أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عصام عبدالله - ما قبل ويست فاليا .. بعدها






















المزيد.....

ما قبل ويست فاليا .. بعدها



عصام عبدالله
الحوار المتمدن-العدد: 1977 - 2007 / 7 / 15 - 10:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الخط الفاصل الذي كان يميز بين الصراعات الداخلية والصراعات الدولية قد اختفى, أو أوشك على الاختفاء, وهو الخط الذي بقي واضحاً طوال القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب الباردة, إلى حد كبير. وبحسب المؤرخ الانجليزي اريك هوبسباوم في كتابه الاخير "القرن الجديد", فإن الجيوش الاجنبية لم تكن تعبر الحدود بدعوى حل صراع داخلي ينشب في نطاق دولة مستقلة ذات سيادة. وكان هذا يمثل القاعدة الذهبية للنظام الدولي, وهي قاعدة حققت استقراراً نسبياً للعالم, إلا أن موازينها قد اضطربت, وتآكلت فاعليتها منذ عام 1989, على نحو ما حدث في يوغوسلافيا سابقاً, والعراق الآن, والبقية تأتي. وهو يحذر من اننا سنواجه عملية ارتداد ونكوص الى قرون غائرة خلت, بسبب انحسار الموجة التاريخية الطويلة التي تدفقت نحو بناء "الدولة - الامة", وتدعيم قوتها, وهي الموجة التي بدأت منذ القرن السادس عشر واستمرت حتى عقد الستينات من القرن العشرين .

اول دلائل هذا الانحسار تمثل في ظهور تغير مهم, وهو ان المواطنين اصبحوا اقل استعداداً لإبداء فروض الولاء والطاعة لقوانين الدولة. ظهر ذلك في ثورة الطلبة في الكثير من العواصم الاوروبية ربيع عام 1968, وهي ثورات ناصبت العداء للمؤسسات الحاكمة القائمة آنذاك. إن قوة الدولة الحديثة بلغت ذروتها عندما كان الاحتجاج الاجتماعي يتم في الاطار المؤسسي, وباعتباره جزءاً من العملية السياسية, لكن هذا الامر انتهى في اوروبا في عقد السبعينات, والدليل الواضح على ذلك هو العجز في القضاء على الميليشيات المسلحة والمنظمات الارهابية داخل حدود الدولة, على رغم وجود حكومات قوية .

ويخلص هوبسباوم الى أن الحرب الباردة أدت, في شكل أو آخر, الى الاستقرار النسبي للعالم, وعندما وضعت اوزارها سادت العالم حالة من عدم اليقين, بخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي, الذي اقترن بتدمير نظام العلاقات الدولية الذي كان سائداً, وبموجبه كان الجميع يعرفون قواعد اللعبة التي تم الاتفاق عليها بدءاً من معاهدة "وست فاليا" عام 1648 .

فإذا كان نظام الدولة القومية الحديثة, اعتمد اساساً على مبدأ "السيادة" ووفقاً لوست فاليا, التي ربطت كلاً من السيادة القومية والهوية الوطنية بالصفة الاقليمية, أو قل ربطت السلطة بالمكان, واصبحت للدولة حدود معترف بها من جانب الدول الاخرى, فإن هذا الامر ظل على هذا المنوال حتى ظهر الناشطون غير الحكوميين الذي انتشروا في الانظمة الدولية بسرعة رهيبة, مما ادى الى التقليل من شأن مبدأ "السيادة" نفسه عن محيط التأثير في النظام الدولي .

لقد حل الاستقلال (استقلال هؤلاء الناشطين) محل السيادة, وصار الأفراد والمؤسسات والحركات يناضلون من أجل نيل حريتهم واستقلالهم عن سيادة الدولة, بل التنافس مع الدولة في الهيمنة على المواضيع الساخنة, والتسابق في ابرازها امام العالم عبر وسائل الإعلام والاتصالات .

ولأن أهداف تلك الأطراف المستقلة عن الحكومات لا ترتبط بمكان معين أو اقليم محدد, فإن مسألة "السيادة" الاقليمية اصبحت غير ذي بال, اذ أن اهدافاً مثل حماية البيئة او حقوق الانسان او الحرية الدينية لا تتطلب سيادة على منطقة معينة, بقدر ما تتطلب سيادة من نوع آخر: هو هيمنة هذه الاطراف على تلك الاهداف وترويجها إعلامياً .

هكذا تآكلت "السيادة" على جميع الجبهات, خصوصاً مع تطور حقوق الانسان, ومعايير التدخل لأسباب انسانية, بل إن البعض يرى أن نهاية نظام الدولة الوست فالي وبداية عصر ما بعد وست فاليا مرتبط بانقضاء فكرة "السيادة" اساساً .

على عكس هوبسباوم يذهب مواطنه المفكر السياسي هيدلي بول إلى أن الحل في العودة الى ما قبل وست فاليا, ولكن من منظور جديد, ففي محاولة لاستكشاف اشكال جديدة من النظام العالمي, رفض بول في مؤلفه "المجتمع الفوضوي" فكرة حكومة عالمية كبديل محتمل, او حتى كبديل مستصوب, لنظام الدول الوست فالي, ويدافع بقوة عن تصور بدأ يتردد في الساسة العالمية المعاصرة, هو تجسيد لنظام قروسطي جديد من الولايات القضائية المتداخلة وسلطات مجزأة وولاءات متعددة. ففي هذا النظام, مثلاً, من شأن حكومة المملكة المتحدة ان تتقاسم سلطتها مع الادارات في ويلز, اسكوتلندا, يوركشاير, وأماكن اخرى, ومع سلطة اوروبية في بروكسيل فضلاً عن سلطة عالمية في نيويورك وجنيف. في هذا السيناريو تكون القوة - السلطة أفقية وليست رأسية, فمن هذا المنطلق تصبح فكرة سلطة سيادية واحدة تقيم في نيويورك عتيقة, واذا ساء هذا الوضع على النطاق العالمي, فإن من شأنه ان يشكل "نظاماً قروسطياً جديداً", خصائصه الاساسية شبكة من الولايات القضائية والولاءات المشتتة وغياب سلطة واحدة تتصرف بطريقة مبالغ فيها وتتمركز اقليمياً, وكما قال بول: "يمكن تصور اختفاء الدول ذات السيادة واستبدالها ليس بحكومة عالمية بل بمكافئ حديث علماني من نوع المنظمة السياسية العالمية التي كانت موجودة في العالم المسيحي الغربي في القرون الوسطى ."

وهناك خمس سمات للسياسة العالمية المعاصرة - بحسب بول - تؤيد نوعاً ما هذا السيناريو الذي يتسم بالعودة الى المستقبل: ظهور التكامل الاقليمي, تآكل مفهوم الدولة, عودة العنف الدولي الخاص, نمو المنظمات التي تتخطى الحدود القومية, وعملية العولمة المتسارعة. وتمثل جميع هذه الاتجاهات البارزة تحدياً لنظرية الدولة التقليدية...وعلى رغم تشكك بول في شأن الأفول المطلق لنظام الدولة, والتزامه بالحيوية المستمرة للقواعد التقليدية والمؤسسات المقترنة بها, فإن الكثير من المنظرين المعاصرين يرون أن رؤيته لعالم قروسطي جديد في السياسة العالمية هو قيد التحقق اليوم .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,562,547,675
- خطوط الانفلات
- الدين في حدود العقل
- تحولات عميقة
- عنف لا أحد
- الصمت بين الكلمات
- دريدا والإله تحوت
- إعادة محاكمة سقراط
- ثقافة الانتقام
- التعصب وسنينه
- تفكيك الأصولية والهوس الديني
- الأصولية .. هنا وهناك
- الهوس الديني والفتن الطائفية
- الإيمان والعلم
- موت الحداثة في مصر
- اختفاء البكوش
- الفعل التواصلي
- جزيرة العقلاء
- يوتوبيا ما بعد الحداثة
- لا وعي اليوتوبيا الباطن
- اليوتوبيا ويوتوبيا الضد


المزيد.....


- كونوا على حذر من حكومة ضعيفة! / سالم جبران
- ثروتنا البشرية.. إلى أين؟ / إكرام يوسف
- في الذكرى ال 49 لثورة 14 تموز العراقية / عبدالخالق حسين
- بروباغندا الإستقطاب الطائفي في العراق / مصطفى القرة داغي
- صورة الثقافة الحسانية بين الخطابين الاعلاميين: المخزني و الا ... / ابراهيم تيروز
- سمك لبن تمر هندي / سلمان محمد شناوة
- كردستان العراق...نهج جديد يحتذى / محمد علي محيي الدين
- هل لنا نحن العراقيون في الخارج أو الداخل وضوح رؤيا ما يحدث.. ... / خالد عيسى طه
- معضلة التعامل مع التراث الإسلامى / مجدى خليل
- هل معظم الأحزاب العربية أحزاب ( نكاية) ؟ / توفيق أبو شومر


المزيد.....

- فرقة الملك الاردني الهاشمي :- (ذهب الذين احبهم وبقيت مثل الس ...
- آفاق: مهرجان فني للقلق
- القبض على والدي صبي وطفلة تزوجا في أفغانستان
- مقتل 11 شرطيا مصريا في هجوم بسيناء
- سفير واشنطن الجديد يصل إلى القاهرة نهاية الشهر
- الرئيس اليمني يقيل الحكومة استجابة لمطالب الحوثيين
- خيانة عمار الحكيم ..!
- ارتفاع وفيات-إيبولا- في الكونغو إلى 31
- ليبيا.. "خلايا نائمة" تنشر الفوضى ومناوشات بين مسل ...
- أزارينكو تواجه ماكاروفا في ربع نهائي فلاشينغ ميدوز


المزيد.....

- نظرية الطريق الثالث عند أطونى جيدنز / ابراهيم طلبه سلكها
- نظرية الفعل عند حنه ارندت / ابراهيم طلبه سلكها
- حقوق العراق بالارقام في عهد المالكي 2006 - 2014 / سمير اسطيفو شبلا
- البغاء فى مصر ..نظرة تاريخية / رياض حسن محرم
- وحدة الشيوعيين العراقيين ضرورة موضوعية لمرحلة مابعد الانتخاب ... / نجم الدليمي
- برنامج حزب نستطيع، بوديموس / ترجمة حماد البدوي
- في رثاء / الشرق الأوسط القديم . / سيمون خوري
- استباق الثورة المضادة للإبداعات الشعبية / خديجة صفوت
- أزمة تحليل اليسار للحدث العراقي / سلامة كيلة
- التحول الديمقراطي وصعود الحركات الإسلامية (نموذج مصر) / سحقي سمر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عصام عبدالله - ما قبل ويست فاليا .. بعدها