أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كفاح محمود كريم - بغداد وطهران حين تبتلع العقيدة الدولة














المزيد.....

بغداد وطهران حين تبتلع العقيدة الدولة


كفاح محمود كريم

الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 10:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن مأساة كثيرٍ من دول الشرق الأوسط في الدين، ولا في السعي إلى امتلاك أسباب القوّة، بل في تحويل العقيدة السياسية إلى سلطةٍ مطلقة، والقوّة العسكرية إلى غايةٍ في ذاتها، فالدول تنهض حين تكون الأيديولوجيا في خدمة المجتمع، وتبدأ بالتآكل حين يصير المجتمع والدولة في خدمة الأيديولوجيا؛ عندها تتراجع المواطنة أمام الولاء، وتُقاس قيمة الإنسان بموقعه من العقيدة أو السلطة، لا بكفاءته وحقوقه ودوره في بناء الوطن.

فالدولة الحديثة تقوم على القانون والمؤسسات وتداول المسؤولية، أمّا الأنظمة المؤدلجة فتقوم على احتكار الحقيقة واحتكار الوطنية معاً، وحين تتغلغل هذه العقلية في الجيش والأمن والتعليم والإعلام، تتحوّل مؤسسات الدولة تدريجياً إلى أدوات تعبئةٍ وحشد بدل أن تكون أدوات خدمةٍ وتنمية، وقد تبدو هذه الأنظمة قويةً بكثافة شعاراتها ووفرة سلاحها، لكنها كثيراً ما تخفي هشاشةً تتراكم بصمت حتى تنفجر في لحظةٍ فارقة.

في العراق مثّل عهد البعث نموذجاً واضحاً لهيمنة العقيدة على الدولة، لم يأتِ الضرر من الحروب وحدها، بل من اختزال الوطن في حزب، والحزب في قائد، وتحويل المؤسسات إلى أدواتٍ لمشروعٍ مغلق، ومع الزمن صارت الحروب وسيلةً دائمة لإدامة السلطة، فاستُنزفت الموارد البشرية والاقتصادية، ودُفعت البلاد إلى مواجهاتٍ متتالية انتهت بخرابٍ واسع وعزلةٍ دولية وانهيارٍ مؤسسيّ ما تزال آثاره ماثلة.

منظومة وطنية

وبعد 2003 انتقل العراق إلى مرحلةٍ مختلفة في الشكل، لكنها لم تتحرّر تماماً من تسييس الدولة، فبدل أيديولوجيا واحدة برزت تعدّديةٌ أيديولوجيةٌ وطائفيةٌ وحزبية أضعفت مفهوم الدولة الجامعة، وصارت قوىً سياسية تنظر إلى المؤسسات غنائمَ نفوذٍ وأدواتٍ لترسيخ الولاءات، فيما ظلّ السلاح خارج المنظومة الوطنية يعقّد بناء دولة المواطنة، وقد أظهرت حرب هذا العام كلفة ذلك بوضوح، حين صار العراق ساحةً يُطلَق منها الردّ في حربٍ لم تقرّرها مؤسساته، ثم أُرجئ حصر ذلك السلاح بيد الدولة إلى حزيران 2027.

أمّا إيران فقدّمت نموذجاً أكثر تعقيداً، فمنذ ثورة 1979 نجحت الدولة في بناء مؤسساتٍ إداريةٍ وعلميةٍ وعسكرية متطوّرة نسبياً، لكنها أبقت المشروع الأيديولوجيّ مرجعيةً عليا فوق الدولة نفسها، ومع الوقت تداخل الأمن القوميّ مع مشروعٍ إقليميٍّ واسع، وصارت شبكات الحلفاء والفصائل المسلّحة جزءاً من فلسفة النفوذ والدفاع، تُنفَق عليها مواردُ كان يمكن أن تذهب إلى الاقتصاد والتعليم والخدمات في الداخل، فيدفع المواطن الإيرانيّ ثمن مشروعٍ لم يُستشر فيه.

وفي هذا السياق اكتسب البرنامج النوويّ أهميةً تتجاوز أبعاده العلمية والاقتصادية؛ فقد صار عند كثيرٍ من أنصار النظام رمزاً للاستقلال والكرامة والصمود، والمشكلة ليست في امتلاك التكنولوجيا، بل في تحويل المشاريع الاستراتيجية إلى أدوات تعبئةٍ تجعل التراجع أو المراجعة أمراً بالغ الصعوبة، حتى حين ترتفع الكلفة على المواطنين، وها هي إيران اليوم، بعد حربٍ خسرت فيها مرشدها في أيامها الأولى وحصارٍ بحريٍّ يخنق اقتصادها، تكتشف أنّ ما بُني رمزاً للبقاء صار عبئاً على البقاء نفسه.

لقد أثبت التاريخ الحديث أنّ الدول لا تُقاس بما تملكه من صواريخ وأجهزةٍ أمنية وبرامج نووية فحسب، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، ورفع مستوى التعليم، وتحسين الاقتصاد، وترسيخ سيادة القانون، فالقوّة العسكرية قد توفّر حمايةً مؤقّتة، لكنها لا تصنع ازدهاراً دائماً، ولعلّ التجربتين اليابانية والألمانية بعد الحرب العالمية الثانية أوضحُ مثال: خرج البلدان من دمارٍ شامل، فاختارا الاستثمار في الصناعة والتعليم والتكنولوجيا بدل تحويل المجتمع إلى ساحة تعبئةٍ دائمة، فصارت الهزيمة العسكرية خلال عقودٍ قليلة نهضةً اقتصاديةً وعلمية جعلتهما في طليعة العالم.

ولا يحتاج المرء إلى الذهاب بعيداً في التاريخ ليرى الدرس نفسه؛ فالصين، بعد عقودٍ من التعبئة العقائدية في عهد ماو انتهت بالمجاعة والثورة الثقافية، اختارت منذ أواخر السبعينيات أن تُقدّم التنمية على الشعار، فصارت خلال جيلٍ واحدٍ ثاني اقتصادٍ في العالم، من غير أن تتخلّى عن نظامها السياسيّ. وليس المقصود هنا تزكية ذلك النظام، بل الإشارة إلى أنّ لحظة الانعطاف من الأيديولوجيا إلى التنمية ممكنةٌ حين يقرّر أصحاب القرار أنّ بقاء الدولة أهمّ من بقاء الشعار.

والعراق اليوم أحوجُ ما يكون إلى هذه الانعطافة؛ فهو لا يملك ترف أيديولوجيا واحدةٍ تبتلعه، ولا ترف أيديولوجياتٍ متعدّدة تتقاسمه، بل يحتاج إلى عقدٍ وطنيٍّ يضع الدولة فوق الأحزاب، والتنمية فوق المحاور، ويجعل قرار الحرب والسلم في يد مؤسساته وحدها.

إنّ التحدّي أمام العراق وإيران، كما أمام كثيرٍ من دول المنطقة، ليس امتلاك مزيدٍ من أدوات القوّة، بل إعادة التوازن بين الدولة والأيديولوجيا، وبين الأمن والتنمية، وبين العقيدة والمواطنة، فحين تصير الدولة أكبر من الأحزاب والطوائف والعقائد، تتّجه المجتمعات نحو الاستقرار، وحين تصير السياسة معركةً وجودية دائمة، ويغدو السلاح أو المشروع الأيديولوجيّ غايةً في ذاته، تكون النتيجة مزيداً من الاستنزاف وتأجيل التنمية، فالنهضة لا يصنعها اليورانيوم ولا الشعارات، بل الإنسانُ الحرّ، والمؤسسةُ الرشيدة، والدولةُ التي تجعل التنمية هدفها الأوّل.



#كفاح_محمود_كريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا أحدَ هنا يريد إغلاق ملف
- كردستان وجهاتُها الأربع
- المدعو... لغةٌ لم تسقط بعد
- الديمقراطيات المستوردة والواقع المزري!
- الديمقراطيات المستوردة والواقع المزري!
- من مآسي (داعش) الى كوارث (الميليشيات)
- الديمقراطية في بلادنا كالعاهرة المحجبة!
- تحديات النظام الديمقراطي في الشرق الأوسط
- صناديق الاقتراع وديمقراطية المواطنة؟
- حرف السين وسوف والخطابات الملتهبة!
- أشجع الفرسان الجبناء (الجوع والفساد)!
- من هو كذاب بغداد؟
- العراق وكوردستان.. تعايش اختياري أم قسري؟
- فرص العراق الضائعة!
- سيرك الديمقراطية الشرقية
- من أجل صيغة جديدة في العلاقة بين العراق وكوردستان
- داعش و-مدرسة الاجيال-!
- سقطوا وبقيت كوردستان شامخة
- كلُ يعبر عما ينقصه!
- حزب البعث ومشكلة ملايين العراقيين


المزيد.....




- تسلا تكشف بفيديو عما تصفه بسيارة طائرة
- شاهد.. سجال حاد بين فانس وعبد الرحمن السيد في ميشيغان
- سيلين ديون تختتم عروض باريس بفستان من عام 1997 وعقد عمره 94 ...
- حرب إيران تتصدر مناظرات مجلس الشيوخ بولايتي ألاسكا ومين
- أسعار الطاقة وأزمة ميزانية الاتحاد الأوروبي تصعبان مهمة زيلي ...
- إسقاط نحو 100 مسيرة كانت متجهة إلى موسكو
- وكالة: التحقيق في أوراق هجرة إلهان عمر قد يهدف إلى ترحيلها
- اليابان.. مقاطعة أوكيناوا تتراجع عن موقفها وتوافق على نشر طا ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن قتل قائد في حماس وعنصر في الجهاد الإسل ...
- كوريا الجنوبية.. 6 مصابين في حريق بمصنع للأجزاء المعدنية


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كفاح محمود كريم - بغداد وطهران حين تبتلع العقيدة الدولة