أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كفاح محمود كريم - الهويّة بين المعبد والأمّة














المزيد.....

الهويّة بين المعبد والأمّة


كفاح محمود كريم

الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 09:22
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في الشرق الذي نعيش فيه، لا تكاد تُطرح مسألة الهوية حتى يتداخل فيها ما لا يتداخل: الدين بالقومية، والعقيدة بالنسب، والمعبد بالقبيلةK وكثيرًا ما يُسأل الواحد منا عن قوميته فيجيب بدينه، أو يُسأل عن دينه فيجيب بعشيرته، كأن هذه الدوائر طبقةٌ واحدة لا تنفصل، والحقيقة أن هذا الالتباس ليس بريئًا، ولا هو مجرد خطأٍ في المصطلح، بل واحدٌ من أعمق جذور أزماتنا السياسية منذ نشأت دولنا الحديثة.
الدين، في جوهره، عقيدة: تصوّرٌ للخالق والوجود والمصير، ومنظومةٌ من القيم والطقوس والشرائع يؤمن بها الإنسان فيلتزم بها، وهو بهذا المعنى أقرب إلى الأيديولوجيا منه إلى الانتماء؛ فكرةٌ تسكن العقل والوجدان، تنتقل من شعبٍ إلى شعب ومن لغةٍ إلى لغة، يعتنقها الغريب ويهجرها القريب، ولهذا انتشرت الأديان الكبرى عابرةً للأجناس والجغرافيا، ولم تسأل من دخلها عن لون بشرته أو لسان أمّه.
أما القومية فشيءٌ آخر تمامًا، إنها انتماءٌ إلى جماعةٍ بشرية تشكّلت ببطءٍ عبر قرونٍ طويلة، صاغتها لغةٌ مشتركة وأرضٌ مشتركة وذاكرةٌ وأغانٍ وأمثالٌ وأحزانٌ وأفراحٌ متوارثة. يولد الإنسان فيها كما يولد في لغته الأم، قبل أن يعي أو يختار، وقد يبدّل عقيدته مرةً ومرتين، لكنه لا يستطيع أن يبدّل الذاكرة التي تكلّمت بها جدّاته، ولا الأرض التي صنعت ملامحه، والعشيرة والعِرق والجغرافيا دوائرُ من الطبيعة ذاتها: روابطُ دمٍ أو أرضٍ أو تاريخ، لا روابطُ إيمان.
ويكفي أن ننظر حولنا ليتّضح الفرق، فالأمة الواحدة تحتضن أديانًا متعددة: في الكورد مسلمون سنّةً وشيعة، وإيزيديون، ومسيحيون، وكاكائيون، وكان فيهم يهودٌ عاشوا قرونًا في قرى كوردستان ومدنها قبل أن يُهجَّروا، وفي العرب مسلمون ومسيحيون ودروز، ولم يخرج أحدٌ من هؤلاء من قوميته لأنه صلّى في معبدٍ غير معبد جاره، وفي المقابل يجمع الدين الواحد أممًا لا يجمعها لسانٌ ولا تاريخ؛ فالإسلام يضمّ العربي والكوردي والتركي والفارسي والأفغاني والملايوي والأفريقي، والمسيحية تمتد من الأرمني والآشوري إلى الإيطالي والبرازيلي، وهذه الشعوب في الإسلام أمةٌ واحدة بمعنى العقيدة، أمةُ الإيمان التي خاطبها القرآن بقوله: "إنّ هذه أمّتُكم أمّةً واحدة"، تجمعها قبلةٌ وكتاب، لكنها لم تنصهر في أمةٍ قوميةٍ واحدة؛ فبعد أربعة عشر قرنًا ما زال العربيُّ عربيًّا والكورديُّ كورديًّا والتركيُّ تركيًّا والفارسيُّ فارسيًّا، ومن الخلط بين المعنيين خرج مَن يطالب غيره باسم الأمة أن ينسى قوميته، ويُبقي قوميته هو فوق كل نقاش. فلو كان الدين قوميةً لذابت هذه الشعوب في قومٍ واحد، ولو كانت القومية دينًا لما صلّى أبناء البيت الواحد إلى قبلتين.
ويبقى السؤال الأدق: ماذا عن الديانات المغلقة، تلك التي لا تقبل أن يعتنقها أحدٌ من خارجها، ولا تجيز لأتباعها الخروج منها، فلا يكون المرء من أهلها إلا بالولادة؟ أليست، بحكم انغلاقها، أقرب إلى القومية منها إلى العقيدة؟ هنا تحديدًا يكمن الالتباس الذي استثمرته السياسة طويلًا، فانغلاق الدين قاعدةٌ داخلية تنظّم العضوية في الجماعة الإيمانية وتحميها من الذوبان، لا شهادةُ ميلادٍ لأمةٍ مستقلة؛ والوراثة هنا وراثةُ عقيدة لا وراثةُ قومية، فالإيزيدي الذي يرتّل أقواله الدينية بالكوردية، ويغنّي بها، ويحمل في ذاكرته أسماء جبالها وقراها ومآسيها، كورديُّ القومية إيزيديُّ الديانة، ولا يُنقص انغلاقُ دينه من كورديته شيئًا، كما لا يجعل انغلاقُ المذهب الدرزي من الدروز قوميةً غير عربية، الانغلاق يحدّد من يدخل المعبد، لا من ينتمي إلى اللغة والأرض والتاريخ.
ولم يكن هذا الخلط في بلادنا سوءَ فهمٍ عابرًا، بل أداةَ حكم. فقد عرف العراق في عهد البعث سياسة "تصحيح القومية"، حين دُفع الناس إلى تغيير قومياتهم في السجلات الرسمية، ونُسب الإيزيديون والشبك وغيرهم إلى غير قومياتهم، في محاولةٍ لإعادة رسم الخريطة السكانية بالقلم والاستمارة، ثم جاء ما بعد 2003 بنسخةٍ معكوسة من الخطأ ذاته: صار المذهب هويةً سياسية، وتحوّلت الطوائف إلى "مكوّنات" تتقاسم الدولة، وظهرت محاولاتٌ لاقتطاع جماعاتٍ دينية من أممها وتقديمها قومياتٍ مستقلة، لا لأن التاريخ يقول ذلك، بل لأن الحسابات الانتخابية وخرائط المناطق المتنازع عليها تحتاج الى هكذا تدوير لما انتجته الأنظمة السابقة في صناعة بدائل هزيلة سياسيا وقوميا.
والنتيجة في الحالين واحدة؛ فحين يتحوّل الدين إلى قومية تولد الطائفية، ويغدو الإيمان حدودًا بين الناس بدل أن يكون جسرًا إلى السماء، وتُبنى الدولة على عدّ الرؤوس في المعابد، وحين تُلبَس القومية ثوبَ القداسة تولد الشوفينية، ويصير الانتماء إلى اللغة والأرض عقيدةً لا تقبل النقد ولا تحتمل الآخر، وكلا الانحرافين قاد شعوب هذه المنطقة إلى المقابر الجماعية والتهجير والإبادة.
إن الفصل بين المفهومين ليس دعوةً إلى إضعاف أيٍّ منهما، بل إلى وضع كلٍّ في موضعه، فالإيمان شأنٌ بين الإنسان وربّه، يمارسه بحريةٍ وكرامة، والقومية شأنٌ بين الإنسان وتاريخه ولغته، يعتزّ بها دون أن يستعلي بها على غيره، وما يجمعهما ويحميهما معًا هو المواطنة: دولةٌ لا تسأل أحدًا عن صلاته حين يطرق باب حقوقه، ولا عن نسبه حين يؤدي واجباته.
وحين نبلغ ذلك سنكفّ عن سؤال الناس: من أيّ دينٍ أنت لنعرف من أيّ قومٍ أنت؟ وسنفهم أن المرء قد يغيّر قبلته ولا يغيّر لغته، وأن العقيدة تُعتنَق، أما القومية فتولد معنا.



#كفاح_محمود_كريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فسيفساءُ الشرق الأوسط القلقة
- مدرسةُ التجهيل.. فسادُ يسرق العقول
- بغداد وطهران حين تبتلع العقيدة الدولة
- لا أحدَ هنا يريد إغلاق ملف
- كردستان وجهاتُها الأربع
- المدعو... لغةٌ لم تسقط بعد
- الديمقراطيات المستوردة والواقع المزري!
- الديمقراطيات المستوردة والواقع المزري!
- من مآسي (داعش) الى كوارث (الميليشيات)
- الديمقراطية في بلادنا كالعاهرة المحجبة!
- تحديات النظام الديمقراطي في الشرق الأوسط
- صناديق الاقتراع وديمقراطية المواطنة؟
- حرف السين وسوف والخطابات الملتهبة!
- أشجع الفرسان الجبناء (الجوع والفساد)!
- من هو كذاب بغداد؟
- العراق وكوردستان.. تعايش اختياري أم قسري؟
- فرص العراق الضائعة!
- سيرك الديمقراطية الشرقية
- من أجل صيغة جديدة في العلاقة بين العراق وكوردستان
- داعش و-مدرسة الاجيال-!


المزيد.....




- الداخلية المصرية تنفي ما روّجه -الإخوان- حول السجون
- -أنا وأخي من الإخوان المسلمين-.. كيف سخر عبدول السيد من اتها ...
- منتجات بأيدٍ مبدعة.. التضامن تدعم تمكين ذوي الإعاقة والحرفيي ...
- بابا الفاتيكان في مواجهة مفتوحة مع -اليمين الشعبوي- في أمريك ...
- منظمات إسلامية في مرمى قانون فلوريدا.. كير يعلق أنشطته ويستأ ...
- مقتدى الصدر يستشهد بحب مكة والمدينة لإقامة النبي محمد فيهما ...
- عن الإسلام والحُكّام! رئيس عنصري ووزير كافر ومسلم خانع
- -فخور بكوني أمريكياً-.. ماذا قال بابا الفاتيكان لـCNN عن تصو ...
- رئاسة الشئون الدينية بالحرمين: استهداف الحوثيين مكة والمدينة ...
- ميرتس: على المسلمين الذين يرفضون الاعتراف بمسؤولية ألمانيا ع ...


المزيد.....

- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا ... / عبدالله الفكي البشير
- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كفاح محمود كريم - الهويّة بين المعبد والأمّة