقعة في جميع الحالات تحت تأثير موقف عام من المرأة لدى الرجل، وهو موقف الازدراء والنآمر في الغالب. يرسم القاص ملامح قاسم بن عدي لبين فساد الطبقة التي ينتمي إليها وهجينتها فيقول:"[3] " وقاسم بن عدي أنهى تغليمه الثانوي، فحدث بينه وبين هذا الشيء المسمى في عرف المدرسيين "ثقافة"، شبه قطيعة:انغمس في إدارة مستودع للسيارات القديمة بمعية والده بـ الدار البيضاء.وركب ظهر طموح عظيم، ولم تكد تمضي بضعة أعوام، حتى صار من كبار الأغنياء، وقد أثرى ثراءً فاحشاً،ولاحديث لأهل القرية إلا عن مشاريعه الضخمة، وأرباحه القيمة، والعمارات التي سارت من عداد أملاكه. وقد عرفه عبد المالك قبلُ، صفر اليدين،لاحول له ولا قوة...ودارت دائرة الزمن، ولمع نجم آل بن عدي في بلدة أنامر ، كما لمعت نجوم وشموس أخر إن القاص يريد من خلال هذه السطور أن يؤكد واقعاً متعلقاً بالطبقة البورجوازية في ضمن علاقاتها بالبنيات الاجتماعية والاقتصادية؛ وهي أن هذه الطبقة قد أثرت على حساب باقي الطبقات، وزادت ثراءً حيث استفادت كثيراً، فتكون لديها على حافة ممارستها الاقتصادية، والاجتماعية،الانتهازية الهجينة، وعيٌ تبريري لمواقعها الطبقية، ملخصة باختصار: أن المال هو مفتاح كل شيء. يتحدد نقيض هذه الطبقة في مسار الرواية عبر والد عبد المالك الذي رهن كل أملاكه، وأصبح أجيراً في إحدى الضيعات، يعاني من الانهيار والتهديد حتى إن عجزه جعله يقبل أن تصبح ابنته خادمة. وهكذا، فإن هذا القبيل الهندسي بين نموذجين متناقضين إذ يطرحه القاص، فإنما يريد بذلك أن يؤكد سلوك كل من الطبقتين. فإذا كانت البورجوازية المثرية ترى الانتهازية سبيلاً للكسب غير المشروع مهما تكن وسائله- يقول قاسم بن عدي [4]:" ولعل أقصر طريق للحصول على المال التجارة، وإني لأتأسف على كثير من الأوقات مما ضيعته في تلقي المعادلات الرياضية ذات المجاهيل، وفي حياتي العملية لم أستفد إلا من "الضرب" ، فهو يختصر الطريق نحو الأرباح"- فإن الطبقة العاملة المسحوقة لا تكسب إلا من الكد وعرق الجبين. يقدم الروائي نموذجين من البورجوازية الصغرى[ عبد المالك] و [ ابا الحبيب] أولهما أسير القيم والمثل الأخلاقية، وثانيهما ضحية الانهيار الطبقي والمغامرة الخاطئة لخلق بديل هش لوضعه الاقتصادي المتردي. "كان ابا الجبيب موظفاً بالبريد... وحدث أن استولى على مبلغ من الأموال العمومية، فحوكم عليه " محاكمة تأديبية "و"حوسب حساباً عسيراً"، ثم طرد نهائياً ليتحول إلى رجل يعاقر الكأس. إن القاص عندما يجر هذا النموذج إلى المحاكمة التأديبية العسيرة الحسابات التي تنتهي به إلى الطرد النهائي، إنما يريد فضح واقع محدد، هو واقع الفساد الذي يقضي بمحاكمة صغار الموظفين المتعبين الذين تضطرهم ظروفهم الاقتصادية إلى السرقة بينما لا يحاكم "علية القوم". وهكذا يحاول القاص من جانب آخر، أن يرسم أهم ملامح البورجوازية الصغرى، وهو ملمح التسلق ذو طبيعة خائبة، لاينتهي إلى الإثراء بل إلى السجن، فالتسكع، والعربدة المستديمة غالباً. على أن العاطلين الذين يسيرون في ركاب قاسم بن عدي إذا كنت قد اصطلحتُ على اعتبارهم حثالة البروليتايا؛ فإن هذه التسمسية ليست مضبوطة تماماً. ولكنها مع ذلك، تبدو قريبة إلى منطق أوضاعهم الطبقية لأنهم يعيشون بطالة مقنعة. إلا أن تبعتهم لـ قاسم بن عدي تذكر بالمجتمع الإقطاعي غالباً. فإذا كان قاسم بن عدي قد أثرى في مجتمع صناعي، فإن ممارساته واستعباده للآخرين لايخرج عن سلوكات رجل الإقطاع بينما يبدو تابعوه في دار سيدي الفاهم أقرب إلى العبيد الأقـنان. إن الإحسايني وهو يحدد آفاق تصوره لعمله الروائي، أراد أن يحقق المقابلة بين صنفين من النماذج البشرية في القرية، صنف يعيش الحرية والكرامة، وصنف يصادر الحرية، ويهدر الكرامة، وهكذا نستشف و بسهولة أن الكاتب يركز بعض الحقد على قاسم بن عدي المجسد لوضع فاسد بأكمله، ويدين واقعا مزرياً في شخصه. وهكذا يدخل نفسه في حلبة الصراع. من هذه الوجهة حاول القاص تحليل ملمح المجتمع القروي البربري غير أن المستوى العلائقي الذي أقامه بين الأشخاص كان تقليدياً جداً. ذلك أن الرابطة التي كانت محور القصة هي الحب الذي ربط قاسم بن عدي بنقيضه الطبقي. قاسم بن عدي محمول بانتهازيته، يقابله عبد المالك ابن الأجير، يتنافسان على تعزة كل من جانبه.إن هذه العللائق التي يقيمها القاص لاتثمر الصراع المحتوم المطلوب. فلو أنه أقام علاقة أساسها صراع اقتصادي لأحقد أكثر، ولأمكن أن يحقد الخلاف، ولأمكن أيضاً أن تسير ضمن نسق فكري أعمق وأنضج، لتتضح الصراعات التي يشير إليها الكاتب في تقديمه للرواية. على أن موضوع الحب لايخمد حدة الصراع بالضرورة.فرواية الأرض لـ عبد الرحمن الشرقاوي رغم الحب الذي كان أداة توسلت بها لإفراز الصراع، استطاعت أن تبلور حدة الصراع بين الإقطاع وصغار الفلاحين.
المرأة في " المغتربون": مبعث الصراع، فـ تعزة تبدو مثال المرأة الواعية القادرة على الاختيار، بينما تبدو زينة مثالاً للمرأة المغلوبة على أمرها. بالنسبة للكاتب أداة لإبراز الصراع الطبقي، فهو من خلال زينة، يضع عبد المالك [ نموذج الانسحاق] وجهاً لوجه، أمام نقيضه الطبقي الذي أراد أن يستعبد أخته [ السي حسن] أو الذي أراد أن يغتصب خطيبته [ قاسم بن عدي] . وهكذا يبدو واضحاً أن القاص يمرر كثيراً من الوقائع عن طريق عبد المالك الباحث التائه عن خلاص له، ولأخته، وحبيبته، من الضياع والاستبعاد والاغتصاب. والذي يمكن أن نستنتجه هو أن عبد المالك كان نموذجاً للفشل والاحتراف رغم العزم والإرادة، رغم طموحاته، فإنه يرتطم بواقع مأساوي فكأنه خلق لواقع أكبر حجماً مما يحتمل. وهكذا؛ فإن عبد المالك يلخص مأساة جيل بأكمله ينتمي إلى الشرائح الدنيا، فتح عينيه فوجد نفسه في وسط منهار اقتصادياً نتيجة اغتصاب تعرض له عائل الأسرة في ماله، أو في أرضه، أو في صناعته، التي تعرضت للبوار، إذ كان من الفلاحين الصغار ، أو من التجار الصغار، أو الصناع التقليديين، وصغار الحرفيين. وحاول هذا الجيل أن ينقذ ما يمكن إنقاذه عقب تخرجه من الجامعات ومدارس تقنية أو تربوية ليضيع في ازدحام الوظائف الدنيا، فوجد نفسه قد جرفه التيار، وكرر مأساة جيل سلفه بخيبات متكررة، وفشل مستديم، ووعي شقي، هو وعي أحسه جيل الاستقلال بمرارة، وبالضرورة. والحقيقة أن عبد المالك يملك عناصر نفسية متعددة تؤهله جميعاً ليلخص مأساة جيله، فظروفه السيئة تجعله يعيش الاغتراب، والقهر، فمنذ خلق، وهو يعيش بعيداً عن أهله بـ البيضاء. ولما عاد إلى فريته، وجد نفسه أيضاً تتضاعف مشاعر الغربة في نفسه. إن وضع عبد المالك يذكر ببطل في الطفولة لـ عبد المجيد بنجلون الذي كان يستشعر الغربة في ماشيتر بلاد الصناعة، ومراكش، بلاد التخلف. يتكرر نفس الإحساس لدى عبد المالك في بيئة واحدة، ولكنها متناقضة، وفي مساحة أضيق. يحس الغربة في الدار البيضاء[ مجتمع صناعي] وفي أنامر [مجتمع قروي تقليدي متخلف]. يقرر عبد المالك وضعه النفسي فيقول:" ما زال كسمكة ترتطم في جوانب الحوض،لا قرار لها بعد، ولا هي تعلم في أيهما تنغمس؟" أن نوع الاغتراب الذي يستعره البطل صحي ومتميز بشدة الحساسية والمعاناة والتنامي. يبدأ لدى البطل ضمن إيقاع أحادي الجانب عندما ينصرف إلى تحليل ظروفه الخاصة كما مر بنا ليؤكد انتقالاً من هذه الأحادية الضيقة التي ترصد حناياه النفسية إلى مستوى أعمق، حيث ينصرف عن الإحساس بالغربة والاغتراب، وبأنه نبات غريب في خريطة الحياة كلها إلى إدراك أبعاد الأزمة المتولدة عن طريق ظروفه الاجتماعية ليعيد بذلك النتائج إلى أسبابها. إن عبد المالك لا يشخص بمعرفة أبعاد الأزمة، إلى جانبه تعزة البعيدة عن أسرتها والتي تشغلها شواغل الانفصام عن هذا الوسط ، حيث يتكون لديها وعي منفتح تستطيع به تصور المستقبل لو أنها تزوجت قاسم بن عدي. ومن هنا تؤثر الزواج من عبد المالك. وتفضل خاتماً بسيطة على سيارة مرسيدس من قاسم بن عدي. إن هذا الوعي الناشئ لدى تعزة لا يشخص واقع المرأة في بادية المغرب بقدرما يمكن اعتباره ضرباً من التنبؤ المستقبلي لما ينتغي أن تكون عليه المرأة فيما يتصوره القاص، إذ أن المرأة ما تزال غالباً غير مخيرة بين أن تتزوج وأن تعزف عن الزواج. إن أبعاد الاغتراب متعددة يتفا سمها الأبطال، ولكل منهم نصيبه. فهناك بورون، وهناك ابا الحبيب، وهناك عم بوهو، كل هؤلاء يعيشون في وسط غير وسطهم. إلا أن عبد المالك خاصة يتعمق لديه الإحساس بالغربة أكثر منهم. ومن هنا نستطيع أن تتبين أسباب تسمية الرواية بـ المغتربون. إنها تسمية تتفق مع الأحوال النفسية لأتطال لها. ومن هنا، نستطيع أن نحكم على أن النماذج التي أخضعها القاص للدراسة في روايته قد أحسن وضعها ودراستها من الناحية النفسية. إذا كانت الغربة تستقطب أبطال الرواية وتوحد نفسياتهم؛ فإن القرية التي يصفها القاص تتحول هي نفسها إلى رمز للخصوبة والنماء، وإنما إلى بؤرة للعربدة والسكر، أو وكر للاستغلال والاستعباد، حيث يلوذ بها الفارون من وجه العدالة أو الفاشلون أو المخرفون، أو الضائعون المضطهدون. وهكذا تصبح الغربة مشخصاً من أهم مشخصات الأزمة. فإذا كانت هي الأرضية الأساسية التي انطلق منها الأبطال ، فإنها بالنسبة للقاص كانت بمثابة المرصد الذي يرصد منه تحركات أبطاله. وهكذا فإنه إذ يرصد حركاتهم يعود بهم إلى أبعد الأماكن التي يتحركون فيها، وغالبا ما تكون الدار البيضاء مقابلاً موضوعياً لـ أنامر . إن القاص يطل علي مشاكل هجرة أهل البوادي إلى المدن، ويكمل بشكل غير مباشر، أسباب ذلك ، ليبين أن القرية قد أفرغت من محتواها مما اضطر أهلها إلى الارتحال عنها إلى المدينة بحثاً عن عمل، أو صفقات ، أو نجارة، أو دراسة. حقيقة أن ارتحال سكان البوادي إلى المدن بشكل جماعي يشكل خطراً على القرية قبل المدينة، لأنه يهدد الحياة الاقتصادية للبوادي والمدن على السواء، ولأنه يشيـئ إنسان البادية ويجعله يضيع في زحمة الاكتظاظ ، فيفقد ملامحه، وخصوصياته. ولكن الظاهر أن الكاتب استطاع أن يبرز ملامح القرية المتميزة. ويكفي أن نرجع إلى وصف العآ مّت[ الشباب] وهو يشارك في الأعراس أو يتفيأ بظل الأشجار، أو يستحم بمياه الوادي، أو وهو يرصد حركات الفتيات لنتأكد من ذلك. إلا أن هذا التميز، وهذه الخصوصية، كانت تنمحي في مناطق أخرى قريبة من المدن حيث أدت الهجرة المتتابعة إلى المدن إلى إنمحاء معنى البادية بالتدريج. ولكنه مع ذلك، فإن القاص وهو يرصد مجتمع البادية، يترجم على نحو ما، واقع المغرب ككل تجـوّ زاً. إن القاص عندما يعري الواقع من خلال البورجوازية الجنينية وريثة الفكر الإقطاعي، ومن خلال البادية المغربية في فراغ مضمونها يتحول عمله الروائي إلى إنجاز يواكب الواقع التاريخي من غير مباشرة ولا تقرير.

الفن في "المغتربون"


1 - من أهم العناصر التي يتميز به القاص: المقارنة. فهو يقارن حالاً بحال،و يقارن وضعاً بوضع، على أن المقارنة تستهدف أغراضاً كثيرة من أهمها الانتقاد. يقول القاص متحدثاً عن شباب القرية[5 ]:" جال ببصره في أنحاء تادينارت، الشبان يحتكرون اللقاءات والمواعيد، كما يحتكر آباءهم المواد الغذائية في البيضاء" ويقول في موضع مقارنة وضع عبد المالك النفسي بوضع ابا الحبيب:" [6] يهرب من واقعه إلى الكأس ، ثم إلى إغماض الجفون، كما يهرب هو أيضاً [ يقصد نفسه] من واقعه، من فقر والده، وحب الفتاة صاحبة الحذاء المفقود". إن المقارنة تؤكد اتساع الأفق التأملي لدى القاص،وهذا جزء من إيجابياته في الرؤية. 2 – يعمد القاص إلى الوصف النفسي لأبطاله و الوصف لمجمل ما تقع عليه عيون الأبطال من مظاهر الجمال في القرية .ويبلغ حداً من التوفيق جيداً، عند رصده للبناء البربري في هندسته المعمارية القروية،وعند رصده أحد شخوصه لإ حدى اللوحات التي تختلط فيها الأسطورة بالتاريخ ص61. 3 - تبدولغة القاص متماسكة وقوية عالباً، وتتراوح بين مستويات تعبيرية متعددة الدلالات، فقد تبدو أحياناً لغة إيحاء خصبة. يقول مثلاً[7] :" الأشجار لم تورق هذا العام،في الجبل...وما لاتسرقه القوارض في البراري،يفسد الخنزير البري في أرضنا الندية". وقد تبدو أحياناً لغة توقع وتصور جميل للمستقبل ص138. 4 - يستغرق الوصف من القاص أغلب أجزاء روايته. والحقيقة أن هذا الوصف مبرر تماماً
لأن القاص يريد أن يطلعنا على وسط قلما اطلعنا عليه من خلال كتابات باقي كتاب القصة في المغرب. وهذا أيضاً جانب من جوانب التوفيق في منجزات الأديب الفنية. 5 - يلجأ القاص إلى التحليل النفسي ليعمق اطلاعنا على نفسيات الأبطال. وأخيراً؛ فإن الإحسايني وهو يكتب روايته ينتهي إلى الانتصار للكادحين رغم خيباتهم المتوالية، ولكن دون غوغائية. إن اختيار عبد المالك الحاسم في نهاية القصة لعمل بسيط بدل المحاماة انتصار للإ نسان في نفسه، انتصار للكلام، والتزام في طبقته. وحينما ينتصر القاص للكادحين، والطبقات الدنيا، فإنه يقين واقع المغرب خلال الفترة التاريخية التي كتب فيها عمله المادي.هذه الفترة 1959 التي انفصل فيها وبشكل علني، الزواج الكاثوليكي بين الطبقات المتضاربة المصالح، حيث انسلخت شرائح البورجوازية الصغيرة، وأعلنت طلاقها النهائي، لتفضح مؤامرة الصمت، والمهانة التي أدت إلى نكسات اعتبرت تراجعاً عن الخط الوطني الصحيح ومصالحة التبعية والاستعمار والإقطاع إلا أن الإحسايني لاينظر إلى الفترات الحاسمة في التاريخ ضمن وعيه الروائي.وإلا؛ فإين انعكاسات هذه الفترة الدقيقة على مسوى البنيات المجتمعية والاقتصادية؟ إن الإحسايني عندما مال بوجهه عن آفات الفترة، ونظر إلى التاريخ على أنه مسار مطرد لم يستطع استبصار انعكاس هذه الفترة على المغرب، ولم يخصب أدبه رؤية مستقبلية- إذا استثنينا موقفه من تعزة- فكان من تناوله للرواية كوقائع أغرقت التاريخ في الديمومة والرتابة، وأغرقت الرواية نفسها في بركة آسنة، وهي أنامر ،فانتقضت إلى الحركة اللازمة والتحليل الأكثر عمقاً لتبتعد عن الركود والإيقاع التيب الذي تميزت به القرية في أدبه.
الدار البيضاء- أكتوبر1977
بقلم الحلو أحمد- مجلة أقلا م- المغرب. عدد 3 أبريل 1978
ص59 – ص 70

هوامش:
[1] رواية من تأليف محمد الإحسايني – دار النشر المغربية يبراير 1974 تقع في ص من الطع المتوسط، في ورق صقيل، وفي طبع جميل- مع كلمة في صفحتين للمؤلف. [2]المغتربون- ص7
[3] المصدر السابق ص 29
[4] المصدر السابق ص 63
[5] نفس المصدر ص 69
[6] نفس المصدر ص 47







لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,760,735,725
- حماقات السلمون
- التدوير2
- التدوير
- مذكرات كلب غير عابئ ولامخدوع1
- النقود المزيفة
- العام ما قبل الأخير من إشراقات باهتة
- سوسيلوجيا المناقشات في برنامج: -الاتجاه المعاكس-
- أغنية أعلى البروج
- الكلب والقارورة..... ش.بودلير
- عيون الفقراء
- في الواحدة صباحاً...........بودلير
- المغريات أو إيروس، وبليتوس ، والمجد
- هل الإنسان مجرد وهم؟
- اقتراني بالكتابة من زواج سري إلى رباط لاانفصام له
- الفضاء الروائي في المغرب متعدد ويرتبط بالإنسان أصلاً
- النسيم
- الحياة السابقة
- النوافذ لشارل بودلير
- من الدروس التي تعلمناها من نازك الملائكة
- الحس التاريخي


المزيد.....




- بعيداً عن أوطانهم.. فنانون عرب عالقون بسبب كورونا
- مغاربة إيطاليا وكورونا ..تفاؤل حذر وقلب مع الوطن الأم
- كورونا -فيلم كارثي- أم -فرصة- لأوليفر كان في بايرن ميونيخ
- -جرعة زائدة- تنهي حياة نجمة راب شهيرة عن عمر 25 عاما
- انعقاد مجلس الحكومة اليوم الخميس
- قبل 15 عاما... كاتب يتنبأ بفيروس كورونا والناشرون رفضوا الرو ...
- قائد الثورة: الثقافة الغربية تجسدت في المواجهة مع كورونا بتف ...
- فنان ايراني يصنع أكبر مجسم للشهيد سليماني
- بَغْدَان ... ...
- قراءة في رواية -الرجل الأخير- للأديبة البريطانية ماري شيلي


المزيد.....

- ديوان غزّال النأي / السعيد عبدالغني
- ديوان / السعيد عبدالغني
- مأساة يغود الجزء الأول : القبيلة، الدولة والثورة / امال الحسين
- البحث المسرحي بين دراماتورجيا الكتابة والنقد المقارن / أبو الحسن سلام
- رواية الملكة ودمعة الجب كاملة / بلال مقبل الهيتي
- قصة قصيرة الناس و التمثال / احمد دسوقى مرسى
- قصة قصيرة الناس و التمثال / احمد دسوقى مرسى
- الأسلوبية في السينما الغربية / جواد بشارة
- مقالات في الرواية والقصة / محمود شاهين
- مسرحية الطماطم و الغلال (مسرحية للأطفال) / زياد بن عبد الجليل


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الإحسايني - تأملات نقدية حول أعمال محمد الإحسايني3