رسائل الضبع وعواقبها (2) مذكرات شيوعي


محمد يعقوب الهنداوي
الحوار المتمدن - العدد: 6331 - 2019 / 8 / 25 - 06:14
المحور: في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

كانت الرسالة عادية جدا في جزئها الأول حيث التحيات العائلية وعبارات الشوق المستهلكة، لكنه في جزئها الثاني يطلب مني أن أصطحب أمي الى مقرهم الحزبي لأنه يريد رؤيتها.

وكانت التعليمات واضحة جدا: تركبون سيارة من الكراج الى أربيل، وحين تصلونها تسألون عن سيارات (ػلالة). ثم، وبعد عبوركم مناطق (صلاح الدين) و(شقلاوة) و(راوندوز) و(جنديان)، تطلب من السائق أن ينزلكم في قرية (ناو چليكان)، حيث سيكون هو هناك بانتظارنا.

وصلنا قرية (ناو چليكان) قبل غروب الشمس، إذ كان الوقت صيفا وكنا قد انطلقنا من بغداد مبكرا جدا، لكن الطريق كان مرهقا لأمي ولي لأنه استغرق أكثر من اثنتي عشرة ساعة، وهي أطول سفرة في حياتنا. وكنا عطاشى وجياعا حين وصولنا لأننا كنا متوترين طوال الوقت ولم نشأ أن نأكل شيئا أو نسترخي قبل الوصول. وكان هو هناك بالفعل.

قضينا في القرية يومين، ونزلنا في ضيافة أبي جعفر (عرفت بعد سنين ان اسمه "شكر سلمان"، وانه سبق وكان مسؤولا عن قيادة منظمة بغداد العمالية للحزب)، وزوجته (أم چنار) التي كانت المرأة الوحيدة في المكان، وتعيش في كوخ منفرد قرب مجرى النهر نفسه لكن بعيدا عن مكان معيشة الشباب.

كانت شابة جميلة حيوية مضيافة بشوشا ومثالا للتحضر والتهذيب والرقي، وكانت ترعى طفلتين الكبرى في الخامسة والصغرى في الثالثة من العمر هما (چنار) و(بهار) ورضيعا اسمه (جعفر). ومن الواضح ان وجودها في المكان كان نشازا بعض الشيء وفي غير محله، لكن حضورها كان له أثر عظيم على مزاج أمي التي شعرت أنها ضيفة مرحب بها في بيت عائلة طبيعية، واستطاعت أن تستمتع معها بوقتها وأحاديثها بانسجام تام لكنها لم تخبرني أبدا بما دار بينهما سوى أنها أشاعت في نفسها الاطمئنان والثقة.

كانت القرية تتكون من ثلاثة مبان صغيرة وواحد كبير، كلها من الطين والحجارة غير المستوية، وتقع على سفح منحدر تحت مستوى طريق السيارات المعبّد، وتتجه الى نهير ماء صافٍ. وعرفت فيما بعد ان البناية الأكبر كانت تسمى "القاعة" حيث يجلس وينام ويعيش الجميع، وجرى عزل جزء منها ليكون مكانا للطبخ حيث مخزن الحبوب والمواد الغذائية الأخرى يقابله موقد أسود كبير يحوي بقايا رماد دليل الاعتماد على الحطب، وعلى الجدار ثمة بضعة قدور مصفوفة متفاوتة الأحجام، ورفّ تعلوه صحون وأشياء أخرى.

تعيش في القرية مجموعة شباب وكهول مهزولين يتراوح عددهم بين عشرة الى اثني عشر فردا، بملابس رثة قديمة بعضها ممزق وكلها أزياء كردية. بعضهم لم يبلغ العشرين وآخرون بلحى خفيفة. ثلاثة أو أربعة منهم يحملون بنادق كلاشنكوف قديمة. الجميع يدخنون سكائر "لفّ"، ولا تبدو عليهم أية مظاهر اعتداد أو شموخ وقلما ترى أحدهم مبتسما، بعضهم لا يكف عن التفتيش في شعره أو ملابسه عن القمل، وكلما أمسك بواحدة كان "يقصعها" بين أظافره بتعابير وجه مضحكة تجمع بين الاشمئزاز والتشفي. وكان واضحا أنهم لا يمتلكون ما يشغلون به أوقاتهم سوى الإمساك بالقمل و"قصعه"، أو الشرود، ولم ألحظ أن أيا منهم يقرأ أو يحمل كتابا، ولا كانوا حتى يتبادلون الأحاديث الودية فيما بينهم.

سألني أخي (عبد الحسين) عن وضعي الدراسي وعن عملي، فأخبرته أنني أشتغل كعادتي في شارع المتنبي بعد أوقات المدرسة لمساعدة أمي وأننا على ما يرام. وكلما حاولت أن أسأله عن شيء يتعلق به وبظروفه وجدوى بقائه هنا أو بوضع العراق السياسي، كانت يجيبني مكررا جملة وحيدة ظلت ترنّ في أذني سنين طويلة: "الحزب يعرف كل شيء والنصر قريب جدا والنظام زائل".

حين سألته أين هو الحزب فكل ما أراه مجموعة من الشباب الحائر، أشار الى غرفة طينية صغيرة منعزلة قال انها مقر قيادة الرفيق "أبو ليلى" الذي يعرف كل شيء ويفكر لكل شيء ويخطط للثورة. وبعد سنين عرفت ان "أبو ليلى" كان إبراهيم علاوي سكرتير الحزب الذي يعيش في لندن ويزورهم في أوقات متباعدة جدا قد تزيد عن السنتين أحيانا.

وعدا عن (أبي جعفر) و(أم چنار) ورأس الحزب المفكر "أبو ليلى" الذي "يعرف كل شيء ويفكر بكل شيء ويخطط للثورة"، تعرفت أيضا الى كهل رائع ودود اسمه (أبو سميرة) قال انه من أهل بغداد. وبعد سنين عرفت انه الشهيد (خالص عبد المجيد) الذي كان أحد أعضاء المؤتمر الأول لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي.

وسأعرف لاحقا، وبعد فوات الأوان، ان الرفيق "أبو ليلى"، الذي يعرف كل شيء ويفكر لكل شيء ويخطط للثورة، أمر بقتل (أبا جعفر) وتغييب (أم چنار) وأطفالهما، وكان ذلك بسبب خوفه من منافسة (أبي جعفر) لتفرده بالقيادة بحكم خبرته وقوة شخصيته وعلاقاته الممتازة بجميع أفراد المقر، الى جانب اتقانه اللغتين العربية والكردية واحترامه من الجميع حتى بعض سائقي السيارات الذين كانوا يخففون السير لتحيته حين يكون هناك.

كما قام "أبو ليلى" بتسريب معلومات للمخابرات البعثية أدت الى اعتقال واعدام الشهيد (خالص عبد المجيد) أثناء وجوده في السليمانية في مهمة حزبية، الى جانب مجموعة أخرى كانت تطلق على نفسها (جيش التحرير الثوري) منهم الشهيد (عماد هاشم) والشهيد (ظافر النهر) شقيق الشهيد الشيوعي (أياد حسن النهر)، مؤسس (جيش التحرير الثوري)، الذي كان قد قتل في مواجهة مسلحة مع قوات الأمن البعثية في بيت أهله في الكاظمية اثر وشاية من رفيقه الخائن (أياد محمد جواد الأنصاري) الذي أصبح واحدا من المخبرين في قصر النهاية فكان يتجسس على المعتقلين أثناء توزيع الطعام، كما كان يساهم في تعذيبهم بحقد رهيب كلما خرجنا الى المراحيض.

وظل الشاعر الكبير (مظفر النواب)، الذي كان عضوا قياديا في الحزب آنذاك وحضر "الكونفرنس الثالث للقيادة المركزية في 1974 في كردستان، وعشنا معا لبعض الوقت في دمشق في منتصف السبعينيات، يردد في مناسبات عديدة أنه عرف أثناء حضوره "الكونفرنس الثالث"، عن قيام (إبراهيم علاوي) و(فاروق مصطفى رسول) ومناصريهما بإعدام (36) مناضلا شيوعيا آخرين بسبب التشكيك بولائهم المطلق لإبراهيم علاوي وفارق مصطفى رسول، وتم دفن جثامينهم في قبور أصبحت مجهولة الآن.

كان أولئك المناضلون المغدورين شبابا في زهرة العمر ورهافة الحس وتفتح الوعي والقدرة على العطاء، لاحقهم البعثيون بسبب شيوعيتهم فهجروا أمهاتهم وبيوتهم وعوائلهم وكل حياتهم ومستقبلهم، وجاءوا الى مقرات الحزب ليتم ليس قتلهم ظلما فقط بل وتشويه سمعتهم أيضا بأحقر الأساليب وبتهمة الجاسوسية التي كانوا أبرياء منها بشكل مطلق بدليل الأحداث اللاحقة التي كشفت ان (إبراهيم علاوي) وحليفه الأول (فاروق مصطفى رسول)، الذي تولى (قيادة إقليم كردستان) بعد مقتل "أبي جعفر" كانوا على صلة وثيقة بالمخابرات البعثية، كما سيرد ذلك لاحقاً مفصلا، أما السبب الحقيقي لقتل أولئك الشهداء المناضلين الشباب الأبرياء.

وقبل عودتنا، أمي وأنا، الى بغداد أخذنا شقيقي (عبد الحسين) الى (ػلالة) حيث كراج سيارات أربيل، وقام بفتح باب دكان صغير قال انه (مكتبة الحزب)، وأرانا بعض الكتب والمنشورات التي يبيعونها هناك. وقبل أن يأخذنا الى كراج السيارات أخرج لنا حقيبة سوداء جلدية متوسطة الحجم (أكبر قليلا من حقيبة رياضية) كان واضحا أنها محشوة بالمنشورات الورقية والكتب بحكم صلابتها وتكوينها المكعب، وقال ان علينا أن نأخذها معنا الى بغداد لنسلمها للرفيق منصور. وقبل أن أسأله أي شيء ظهر الرفيق منصور (سعدي الحديثي) وقال أنه سيسبقنا الى بغداد وسيأخذ مني الحقيبة عند باب سينما الفردوس في ساحة النهضة بشارع الكفاح، وكان واثقا من نفسه ومطمئنا تماما.

* * *


وتكرر الحدث نفسه بعد ستة أشهر تقريبا، لكن دون رسالة مكتوبة هذه المرة. فبينما كنت أغادر مدرستي (إعدادية النضال)، في شارع الجمهورية مقابل ساحة الخلاني، مع زملائي الطلبة ناداني شخص من الخلف بإسمي الحقيقي (محمد) بصوت مكتوم، وكان (سالم) الذي سبق وقدمه لي الرفيق (منصور) من قبل كعضو في خليتنا.

وأخذني (سالم) لنتمشى بعيدا عن المدرسة وليخبرني ان عليّ الذهاب الى المقر في (ناو چليكان) مرة أخرى، وان عليّ أن أصطحب أمي أيضاً لأن شقيقي (عبد الحسين) يريد أن يراها. وقال ان عليّ أن أستغل عطلة العيد لأجل ذلك. كان ذلك بتاريخ 16 تشرين الثاني وصادف قبل عيد الأضحى بيومين أو ثلاثة.

أخبرت أمي بالأمر فقامت بإعداد بعض الأطعمة واستعدت للأمر. كان الوقت شتاءً والطقس قارس البرودة وتأخرت السيارة في الكراج كثيرا بانتظار اكتمال عدد المسافرين. وقبيل الظهر انطلقنا نحو أربيل فوصلناها عصرا.

ركبنا سيارات (ػلالة) وما ان بلغنا سيطرة التفتيش في منطقة (حرير) حتى اوقفتنا سيطرة أمنية للتفتيش وأنزلونا من السيارة وقالوا انهم يعرفون الى أين نحن ذاهبون فلا داعي للكذب والمراوغة، وأسقط في أيدينا، فقد كانت الأكذوبة الوحيدة التي استطعنا تلفيقها هي أننا ذاهبون لزيارة خالتي التي تعيش في (ػلالة) لمناسبة العيد.

أخذونا بسياراتهم الى دائرة (أمن أربيل) حيث خضعنا لتفتيش متكرر ودقيق بشوا خلاله كل جزء من الطعام الذي معنا ناهيكم عن ملابسنا وأجسادنا، ثم أركبونا في سيارة (بيك آب) مكشوفة حيث أجلسوا أمي في المقدمة بين السائق وضابط أمن، وجلست أنا وشخص آخر كان معتقلا أيضا في صندوق السيارة المكشوف شبه عراة بعدما أوثقوا أيدينا بالحبال، وكان معنا أيضا ضابطا أمن مسلحين بالبنادق ومتدثران بالبطانيات. وسارت السيارة الى بغداد عبر طريق الموصل ووصلنا (مديرية أمن بغداد) في حوالي الثانية صباحا.

ما ان توقفت السيارة في باب مديرية الأمن العامة ببغداد حتى بادرني شخص بترحيب ساخر مع صفعة ساخنة قائلا (أهلا وسهلا بشقيق الرفيق عبد الحسين الهنداوي). وعرفت لاحقا ان هذا كان داود الدرّة أحد أقرب وأشرس مساعدي الجلاد (ناظم ػزار) مدير الأمن العام، وانه أعدم معه عام 1973.

بقينا في الموقف العام لمديرية أمن بغداد ثلاثة أيام هي فترة العيد، بدأت بعدها التحقيقات وجلسات التعذيب "الترحيبية". وأمر رئيس الجلادين داود الدرّة بأن تقاد أمي الى سجن النساء في الزعفرانية، وأحال أنا الى قصر النهاية ليتولى ناظم كزار وطواقمه التحقيق معي هناك.

كنا وقوفا قرب نافورة صغيرة وجلست أمي على حافتها بسبب الإرهاق الواضح على وجهها وكل جسدها، نظرت اليها في ضوء القمر الشاحب وكلانا يهجس أن ذلك كان لقاءنا الأخير...

بدا وجهها برونزيا منحوتا من صلابة ونور وحب وكأنها إلهة بكبريائها وشموخها وتنظر لي نظرة أم ترى ولدها للمرة الأخيرة وهي تشيعه الى المجهول وقد لا تراه بعدها أبدا، ومانت عيناها تبتسمان بعزيمة وصبر.

وحين التقينا بعد إطلاق سراحنا نحن الاثنين قلت لها: أذهلتني صلابة وجهك وروعته وإشعاعه بالتحدي والبطولة.

قالت بابتسامة فخور: أنا أمك يا محمد.


* * *

(وثمة تتمة.....)