أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - فرنسا : من دواعي الغضب – الحلقة الخامسة















المزيد.....



فرنسا : من دواعي الغضب – الحلقة الخامسة


الطاهر المعز

الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 09:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بعض متناقضات المجتمع الفرنسي
كان التعليم والإجتهاد والنجاح في الدراسة عنوانا لوظيفة قارة والإرتقاء بضع درجات السُّلَّم الإجتماعي لأبناء العُمّال والفلاّحين والفُقراء، لكن تغير الأمر منذ عُقُود بإغلاق باب الوظيفة العمومية والقطاع العام، ونقل الصناعات المُلَوّثة والتي تحتاج أيدي عاملة وفيرة إلى الأطراف، في الصين بداية ثم في فيتنام وبنغلادش وبعض بلدان جنوب آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، وأصبح التعليم في البلدان الإمبريالية أكثر انتقائية وأصبح استثمارًا لا يقدر عليه أبناء العُمال وصغار الفلاحين والفئات الفقيرة وحتى المتوسّطة، مما خلق تصدّعا في المجتمع تزامن مع انتشار النيوليبرالية في العالم، رغم محاولات تغليف الفجوة الطبقية بعبارات مُنمّقّة تستخدمها الوثائق والتقارير الإقتصادية للحكومات وللمؤسسات المالية الدّولية التي لا يقرأها العُمّال والفُقراء والمُهمّشون، وإنما يُدْرك هؤلاء جيدا إن الأجر أو الدّخل لا يكفي لسدّ الحاجيات الأساسية، ويُدْرك أبناؤهم تَدَهْوُر ظروف الدّراسة وانسداد آفاق المُستقبل، خصوصًا في الأحياء الشعبية، ويُدركون إن التعليم لم يَعُدْ يضمن وظيفة قارة…
أدّت هذه العوامل وغيرها ( القمع واستفزازات الشرطة وارتفاع صوت اليمين المتطرف وما إلى ذلك) إلى إطلاق الحركة الإحتجاجية منذ بداية السنة الدّراسية، منتصف أيلول/سبتمبر 2026 لتتّسع حركة تلاميذ الثانويات وتشمل المُدَرّسين وأولياء الأمور والأُجَراء والمُهمّشين والغاضبين من ارتفاع ثمن الوقود، وشكل يوم السابع عشر من تشرين الأول 2026 أول احتجاج ضخم تلته احتجاجات عديدة أخرى فتزايد عدد المتظاهرين كل أسبوع ( 24 و 31 تشرين الأول و05 تشرين الثاني 2026) بمشاركة النقابات والمنظمات السياسية والجمعيات والحركات، مثل السترات الصفراء، واقتصر رد فعل الحكومة على القمع ومحاولات الإحتواء، وإحالة المئات على القضاء ضمن إجراءات الطوارئ الإستثنائية، وكأن البلاد في حالة حرب، مما يعكس التناقض بين أجهزة الدّولة التي تُمثل مصالح أَثْرَى الأثْرياء والمجتمع المدني ( أي الهيئات والفئات التي تُقاوم تَسَلُّط الدّولة، من خارج أجهزتها)، وتعكس هذه التوترات التناقض بين الطبقات التي لم تعد تستطيع تلبية الحاجات الإساسية ( إيجار السكن والغذاء وسعر الطاقة والنقل…) والفئات الثرية التي تدعمها الدّولة من خلال قضم حقوق العاملين والإعفاء الضريبي وقوانين الميراث وغيرها من الإجراءات التي تُقرها ميزانية الدّولة كل عام، وتُطالب الدّولةُ العاملين والفُقراء ب"التّكَيُّف" و "شدّ الأحزمة"، ضمن مخطط نيوليبرالي بدأ منذ أكثر من أربعة عُقُود في جل البلدان الرأسمالية المتقدمة، ولذلك لا غرابة في تزامن انتفاضة التلاميذ والطلبة في فرنسا ضدّ عدم تَساوي فُرَص النجاح المدرسي والإجتماعي، مع غضب فئات أخرى في فرنسا وفي بلدان أوروبية أخرى ( إيطاليا وألمانيا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال وإيرلندا…) لأن أزمة الرأسمالية الفرنسية ليست منفصلة عن أزمة الرأسمالية الأوروبية والدّولية، وتتجاوز تَدَهْوُرَ ظروف الدّراسة ونقص المدرسين لتشمل تدهور ظروف حياة نحو ثمانين بالمائة من المواطنين، وخاصة ممن لا تمثلهم مؤسسات الدولة ولا الأحزاب التقليدية التي لا تخرج برامجها عن الدائرة الرأسمالية، ولا تقترح سوى إصلاحات طفيفة لا تُعيد النّظر في علاقات الملكية التي تحكم المجتمع ولا تهدف سوى التقليل من درجة التفاوت في الدخل، مما يُقصي أبناء العمال والعاطلين وسكان الأحياء الشعبية من الوظائف ذات الأَجْر المُجْزي ومن آليات السلطة الإقتصادية والسياسية التي يستأثر بها أبناء الأثرياء الذين يعيشون ويدرسون ويعملون في ظروف مختلفة تمامًا عن أبناء العمال وصغار الفلاحين والفُقراء، ليمتزج المَوْرُوث بالمُكْتَسَب فيعيد إنتاج قوانين وبرامج ومُخطّطات المجتمع الرأسمالي…

من عنف السلطة إلى الغضب الشعبي
تُسَلّط التعبئة الشعبية الهائلة، في المُدُن وبعض المناطق الريفية الفرنسية، الضّوء على الغضب المُتراكم وعلى المطالب المَشْرُوعة للعديد من الفئات الإجتماعية من مختلف الأجيال، في ظل الإفلاس السياسي والإقتصادي للسلطة المتشبثة باستراتيجية قمعية تفتح أبواب السلطة لنظام يميني متطرف، وتعكس مظاهرات يوم السابع عشر من تشرين الأول/اكتوبر 2026 بعض مظاهر الغضب ضد العنف الاجتماعي والإقتصادي الذي ولده هذا النظام النيوليبرالي منذ نحو أربعة عُقُود.
ظل مناضلو وقادة اليمين المتطرف في البداية خَلْف السّتار، يراقبون الوضع، فيما تقوم السلطة بتنفيذ مخططاتهم وبرامجهم، من خلال قَمع حشود المحتجين الذين ساروا في شوارع المدن وحتى في بعض الأرياف، واتفقت الحكومة ومنظمات اليمين المتطرف ووسائل الإعلام ( القطاع العام والقطاع الخاص) على اتهام "الجماعات اليسارية المتطرفة" بشكل منهجي، دون دليل، فيما أعلن القُضاة إن لا وجود لهّذا "اليسار المتطرف" المزعوم بين المتهمين، وندّد اليمين المتطرف ب"جحافل الهمجية" من أبناء وأحفاد المهاجرين الذين "جاؤوا من الضواحي لمهاجمة ممتلكات الطبقة الوسطى"، واتفقت الحكومة واليمين المتطرف والتيار الديمقراطي الإجتماعي على "استعادة النظام بالصلابة السياسية والقوة المسلحة، اقتداءً بما تنفذه السلطات الأمريكية.

الضّغْط يُوَلّدُ الإنفجار
كيف تستجيب الديمقراطية لاحتجاجات شبابها؟ تُذكّرنا ثورات عامي 1830 و1848، أو "كومونة باريس" عام 1871، بأن الحرية ليست مكسباً نهائياً ومضموناً إلى الأبد. فتاريخ فرنسا هو أيضاً تاريخٌ حافل بالتناقضات، والآمال التي خابت، والقمع؛ إذ لا بد من إلقاء نظرة نقدية على تاريخ فرنسا في العصر الجمهوري، حيث يواجه المتظاهرون خيول قوات الشرطة والدرك، سواء في باريس أو في غيرها من المناطق. ولا تقتصر الحرية على الحق في التظاهر فحسب، بل تفترض أيضاً إمكانية الحصول على العدالة. فعندما تستخدم الدولة القوة ضد مواطنيها، مَن المسؤول عن الإصابات التي تلحق بهم؟ في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2026، فقد مراهقٌ يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً إحدى يديه إثر انفجار قنبلة، وذلك خلال تحركٍ احتجاجي في مدينة "لانس". وتجري حالياً تحقيقات للكشف عن الملابسات الدقيقة لهذه المأساة. وفي السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلن وزير الداخلية، لوران نونيز، عن تعليق استخدام القنابل الصوتية (قنابل الصدمة) خلال الاحتجاجات التي يشارك فيها طلاب المدارس الثانوية، إلا أن الشرطة لا تزال تواصل استخدامها. ويبقى السؤال مطروحاً: كيف تستجيب الديمقراطية لاحتجاجات شبابها؟ إن سلامة الشباب المحتجين يجب أن تُؤخذ على محمل الجد، كما ينبغي أن تظل ممارسات السلطات متوافقة مع المبادئ التي تدّعي الدفاع عنها، وهي: الحرية، والمساواة، والإخاء. وفي العديد من البلدان، يُعد التعبير عن الاختلاف مع السلطات أمراً محظوراً، أو صعباً، أو حتى محفوفاً بالمخاطر. يعتقد القاطنون في تلك المجتمعات أن الديمقراطيات الغربية (مثل فرنسا) تجسد نمطاً مختلفاً للعلاقة بين السلطة والمواطنين؛ إلا أن الطريقة التي تتعامل بها السلطة في فرنسا مع الشباب الذين يتظاهرون للمطالبة بحقوق مشروعة، تساهم في تعزيز أفكار اليمين المتطرف، وتمنح ذرائع للأنظمة الديكتاتورية التي تسعى إلى تشويه سمعة النماذج الديمقراطية، أياً كان شكلها. وتُعد مشاهد القمع الشرطي صادمة، إذ تشبه في طبيعتها ما يواجهه المحتجون في ظل الأنظمة التي تصفها وسائل الإعلام الفرنسية أو الغربية بأنها "سلطوية" أو "شمولية". إن الحكومة الفرنسية لا تتسامح مع الاحتجاج، بل استغلت هذا الموقف لتنفي وجود عنفٍ تمارسه الدولة، ولصرف الانتباه عن مشكلات الفقر والبطالة والبؤس التي باتت تطال شريحة متزايدة من المواطنين. كما ترفض الحكومة الفرنسية الإنصات للاحتجاجات، إذ تنظر إليها بوصفها تهديداً للنظام الرأسمالي الذي تدافع عنه هذه الحكومة وتمثل مصالحه.
أظْهَرَتْ إحصاءات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE) ، التي نُشرت يوم 9 تموز/يوليو 2026 وتغطي عام 2024 ، إن 9,8 ملايين شخص يعيشون تحت خط الفقر في فرنسا وبلغ معدل الفقر النقدي 15,4% من السكان، بفعل سيادة النيوليبرالية، حيث منحت الأنظمة الرأسمالية سكانها عددًا من مكاسب التقدم الاجتماعي، خلال فترة الحرب الباردة، بهدف احتواء حركات الاحتجاج ومنع جاذبية النموذج السوفيتي، ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي، أصبحت هذه المكاسب موضوع تحديات متتالية.
يَعْسر فهم الغضب الشعبي الذي اندلع في الشارع دون إدْراك العنف الذي يمارسه النظام الحاكم يومياً داخل المجتمع وفي الحياة اليومية، ورغم وسائل الإعلام التي تُركّز بشدّة على مشاهد الفوضى والتدهور والمواجهة، فإن هذه المشاهد لوحدها لا تُلْقي الضوء على حركة الاحتجاج بجميع جوانبها، كما لا تستطيع حَجْبَ المطالب الاجتماعية والسياسية المشروعة للمُحْتَجّين، ومنذ وصول إيمانويل ماكرون إلى الرئاسة، تضاعفت التوترات الاجتماعية، في حين تندد العديد من الفئات بتجاهل وصَمم الد!ولة ورفضها مراعاة المطالب الشعبية، مُقابل تعزيز الأوليغارشية الاقتصادية على حساب القسم الأكْبر من السكان، فالحماية الاجتماعية والحصول على الرعاية الصحية، وتعويضات البطالة، والخدمات العامة، والتعليم العام، والحقوق النقابية والحق في الإضراب، والحد من وقت العمل، والأجور للعيش بكرامة، والإجازات المدفوعة الأجر، والعديد من الفتوحات الاجتماعية الأخرى، مُهَدّدة بالإنقراض تدريجياً، في حين تزداد ثروات أغنى الطبقات زيادة كبيرة، وما شهدته البلاد يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر هو مجرد مظهر واحد من مظاهر الغضب من العنف الاجتماعي والاقتصادي الذي ولده هذا النظام النيوليبرالي منذ أربعين عاما، فالنظم النيوليبرالية تنتج أشكالا مختلفة من العنف وتحافظ عليها: عنف أوجه عدم المساواة الاجتماعية، والمظالم الاجتماعية والعنصرية، والعنف الذي يفاقم الفردية والبطالة والعيش المكلف، والعنف الذي ينجم عن إضعاف الخدمات العامة، والمعاملة الإعلامية للمعلومات أو انتهاكات حقوق العمال والنقابات العمالية والطلاب والشباب، والعنف الصامت والمنهجي والخبيث في كثير من الأحيان ، والذي لا يلاحظه أحد تقريبًا، ولا يمكن التّنبُّؤ بهبات الحركات الشعبية أو دورات الاحتجاج والغضب المدعوة لتكرار نفسها، مع خطر تكثيف العنف كرد فعل على تلك التي تمارسها المؤسسات وهياكل السلطة، خصوصًا في عصر الرأسمالية النيوليبرالية التي ترفض تقديم أي تنازل، مهما كان بسيطا أو حتى رمْزيًّا، سوى تحت الضغط الهائل.
أعلنت الحكومة عن تعزيز الإجراءات والوسائل القَمْعيّة استعداداً ليوم الحراك الشعبي ليوم 24 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بدل تقديم إجابات مُقنعة بشأن ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الدّخل الحقيقي لأغلبية المواطنين وتدهور الوضع في مؤسسات التعليم والصحة، وأعلن وزير الدّاخلية فرض رقابة على المُكالمات الهاتفية وعلى سائل التواصل الاجتماعي المكالمات، وفي مجلس الشيوخ، هدد بتصعيد قمعي وحظر المظاهرات وتعزيزات الشرطة ( حوالي 80 ألف شرطي) والجيش في الشوارع، وتشديد العقوبات عند ارتكاب الانتهاكات بمساعدة وسائل التواصل الاجتماعي وأيضا عندما يخفي المتظاهرون وجوههم خلال الاحتجاجات ( أي إن وزير الداخلية يُقرر الأحكام والعقوبات، وليس القُضاة)، فيما يبحث رئيس الوزراء ( كالمُعْتاد) عن كبش فداء ويشير إلى "اليسار المتطرف"، الذي يتهمه بزعزعة استقرار البلاد، وفي نفس الوقت نفّذ أحد عناصر اليمين المتطرف هجوما إرهابيا مُسَلّحا، يوم الجمعة 23 تشرين الأول/اكتوبر 2026، في إحدى مُدُن الأطراف الباريسية أدّى إلى قتل طفلة في الثانية عشر من العُمر فضلا عن إصابة عدد من المارة بجروح خطيرة، وبينما تُظْهر مقاطع الفيديو المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي الشرطة تضرب المُتظاهرين بوحشية، أعلنت الحكومة نشْر الجيش في ساحات وشوارع المُدُن لاحتواء المظاهرات، والإستعانة بجنود عملية "سانتينيل" ( Sentinelle)، بالإضافة إلى القوات الخاصة التابعة للشرطة والدرك، لتطويق مظاهرات يوم الرابع والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر 2026، وأوضح وزير الداخلية، في تصريح أمام الجمعية الوطنية يوم الثلاثاء 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أن مهمة جنود عملية "سانتينيل" تتمثل في "حلولهم محل قوات الأمن الداخلي، لا سيما في مهام التأمين الثابت للمواقع"، وذلك بهدف "تفريغ عناصر الشرطة والدرك للقيام بمهام حفظ النظام، وزيادة عدد القوات المتاحة، وتعزيز الوحدات المنتشرة على الأرض - على غرار ما تم خلال أعمال الشغب في تموز/يوليو 2023 - من خلال حشد مختلف الألوية الخاصة، والمروحيات، ووحدات "سانتور" (Centaures)، والمركبات المجهزة بخراطيم المياه، وغيرها". كما أشار الوزير إلى أنه "يدرس إمكانية حظر المظاهرات التي قد تؤدي إلى الإخلال بالنظام العام أو التي تنطوي على مخاطر الانزلاق نحو العنف". ورداً على سؤال طرحته إحدى النائبات، أكد وزير الداخلية قائلاً: "سأكون شخصياً في مركز القيادة، وسنتعامل بحزم شديد يوم السبت المقبل (24 تشرين الأول/أكتوبر 2026) وفي الأيام التالية". وكان رئيس الوزراء قد صرح بدوره قائلاً: "سنُظهر حزمنا من خلال نشر قوة شرطية ضخمة ومتحركة" يوم السبت 24 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
يُكمل القضاة الدور الزجري الذي تضطلع به الشرطة، فقد أصدرت النيابة العامة في باريس بياناً مؤرخاً يوم الثلاثاء 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أشارت فيه إلى أنها قامت بـ "إحالة عدد غير مسبوق من الموقوفين -وهي إجراءات لا تزال جارية- إلى النيابة"، وذلك في أعقاب فترات الاحتجاز لدى الشرطة خلال عطلة نهاية الأسبوع (17 و18 تشرين الأول/أكتوبر 2026)، حيث ألقت الشرطة القبض على أكثر من ألف متظاهر في باريس وحدها. وتُعد "الإحالة" بمثابة تقديم المشتبه به أمام النيابة العامة، التي تتولى بعد ذلك تحديد الإجراء الجنائي المناسب. ولمواجهة هذا التدفق الكبير، عمدت النيابة العامة إلى "مضاعفة أعداد الكوادر في أقسام المناوبة، ومضاعفة جلسات المثول القضائي القائمة على الاعتراف المسبق بالذنب، وكذلك مضاعفة جلسات المحاكمة الفورية". كما شملت الإجراءات توجيه استدعاءات رسمية (عبر محاضر) لأشخاص آخرين، قد تقترن بطلبات فرض "رقابة قضائية" عليهم، إلى جانب تدابير جنائية أخرى يجري تنفيذها حالياً. ووفقاً للحصيلة التي أعلنتها النيابة العامة في باريس يوم الاثنين، ألقت الشرطة القبض على 855 متظاهراً يوم السبت 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026 في العاصمة، ووضعت 557 منهم رهن الاحتجاز لدى الشرطة، من بينهم 124 قاصراً. كما ألقت الشرطة القبض على 208 متظاهرين يوم الأحد 18 أكتوبر 2026، بينهم 49 قاصراً، ووُضع 145 شخصاً منهم رهن الاحتجاز لدى الشرطة، بحسب النيابة العامة في باريس. وكانت أولى جلسات المحاكمة الفورية قد بدأت يوم الاثنين 19 تشرين الأول/أكتوبر، قبل أن تشهد وتيرة الإجراءات القضائية تصعيداً إضافياً يوم الثلاثاء 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

عنف الشرطة
نشرت جمعية مناهضة التعذيب إحصائية منقولة عن وسائل الإعلام الفرنسية بشأن بعض ضحايا عُنف الشرطة، وبلغ العدد غير الرسمي لهؤلاء الضحايا ما لا يقل عن 8237 ضحية بين سنَتَيْ 2018 و 2024، ولا توجد في فرنسا إحصاءات رسمية شاملة تنشرها الدولة بشكل مستمر حول عدد الأشخاص الذين قُتلوا خلال تدخلات قوات الأمن، ومع ذلك، تشير عمليات الرصد المستقلة (لا سيما تلك التي تجريها وسيلة الإعلام "Basta!") إلى الأرقام التالية: في عام 2024: تم رصد 66 حالة وفاة برصاص الشرطة سنة 2024 و 49 حالة سنة 2025 و 22 حالة وفاة خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، كما تم تسجيل عدة إصابات جراء عنف الشرطة خلال احتجاجات طلاب المدارس الثانوية في الفترة ما بين 13 و17 تشرين الأول/أكتوبر 2026؛ إذ فقد طالبٌ يده في مدينة "لانس"، وتسببت قنابل في وقوع إصابات في باريس، كما فقد شابٌ يده في "سانت إتيان"، وفقدت شابةٌ إحدى عينيها في "مولوز"... وقد كشفت هذه الأحداث عن مدى خطورة بعض الأسلحة التي تستخدمها الشرطة الفرنسية، والتي أُدخل بعضها إلى الخدمة خلال عامي 2025 و2026. ورغم سحب وزارة الداخلية الفرنسية لعدة أنواع من القنابل التي وُصفت بأنها شديدة الخطورة، إلا أن بدائلها لا تزال تتسبب في تشوهات جسيمة؛ مما أدى إلى فقدان ضحايا لأعينهم أو تعرضهم لبتر أطرافهم، بمن فيهم أشخاص لم يكونوا حتى من بين المتظاهرين. وقد تسببت القنابل الصوتية وقنابل الغاز المسيل للدموع في إصابات بالغة، وكانت سبباً في مشاهد دموية للغاية في مختلف أنحاء فرنسا. وفي هذا السياق، حذّر الفرع الفرنسي لمنظمة "العفو الدولية" (Amnesty International) من تزايد خطورة الأسلحة المستخدمة في الاحتجاجات، واصفاً القنابل الصوتية بأنها "أداة خطيرة ذات طابع عسكري، ولا تتوافق مع أساليب إدارة الاحتجاجات بشكل آمن"...
تم تكريم ضحايا عنف الشرطة في ساحة الجمهورية بباريس يوم 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وذلك بعد يومين من الحراك الذي شهدته البلاد يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وقد تمحورت مطالب المتظاهرين - من طلاب المدارس الثانوية، وأعضاء حركة "السترات الصفراء"، والنقابات - حول قضايا غلاء المعيشة، وظروف التعليم، والخدمات العامة، والعدالة الاجتماعية، وقد التقى الجميع عند همٍّ مشترك واحد: القدرة الشرائية. فبعد مرور أكثر من عام على حركة "لنُعطّل كل شيء" (Bloquons tout) وبعد أسابيع من الاحتجاجات الطلابية في المدارس الثانوية، شهدت فرنسا يوماً جديداً من الاحتجاجات المكثفة يوم 19 تشرين الأول/اكتوبر 2026، ودعت المجموعات المُشاركة إلى يوم احتجاج جديد يوم الرابع والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر 2026، فيما دعت النقابات الفرنسية إلى جولة جديدة من الإضرابات والمظاهرات في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، ووجب التّذكير إن الإحتجاجات انطلقت، خصوصًا منذ السابع عشر من تشرين الأول/اكتوبر 2026، بسبب تفاقم مشاكل تكلفة المعيشة، سواء في فرنسا أو في دول أوروبية أخرى، ومن ضمنها إيطاليا وألمانيا وبلجيكا واليونان وإسبانيا والبرتغال وألبانيا، وتُعاني شعوب دول الإتحاد الأوروبي من الضغوط الناجمة عن اقتصاد دمره ارتفاع الدّيُون وزيادة الإنفاق على التسلح ومُقاطعة المحروقات الروسية الرخيصة، وخصوصًا الغاز، ولا علاقة ل"الجماعات اليسارية المتطرفة" ( وفق تعبير رئيس الوزراء وأعضاء حكومته والإعلام البرجوازي) المزعومة بمثل هذه القرارات، واستخدمت الحكومة كذبة "اليسار المتطرف" لتبرير اعتقال 2500 شخص في مدينة باريس، خلال يوم واحد، وأعلن ناطق باسم اتحاد التجارة تَضَرّر ما يقرب من ثلاثة آلاف متجر، مما عزز تجارة الأسلحة الفردية وشركات الأمن، فكانت معظم المحلات التجارية الفاخرة ( رولكس وديور ولويس فويتون ورالف لورين وغوتشي ) والفنادق الشهيرة في باريس مغلقة ومُحاطة بحراس الأمن خلال عطلة نهاية الأسبوع 17 و 18 تشرين الأول/اكتوبر 2026، وفق وكالة رويترز...

تكتيكات الإحتواء بالعُنف
يبدو ان السلطة فى فرنسا مصممة على تشويه وشيطنة المحتجين واستفزازههم ،فالشرطة منعت المتظاهرين من الاجتماع والوصول الى اماكن التجمع لانطلاق المسيرات المقرر ة منذ الصباح الباكر وحاصرتهم وشتتهم فى الشوارع الخلفية ومنعتهم بطريقة استباقية من التجمع فى مكان واحد مما ادى الى هذا الاحتقان غير المسبوق وبرهن بشكل لا يدع مجالا للشك ان الحلول القمعية للمشاكل السياسية والاجتماعية الكبرى لا تحل بالعنف البوليسي.
هذا السيناريو البوليسي تكرر فى عدة مدن فرنسية وكانت النتائج واحدة فى كل مكان .
عقيدة الفوضى: كيف أشعلت الشرطة فتيل المواجهات عبر مهاجمة نقاط التجمع لإثارة الغضب. تتكرر الروايات ذاتها في جميع أنحاء البلاد: مجموعات من عناصر الشرطة تهاجم نقاط تجمع المتظاهرين حتى قبل انطلاق المسيرات. لم يكن الأمر مجرد حماس مفرط، بل كان عقيدةً وتوجيهاً رسمياً؛ وهو ما تسبب في اندلاع مواجهات استمرت لساعات في كل مكان. وفي حين يرتفع صراخ السياسيين والمعلقين الإعلاميين مندّدين بـ "عنف" المتظاهرين، لا أحد يتطرق إلى مجريات الأحداث يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026. فبعد جمع شهادات من مدن عدة، يتضح جلياً أن السلطات هي التي خلقت ظروف الفوضى بنفسها. والشيء الوحيد الذي يمكن لومه على مئات الآلاف من المتظاهرين هو أنهم دافعوا عن أنفسهم بشجاعة. كانت هناك دعوات عدة -أكثرها جرأة تلك التي دعت للتجمع قرب محطات القطارات وفي الأحياء الراقية- للزحف نحو قصر الإليزيه. وفي المقابل، دعت المنظمات الرسمية -لا سيما اتحادات طلاب المدارس الثانوية والجامعات، التي تتسم بنهج أكثر اعتدالاً- إلى مسار "غير مؤذٍ" في شرق باريس، بعيداً عن مراكز السلطة؛ إلا أن الشرطة بادرت بالهجوم. فقد طوّقت قوات أمنية كبيرة الساحة المكتظة بالناس، مما أثار حالة من الذعر وتسبب في تكدس بشري خانق. ثم أطلقت الشرطة القنابل وشنّت هجوماً على الحشود المحاصرة داخل الساحة. وهكذا، وقبل حتى الموعد الرسمي لانطلاق المسيرات، كانت "ساحة الجمهورية" قد تحولت بالفعل إلى مسرح لمواجهات عنيفة للغاية، تسببت فيها "محافظة الشرطة" (الجهة المسؤولة عن الأمن) بشكل كامل. تكررت المشاهد ذاتها في مدن عدة، منها غرونوبل، وبوردو، ورين، ونانت، وأنجيه، وتولوز، وليون... فقد اعتُمدت استراتيجية الحفاظ على النظام نفسها التي طُبقت خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 2026، وهي مطابقة لتلك التي استُخدمت في سبتمبر 2025 خلال احتجاجات "لنُعطّل كل شيء" (Bloquons tout). ففي العام الماضي، وبناءً على أوامر من وزير الداخلية، تلقى عناصر الشرطة تعليمات بمهاجمة أي نقطة تجمع على الفور، مما حال دون إقامة عمليات إغلاق أو تعطيل حقيقية. لقد كان ذلك القمع شنيعاً، لكنه أثبت فعاليته وأدى في المحصلة إلى إجهاض يوم التحرك الاحتجاجي. وفي يوم السبت 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، راهن إيمانويل ماكرون ووزارة الداخلية على الخيار ذاته: استخدام عنف مفرط ووحشي منذ اللحظات الأولى للتجمعات، بهدف ثني المتظاهرين وتفريقهم قبل أن يبدأوا مسيرتهم حتى. لكنهم هذه المرة كانوا واهمين؛ إذ قللوا من تقدير حجم الحشود الضخمة، وكذلك من حدة غضب المتظاهرين وقدرتهم على الصمود. وفي نهاية المطاف، تظل الدولة هي الطرف الذي يحدد مستوى العنف؛ وهي، بالتالي، المصدر الأساسي للفوضى والاضطراب.
لا تتحدث وسائل الإعلام المعنية بالتسميم إلا عن تخريب المتظاهرين في فرنسا، ولكن حتى منظمة العفو الدولية نددت بالقمع الوحشي للاحتجاجات، وقالت آن سافينيل باراس، رئيسة منظمة العفو الدولية في فرنسا، منذ يوم الثاني من تشرين الأول/أكتوبر 2026: "نشعر بالقلق إزاء قمع الشرطة لطلاب المدارس الثانوية والحركة الطلابية"، ومنذ بدء تعبئة المدارس الثانوية يوم 21 أيلول/سبتمبر 2026، ما فتئت منظمة العفو الدولية تنبه إلى الأساليب التي تستخدمها الشرطة ضد الطلاب، وتدين المنظمة بشكل خاص إلقاء الكرات المطاطية والقنابل اليدوية والغاز المسيل للدموع والاعتقالات الجماعية، حيث تم اعتقال نحو 5600 متظاهر بين منتصف أيلول و الثاني من تشرين الأول/اكتوبر 2026، وفقاً لأرقام وزارة الداخلية، 86 % منهم قاصرون، وزادت الإصابات الخطيرة، ودعت منظمة العفو الدولية يوم الثامن من تشرين الأول/اكتوبر 2026 إلى فرض حظر نهائي على القنابل الصاعقة، التي أعلن وزير الداخلية تعليق استخدامها بعد قَتْل مُتظاهرَيْن وفقدان بعض الشبان أطرافهم، جراء هذه القنابل، لكنه تراجع وأذن مرة أخرى باستخدامها عشية مظاهرة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، فارتفع عدد ضحايا هذه القنابل ومثيلاتها من الكُرات المطاطية والأسلحة الصّاعقة وغيرها من الأسلحة الفتاكة المُستخْدَمَة لتفريق الحُشُود، وقد ساعدت هذه الاستراتيجية في توحيد المتظاهرين في معارضتهم للشرطة، بدلاً من منع الاشتباكات، واعترفت الحكومة الفرنسية بفشلها لكنها ألقت باللوم على معارضيها (حزب فرنسا الأبية على سبيل المثال) وعلى المتظاهرين الذين اعتبرتهم مُخرّبين بدل الإصغاء إلى مطالبهم، وجابهت الحكومة الفرنسية المتظاهرين بقنابل الشرطة وبالإعتقالات وإعلان حالة الطوارئ والمحاكمات العاجلة، وإصدار أحكام بالسجن ضد متهمين من العمال والطلاب والموظفين، من الشباب ومن مجموعات السترات الصفراء، بعد ضغط من الحكومة على القُضاة من أجل إصدار عُقوبات قاسية وفق المُحامين، ثم قررت الحكومة نَشْر الوحدات العسكرية والشرطة المتخصصة لمُحاربة "العَدُوّ الدّاخليّ".
طوّقت قوات الشرطة آلاف المتظاهرين في باريس ومدن أخرى، مانعةً إياهم من التقدم أو الخروج من الدائرة التي شكلها عناصر الشرطة، الذين راحوا يلقون قنابل الغاز المسيل للدموع على الحشود المُحَاصَرَة، وحين يحاول المتظاهرون الخروج من هذا "السجن المفتوح"، يُتهمون بـ"الإخلال بالنظام العام"، كما تسللت عناصر الشرطة إلى صفوف المُتظاهرين للتحريض على النهب والتدمير وفق تقارير صادرة عن منظمات ومراصد مدنية، بالإضافة إلى مقاطع فيديو انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تداولت حسابات مرتبطة بحزب "فرنسا الأبية" (La France Insoumise) صوراً تظهر رَجُلَيْن يَرْتَديَان غطاءً للرأس (قلنسوة) وهما يُلْقيان ما يبدو أنها قنابل، قبل أن يرافقهما عناصر من الشرطة بعيداً عن الموقع، وأكدت هذه المواقع أن الرجلين كانا شرطيين يعملان بزي مدني (متخفيين)، بهدف عرقلة المظاهرات وتشويه المتظاهرين، ويؤكد الخبير السويسري، أنجيلو جوليانو، وجود أدلة على عمل عناصر من الشرطة وأجهزة الاستخبارات داخل الحركات الاحتجاجية في فرنسا؛ ويشير في هذا السياق إلى مصطلح "المحرضين، المُسْتَفزّين" (agents provocateurs)، وهم متسللون يشجعون المتظاهرين على القيام بأعمال عنف، وتعدّ هذه الاتهامات -بأن الشرطة تتسلل بزي مدني إلى المظاهرات لارتكاب أعمال تخريبية وتشويه سمعة الحركات الاجتماعية- تهمةً تتردد كثيراً خلال الاحتجاجات الكبرى في فرنسا، كما حدث سابقاً في احتجاجات "السترات الصفراء"، وفي العام الماضي (2025)، وثّق تقريرٌ مؤلفٌ من 35 صفحة، صادر عن "مرصد ممارسات الشرطة" في تولوز، وجود عناصر شرطة متسللين خلال احتجاجٍ ضد إنشاء الطريق السريع "A69" في الخامس من تموز/يوليو 2025، حيث رُصد عدد من عناصر الشرطة الملثمين وهم يخرجون من إحدى الغابات ويتجهون نحو قوات الدرك دون أن يتم توقيفهم، مما دفع المرصد إلى استنتاج أنهم كانوا جزءاً من جهاز الاستخبارات التابع للشرطة، ويتهم التقرير وزارة الداخلية ومحافظة الشرطة بـ "الكذب على الصحافة والمجتمع المدني"، وبالتلاعب بالرأي العام من خلال تصوير المتظاهرين على أنهم يشكلون خطراً، ويُعْتَبَر الاستفزاز من قِبل الشرطة ممارسة قائمة وشائعة في فرنسا، فقد تم تحديث "الخطة الوطنية للشرطة"، سنة 2021، من قبل وزارة الدّاخلية التي تُفصِّل القواعدَ التي تحكم ارتداء عناصر الشرطة للزي الرسمي أثناء المظاهرات؛ إذ تُلزم القواعدُ أفرادَ الشرطة بحمل شارات تعريفية يمكن للمتظاهرين رؤيتها، باستثناء وحدات الاستخبارات التي تتطلب طبيعة عملها السريةَ والكتمان، وتلجأ أجهزة الاستخبارات في الشرطة إلى دسِّ عناصرها بين المتظاهرين، بذريعة رصد ما يجري ميدانياً، أو تنفيذ اعتقالات، أو جمع معلومات لدعم الإجراءات القضائية اللاحقة، ووفقاً للوائح، يلتزم رجال الشرطة الفرنسيون بارتداء شريطٍ يحمل رقم التعريف المهني (RIO) عند تنفيذ مهام شرطية، كعمليات الاعتقال مثلاً، ومن الناحية النظرية، إذا جرى اعتقال شخصٍ ما على يد أفرادٍ لا يحملون أي علامات تعريفية، فإنه يمكن المطالبة بإطلاق سراح هذا المعتقل، ولا يُسمح لرجال الشرطة بارتداء أقنعة (أغطية للرأس) لإخفاء وجوههم، لكن الواقع يشير غالباً إلى تجاهلٍ تام لهذه القواعد، ففي مقطع فيديو سُجِّل يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026 في مدينة "ميتز"، يظهر أربعة أشخاص يرتدون ملابس سوداء ويغطون وجوههم، بينما يُرى مقذوفٌ على الأرض في زقاقٍ مجاور؛ وكان هؤلاء الأشخاص يسيرون برفقة شرطيٍ يرتدي زياً رسمياً خلف الطوق الأمني ​​للشرطة، وقد أكد المدعي العام المحلي أن هؤلاء كانوا عناصر شرطة متسللين "في إطار عملية أمنية، وبناءً على تعليمات ضابطٍ يرتدي الزي الرسمي"، وفي واقعةٍ مشابهة، التقط أحد أعضاء فريق "أنتوني سميث" -وهو نائب فرنسي في البرلمان الأوروبي عن حزب "فرنسا الأبية" (La France Insoumise)- مقطع فيديو خلال مظاهرة لطلاب المدارس الثانوية في مدينة "رانس" يوم 2 تشرين الأول/أكتوبر 2026، يظهر فيه رجلٌ ملثمٌ وهو يلقي مقذوفاً باتجاه زملائه من رجال الشرطة الذين يرتدون الزي الرسمي، وندد النائب في البرلمان الأوروبي بهذا التصرف واصفاً إياه بأنه "استفزاز من جانب الشرطة"، ومع ذلك، اعتبر المدعي العام أن هذا الإجراء كان قانونياً.
لم تعد هناك قواعد أو حدود لاستخدام الرصاص المطاطي أو القنابل المطاطية؛ بل استخدمت عناصر الشرطة والدّرك الأسلحة النارية. أما أعمال الشغب والإستفزازات والإعتداءات فهي ليست بالأمر الجديد إذ تقوم عناصر من الشرطة -متخفية- بالتسلل إلى المظاهرات بهدف التحريض على أعمال التخريب، ففي العام 1979، شهدت باريس مظاهرة ضخمة لعمال قطاع المعادن، انتهت بوقوع انفجارات واضطرابات نتيجة استفزازات دبرتها الشرطة، وقد تمكنت فرق الحماية التابعة لنقابة "سي جي تي" (CGT) من إلقاء القبض على أحد هؤلاء المتسللين، الذي تبين أنه يحمل تصريحاً رسمياً صادراً عن محافظة الشرطة؛ وخلال إحدى مظاهرات "السترات الصفراء" في باريس، بدأت مجموعة من "الكتلة السوداء" (Black Bloc) بقذف مقذوفات باتجاه عناصر الشرطة، وفي تلك الأثناء، خرج شخصان يرتديان ملابس سوداء من وسط الحشود وتوجها نحو طوق أمني مخصص للتعامل مع الشغب، فسمح لهما العناصر بالمرور.
اعتقلت الشرطة، خلال يوم 17 تشرين الأول/اكتوبر 2026، في مدينة باريس لوحدها أكثر من 2500 متظاهرًا وفق بيانات وزارة الدّاخلية. أما أسلوب التّطْويق فهو ليس جديداً، لكنه بات وسيلةً لتقويض الحقوق الاجتماعية، وذلك في أعقاب تفكيك هيئات الحماية الاجتماعية، وفي ظل إطلاق العنان للسوق فَساءت الظروف المادية لحياة الناس، ضمن سياسة اقتصادية جعلت قطاعات متزايدة من المجتمع محاصرة بالمشاغل المادية وبنموذج استهلاكي يتجاوز سياسة "الوفاق الطبقي" التي كانت سائدة طيلة حوالي ثلاثة عُقُود بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، التي كانت تمنح الشعب بعض التنازلات مقابل الحفاظ على السلم الاجتماعي، قبل سيادة النيوليبرالية منذ نهاية عقد سبعينيات أو بداية ثمانينيات القرن العشرين، حيث أصبحت الدولة تمارس "التطويق" (أو الحصار) الذي قد يبدو أحيانًا غير مرئي، لكن وطْأَتَهُ حاضرة باستمرار مُتَمَثّلَةً في ارتفاع إيجار السّكن وأسعار السلع والخدمات الأساسية والأدوية والطاقة، وتفكيك آليات إعادة التوزيع وانهيار شبكات الحماية الجماعية ما يؤدي إلى تضييق الخناق على سبل العيش، وتقليص القيمة الحقيقية للدخل، مع تآكل آليات الحماية الجماعية، وتضطلع أجهزة الدّولة بتنظيم هذا الضغط الاقتصادي من خلال هيمنة القطاع المالي وارتفاع حجم الدّيْن العام وتحويل المال العام إلى الأثرياء والشركات الكبرى، مقابل فَرْض التقشف لمواجهة "الميل نحو انخفاض معدل الربح"، وجَسَّدَت الدّولة العُنْف الإقتصادي في الحياة اليومية لمعظم المواطنين الذين تتهدّدهم الهشاشة وانعدام الأمن الإجتماعي، وتُذكّر الدّولة المواطنين ( في شكل تهديد صريح) بأنها "تحتكر استخدام العنف "، وهو عنف مادي بواسطة الشرطة والجيش والقضاء، وعُنف اقتصادي يتمثل في محاباة الأثرياء ودعم عملية استيلائهم على الثروة مع تقليص الفُتات الذي تتقاسمة أغلبية المواطنين من عُمال وصغار المُزارعين ومُعَطّلين عن العمل وفُقراء وتمارس الدّولة هذه القوة عبر ذراعين، وفقاً لعالم الإجتماع الفرنسي "بيير بورديو": ذراعٌ يسرى اجتماعية وحامية، وذراعٌ يمنى سيادية وقسرية؛ لكن هذا التكتيك أصبح لاغيًا في ظل النيوليبرالية وفي ظل تغيير موازين القوى لصالح أثرى الأثرياء، واقتصر دور الدّولة على القمع والتقشف الذي يَضُرُّ بالفئات الأشَدَّ هشاشة (ارتفاع الإيجارات وأسعار الطاقة وتكاليف المعيشة)، في ظل اتساع رُقعة البطالة والفقر، وعندما يغضب الفُقراء ويُحاولون التعبير عن غضبهم من خلال التّظاهرات السّلمية، تمارس الدّولة ضدهم القمع السافر من خلال الإعتقالات والسجن والضرب حد الإعاقة وبَتْر الأطراف وانتهاج تقنية "التطويق الأمني" (la nasse) أي مُحاصرة المتظاهرين ومنعهم من التّحَرّك أو التعبير عن الغضب، لكن المتظاهرين من الشباب تمكنوا من كَسْر الطّوْق من خلال تنظيم العديد من التجَمُّعات والتظاهرات في العديد من الأحياء في نفس الوقت، بهدف تفريق قوات الشّرطة، وتمكن جيل الشباب من استخدام منصات التواصل الإجتماعي كأداة للتنظيم والانتشار ونَسْج أشكال جديدة من روابط التضامن، في ظل ضُعْف المنظمات السياسية والنقابية والصعوبات التي تلاقيها لمجابهة هُجُوم رأس المال والحكومة وأرباب العمل...
راهنت الحكومة على تفاقم الأوضاع وتدهورها حدّ التّعّفُّن، معتمدة على استراتيجية القمع وحَظْر التّظاهر ومنع التجوال والإعتقالات والمُحاكمات العاجلة التي لا تضمن حقوق المُعتَقَلين، فقد أعلنت الحكومة وضع 2513 شخصاً رهن الاحتجاز لدى الشرطة، وحبس 67 آخرين خلال يومي 17 و18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وصدرت الأحكام القضائية الأولى على الفور يوم الاثنين 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026 في محاكم عدة مدن، دون منح المتهمين فرصةً للدفاع عن أنفسهم في ظل هذا القضاء الاستثنائي، وفي ظل أجواء "حالة الطوارئ" وحظر التجول المفروض في مدن كبرى مثل باريس وليون وبوردو وليل ومرسيليا ونيس وغيرها، وقد أصدرت المحاكم، على عجل، أحكاماً بالسجن النافذ، بهدف تقديم نموذجٍ صارمٍ لا يعرف اللين، وأظهرت هذه الإحتجاجات إن رئيس الوزراء وحكومته لَيْسو غَيْر أدوات تنفيذية يُحركها رأس المال لتتسبب في تأجيج أزمة نظامٍ بات منهكاً، وقد وسّع هذا النظامُ دائرةَ خصومه لتشمل فئات لم تكن مُعارضة...
يختتم ماكرون عقده في السلطة بصفته الرئيس الأكثر كراهية في تاريخ الجمهورية الخامسة؛ إذ يرى 83% من الفرنسيين أنه "رئيس سيئ". ووفقاً لمعهد "أودوكسا" (Odoxa)، فإنه يثير حالة من "الرفض" غير المسبوقة. وفي الوقت ذاته، يشير معهد "إلاب" (Elabe) -وهو مؤسسة استطلاعات رأي ذات توجه يميني- إلى أن الجميع، أو يكاد الجميع، يدعمون مطالب المتظاهرين. وتجدر الإشارة إلى أن "إلاب" هو مكتب استشارات واستطلاعات رأي يديره أحد أولئك المتملقين الذين يملؤون أروقة السلطة، والذين يضعون أنفسهم دائماً في خدمة الأقوياء، سواء كانوا من كبار رجال الأعمال المليارديرات أو السياسيين المنتمين لليمين. وفي استطلاع حول "أعمال العنف" التي شهدتها مظاهرات 17 أكتوبر 2026، طرح المعهد سلسلة من الأسئلة الموجهة بشكل مقصود، مثل: "هل تشعر بالغضب أم بالحزن إزاء أعمال العنف في المظاهرات؟". لكن "إلاب" لم يسأل المشاركين عن شعورهم تجاه مشاهد تشوه أطفال على يد الشرطة. ورغم أن هذا الاستطلاع جاء متحيزاً ضد المتظاهرين، إلا أن بعض الحقيقة برزت وسط أسئلة رديئة للغاية؛ حيث أفاد 93% من الفرنسيين بأن مطالب المتظاهرين المتعلقة بالقدرة الشرائية ومواجهة غلاء المعيشة هي مطالب مشروعة، بينما يرى 82% الأمر ذاته بخصوص المطالب التي يرفعها طلاب المدارس الثانوية والجامعات. وتؤكد هذه الأرقام وجود دعم واسع النطاق للحركات الاجتماعية الجارية، ورفضاً لسياسات الازدراء والتفكيك الاجتماعي. ويخلص معهد "إلاب" إلى القول: "على الرغم من أعمال العنف، يرى الرأي العام أن مطالب المتظاهرين بشأن القدرة الشرائية، وكذلك مطالب الشباب، هي مطالب مشروعة". وعندما يصل الإجماع في الرأي العام إلى هذا المستوى، لا يسع حتى أكثر الأطراف سوء نية إلا الإقرار بواقعٍ يتسم بتجاهل السلطة لمطالب الناس، حيث لا تملك السلطة سوى رد واحد: القمع. باتت السلطة معزولةً عزلةً لم تشهد لها مثيلاً من قبل، ولا يمنعها من السقوط حالياً سوى بضعة عشرات الآلاف من عناصر الميليشيات المُسَلَّحَة…

تقدم الأرقام الواردة عن المجتمع الفرنسي صورة يصعب التوفيق بينها وبين خطاب التقشف الذي ترفعه الدولة والحكومات المتعاقبة، منذ أكثر من أربعة عُقُود مؤكدة على ضرورة التقشف والتضحية، لكن تُفيد البيانات الرسمية إن التقشف يضر بالفئات الأكثر هشاشة، فيما يزداد الأثرياء ثراء، فقد تجاوزت ثروات خمسين مليارديرا فرنسيا مجموع ثروات أكثر من اثنين وثلاثين مليون شخص، بينما وصلت نسبة الفقر النقدي إلى 15,4 % سنة 2024، أي إن الثروة التي يخلقها المجتمع تؤول ملكيتها إلى قلة من الأثرياء بقرار من أجهزة الدّولة التي لا تُمثل مصالح جميع المواطنين ( كما تدعي الدّعاية الرأسمالية) بل تُمثل مصالح البرأسماليين الذين يمتلكون السلطة الحقيقية ويتحكمون بالإنتاج والاستثمار والتوزيع، من خلال الإستحواذ على القيمة التي يخلقها العُمّال والمنتجون، ليتراكم رأس المال لدى الرأسماليين الذين يُوّجّهون النشاط الاقتصادي وقرارات الدّولة ( الحكومة والبرلمان والقضاء…)، ولتتراكم الثروة لدى فئة تقف في قمة الهرم أو السُّلَّم الإجتماعي، فيما تتدهور الخدمات التي يحتاج إليها ملايين الناس، أي إن هؤلاء الأثرياء يُحدّدون الأولويات الاجتماعية، فيؤثرون نفسهم بالمساعدات من المال العام، وقدرت لجنة تحقيق برلمانية حجم هذه المُساعدات سنة 2023 بنحو 211 مليار يورو، أي إن الدولة ليست عاجزة عن التدخل في الاقتصاد، بل إنها تعبئ الموارد وتضع القواعد وتمنح الامتيازات وتتحمل بعض المخاطر المرتبطة بالنشاط الاقتصادي الذي لا يخدم سوى مصالح مالكي الأسهم والمُضاربين في البورصة، وتختار الدولة مساعدة الأثرياء بدَلَ توجيه الإستثمارات نحو المدارس والمستشفيات العمومية والمرافق العامة والإنفاق الإجتماعي، ولذا من المشروع طرح السؤال الذي طرحه المحتجون في شوارع مُدُن فرنسا : لماذا تستطيع الدولة إيجاد الموارد لدعم النشاط الرأسمالي، بينما يصبح توفير التعليم الجيد موضوعا دائما للتقشف؟ إن العجز عن توفير الموارد للتعليم ليس مرادفا لانعدام الثروة، بل يرتبط أيضا بكيفية توزيعها وبالمصالح التي تحظى بالحماية عندما تتعارض الحاجات الاجتماعية مع مقتضيات الربح، وتظهر هذه المفاضلة بوضوح في الميزانية التي يناقشها البرلمان، فمشروع ميزانية الدفاع لسنة 2027، وفق الأرقام الواردة في النص، يرفع الاعتمادات إلى 63,4 مليار يورو، ويترك المجال للدولة لتقدم حججها الأمنية والعسكرية ولتُقدّم الإنفاق الحربي كأولوية غير قابلة للنقاش أو التّأجيل، بينما تصبح المدرسة العمومية موضوعا دائما للمراجعة والتقشف وإعادة الهيكلة…
تتّسع الفوارق والفجوة بين الطبقات، مع تراجع الخدمات والحماية الإجتماعية، ليتّسع الفرق بين ما تستطيع الدولة تقديمه وما تستطيع الأُسَرُ شراءه من سلع وخدمات خاصة، فتتحول حاجة الفئات المتوسطة والفقيرة إلى تعليم جيد إلى فرصة جديدة لتراكم أرباح التعليم الخاص، ويصبح الحق الاجتماعي سلعة تتفاوت جودتها وفق القدرة على الدفع، ولا يمكن فهم الأزمة الفرنسية بمعزل عن موقع فرنسا داخل النظام الرأسمالي العالمي، ونَهْب موارد أشباه المُستعمرات في إفريقيا، وإخضاع العمل لشروط بناء علاقات اقتصادية تخدم مصالح الدولة الاستعمارية والشركات الإحتكارية المرتبطة بها، حيث اسْتَمَرّت أشكال التبعية التجارية والمالية والنقدية والتكنولوجية، بعد موجة الإستقلال الشكلي ( بداية ستينيات القرن العشرين) واحتفظت شركات فرنسية بمواقع في قطاعات استراتيجية داخل عدد من البلدان الإفريقية، غير أن هذه المواقع تواجه اليوم منافسة متزايدة مع صعود قوى اقتصادية أخرى ( الصين وروسيا وكوريا الجنوبية واليابان والهند وتركيا وغيرها) وتشير الأرقام إلى انخفاض حصة فرنسا في السوق الإفريقية من نحو 15 % سنة 2000 إلى 7,5 % سنة 2020.
أما الأزمة المالية في فرنسا فإنها ترتبط بعوامل داخلية وأوروبية متعددة، من ضمنها العلاقة بين الأرباح الخارجية والإنفاق الاجتماعي ( أي توزيع بعض فتات نتائج استغلال موارد إفريقيا للحفاظ على السلم الإجتماعي داخل فرنسا)، لكن تراجع مواقع النفوذ التقليدية يُبْرز التحولات التي تواجه الرأسمالية الفرنسية، التي تسعى إلى الحفاظ على قدرتها التنافسية ومواقع رأسمالها في عالم تتغير فيه مراكز القوة، وقد تتعارض هذه المتطلبات مع حاجات قطاعات واسعة من المجتمع، بما فيها التعليم والصحة والسكن والعمل، ومن هنا تبدو الأزمة كأزمة نموذج اجتماعي وسياسي، لا مجرد خلل في إدارة قطاع بعينه، ولذلك ترفض الحكومة الإستجابة ( لأنها تُدْرك الإرتباط الوثيق بين مختلف القطاعات)، بل تعتبر مطالب التلاميذ أو العاملين في المدارس والمستشفيات وغيرها عبئا ماليا، وتتعامل معها بعنف من خلال الأجهزة الأمنية، وتتعامل مع الشارع بوصفه خطرا ينبغي احتواؤه، وعندما تستخدم الدولة القوة ضد التلاميذ، تظهر حدود الديمقراطية البرجوازية في اللحظة التي يصطدم فيها الحق المعلن بالمصالح الفعلية للنظام، فجهاز الدّولة الطبقية لا يتحرك خارج علاقات القوة التي يقوم عليها المجتمع، حين يواجه صراعا اجتماعيا، وقد يقدم تنازلات أو يفتح حوارا أو يُعَدّل سياساته، لكنه يظل معنيا بحماية النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي تستند إليه سلطته، لذلك لا يمكن أن يظل الدفاع عن المدرسة العمومية محصورا في زيادة الاعتمادات أو تحسين ظروف الدراسة، رغم ضرورة هذه المطالب. إنه يقتضي أيضا مواجهة السياسات التي تجعل التعليم تابعا لضرورات السوق، وتَحْميل الأسر كلفة تدهور الخدمات، وتعيد إنتاج الفوارق الطبقية باسم المنافسة والاستحقاق، ولم يعد هذا الحراك الشبابي، وفق ما تشير إليه امتداداته الأخيرة، محصورا في الحدود الفرنسية، فقد توسّعت رُقعة الاحتجاجات إلى بلجيكا وإيطاليا وألمانيا وغيرها، في مؤشر على أن الغضب لا يرتبط بخصوصية المدرسة الفرنسية أو بأزمة حكومة بعينها، بل يجد أرضا مشتركة في أوضاع الشباب الأوروبي وتناقضات اجتماعية تتجاوز الحدود الوطنية، وما يزال الحراك يُعبر عن غضب جيل يجد نفسه محاصرا بين تدهور شروط التعليم، وانسداد آفاق العمل، وارتفاع كلفة الحياة، وتراجع القدرة على بناء مستقبل مستقل عن شروط السوق.
يكشف اتساع رقعة الإحتجاج في أوروبا عن تشابه الظروف التي أدّت إلى خروج الشباب من المؤسسات التعليمية إلى الشارع وإلى مجابهة أجهزة القمع ( الشرطة والقضاء)، فقد تقاطعت مطالب الشباب في فرنسا وبلجيكا وإيطاليا بشأن الدفاع عن التعليم العمومي ورفض التقشف والتهميش الاجتماعي، ورفض تحميل الفُقراء والعاملين كلفة الأزمات التي تنتجها الرأسمالية، ومن المُؤسف غياب أو ضُعْف الحركات الثورية التي يُمكنها تحويل النضال المطلبي إلى نضال ثوري يضع الإصبع على التناقضات الطبقية وعلى ضرورة تغيير موازين القوى، لكي لا يتعرض الشباب بمفرده إلى الضغط الحكومي والقمع والمحاكمات، فالشباب لا يواجه بالضرورة الدولة نفسها أو السياسات ذاتها، لكنه يصطدم بعالم يطالبه بالتكيف مع تراجع الحقوق الاجتماعية، ويقدم مستقبله باعتباره مسألة فردية ينبغي أن يواجهها كل واحد بمفرده، ومن هنا فإن استمرار الحراك واتساع رقعته يفتحان إمكانات جديدة للتضامن بين النضالات الطلابية والشبابية، ويطرحان على القوى اليسارية والثورية مسؤولية تحويل هذا الغضب المتنقل من احتجاجات متفرقة إلى قوة اجتماعية قادرة على مواجهة الأسباب المشتركة للأزمة، وربط معركة التعليم بمعارك العمال والأحياء الشعبية وسائر الفئات التي تدفع ثمن سياسات التقشف وإعادة إنتاج التفاوت الطبقي، غير أن اتساع الحراك جغرافيا لا يكفي وحده لفهم موقعه التاريخي، ولا يبرر التعامل معه باعتباره تكرارا تلقائيا لانتفاضات سابقة، مثل حركة أيار/مايو 1968 في فرنسا التي يجب التّأمل في حدودها واستخلاص الدروس منها وعدم تقديسها أو اعتبارها قالبا جاهزا يمكن إسقاطه على الحاضر، فما هي سوى تجربة وجب البحث عن أوجه التشابه والاختلاف بينها وبين الحقبة الحالية من الصراع الاجتماعي، وتكمن أوجه التشابه في انطلاق الحراك من المدرسة والجامعة من أجل تحسين ظروف الدراسة، لتتوسع فتشمل مطالب الشباب ولتتحول إلى مواجهة مع السلطة السياسية المسؤولة عن تدهور ظروف الدّراسة وظروف عيش الفئات الفقيرة والمتوسطة، وبذلك تجاوز حركة التلاميذ والطّلبة حدود المؤسسة التعليمية والبرامج الدراسية والامتحانات، لتطرح قضايا المستقبل، وتجاهلت السلطات السياسية وضع التعليم العام منذ عُقود، وجابهت الاحتجاجات بالقمع الذي لم يخْمد الحركة بل ساهم في توسيع دائرة الغضب وفي رَبْط المطالب المباشرة بتناقضات المجتمع التي خَلّفَتها عقود من إعادة الهيكلة النيوليبرالية، وتراجع الضمانات الاجتماعية، وانتشار العمل الهش والعمل بدوام جزئي وتراجع القيمة الحقيقية للدّخل، وتراجع مستوى الخدمات العمومية التي أصبحت خاضعة لمنطق المنافسة والقدرة الفردية على تحمل كلفة الحياة، في غياب الوحدة السياسية والتنظيمية للفئات المُتَضَرّرة من الرأسمالية عموما ومن النيوليبرالية بشكل خاص، وَرَبْط الدفاع عن التعليم العمومي بالصراع الأوسع ضد الاستغلال والتقشف والبطالة والفقر، ومن أجل العمل والسكن والأجور والحماية الاجتماعية اللائقة، وتمويل البرامج الإجتماعية بواسطة الضرائب على الثروة وأرباح الشركات الكبرى والمُضاربة، وإلغاء الإمتيازات التي متّعت الدّولة بها الأثرياء…



#الطاهر_المعز (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فرنسا : من دواعي الغضب – الحلقة الرابعة
- غلادش بعد عام ونصف
- فرنسا – من دواعي الغضب – الحلقة الثالثة
- فرنسا : من دواعي الغضب – الحلقة الثانية
- فرنسا : من دواعي الغضب – الحلقة الأولى
- الإنحياز الطّبَقي لخُبراء صندوق النقد الدّولي
- اليمن – تحالفات إقليمية ودولية ضد المُقاومة
- من المُتحَكّم بمصير العالم : اللُّوبي الصهيوني أم الإمبريالي ...
- إعادة تَدْوير الرأسمالية باسم - الطاقة النّظيفة - و -الإقتصا ...
- هل عدم المساواة فطْري أو طبيعي، أم مكتسب؟
- بإيجاز: فلسطين - الإحتلال = مجازر ودمار وخراب
- الولايات المتحدة – هل الرعاية الطبية ترف؟
- المغرب- مسار التطبيع العَلَني
- أيلول في الذّاكرة العربية والأمريكية
- شمال إفريقيا - الدَّوْرُ الوَظيفي للمغرب
- من حلف بغداد إلى اتفاقية مَكّة
- القواعد العسكرية الأمريكية والأجنبية في إفريقيا
- تونس بعد خمس سنوات 25 تموز/يوليو 2021 - 2026
- أوروبا - اختلال التوازن بين رأس المال والعمل
- الرياضة من منظور طَبَقي - كأس العالم 2026 والعنصرية الصريحة


المزيد.....




- -البوابة الحديدية-.. الجيش الأمريكي يشكل قوة مهام لمنع إيران ...
- السيسي يعقد اجتماعا طارئا مع قيادات عسكرية
- وسط انتقادات ومقاطعة .. نجل شاه إيران السابق يتسلم جائزة الح ...
- بعيداً عن ترامب.. جي دي فانس يشق طريقه لخوض سباق انتخابات 20 ...
- التضامن تحذر من صفحات مزيفة تروج لمعلومات مغلوطة عن برنامج “ ...
- وزيرة الإسكان تلتقي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وعواقل وشيوخ ...
- محافظ القليوبية يوجه بتعميم آليات جديدة لتطوير الأداء بالوحد ...
- التضامن :  فريق التدخل السريع بالإسكندرية يُعيد شاباً من ذوي ...
- لماذا تستهدف بلاغات بوجود قنابل الحركة الجوية في أوروبا؟
- ما دلالات تعيين ترامب لستيفن ميلر مديرا لمكتبه في البيت الأب ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - فرنسا : من دواعي الغضب – الحلقة الخامسة