أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - كفاح محمود كريم - المدعو... لغةٌ لم تسقط بعد














المزيد.....

المدعو... لغةٌ لم تسقط بعد


كفاح محمود كريم

الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 18:46
المحور: المجتمع المدني
    


في نيسان 2003 دخلنا المقرّات الإدارية والقضائية والأمنية في أيّامها الأولى، ولولا أنّنا بلغناها مبكّراً لأُحرق ما فيها؛ فقد ضُبطت مجموعةٌ كدّست أكوام الأوراق تمهيداً لإشعالها، غرفٌ تفوح منها عفونة جرائم أُرشفت بصياغةٍ قانونية وتُهمٍ باطلة: أرشيفٌ رسميٌّ في شكله، مزوَّرٌ في مضمونه.
لم يبقَ في ذاكرتي من تلك الأوراق رقمٌ ولا جدول، بل مفردةٌ تتكرّر في كلّ صفحة: "المدعوّ".
لا سيّد، ولا لقبٌ علميّ أو مهنيّ، ولا حتى اسمٌ يقف وحده، كلمةٌ صغيرة تسبق الاسم فتُصغّره، وتُخرج صاحبه من صفة الإنسان قبل أن يُسأل عن تهمة. المهندس والمعلّم والطبيب وشيخ القرية السبعينيّ، كلّهم في السجلّ شيءٌ واحد: "المدعوّ فلان"!.
وليست المسألة أسلوباً، فالجهاز الذي يكتب هكذا حسم موقفه من الناس قبل أن يفتح الملفّ؛ لا يرى أمامه مواطنين بل قطيعاً يُحصى ويُساق، لذلك لم تكن تلك الأوراق تخفي جرائمها، بل تدوّنها بلغةٍ باردة إجراءً روتينياً.
وتشتدّ قسوة الكلمة بما يليها، ففي الأوراق ذاتها تُختم فقراتٌ عن مصير أهل قريةٍ كاملة بعبارة: "أُحيلوا إلى الجهة المختصّة"، مفردةٌ تنزع عن الإنسان صفته، وعبارةٌ تُخفي مصيره، ولا جملةَ بينهما تُقرّ بأنّ في الأمر بشراً.
والمفارقة أنّ اللغة نفسها كانت سخيّةً في الاتّجاه الآخر، فالموظّف الذي كتب "المدعوّ" عن أستاذٍ جامعيّ، كتب في السطر التالي "الرفيق المناضل" و"السيد المدير المحترم"، لم تكن الألقاب شحيحة، بل موزَّعة بمقدار القرب من السلطة.
تلك الغرف كانت تروي قصّة شعبٍ صودرت إنسانيته منذ بدأت حقبة الانقلابات، فمن سبقها قسّم الناس أعياناً وعامّة، وهي قسمةٌ ظالمة، لكنّه لم يحتقرهم في لغته الرسمية، والأخطر أنّ الكلمة لم تمت مع النظام الذي أدمنها، فما تزال "المدعوّ" وأختها "الموما إليه" تتصدّران المخاطبات الرسمية حتى يومنا هذا، تصنّفان المواطن قبل أن تسمّياه، وتضعانه في موقع من يطلب لا من يستحقّ، فسقوط نظامٍ أسهل بكثير من سقوط لغته؛ اللغة تبقى في النماذج المطبوعة وفي عادة الموظّف، وتُورَّث بلا قرار.
أمّا الضفّة الأخرى من القاموس فقد بدّلت ثيابها ولم تبدّل وظيفتها، غاب "الرفيق المناضل" وحضر "سيدنا" و"مولانا" و"المجاهد"، ثمّ استُعير بعد 2003 قاموسُ تعظيمٍ دخيلٌ بأكمله: "فخامة الرئيس"، و"دولة رئيس الحكومة"، و"دولة رئيس البرلمان"، و"معالي الوزير"، و"سعادة السفير"، و"السيدة الأولى"… وبقي المواطن "المدعوّ" و"الموما إليه"، وبقيت معها الأسماء الإيمائية التي تحجب أصحابها؛ فقبل 2003 عمل كثيرٌ من مسؤولي حزب السلطة سنواتٍ لم يعرف الناس أسماءهم الصريحة: هذا "أبو بعث"، وذاك "أبو عقيدة"، وثالثٌ "أبو مناضل"، واليوم لدينا "أبو ولاء" و"أبو مجاهد" و"أبو الشهيد"، تبدّلت العقيدة وبقيت الكنية: سلطةٌ تعرف المواطن باسمه الثلاثيّ ورقم بطاقته، ولا يعرف هو اسم من يحكمه.
القاعدة إذن واحدة في العهدين: لا يُخاطَب الإنسان بصفته إنساناً، بل يُقاس موقعه من السلطة ثمّ تُصرف له المفردات بقدره؛ يُصغَّر من هو تحت، ويُضخَّم من هو فوق، ولا يجد المواطن العاديّ في القاموس الرسميّ كلمةً تنصفه.
إنّ لغة الدولة أوّل إعلانٍ عن موقعها من مواطنها، والدولة التي تكتب "المدعوّ" ستتصرّف يوماً بما يليق بالكلمة، لأنّ اللغة تسبق الفعل وتجعله مقبولاً في عين من ينفّذه، لذلك فإنّ إصلاحاً لا يبلغ مفردات المخاطبة لم يبلغ شيئاً بعد: تتبدّل اللافتات والوزارات والأختام، ويبقى النموذج المطبوع على حاله، والوثيقة التي تحتقر صاحبها لا تصير عادلةً لأنّ الحاكم تغيّر، بل حين تتغيّر هي.



#كفاح_محمود_كريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الديمقراطيات المستوردة والواقع المزري!
- الديمقراطيات المستوردة والواقع المزري!
- من مآسي (داعش) الى كوارث (الميليشيات)
- الديمقراطية في بلادنا كالعاهرة المحجبة!
- تحديات النظام الديمقراطي في الشرق الأوسط
- صناديق الاقتراع وديمقراطية المواطنة؟
- حرف السين وسوف والخطابات الملتهبة!
- أشجع الفرسان الجبناء (الجوع والفساد)!
- من هو كذاب بغداد؟
- العراق وكوردستان.. تعايش اختياري أم قسري؟
- فرص العراق الضائعة!
- سيرك الديمقراطية الشرقية
- من أجل صيغة جديدة في العلاقة بين العراق وكوردستان
- داعش و-مدرسة الاجيال-!
- سقطوا وبقيت كوردستان شامخة
- كلُ يعبر عما ينقصه!
- حزب البعث ومشكلة ملايين العراقيين
- لست شيوعيا ولكن؟
- نيران نوروز والألسنة المكوية؟
- - عجايا - والدنيا عيد!؟


المزيد.....




- الأمم المتحدة تهاجم خطة واشنطن لبث إعدام نضال حسن وتصفها بـ ...
- مستشار وزير الإعلام اليمني: الأمم المتحدة تدير الأزمة في الب ...
- الأمم المتحدة: نحو 40 مدنيا قتلوا باستهداف مسيرة في النيل ال ...
- جدل في واشنطن وتحذيرات أممية من خطة بث إعدام نضال حسن مباشرة ...
- فانس: لن أشاهد البث المباشر لإعدام الضابط الأمريكي نضال حسن ...
- واشنطن تعلن فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وسط تندي ...
- الأمم المتحدة ترحب بأي تقدم نحو تسوية النزاع في أوكرانيا
- -حماس- تدين العقوبات الأمريكية المفروضة على المحكمة الجنائية ...
- غوتيريش يدين العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية ...
- -الموت على الهواء-.. صحف غربية تهاجم خطة هيغسيث لبث إعدام نض ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - كفاح محمود كريم - المدعو... لغةٌ لم تسقط بعد