تأسيس عصبة التحرر الوطني في فلسطين وخطواتها الأولى


ابراهيم حجازين
الحوار المتمدن - العدد: 3050 - 2010 / 7 / 1 - 00:01
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

مقدمة- كنت في مقالات ودراسات عدة سابقة نشرت في الحوار المتمدن، قد ناقشت بخطوط عامة التغيرات الاقتصادية – الاجتماعية التي جرت وحفرت عميقا في أوضاع فلسطين، تحت تأثير تطبيق المشروع الاستعماري البريطاني والاستيطاني الصهيوني، والتطور الذي أصاب المجتمع الفلسطيني وغير ببطء لكن بثبات في بنيته الاجتماعية، كما جرى توضيح دور الحركة الوطنية الفلسطينية وقياداتها التقليدية وارتباطاتها بحكم موقعها الطبقي مع الاستعمار والقوي الدولية وخضوعها للحكومات العربية والتي بدورها كانت تحت سيطرة النفوذ الاستعماري الغربي. كما تم توضيح موقع ودور الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي كانت بدايته في أوساط التجمع اليهودي الاستيطاني الذي أنشأته الحركة الصهيونية. في هذا الجزء أتقدم خطوة للأمام لدراسة عملية تأسيس عصبة التحرر الوطني في فلسطين وكيف تطور موقفها من المتغيرات السياسية التي طرأت على القضية الوطنية للشعب الفلسطيني علنا اليوم نستفيد من تلك الدروس القاسية التي مرت على بلادنا وتكاد تتكرر نتائجها بنكبات جديدة نرى مقدماتها اليوم في ظل متغير دولي جذري لم يدخل بعد في حساباتنا تماما كما حدث بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، وإذا كأن في ذلك الوقت عذرا للقيادات في ضعفها وأميتها السياسية، فاليوم لن يكون هناك عذرا لأحد بعد تلك التجارب المريرة التي مر بها الشعب الفلسطيني بشكل خاص والشعوب العربية بشكل عام.
أدى التطور الحاصل في فلسطين في الثلاثينات وبداية الأربعينات من القرن الماضي وخاصة في الجانب الاقتصادي، إلى إنضاج ظروف لتشكيل قوى اجتماعية جديدة إلى جانب تلك الملازمة للعلاقات الاجتماعية التقليدية التي كانت سائدة في المجتمع الفلسطيني، التغيرات التي جرت عمقت من المحتوى الاجتماعي للنضال القومي التحرري للشعب العربي الفلسطيني، والتي أضافت عناصر جديدة للعلاقة بين القومي والاجتماعي للنضال القومي التحرري وللعلاقة بين المجتمع العربي مع اليشوف "التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين"
لم تكن القوى والأحزاب التقليدية في المجتمع العربي الفلسطيني في موقع ولم يكن يملك القوة أن بصيغ برنامجا يأخذ بالاعتبار التغيرات التي حدثت في البلاد بحكم قصوره الفكري والسياسي وتكوينه الاجتماعي، كذلك الأمر لكن لأسباب أخرى بالنسبة للحزب الشيوعي الفلسطيني.
الحزب الشيوعي الفلسطيني تصادم مع معيقات ذات طابع موضوعي وذاتي، بعضها له ارتباط بالعلاقات التقليدية السائدة في المجتمع العربي وبسبب ارتباط بداياته بالتجمع الاستيطاني الصهيوني لم يكن في وضع يؤهله لوضع برنامج تحرري فلسطيني، ومن هنا كأن صعبا على الحزب أن ينفد ويوسع صفوفه ونفوذه بين العرب الفلسطينيين بالرغم من أنه كأن على رأس الحزب أمين عام عربي وهو المناضل رضوان الحلو وكأن الرأي السائد بين العرب أن الحزب الشيوعي الفلسطيني هو حزي يهودي (مقابلة مع رضوان الحلو منشورة بمناسبة 10 سنوات على وفاته، مجلة النهج، العدد 10، 1985 ص: 275-279).
مع تلك المعيقات استطاع الحزب ببطء أن يوسع من تأثيره بين الجماهير العربية. وقد لعبت عدة عوامل في هذا الاتجاه. بعض الطلاب من الذين درسوا في أوروبا بنوا علاقات مع الأحزاب الشيوعية الأوروبية الغربية ومع عودتهم انخرطوا في الحزب الشيوعي الفلسطيني، آخرين تأثروا بشدة ببعض الشيوعيين العرب المعروفين خاصة من لبنان والذين كانوا لاجئين في فلسطين مثل رئيف خوري وسليم خياطة وآخرين غيرهم. وخلال ثورة 1936-1939 وبفضل سياسته الجديدة ظهرت ظروف جديدة مناسبة لعمل الحزب في الصفوف العربية. وهكذا بدأت تتشكل منظمات عربية مثل جمعية الطلبة العرب في القدس عام 1937 وكأن للشيوعي اللبناني المعلم رئيف خوري والناشط الشيوعي عبد الله ألبندك دورا هاما في تأسيس هذه المنظمة ( مقابلة عبد الله ألبندك، مجلة الكاتب، العدد74، القدس، 1986). وأصدرت الجمعية مجلة الغد، وفي فترة قصيرة وسعت الجمعية تأثيرها بين صفوف الطلاب العرب في مدن فلسطين الأخرى وبنت فروع لها في يافا وحيفا مما تطلب إعادة تنظيمها وخلال عام 1938 جرى تسميتها رابطة الطلاب العرب وفي دلالة على توسع تأثير هذه الرابطة بين صفوف المثقفين إلى جانب الطلاب أعلنت مجلة الغد عام 1941 أن رابطة الطلاب العرب تحولت إلى رابطة المثقفين العرب.
يتذكر توفيق طوبي وهو من أعضاء الحزب الشيوعي الفلسطيني ولاحقا عضوا قياديا في عصبة التحرر الوطني الفلسطيني: لقد تعرفنا على العالم هكذا كما كأن يراه رئيف خوري دون أن نعرف توجهاتها الفكرية وانتمائه السياسي وقد عرفنا على عبد الله ألبندك وأسسنا جمعية الطلاب. واحد من بين نشطاء الجمعية كأن أميل توما الذي مثل الطلاب العرب في المؤتمر الدولي المنعقد في باريس عام 1937، وبشير توفيق طوبي أنهم لم يكونوا يعرفوا شيئا عن الحزب الشيوعي.
رابطة الطلاب ولاحقا رابطة المثقفين العرب و مجلة الغد لعبوا دورا كبيرا في نشر الفكر التقدمي والديمقراطي في المجتمع العربي الفلسطيني وعملوا على ربط نضال الطلاب والمثقفين العرب في فلسطين مع نضال الحركة الديمقراطية العالمية. وهكذا بدأ يتشكل رافد مهم في الحركة القومية العربية في فلسطين أعضائه وأنصاره ليسوا مرتبطين بالقيادة التقليدية للحركة القومية الفلسطينية وبالرغم من أنهم ليسوا أعضاء في الحزب الشيوعي الفلسطيني، إلا أنهم كانوا تحت التأثير النامي للأفكار الشيوعية وسبب هذه المفارقة أن الحزب الشيوعي الفلسطيني كأن يعيش في أزمة سياسية وتنظيمية عميقة.
لعب الصراع بين الأمين العام للحزب رضوان الحلو والعائد من موسكو بعد انتهاء دراسته هناك بولص فرح دورا في ظهور تيار فكري تقدمي عربي خارج صفوف الحزب، فحسب رأي عبد الله ألبندك كأن بولص فرح يطمح لمنصب الأمين العام ولهذا السبب تجمدت عضويته في الحزب في الفترة 1939-1940 ومن هنا بدأ فرح نشاط مستقل مع آخرين من بينهم إميل توما وفي عام 1942 أسسوا في حيفا نادي شعاع الأمل. واستطاع بولص فرح أن يقيم علاقات بين النادي ورابطة المثقفين العرب. ويمكن القول أن هذا النادي أصبح واحدا من مراكز الحياة السياسية، فقد وسع النادي من نشاطه بتأسيس فروع لرابطة المثقفين كما أبدى اهتماما بالعمل والنشاط الدعائي بين صفوف العمال.في ردة فعل من قبل الحزب الشيوعي لنشاط نادي شعاع الأمل قام بتأسيس نادي الشعب في حيفا لكن نشاطه كأن اضعف من أن يجذب إليه عضوية كبيرة. ويمكن أن كل ذلك يفسر ازدياد النشاط السياسي لفئات فلسطينية جديدة كانت خارج تأثير القيادات التقليدية للحركة الفلسطينية وقريبة من الفكر الديمقراطي والتقدمي.
خلال سنوات الحرب العالمية الثانية في ظروف نهوض الحركة الجماهيرية وخاصة العمالية استطاع نادي شعاع الأمل أن يؤسس اتحاد النقابات وجمعيات العمال العرب كمنظمة نقابية خارج اطر الحركة النقابية التقليدية في فلسطين وبحسب رأي النادي أنه من الضروري أن يتم تشكيل نقابة مستقلة للعمال لأن النقابات القديمة تقف مواقف إصلاحية وسياستها معتدلة ولا توافق مصالح العمال.
في الوقت نفسه كأن نادي الشعب المرتبط مع الحزب يقود سياسة كليا مختلفة في صفوف العمال، فهو من أنصار العمل والنشاط داخل النقابات القديمة لذا عمل بنشاط من اجل إعادة تنشيط جمعية العمال العرب، ولهذا تعاون الشيوعيون العرب مع سامي طه رئيس الجمعية في حيفا، وفي فترة قصيرة توسعت الجمعية في مدن أخرى.
كانت العلاقات بين اتحاد العمل وجمعية العمال متوترة مما أدى إلى صراع بين الأعضاء الشيوعيين ومجموعة حيفا-نادي شعاع الأمل ومنذ تلك اللحظة لعب الانشقاق في صفوف الحركة النقابية الفلسطينية دوره السلبي في الحركة العمالية الفلسطينية.
بالإضافة إلى الظواهر الجديدة في الحياة السياسية مثل إحياء الحركة النقابية وتشكيل نقابات وأندية جديدة وظهور حياة سياسية نشطة للمثقفين العرب في فلسطين. نشأت في مدن فلسطينية عديدة حلقات ماركسية. هذه العملية تطورت بفضل التغيرات في فلسطين والمنطقة والعالم وخاصة بعد الهجوم النازي على الاتحاد السوفيتي، وانتشرت الحلقات والمجموعات الماركسية في حيفا والناصرة ويافا وغزة والقدس وبيت لحم وبيت جالا وكما يقول المرحوم منعم جرجورة أن العلاقة بين هذه المجموعات والحزب الشيوعي الفلسطيني كانت تتمثل بأن معظم أعضاءها كانوا سابقا أعضاء في الحزب.
بعد انشقاق الحزب الشيوعي الفلسطيني على أساس قومي عام 1943 وقعت الحركة الشيوعية في أزمة داخلية عميقة. لكن بالتوازي مع هذا انتشرت الأفكار الماركسية في صفوف العمال والمثقفين والتعبير عن ذلك كأن انتشار الحلقات والمجموعات الماركسية في البلاد، ومن الواضح أن تلك المجموعات قد تلمست تأثيرها المتزايد بين السكان، لذا نراهم قد عملوا على تشكيل منظمة شيوعية تضم الشيوعيين العرب حتى قبل الانشقاق في صفوف الحزب الشيوعي.ويمكن ملاحظة أن عملية تشكيل منظمات وحلقات ماركسية تقوت بعد انتصار الجيش الأحمر في معركة ستالينغراد. ويؤكد منعم جرجورة في رسالة للباحث عام 1989 أن الماركسيين الجدد في عضوية هذه الحلقات كانوا أكثر عددا من الشيوعيين المعروفين.
تكشف هذه الأوضاع أنه في فلسطين تشكلت ظروفا مناسبة لتأسيس منظمة جديدة ذات قواعد واسعة في صفوف العمال والمثقفين خارج الأطر التنظيمية المعروفة للحزب الشيوعي الفلسطيني، لكن في تلك الظروف لم يكن بوارد القوى الماركسية الجديدة أن يتجاوزوا حقيقة أن أعضاء الحزب الشيوعي من العرب أيضا يجب أن يجدوا مكانا لهم في المنظمة المزمع تأسيسها.
بعد انشقاق الحزب الشيوعي الفلسطيني وضعف الجزء العربي من الحزب بشكل واضح زار كل من عبد الله ألبندك وإميل حبيبي من أعضاء الحزب دمشق وبيروت للتشاور مع القادة الشيوعيين المعروفين للحزب الشيوعي السوري خالد بكداش وفرج الله الحلو، وهنا لا بد من الإشارة أن علاقات الحزب الشيوعي السوري لم تكن مقتصرة على أعضاء الحزب الشيوعي بل وكانت قائمة أيضا مع مجموعة حيفا. كأن رأي بكداش أنه على الشيوعيين العرب أن ينفصلوا عن الشيوعيين اليهود وأن يعملوا على تأسيس منظمة يسارية، بينما كأن رأي الحلو المحافظة على الطابع الأممي للحزب. في ظل تلك الظروف المعقدة حيث وصل الصراع في فلسطين إلى أوجه ساد الرأي القائل بضرورة تأسيس منظمة عربية جديدة تضم كافة المعنيين بالوضع القائم.
أن تحليل العملية التي أدت إلى تشكيل عصبة التحرر يكشف أنه عندما حصل الانشقاق في الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1943، في المجتمع العربي الفلسطيني تشكل تيار قومي ديمقراطي واسع. وكنتيجة لمبادرات عديدة تكرست النزعة لتنظيم وتوحيد كل قوى هذا التيار. وهكذا من بين صفوف الشيوعيين العرب وقادة المنظمات النقابية والجمعيات العمالية وأعضاء المجموعات والحلقات الماركسية وقادة رابطة المثقفين العرب في حيفا انبثقت عصبة التحرر الوطني في فلسطين.
تاريخ محدد واضح لانطلاقة العصبة لا يوجد. في الوثائق الرسمية للحزب الشيوعي الأردني الذي يعتبر وريث للعصبة يجري الحديث أن العصبة تأسست في نهاية أيلول عام 1943، ومعتمدا كما يبدو على نفس المصدر يشير المؤرخ والباحث ماهر الشريف أن العصبة تشكلت في بداية خريف 1943 لكنه يستدرك حقيقة أن العصبة قد أصدرت نشرتها الأولى الذي تضم برنامجها عدة أشهر بعد ذلك التاريخ أي عام 1944. مؤرخين آخرين كموسى البديري وسميح سماره يؤكدون على عام 1944، بينما منعم جرجورة أحد مؤسسي العصبة يقول في رسالته المشار إليها أن العصبة تأسست رسميا عام 1945، عندما عقدت مؤتمرها الأول، وحسب رأي جرجورة أن التواريخ المذكورة 1943 و1944 مرتبطة بالنشاطات التي سبقت تأسيسها. يؤكد ذلك أيضا المشارك النشط في الحركة الشيوعية زاهي كركبي الذي يشير أن تأسيس العصبة مر بمرحلة إعداد تطلبت فترة زمنية ليست بالقصيرة، لكنها أعلنت رسميا عام 1945.
لم يتم العثور على أي من الوثائق التي تشير لتأسيس العصبة عام 1943، لكن لا بد أن نشير انه في هذا العام كانت الحوارات لتأسيس منظمة عربية في بداياتها خاصة وان الأزمة في الحزب الشيوعي كانت في أوجها، لهذا اعتقد أن عام 1943 لا يمكن اعتباره عام تأسيس العصبة.
من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار أن نشأة العصبة كان نتيجة توجه مجموعات وحلقات ماركسية وديمقراطية عديدة لتشكيل منظمة عربية جديدة. وساعد في هذه العملية التاريخية تواجد حركة ونشاط جماهيري واسع. فجاء تشكيل العصبة كمنظمة ذات عضوية متنوعة، وهذا عكس نفسه على طابع العصبة عند تأسيسها.
في نهاية عام 1943 عندما وصلت المنظمات الماركسية وخاصة تلك من حيفا إلى اتفاق مع أعضاء الحزب الشيوعي السابقين فتقدموا بطلب لحاكم المدينة لتسجيل الحزب الجديد عصبة التحرر الوطني في فلسطين كما يشير إلى ذلك الحدث عبد الله ألبندك.
وفي 1شباط 1944 أصدرت العصبة نشرتها الأولى، احتوت النشرة على بيان عام ووثائقها الأساسية- الميثاق الوطني والنظام الداخلي. وأعلنت اختيار موسى الدجاني كرئيس لها وإميل توما أمينا عاما.
يتبع



تعليقات الفيسبوك