أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - منطق القوة وكوابح المغامرة















المزيد.....

منطق القوة وكوابح المغامرة


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 14:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حينما نخلص إلى استنتاج مفاده أن الحرب على إيران قد وضعت أوزارها، فإننا لا ندعي في ذلك امتلاك مجهر خارق يستشرف المستقبل، ولا نزعم عبقرية متفردة في قراءة الغيب، إنما هو استناد منهجي رصين إلى حزمة من المؤشرات التقنية الصادرة عن كبرى مراكز البحوث الاستراتيجية العالمية، والمنبثقة عن تقييمات شخصيات خبيرة تفهم جيدا منطق الحروب وقواعدها الحاكمة. وللأسف، يدفع الكسل الفكري البعض إلى استسهال اتهام الناس بالرهان على الحزب الديمقراطي الأمريكي، أو الرهان على شخصية صهيونية أخرى تخلف نتنياهو، في حين أن جوهر النقاش لا يدور مطلقا حول سؤال "أيهما أفضل؟"، فكلهم سيئون ومحتلون ومجرمو حرب، وإنما يدور بدقة حول: "هل لهذا السبء أو ذاك فرصة متاحة وموضوعية لشن الحرب وتنفيذ مشروعه، أم لا؟". ل

قد تجاوز الواقع السياسي تماما مسألة "الصلاحيات" الدستورية أو القانونية التي يتمتع بها ترامب أو نتنياهو لأخذ قرار الحرب، ليصطدم بموجة شعبية عارمة رافضة للحرب بسبب عدم القدرة على تحمل كلفها الاقتصادية والعسكرية الباهظة. وتتفق المؤشرات اليوم على عجز بنيوي تعاني منه الولايات المتحدة وإسرائيل على استئناف العدوان، بسبب حجم الأضرار العسكرية واللوجستية الشديدة التي لحقت بالولايات المتحدة وإسرائيل، لا سيما النقص المؤقت والحاد في منظومات صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية. وفي المقابل، أثبتت إيران قدرتها العالية على مواصلة المواجهة، مستندة إلى استقرار داخلي فرضته سياسة التكيّف والتعويل على الذات عبر خمسين عاما من الحصار. وهو ما جعل اقتصادها أقل ارتباطًا بمنظومة العولمة، وبالتالي أكثر مناعة في تحمل الضغوط الاقتصادية المباشرة.

كان محرك العدوان على إيران في بدايته متمحورا حول سوق الطاقة، غير أن المشهد تعقد مؤخرا بدخول أسواق الأسهم والقطاعات التكنولوجية الحساسة على خط الأزمة. فالنمو في قطاع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الفائقة يرتبط بأسعار الطاقة، ويرتبط بأسعار الفائدة وحجم الدين العام. ذلك أن الشركات الضخمة المستثمرة في التقنيات الناشئة تعتمد التمويل القائم على القروض الائتمانية البنكية لإدارة مشاريعها طويلة المدى، والتي تتطلب فترات حضانة تمتد لسنوات قبل تحقيق عوائد فعلية. هذا الائتمان يتأثر سلبا بارتفاع أسعار الفائدة المدفوع جزئيا بكلفة النفط، ويتأثر بأكثر حٍدّة بالدين الهائل الذي يثقل كاهل الخزينة الأمريكية والذي تجاوز عتبة 36 تريليون دولار دون وجود علاج في الأفق في ظل هيمنة قوى السوق الحرة. بمعنى أن فوائد هذا الدين وحدها باتت تستدعي اقتراض الخزينة نحو تريليوني دولار سنويا، يضاف إليها تريليونان آخران اقترضهما ترامب لتمويل الحرب؛ لتصل حاجة الخزينة الإجمالية للاقتراض من الأسواق إلى أربعة تريليونات دولار خلال الشهرين الأخيرين من سنة 2026.
هذا الضغط المالي المتصاعد يدفع حتما نحو رفع أسعار الفائدة، الأمر الذي يهدد قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بالإفلاس المالي؛ فوصول الفائدة على السندات الحكومية إلى ستة بالمئة يعني قفزها في السوق التجارية إلى عتبة الثمانية أو العشرة بالمئة عند الاقتراض، وهو سقف يقول الخبراء أنه يتجاوز قدرة أي استثمار حقيقي على تغطية كلفته وتحقيق عوائد مُجزية. هذا الخلل الهيكلي دفع المستثمرين للتراجع وأجبر أصحاب الأسهم على التخلص من حيازاتهم بعد فقدان الأمل في ربحية هذه المشاريع، مما أفرز تراجعات هائلة واضطرابات حادة في الأسواق العالمية ترجمت في انهيار الأسواق الآسيوية أمس السبت، وتأرجح السوق الأمريكية الحاد بين خسارة تبلغ سبعة بالمئة وربح متواضع لا يتجاوز واحدا بالمئة، على وقع التصريحات المتخبطة للرئيس الأمريكي. هذا المأزق الاقتصادي الخانق هو الذي صعّد المطالب الشعبية والنخبوية بوقف الحرب، وعجّل بالاكتساح الديمقراطي الأخير لمجلسي النواب والشيوخ؛ مما جعل الحديث عن الصلاحيات الدستورية لترامب لاستئناف العدوان على إيران مسألة ثانوية وهامشية، لأن العائق هنا بنيوي، اقتصادي واجتماعي، وليس فقط نصا قانونيًا مُجرّدًا.

على الجانب الآخر من المشهد، كان سقوط بنيامين نتنياهو مُنتظرًا. وكان عجزه عن خوض مغامرة عسكرية جديدة واضحا أيضا، سواء قبل الانتخابات أو بعدها، وبمعزل عن الصلاحيات التي يتمتع بها حاليا كرئيس لحكومة تصريف أعمال. هذا الاستنتاج ينبثق مباشرة من رصد الموجة العارمة داخل الكيان الصهيوني التي ترفع شعار "لا لنتنياهو" بعدما ضاقوا ذرعا بأكاذيبه التي قادتهم إلى عزلة دولية غير مسبوقة منذ عام 1948. إن حشود المستوطنين كانت وستظل مؤيدة للحرب واقتلاع الفلسطينيين والتوسع الإقليمي وضرب إيران، لكن اليهود يدركون في الوقت ذاته حاجتهم الملحة لفك العزلة المفروضة على كيانهم، وهو ما يقتضي تفويض شخصية بديلة تتولى القيادة في المرحلة المقبلة، لإعادة جسر العلاقات مع الأوروبيين، وتحسين صورتهم المشوهة أمام الرأي العام الأمريكي، وعلى وجه الخصوص، مع الحزب الديمقراطي صاحب الأغلبية الجديدة في الكونغرس ومجلس الشيوخ. ولا شك أن هذا المسار يتطلب وقتا وإجراءات داخلية جوهرية، كإعادة صياغة النظام القضائي، وإقصاء الوجوه المغامرة والمتطرفة من مفاصل الدولة أمثال سموتريتش وبن غفير. فالصهاينة يدركون أنه لتصفية القضية الفلسطينية، هم بحاجة أولا إلى جبهة داخلية مستقرة اقتصاديا، ومقبولة دوليا، وضامنة للحضن الأمريكي الداعم. وهنا بالضبط تكمن أهمية استبدال نتنياهو بمجرم حرب آخر إسمه غادي أيزنكوت. فهذا الأخير سيكون مُجبرًا على التحرّك تحت سقف محدد عنوانه "إعادة تأهيل الكيان وترميم تصدعاته" كخطوة استباقية إلزامية قبل التفكير في أي حرب، على النقيض من نهج سلفه الذي كان يحاول تقوية سلطته عبر خوض حروب عشوائية غير محسوبة النتائج.

بناء على ذلك، فإن الاهتمام بالانتخابات الإسرائيلية ودراسة تحولاتها ليس مراهنة واهمة على تبدل طبيعة العدو، فالجميع في نهاية المطاف محتلون ومجرمو حرب، وإنما ينحصر البحث في مدى توافر الفرصة المتاحة لأي منهم على ضرب إيران في المدى المنظور. ومفهوم الفرصة الكامنة ينطبق تماما على القيادة الأمريكية الحالية. فرغم وجود نهوض شعبي أمريكي ملموس مناهض للجرائم الصهيونية ومناصر للحق الفلسطيني ترجم في فوز وجوه شابة مسلمة في انتخابات التجديدالنصفي، علينا الانتباه إلى أن الكتلة التصويتية الكبيرة التي أطاحت بالجمهوريين كانت مدفوعة بالأساس بالضرر الاقتصادي المباشر الذي ألحقته الحرب بجيوبهم ومعيشتهم.
و في نهاية التحليل، القوة الإمبراطورية الامريكية الجبّارة، ومعها حليفها الصهيوني المعربد، لم يعودا قادرين على تحمل الكلفة المفتوحة لحرب بلا أفق أو نهاية قريبة. وهذا يعود بالأساس إلى أنهار الدماء التي سالت في غزة، يعود إلى صمود جبهات المقاومة وتضحيات الشهداء والفدائيين. وذلك هو المغزى الرمزي والمعنوي لانتصار الدم على السيف.



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الديمقراطية بين الدولة والمجتمع : قراءة في خصوصية الفشل التو ...
- الحراك الفرنسي وإعادة صياغة الصراع الطبقي
- وجه فرنسا الآخر: قراءة في تاريخ العنف البنيوي والحروب العابر ...
- -الدولة المتخيلة- إلى جلباب الشعبوية: قراءة في المأزق التونس ...
- من -الدولة المتخيلة- إلى جلباب الشعبوية: قراءة موضوعية في ال ...
- في الفصل بين الملفات
- عقدة -المركز المعرفي-: حين يشتغل اليسار العربي بتوقيت البلاش ...
- مشروع قانون -استعادة الديمقراطية في تونس-: بين الواقع التشري ...
- أزمة الإمبريالية وصعود اليمين الفاشي
- ثلاثة أسئلة عن تونس: من أين تأتي القوة، وأين يكمن الضعف، ومت ...
- هل يُهزم الحوثيين؟
- فرنسا بين ثقافة العنف وفقدان الدولة لمعناها
- الانسحاب الأمريكي من العراق: قراءة في مستقبل السيادة،
- المعارضة التونسية ومتلازمة ستوكهولم
- قراءة في خلفية إيقاف هيئة تنظيم الأسطول وأبعاده
- بين فشل السلطة وعُقم المعارضة والأمعاء الخاوية: قراءة في ثنا ...
- الثّورة بين حتميّة الدّاخل ومكائد الخارج
- بين فخ النضال المشترك وذُعر عودة -العدو. لماذا لا يُحسم الصر ...
- بين البوصلة المفقودة وفقه الضرورة المُزوّر
- في عناد التاريخ الذي لا يُرد.


المزيد.....




- إصابة 64 شخصًا جراء تصادم قطارين في مصر
- هجوم كراكوف.. الضحايا مواطنو روسيا وبريطانيا والنمسا وألماني ...
- إيران: أي جهة تتعاون مع واشنطن وتهددنا ستصبح هدفا مشروعا لنا ...
- مشاهد اشتعال ناقلة نفط ثالثة في مضيق هرمز
- -بوليتيكو-: -الناتو- يبحث عن 7 مليارات يورو إضافية لتسليح أو ...
- بريطانيا تحيي ذكرى ضحايا الحربين العالميتين
- الحوثيون يعلنون عن عمليات عسكرية نوعية نفذت اليوم في العمق ا ...
- السيسي: مصر لن يكفيها إلا أن يكون لديها 10 آلاف مجدي يعقوب
- أقدم دليل أثري على استخدام القنب في طقوس التضحية بسيبيريا
- إصابة أكثر من 60 شخصاً في انقلاب قطار بمصر


المزيد.....

- جون ميرشايمر - فخ الحروب الثلاثة الذي وقع فيه ترامب / زياد الزبيدي
- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - منطق القوة وكوابح المغامرة