أسلحة قادتنا تطلق للخلف (6) مذكرات شيوعي


محمد يعقوب الهنداوي
الحوار المتمدن - العدد: 6342 - 2019 / 9 / 5 - 11:27
المحور: في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

“المعارضة هي الوجه الآخر للسلطة في المرآة، وكلما كانت السلطة متطورة حضاريا وناضجة وتمتلك عناصر القوة والتبلور وإدراك وتحقيق ذاتها الطبقية، توفرت تلك الصفات ذاتها لدى المعارضة أيضا. أما السلطة البدائية الطفيلية المتخلفة المترهلة التي تعجز عن بلورة كيانها ومصالحها وإدراك وتحقيق ذاتها كطبقة، فهي لن تنتج الا معارضة شبيهة بها في مرآة الحياة.”
(المفكرة الماركسية الألمانية "روزا لوكسمبورغ")

تنبع إحدى أكبر مآسينا من هذه الحقيقة الحارقة.

فمثلما فرضت علينا الظروف أنظمة وحكومات مشوهة التكوين، ملتبسة الفكر، مائعة التكوين الطبقي، تداخلت فيها عناصر العشائرية والمذهبية والقومجية، رجعية التوجهات، فاشلة في بناء مجتمعات الرفاه والخدمات والاقتصاد النامي والاستقلالية في القرار، طفيلية، تابعة للخارج تضطهد شعوبها وتزجها في الحروب بالوكالة عنه، وتعتاش أساسا على دعم ذلك "الخارج" وتنفيذ سياساته المعادية للإنسان ولمجتمعاتها ذاتها وتمثيل وحماية مصالحه على حساب مجتمعاتها هي، لا تكف عن إطلاق الشعارات البراقة الخادعة وتعمل بنقيضها تماما وتعيد فبركتها كلما تغيرت الظروف وأثبتت الحياة زيفها وعجزها، قمعية في كل ممارساتها، تكره الديمقراطية والوضوح وتجد دائما في أقنعة السرية ومزاعم حماية المصلحة الوطنية وأسرار البلاد مبررا لحجب الحقائق عن الشعب، وتتهم معارضيها بحزمة من التهم الملفقة الجاهزة من قبيل العمالة والجاسوسية والاختراق لقمع معارضيها ولستر فضائحها، اتصفت المعارضة لدينا بنفس هذه الصفات دائما وبإصرار واعتزاز.

وأضيف الى ذلك أيضا ميزة أخرى هي أبدية القائد وقدسيته وحصانته على النقد والشك والمجادلة، والذي لا يخلي مقعده ولا يتبدل إلا بالقوة.

أذكر أني كنت في بيروت عام 1998 لحضور اجتماع ما يسمى (اتحاد وكالات الأنباء العربية)، وهي مؤسسات سلطوية أقرب الى احتراف الكذب والتزييف منها الى العمل المهني وأقرب الى الأجهزة المخابراتية منها الى وسائل الاعلام، وكانت بيروت تخضع لهيمنة قوات البعث السوري، حين واجهتني لافتة ضخمة تقطع الطريق مكتوب عليها:

"قائدنا الى الأبد والى ما بعد الأبد حافظ الأسد"...

أبكتني وأضحكتني تلك اللافتة إذ تذكرت قادة الأحزاب الشيوعية وخلودهم في مقاعدهم إلا إذا أزيحوا بالقوة. وهذا يصح طبعا وبدقة على الحزب الشيوعي العراقي الذي تأسس "رسميا" عام 1934 وتزعمته ثلاثة أسماء لم تتغير إلا بالقوة، حيث قاد فهد (يوسف سلمان يوسف) الحزب لمدة خمسة عشر عاما انتهت بإعدامه على يد السلطات الملكية/البريطانية عام 1949، وسلام عادل (حسين الرضوي) الذي قاد الحزب بعد فوضى "حرب العصابات" وصراعات الصبيان الداخلية عام 1954 حتى إعدامه بعد عشر سنين على أيدي الفاشست البعثيين والقوميين عام 1963. ثم عزيز محمد الذي حكم الحزب بعده لثلاثين عاما وتولى تصفيته تماما وتحويل بقاياه الى منتدى ترفيهي، أو مؤسسة تبييض سياسي للإيجار، أكثر منه حزبا سياسيا محترما.

ولن أتطرق الى فوضى الاحتراب الداخلي والتقلبات السريعة في الفترة بين 1949 – 1954 إذ لم تكن لأية جهة في الحزب القدرة على فرض ارادتها على الآخرين بسبب قوة الضربات المعادية التي تلقتها القيادات المتتابعة وأدت الى ما أدت إليه من "دمج" بقايا قيادة الحزب بمنظمة أخرى استحوذت على أهم المواقع القيادية وسلطة القرار في الحزب وهي (حزب الشعب العاني) أو ما يسمى جماعة "وحدة النضال" التي ستتحكم من حينها والى النهاية بأهم مواقع القيادة والقرارات في الحزب، في خرق فاضح لأهم التقاليد الثورية حيث لا يجوز قبول المنظمات الدخيلة في الحزب على شكل تكتلات، والأغرب من ذلك ان القواعد الحزبية قبلت بتلك الصفقة المريبة مع مجموعة قومية عروبية لا صلة لها بالشيوعية، ربما من باب القناعة بأن "في اجتماع الضعفاء قوة"، وهو المبدأ الذي قد يصح على أي شيء لكنه لا يصح قطعا على بناء التنظيمات السياسية وخصوصا اذا كانت شيوعية، لأن هكذا "تجميع" يؤدي وبالضرورة الى تضمين كل النواقص والعيوب وجوانب العجز والقصور في الكيان الجديد وسيحرفه عن مساره المبتغى.

فهل كانت تلك القيادات المتفردة بالزعامة والقرار عاجزة عن تربية و"توليد" كفاءات فكرية وتنظيمية قادرة ومؤهلة لقيادة الحزب، أم لمجرد أن "لكم في (خالد بكداش) أسوة حسنة"، وهو الذي تزعم الحزب الشيوعي السوري أكثر من ستين عاما متتابعات لم تنته إلا بوفاته.

سيجد من شاء ما يكفيه من التبريرات والأسباب والأعذار الخاوية، لكنّي أدعوهم الى مواجهة الحقائق الصلبة والاستيقاظ من رقادهم الطويل انطلاقا من ان الحزب الشيوعي العراقي لا وجود له اليوم، هذا إن كان له وجود فعلي يوما، وان مصير شعبنا الذي يرزح تحت الاستبداد الديني والمافيات المسلحة أهم بما لا يقاس من الدفاع عن كبرياء أجوف، وبناء المستقبل أولى من الدفاع عن ماضٍ زائف وملفق وطافح بالتضحيات المجانية، وأصبحت تبعيتنا له لا تختلف في شيء عن تبعيتنا لتراث أهل القبور الذي يريد المعممون أن يواصلون فرضه علينا شئنا أم أبينا، وعلى الجميع أن يخلعوا عمائمهم منذ اليوم فمعاركنا المقبلة مع الرأسمالية وأدواتها أشد ضراوة.

ما يهمني التركيز عليه هنا هو انعدام الديمقراطية السياسية في الحزب وفرض وجهة النظر الواحدة وإخفاء الحقائق عن القواعد الحزبية في حين أنها كانت مكشوفة للأعداء تماما. والأهم من ذلك هو التعمية على تاريخ الحزب وحقيقة مجريات صراعاته الداخلية وتجهيل القواعد الحزبية بما كان يجري "فوق" وحقيقة وكفاءة من كانوا يقودونها ويتحكمون بمصائرها ومصائر شعبها وقضاياها، وجرّ الحزب الى تحالفات وعلاقات ومآزق سياسية قاتلة أفلتوا تماما من تقديم الحساب عنها أمام قواعد الحزب، وأنتجت ببغاوات تمجد الزعيم وتضفي عليه قدسية وحصانة دينية بدل مطالبته ببناء حزب متجدد ناضج فكريا قادر على قيادة الشعب وتحقيق الانتصارات وأن يقدم الحساب عن أخطائه وفشله. وإلا فما معنى أن يخاطب عزيز محمد "مندوبي" المؤتمر الرابع للحزب قائلا: "اجتمعنا هنا ليضفي نصفنا النصف الآخر؟

وسأتناول ذلك كله لاحقا لكنني سأواصل الحديث الآن عن فترة حاسمة وبالغة الأهمية يجري تداول تفاصيل كثيرة عنها لكن كل "الروايات" عنها ترد بصورة مبتورة ومشوهة وتستند الى أرضية التعمية وإخفاء الحقائق أو، في أحسن الأحوال، ايرادها مجتزاة ومبتورة، وهي فترة التحالف مع البعث الفاشي في "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية البعثية".

* * *

تشير معظم الأدبيات السياسية المتداولة الى ان الشيوعيين تفاجأوا بتمثيلية "الثورة البيضاء" البعثية في 17 تموز 1968 التي كان في واجهتها المعلنة (عبد الرزاق النايف( و(إبراهيم الداود) اللذين جرت تصفيتهما بعد أسبوعين فقط وظهر البعثيون الى الواجهة علنا كأصحاب "المشروع الانقلابي". وان الحزب الشيوعي (الرسمي أو الأم) دخل في "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية" البعثية في 1973، وهذا غير صحيح وفيه إخفاء لكثير من الحقائق. فالبعثيون كانوا يعدون العدّة لانقلابهم بشكل شبه مكشوف لعدة أشهر قبل تنفيذه، وكانت جميع الأطراف الشيوعية تعلم بذلك وكانت على تواصل مع البعثيين وتتفاوض معهم على الاشتراك في الإعلان عن الانقلاب وتقاسم المكاسب فيه.

فمن جهة، كان (عز الدين مصطفى رسول) رسولا بين البعثيين وقيادته الحزبية، وكان حينها قياديا في (القيادة المركزية) ومعروف بتوجهاته الشيوعية في أوساط جامعة بغداد حيث كان رئيسا لقسم اللغة الكردية في بغداد وأوصل رسائل البعثيين لقيادته قبل أن ترفض تلك القيادة الاتفاق مع البعثيين والظهور معهم في واجهة الأحداث.

أما من جهة (اللجنة المركزية) فكان كل من (عزيز شريف) و(مكرم الطالباني) و(فخري كريم زنػنة) و"الرجل الخفي" (عامر عبد الله) طرف التفاوض الدائم مع البعثيين، وتم الاتفاق معهم على أن ينفذ البعثيون انقلابهم وتستمر المفاوضات لاشتراك (الحزب الشيوعي العراقي) في الحكم لاحقا. وكان سبب تردد جماعة (اللجنة المركزية) هو وجود عدد كبير من القياديين والكوادر المتقدمة في الحزب الرافضة تماما للتعاون مع البعثيين، وكان يتوجب "إسكات" معارضة هؤلاء قبل القيام بخطوات علنية. وما ان استقر الوضع للبعثيين حتى بدأت مظاهر التعاون تتكشف وبإشراف مباشر من الاتحاد السوفييتي الذي دخل في (معاهدة الصداقة والتعاون) مع البعثيين أعلن عنها في نيسان 1972.

ومنذ مطلع عام 1969 حصل (فخري كريم زنػنة) و(صلاح خالص) على امتياز لإصدار مجلة (الثقافة الجديدة) وحصل (صلاح خالص) بالاشتراك مع (الفريد سمعان) على ترخيص مجلة (الثقافة)، والتي سرعان ما سيتولى إدارتها رسميا (مهدي الحافظ) ثم (شمران الياسري). وكان الشارع العراقي يعرف تماما هذه الأسماء ومن تمثل وماذا تعني تلك الخطوات. وفي 1972 منح البعثيون ترخيصا لجريدة (الفكر الجديد) التي لحقتها جريدة (طريق الشعب) في 1973. ومنذ أواخر 1969 كان (عزيز شريف) وزيرا للعدل في حكومة البعث، ثم لحقه (مكرم الطالباني) و(عامر عبد الله) الى الوزارة منذ 1972.

في تلك الأثناء كان المفاوضات الماراثونية جارية بشكل شبه علني، وكان العائق الأكبر أمام الكشف عن مضمونها وحقيقة التوافقات هو وجود (المكتب العسكري) للحزب الشيوعي الذي اشترط البعثيون تصفيته تماما، اضافة الى اشتراطهم تحريم العمل السياسي لغير البعثيين في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية كافة، وكان لابد من التخلص من المعارضين، والذين انتهى (المكتب العسكري) بعد تصفيتهم وتحول الى (اللجنة الأمنية) التي صارت مهمتها الوحيدة حماية القيادة وتلبية رغباتها فقط، وخصوصا مع تولي (فخري كريم زنػنة) رئاستها.

وفي الفترة 1969-1970 والى حين إعلان "ميثاق العمل الوطني" في 1972، جرت تصفية أهم القياديين والكوادر المتقدمة المعادية للبعثيين في الحزب الشيوعي وشملت في مرحلتها الأولى اغتيال أو خطف أو اعتقال كل من (عبد الأمير سعيد) و(محمد الخضري) و(ستار خضير) و(شاكر محمود) الى جانب الأسماء التالية:

1- كاظم الجاسم
2- ماجد العبايجي
3- برهان خواجه حسين
4- عثمان الحاج حمه أمين
5- عارف حاجي علي ضيف
6- عبد الرزاق مطلػ
7- عبد الرزاق مسلم الماجد
8- عباس أمين
9- محمد صالح محمد
10- سيد طه سيد عزيز
11- عبد الرزاق قارمان
12- حسن علي عبود
13- مام عبد الله
14- عزيز فعل ضمد
15- ورده داود
16- محيسن الكعبي
17- لطيف محمد مراد
18- موفق الياس زوما
19- حسين علي
20- بكر حسن محمود
21- قتو زرو كوركيس
22- سعيد عمران
23- عزيز حميد
24- فاضل كسار
25- مشكور مطرود
26- صالح محمد سليمان
27- حميد سعيد الصػر
28- ناجي حسيب
29- جواد العطية
30- خلف جوده
31- علي حسين البرزنجي
32- رضا عليوي
33- حسن علي العناد
34- سالم صادق ملا نظر
35- صابر خلف
36- حسن العلي العػيلي
37- طارق علي السبهان
38- علوان مطلب
39- محمد حسون الدجيلي
40- رهيف آل خزيعل الساعدي
41- صافي جبر مجلي
42- عادل الزهيري
43- محمد نجم عبود
44- عمر قادر أحمد
45- أمينه قادر
46- شاكر محمود
47- بكر حسن خوشناو
48- حميد كريم طيفور
49- طلعت سعدي حليم
50- آدو حسن

وعشرات آخرين ممن لم تتوفر أسماؤهم أو اغتيلوا خلسة أو جرت تصفيتهم تحت التعذيب. وكان الجلاد (ناظم ػزار) يتولى الاشراف على التنفيذ والخطف والتعذيب والقتل. بينما منحت حصانة تامة من الملاحقة أو أية مضايقة لعدد آخر من العناصر القيادية وأعضاء المكتب السياسي منهم (عزيز محمد) و(زكي خيري) و(باقر ابراهيم الموسوي) و(عمر علي الشيخ) و(كريم أحمد الداوود) و(بهاءالدين نوري)، بالإضافة طبعا الى (عزيز شريف) و(مكرم الطالباني) و(فخري كريم زنػنة) و"الرجل الخفي" (عامر عبد الله).

* * *

على الجانب الآخر من المشهد كان البعثيون يتفاوضون مع (الحزب الديمقراطي الكردستاني) بقيادة (ملا مصطفى البارزاني) قادت الى إعلان هدنة أطلق عليها، إيهاما، اتفاقية 11 آذار 1970 فما ان التقط البعثيون أنفاسهم حتى أعلنوا الحرب وبكل طاقاتهم على حزب البارزاني بعد أربع سنين فقط.

كما وجهوا أيضا ضربات ساحقة لتنظيم (القيادة المركزية) الذي فقد كل قياداته المعروفة مع انهيار (عزيز الحاج) وظهوره على شاشة التلفزيون معلنا توبته وندمه وإدانته لحزبه واستعداده للتعاون مع البعثيين. ولكن (عزيز الحاج) حين أبلغه البعثيون انهم سيعرضونه على شاشة التلفزيون ليسرد اعترافاته اعترض قائلا:

- لا جدوى من ظهوري على التلفزيون بينما هناك عشرات القياديين والكوادر المتقدمة الذين سيحلون محلي فورا ويعيدون بناء التنظيم، وعليه ينبغي أن تتخلصوا منهم أولا ثم تعرضوني في التلفزيون.

وتطوع لإرشادهم الى كل بيت وكل وكر وكرا وكرا ليتم اعتقال أولئك القياديين والكوادر المتقدمة ويشهد تعذيبهم واعدامهم بنفسه. وكان على رأس هؤلاء (متي الهندو) و(علي العسكري) و(أحمد محمود الحلاق) وعشرات غيرهم، بينما انهار عدد آخر وفضل النجاة والتعاون مع البعثيين، وأبرز الأسماء من هؤلاء (غازي أنطوان).

وأعقب تصفية كل هؤلاء تولي شخصيتين هزيلتين للقيادة المركزية هما (إبراهيم علاوي) و(مصلح مصطفى الجلالي) اللذين تنافسا على الزعامة وتسببا في انشقاق جديد بين كتلتيهما وصل الى حد الصدامات المسلحة قبل ان ينسحب (مصلح مصطفى الجلالي) ويلجأ الى حمى ملا مصطفى البارزاني الذي توسط له لدى البعثيين فعينوه بوظيفة (مدير إعمار الشمال) بعدما قدم لهم كل ما لديه من معلومات وأسرار. بينما ذهب (إبراهيم علاوي) ليعيش في لندن مجددا وأوكل قيادة ما تبقى من حزبه الى (فاروق مصطفى رسول). وكان (فاروق) يتقاضى من بيت البارزاني مدفوعات شهرية لإعالة بقايا الحزب وإدامة مقراته بوصفه حليفا للحزب الديمقراطي الكردستاني في مواجهة (اللجنة المركزية) التي تحالفت مع البعثيين.

وهكذا أصبح الحزب الشيوعي العراقي قسمين: القسم الأول (الحزب الأم) تابع للبعثيين وخاضع لهم رسميا وفعليا حتى انتشرت في الشارع العراقي نكتة فحواها ان الحزب افتتح مقره الرئيسي في شارع السعدون ببغداد وكتب عليه: (مقر الحزب الشيوعي العراقي لصاحبه حزب البعث العربي الاشتراكي). بينما صار القسم الثاني تابعا لبيت البارزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني) وخاضع لهم، وخصوصا بعد مقتل كل من (أبو جعفر - شكر سلمان) و(أبو محيسن – ناجي عبود) والأخير كان يقود تنظيمات الأهوار انطلاقا من أرياف النعمانية.

* * *

أصل المشكلة:

ترافقت هذه التطورات، بل وسبقتها بفترة طويلة وستستمر بعدها، وفي جميع الكتل والانشقاقات التي خرجت من الكيان الأم للحزب الشيوعي العراقي، حالة من التجهيل والتعمية الفكرية ومسخ الوعي الطبقي وتحويل الثقافة الحزبية الى محض متابعة الجريدة التي يصدرها القائد أو القادة الذين تعتبرهم القاعدة الحزبية قائدتها الشرعيين، بينما أهمل الفكر الماركسي بشكل شبه تام وجرى تشويهه بطرق شتى كلها زائفة ومحرفة.

* * *

يقسم العلم الماركسي المجتمع الى ثلاث طبقات، اثنتان رئيسيتان لهما برامجهما ودورهما التاريخي المتميز هما البرجوازية والبروليتاريا (الطبقة العاملة الصناعية)، وطبقة ثالثة تقع بينهما وتضم قطاعات واسعة من المجتمع لكنها فئات لا برنامج ولا رؤية مستقلة لها ولا يمكن الوثوق بها، بل وليس بينها أية عناصر فكرية متناغمة أو برنامج مشترك، وهي ما اصطلح على تسميتها (البرجوازية الصغيرة).

فالبرجوازية هي سيدة المجتمع الراهن والمالكة لوسائل الإنتاج والسلطة وأجهزتها القمعية وأدواتها الأخرى وبرنامجها هو إدامة سلطتها الطبقية وتسخير المجتمع كله، والطبقة العاملة على وجه الخصوص لخدمتها وتعزيز مصالحها ومكاسبها.

والبروليتاريا سيدة المستقبل وحاملة لواء الثورة والتحرر وإنهاء كافة أشكال الظلم والاستعباد والاستبداد والاستغلال الطبقي على المستوى الأممي بما فيها إنهاء الاستبداد واستعباد أمة لأمة وعرق لعرق وجنس لجنس، وبرنامجها الكامل لا يتحقق إلا ببناء الشيوعية وتحقيق إنسانية الانسان. واستنادا الى هذه الرؤية العلمية كان كارل ماركس ينتظر أو يتوقع حصول الثورة البروليتارية في البلدان الرأسمالية المتقدمة مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا حيث تمتلك الطبقة العاملة الناضجة فيها برنامجها الطبقي الواضح ورؤيتها الطبقية المتبلورة، الى جانب امتلاك هذه البلدان مقومات بناء مجتمع الرفاهية المتقدم وإمكانيات كسر شوكة مشعلي الحروب، وطبعا أعاق التحريفيون والانتهازيون قيام تلك الثورات وانتصارها.

أما (البرجوازية الصغيرة) فهي، في التشخيص الماركسي، الوعاء الذي يضم كل ما يقع بين البرجوازية الحاكمة والبروليتاريا الثائرة من شرائح مجتمعية كثيرة مائعة رجراجة سائبة يلتقي تحت مظلتها الفلاحون والبروليتاريا الرثة والمثقفون والمعلمون والمهنيون، ومن في حكمهم ويشابههم في وضعهم الاقتصادي وميولهم الانتهازية ومزاجهم النرجسي وامتلائهم بجهلهم أو معارفهم الشديدة المحدودية وتطلعاتهم الوهمية الى الارتقاء الى مصاف البرجوازية في حين ان واقعهم يجرّهم الى حضيض الواقع الحياتي اقتصاديا وسياسيا في كل لحظة. ويمكن وصفهم باختصار بأن "رؤوسهم في السماوات وأقدامهم في وحول الواقع المتردي". ومهما عاشت هذه الفئات من قساوة الواقع والصدمات فإنها لا تتخلى عن روابطها القديمة وإرثها المتخلف وايمانها الميتافيزيقي وتشبثها بالغيبيات والوهم والخرافة، كما لا تتخلى عن الأنانية الفردية وقصر النظر.

وتشمل هذه الطبقة أيضا غالبية الطلاب الذين قد يتميز بعضهم بانتمائه البروليتاري بحكم بيئته وأسرته ووضعها الطبقي، لكنهم يلتقون مع بقية "البرجوازيين الصغار" في أوهام التفرد والنبوغ والطموح لارتقاء السلّم الطبقي لينضموا الى البرجوازية. كما تشمل أيضا غالبية سكان الريف بما فيهم الوجهاء وبقايا الاقطاع والمجتمع القديم ورجال الدين وأفراد الأجهزة القمعية من الجيش والشرطة الذين يمارسون أشرس صنوف العنف والقمع ضد الطبقة العاملة وتتملكهم كراهية مطلقة للشيوعية والفكر العلمي ومبادئ المساواة والتطلعات الإنسانية النبيلة، ولا تتجاوز أهدافهم الحفاظ على المجتمع الطبقي القائم وممارسة دورهم فيه كخدم مسلحين للبرجوازية وحماة نظامها وسلطتها.

هذه (البرجوازية الصغيرة) تمتاز أيضا بطنينها العالي وتشدقها الأجوف بالشعارات الثورية والمبالغة بمزاعم امتلاك المعرفة والثقافة، وغالبا ما تقدم نفسها بوصفها القائد النموذجي للحركة الثورية وتحرير المجتمع حتى انها تذهب بعيدا في إطلاق فقاعاتها "التحررية" المزعومة من "الدفاع عن البيئة" أو "النسوية" أو "المتحولين جنسيا"، وكأن هذه الفقاعات أرقى وأهم من الصراع الطبقي الحاسم بين الطبقة العاملة والبرجوازية، أو كأن سلطة رأسمال ليست هي المسؤولة عن كل التشوهات الاجتماعية والثقافية.

وفي مجتمع كالمجتمع العراقي حيث لا توجد رأسمالية محلية حقيقية وتقع البلاد في مدار التبعية للقوى الامبريالية ويسود فيها الاقتصاد الريعي، تتحول شريحة صغيرة من البرجوازية الصغيرة الى وكلاء محليين للرأسمال الأجنبي تتولى خدمته وإدامة سلطته وتقوم بقمع الطبقة العاملة وحركتها الثورية، وهذا الدور الذي يشبه كثيرا جدا دور (السركال) القديم في المجتمع الاقطاعي، يطلق عليه في العلم السياسي نعت "الكومبرادور" أي الشريحة الوطنية التي تعتاش على خدمة سلطة رأس المال الأجنبي وتنفيذ إرادته وحماية نفوذه وسحق أية حركة ثورية تستهدف انهاء هذه السلطة والمصالح. ولأن هذه المهمة ليست إنتاجية بل ارتزاقية بحتة حتى لو ترتب عليها تحقيق بعض تراكم الثروة وما يرافقها من مظاهر الغنى، على حساب الطبقة العاملة المنتجة طبعا، فان الطابع الثابت لهذه الشرائح هو الطفيلية، وتبقى سلطوية متجبرة على شعبها ذليلة خانعة للنفوذ الأجنبي.

ويصح هذا التشخيص على معظم البلدان التابعة والمجتمعات المتخلفة. ومن واقع هذه الطبقة تنبع معظم مصائب شعوبنا وأسباب هزيمة حركاتها الثورية، إذ تصدت أوساط المثقفين منها لمزاعم التحرر الوطني ومعاداة الاستعمار وغيرها من العبارات الخاوية، ومنها أيضا نبعت كل التيارات التحريفية التي مسخت الوعي الطبقي والفكر الثوري في مجتمعاتنا، فقام الانتهازين ومحرفو الماركسية بتقسيم هذه الطبقة المائعة الهائمة الى شرائح نسبوا لها قدرات عظيمة لا أساس لها تحت شعارات "التحرر الوطني" أو "الوحدة القومية" أو "الخصوصية الدينية" وغيرها من خزعبلات وهمية. فقام بعضهم بوضع الفلاحين في مصاف البروليتاريا ونادى بإقامة "دولة العمال والفلاحين" الثورية أو الاشتراكية أو ما شابه، وبعضهم منح هذه الطبقة دورا قياديا في مرحلة مزعومة أطلقوا عليها "الثورة الوطنية الديمقراطية"، وبالغوا الى حد اختراع مفاهيم معادية تماما للعلم الماركسي مثل "الطريق الثالث الى الاشتراكية" و"التطور اللا رأسمالي" و"الانتقال السلمي الى الاشتراكية بقيادة البرجوازية الصغيرة الثورية" و"القيادة الثورية للبرجوازية الوطنية" و"الدور التقدمي للدين في تحرير المجتمع الإنساني"، وغيرها من سخافات وأكاذيب احترف الانتهازيون ولا زالوا يحترفون تسويقها لتبرير تحالفاتهم الهزيلة مع أقبح القوى الرجعية من الكومبرادور وشيوخ العشائر وطفيليات المؤسسة الدينية وحملة الألقاب العشائرية أو الدينية أو غيرها من إرث متخلف. وبلغت انتهازية قادة الحزب الشيوعي العراقي حد الدعوة الى حلّ الحزب واذابته في منظمة "الاتحاد الاشتراكي" الرجعية الناصرية في منتصف الستينيات، وأفلت المسؤولون عن تلك الدعوات من أي حساب طبعا.

هذه التعابير والصفات والمصطلحات التحريفية والانتهازية كانت ولا تزال البوابة التي يعقد هؤلاء تحت لوائها تحالفاتهم مع أقذر الفئات والشرائح وأكثرها رجعية، حتى أصبح الشيوعيون يفخرون بقوميتهم أو طائفيتهم ويلفقون أوهاما عن شخصيات ورموز دينية وصفوها بأنها"شيوعية" أو "اشتراكية"، وهم يزعمون كذبا وافتراءً أنهم يخدمون بذلك الحركة الشيوعية وأهداف الفكر الماركسي. وتحت هذه التبريرات والمفاهيم قادوا الحركة العمالية العالمية الى هزيمتها الراهنة التي لم تقتصر على العراق والبلدان المتخلفة الأخرى المشابهة بل وشملت حتى اليسار الأوربي حيث تحولت أكبر الأحزاب الشيوعية الأوربية الى مجرد شراذم تافهة جرفتها موجة اليمين الرجعي التي تحكم الغرب اليوم بكل صفاقة واستهانة وغرور.

وجميع قادة الحركة الشيوعية العراقية تقريبا جاءوا من هذه الطبقة البائسة ولا صلة لهم بالطبقة العاملة الحقيقية الجديرة بحمل راية الثورة الشيوعية وضمان انتصارها. ولهذا فلا مفاجأة في هذا الفشل الرهيب الذي كلل مسيرة 85 عاما بالخيبة والخسران والتضحيات المجانية وتدهور واقع الشعب مقابل سيول من الدماء وعذابات الأمهات الثكالى وأطفال الشهداء.

* * *

في منتصف الخمسينيات أصدرت "شرطة التحقيقات الجنائية" العراقية موسوعة من عدة مجلدات أصبحت مشهورة ويعرفها المناضلون القدماء عنوانها "موسوعة التحقيقات الجنائية" وتضمنت توثيقا لملاحقات الشرطة الملكية للشيوعيين العراقيين وتفاصيل التحقيقات معهم. وفي معرض الحديث عن (مالك سيف) الذي أعقب فهد (يوسف سلمان يوسف) في قيادة الحزب وبتوصية من فهد نفسه، تقول الموسوعة:

(كان أفراد الشرطة يكرهون (مالك سيف) لأنه كان يوقظهم في أنصاف الليالي وهو يضرب على باب الزنزانة ويصرخ: "اعطوني أوراقا أخرى جديدة فقد تذكرت اعترافات جديدة لم أخبركم بها..."، وهكذا كان يفعل كلما تذكر شيئا أو تفاصيل لم يبلغ بها الشرطة.)

وفي الستينيات عاتب بعض الشيوعيين عضو اللجنة المركزية (توفيق أحمد) لائما إياه على سرعة انهياره واعترافه على (هادي هاشم) الذي اعترف بدوره على مخبأ (سلام عادل) وتسبب في اعتقاله وتعذيبه وقتله، فقال (توفيق أحمد):

- لم أك أتوقع أن ينهار (هادي هاشم) ويعترف بهذه السرعة فقد كنا نسميه (البغل) وكنا نراهن على أنه لن يعترف مهما تعرض للتعذيب، لكنه اعترف من الصفعة الأولى وأخذهم الى مخبأ (سلام عادل) ...

وحين اعتقل (عزيز الحاج) في 1969 قال للبعثيين انهم لن يستفيدوا من عرض اعترافاته في التلفزيون ما دام هناك قياديون وكوادر متقدمة أحياء، وأخذهم الى أوكارهم وشهد بنفسه تعذيبهم وقتلهم، فكافأه البعثيون بتعيينه ممثلا للعراق في منظمة اليونسكو التي ظل فيها لسنين طوال.

وباستثناء (مالك سيف) الذي تحول الى عدو صريح وشرس للشيوعية، ففي حالتين من هذه رحّب الحزب الشيوعي العراقي (الأم) بعودة (توفيق أحمد) و(عزيز الحاج) وظل يصفهما بالثوار المناضلين والقادة الشيوعين حتى ان (عبد الخالق حسين) و(زاهد محمد) أقاما ندوة لـ(عزيز الحاج) في لندن في 8 شباط 2002 (لماذا في 8 شباط؟) وقدّماه فيها باسم الحزب الشيوعي العراقي وبكل فخر واعتزاز كقائد شيوعي بارز ومناضل كبير. ولديّ تفاصيل أخرى وشواهد عن هذه الواقعة سأسردها لاحقا إذ اعترضت أنا على تلك الاستضافة المخزية فهاجمتني عصابتهم، وكانت تضم أكثر من 25 من مجرمي الشوارع و"السرسرية"، وكسّروا أسناني، وظل (عبد الخالق حسين) وزمرته يهاجمونني طويلا على صفحات جريدة (القدس العربي) التي يصدرها المرتزق (عبد الباري عطوان) والتي كانت تنطق بلسان البعثيين وتمجدهم وتدافع عنهم، وتواطأ معهم حتى شقيقي الخائن عبد الحسين الهنداوي.

وأمام هذا التاريخ من التواطؤ مع أولئك الذين تسببوا ببعض أفدح النكسات وأعظم الخسائر في تاريخ هذا الحزب ومعاملتهم بكل هذا الترحيب والاحترام، ما قيمة لحظات التوهج النادرة التي يتغنى بها الشيوعيون؟ ان عليهم أن يبكوا دما على إعدام (فهد) و(سلام عادل) بدل التغني ببطولاتهم أثناء تعذيبهم ومناسبات اعدامهم إذ يفترض ان فقدانهم شكّل خسارة أليمة وفاجعة كبرى وليست مناسبات للتغني والابتهاج.

أما مصير شعبنا وحركته الثورية في واقع الحياة اليوم فهي غنية عن أي بيان، وليس عبثا ان بلادنا تحكمها العمائم وبقايا القطاع وشيوخ العشائر والكيانات المتفسخة، هذا في الواجهة طبعا، أما حقيقة الحال فهذه كلها فئات كومبرادورية طفيلية لا تجيد سوى رعاية مصالح الرأسمال الامبريالي وخدمته كوكلاء محليين له مقابل سرقاتهم "الشرعية" وتدمير البنية التحتية والخدمية للبلاد وحرمان وقمع شعوبنا التي لن تتحرر إلا على يد الطبقة العاملة الثورية ومن خلال وحدتها الأممية الحقيقية وحدها. وقبل كل شيء لا بد من التشديد على ان الماركسية ليست "عقيدة" يمكن رشّها ومنحها الشعبية بإيقاد البخور وتلاوة الآيات ومباركة الرموز الدينية الرجعية الوقحة، بل هي علم راسخ لا صلة له بفتاوى وتبجّحات المعممين، وعلى الجميع أن يخلعوا عمائمهم وعمائم من يتبعونهم، أو سيواجهون نفس المصير الأسود في وقت أقرب كثيرا مما يتصورون.

(وثمة تتمة....)

* * *