دروس من تاريخ القضية الفلسطينية (الحلقة الأولى)


ابراهيم حجازين
الحوار المتمدن - العدد: 3011 - 2010 / 5 / 21 - 15:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

تقدم المشروع الصهيوني في فلسطين في الثلاثينات من القرن الماضي
كانت سنوات الثلاثينات مرحلة تغيرات جديدة في الواقع الفلسطيني.فقد نشأت ظروف عالمية ملائمة للسير قدما في تحقيق المشروع الصهيوني:الأزمة الاقتصادية العالمية ووصول النازيون للحكم في ألمانيا وسياساتهم العنصرية والإرهابية ضد شعوب القارة الأوروبية بما فيها الشعب الألماني نفسه وضد اليهود أيضا، مما ساعد الحركة الصهيونية على رفع وتيرة دعايتها بين الجماعات العبرية في أوروبا وخاصة في ألمانيا من أجل تشجيع هجرتهم إلى فلسطين. وهكذا منذ عام 1932 إلى عام 1935 هاجر إلى فلسطين حوالي 140ألف شخص مما رفع نسبة المهاجرين اليهود بين سكان البلاد إلى 29,6% . هذه التغيرات الديمغرافية لعبت دورا هاما في تحقيق السياسة الصهيونية المرتبطة بعبرنة العمل والسيطرة على الإنتاج وعلى الأراضي خاصة الزراعية منها.وأصبح التجمع العبري في فلسطين يشعر بثقته بنفسه وزادت من التفافه حول الحركة الصهيونية التي لم تكن تحوز في البداية بثقة التجمعات اليهودية في أوروبا.
القيادة الصهيونية كانت تدير هذه التوجهات وتحاول السيطرة عليها واهتمت بشكل خاص بتهجير الأغنياء من العبريين، لهذا في سنوات هذه المرحلة كان 11% من المهاجرين الجدد يملكون أكثر من 31مليون جنيه فلسطيني ومعظم هؤلاء قدموا من ألمانيا النازية ممن جرى تهجيرهم مع أموالهم من هناك.هذه الإمكانيات المالية الضخمة في مقياس ذلك الزمان ساعدت في توسيع ملكية الصهاينة للأراضي الفلسطينية.بينما في القطاع الصناعي كانت الاستثمارات الرأسمالية تتعدى 5090000جنيه 86,2% منها عبرية.
هذه التغيرات الاقتصادية كان لها الأثر في تعميق قواعد المشروع الصهيوني وفي صياغة المواقف الفكرية والسياسية داخل التجمع العبري في فلسطين، وساعدت في خلق الوهم بين الأفراد الذين كانوا يملكون تجربة عمل سياسي في صفوف الأحزاب الأوروبية وخاصة العمالية أن هذا التجمع أصبح يتحول حقيقة إلى مجتمع قومي خاصة وان الصراع بين الاتجاهات الاشتراكية والإصلاحية التي كانت سائدة في أوروبا قد انتقلت مع الهاجرين إلى فلسطين، الأمر الذي ساعد في تضليل الكثيرين من داخل هذا التجمع وخارجه، مما زرع الوهم أن الصراع القائم بين حزب "ماباي" بقيادة "بن غوريون" وحزب الإصلاحيين بقيادة "جابوتنسكي" اليميني هو شكل من أشكال الصراع الطبقي بين الطبقة العاملة وبين البرجوازية، لكن فات الجميع أن الصراع بين الحزبين كان على التكتيك ولم يمس المبادئ والمخططات الصهيونية بأي شكل من الأشكال.بالرغم من أن حزب جابوتنسكي قد شكل مجموعات خاصة لقمع العمال المضربين في المصانع والمؤسسات العبرية بهدف منع وإزالة أية عراقيل قد تعيق تحقيق مشروع الإجماع الصهيوني.في تلك الفترة نشط بين صفوف العمال والفلاحين العبريين الحزب الشيوعي الفلسطيني وكما تشير أدبيات تلك المرحلة انه قام بمحاولات لتوحيد نضال العرب والعبريين لتحقيق مطالبهم المعيشية.
التغيرات الديمغرافية والاقتصادية في فلسطين لم تكن تناسب مصالح الشعب الفلسطيني بتاتا لأنه كان يدفع على كافة الأصعدة ضريبة تنفيذ المشروع الصهيوني في إقامة دوله خاصة بالعبريين في بلاده فلسطين. ومن هنا انبثقت أسباب رفض هذا المخطط وانبثقت أيضا مبررات الصراع ضده.إن النجاحات التي تم تحقيقها من جانب الحركة الصهيونية مست بشكل مباشر الوضع الاجتماعي والمعيشي لكافة شرائح المجتمع العربي الفلسطيني.فكل مكسب تحققه الصهاينة كان يتم على حساب الفلسطينيين من فلاحين وملاكين صغار وموظفين وتجار وعمال.
وهكذا فمع اتساع ملكية الأراضي من جانب المنظمات الصهيونية كان يجري طرد وتجريد الفلاحين الفلسطينيين من أراضيهم.ففي عام 1933 بالقوة جرى طرد حوالي 1550 عائلة من الفلاحين ، وفي هذه العملية الوحشية شاركت قوات الاحتلال الإنجليزي ومجموعات مسلحة صهيونية.
نفس النتائج تحققت بتطبيق شعار "العمل العبري"فارتفع عدد العاطلين عن العمل بين العرب.ومثالا على ذلك أن نسبة العاطلين عن العمل في مدينة يافا وصلت 31,1% وبالتوازي ساءت أوضاع التجار العرب . وبمقارنة عامة كانت الفروق بين أجرة العمال العرب والمهاجرين اليهود تتراوح بين 145%-433%
البرجوازية العربية في فلسطين كانت أيضا غير قادرة على منافسة البرجوازية اليهودية المدعومة من سلطات الانتداب البريطانية ، وتشير اللجنة الملكية البريطانية للتحقيق في أسباب ثورة 1936 أن الضرائب المفروضة على استيراد المهاجرين اليهود من مواد خام وآلات تساعد الصناعة اليهودية ، بينما كانت الضرائب المفروضة على الصناعيين العرب أعلى حوالي 11%في بداية الانتداب وارتفعت إلى 26% خلال عام 1935 .كل ذلك يشير أن السلطات الإنجليزية كانت تعمل بكل ما تستطيع لكي تمنع نمو وتطور المبادرات الخاصة الفلسطينية والرأسمال الفلسطيني ، وهذا أدى بالبرجوازية الفلسطينية لمعاداة الانتداب والصهيونية.
أما بالنسبة للفئات المتوسطة من سكان المدن فكانوا يواجهون صعوبات إضافية جراء سياسة الانتداب.الذي منع الأطباء والمحامين والمهندسين وغيرهم من أصحاب المهن أن يعملوا في دوائر الحكومة، المر الذي وضعهم من الناحية الاقتصادية ضد المشروع الإمبريالي الصهيوني.
تأثرت الأوضاع السياسية بهذه التغيرات في البلاد، فتغيرت صورة القوى السياسية الفلسطينية تبعا لذلك.فإذا كانت الحركة الوطنية الفلسطينية خلال سنوات العشرينات تتخذ شكل المؤتمرات الوطنية، فإنها خلال سنوات الثلاثينات عملت كأحزاب سياسية.لكن هذه الأحزاب لم تخرج من دائرة تأثير القيادة التقليدية الراسخة في المجتمع الفلسطيني. ومع ذلك تعتبر خطوة متقدمة مقارنة مع الفترة السابقة بسبب التطور الذي جرى على المجتمع الفلسطيني، حيث أصبحت الطبقات والفئات المختلفة التي بدأت تتبلور في سنوات الثلاثينات تبحث عن تمثيلها السياسي.فتأسس حزب الاستقلال الذي عبر عن فئات برجوازية حديثة التشكيل لكنها ضعيفة البنية فانهار الحزب بعد عامين،لكن أهميته تكمن في انه وجه النضال ضد المصدر الأساسي لكل الشرور التي أصابت فلسطين وهو الاستعمار البريطاني.
بعد ذلك بدأت القوى التقليدية نفسها تشكل أحزابها بعد أن كانت مكتفية بالشكل القديم، فظهر "حزب الدفاع" الذي مثل عائلة النشاشيبي وبعد ذلك ظهر "الحزب العربي"الذي شكلته عائلة الحسيني والتي استمد قوته من المفتي الحج أمين الحسيني. ثم بعد ذلك جرى تشكيل حزب الإصلاح وظهرت أيضا أحزاب أخرى ذات تأثير أضعف، ومع أن هذه الأحزاب جميعها لم تختلف سياسيا عن القيادة التقليدية، إلا أن تشكيلها كان خطوة للأمام.
التطورات في فلسطين خلال الثلاثينات قادت إلى تغيير في بنية المجتمع العربي ، الذي تعمق توجهه لنضال أكثر حسما ضد الاستعمار والصهيونية.ففي عام 1933 حدثت انتفاضة ضخمة، ودعت القيادة الوطنية الجماهير للنضال احتجاجا على سياسة الحكومة الإنجليزية التي فتحت الأبواب للهجرة اليهودية، وسهلت انتقال الأراضي العربية لأيدي اليهود . القيادة دعت الجماهير للتظاهر،بينما في القرى تحولت الأوضاع إلى انتفاضة استمرت ستة أشهر.
تم قمع الانتفاضة بالقوة، وبالرغم من ذلك فإن الأسباب التي أدت إليها لم تختفي بالعكس بل استمرت بالتعمق، وهكذا في عام 1936 جرت اضطرابات جديدة .وطالبت الجماهير القيادات السياسية بتغيرات جذرية في الأوضاع. واستجابت قيادات الأحزاب فوقعت بيان مشترك تضمن المطالبة بتشكيل حكومة ديمقراطية ومنع بيع الأراضي ووقف الهجرة إلى فلسطين.
كانت الظروف الموضوعية للنهوض الثوري للحركة الشعبية ملائمة فاضطرت القيادات الفلسطينية لسماع صوت الشعب، في هذه المرحلة تلاحظ ظاهرة جديدة فرضت بصمتها على انتفاضة 1936 وارتبطت هذه الظاهرة باسم الشيخ عز الدين القسام، الذي عمل في أوساط أكثر الفئات الاجتماعية فقرا في فلسطين. ومن إيجابياته انه وجه النضال بشكل رئيس ضد الاستعمار الإنجليزي واستخدم الكفاح المسلح ضده. وفي إحدى المعارك التي جرت عام 1935سقط القسام بأيدي القوات البريطانية، وتحول تشيعه إلى احتجاج شعبي ضد السلطات البريطانية.
في تلك الظروف وضح أن الأمور تسير نحو الانفجار، في المناطق العربية المجاورة مثل مصر والعراق وسوريا انفجرت انتفاضات ونفذت انقلابات معادية للاستعمار وكان لذلك تأثيرا في فلسطين حيث كانت الأوضاع متوترة للغاية. أحست السلطات الانتدابية بخطورة الوضع فحاولت المناورة واقترحت تأسيس مجلس تشريعي، لكن البرلمان البريطاني رفض الاقتراح فأصبح واضحا للرأي العام إلى جانب من تقف لندن.
بعد الهجوم الفاشي الإيطالي ضد الحبشة أصبحت الأوضاع المعيشية أسوأ بكثير في المنطقة بعد أن خفضت بريطانيا من نفقاتها ومساعداتها المالية مما أثر على النشاط التجاري وارتفعت البطالة خاصة بين الجماهير العربية. وهكذا نضجت العوامل لثورة 1936-1939 الفلسطينية الكبرى التي شكلت مثالا واضحا لفشل القيادات الوطنية في التصدي لمهماتها في ظل استعداد الشعب الكامل للنضال والتضحية والعطاء.





تعليقات الفيسبوك