أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كفاح محمود كريم - مدرسةُ التجهيل.. فسادُ يسرق العقول














المزيد.....

مدرسةُ التجهيل.. فسادُ يسرق العقول


كفاح محمود كريم

الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 23:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثمّة تخلّفٌ يولد من العجز: شحُّ الموارد، وضعفُ الخبرة، وقسوةُ الجغرافيا. وثمّة تخلّفٌ آخر يولد من الإرادة؛ لا يقع على المجتمع كما تقع الكوارث، بل يُصنَع له كما تُصنَع القيود، ويُدار كما تُدار المشاريع، ويُصاغ به الجيلُ كما تُصاغ القوالب. الأوّلُ تُداويه التنميةُ والزمن، أمّا الثاني فلا يُداويه شيءٌ ما دام صانعُه ممسكاً بالمفاتيح. ذلك هو التخلّفُ الذي يبلغ ذروتَه حين يصير الجهلُ أستاذاً، ويغدو التجهيلُ مدرسةً لها مناهجُها وخرّيجوها وحرّاسُها.

اعتدنا، في البلدان التي أنهكها الفساد، أن نحصي الخسائرَ بلغة الأرقام: ملياراتٌ هُرّبت إلى الخارج، وعقودٌ وُهبت للمحاسيب، وموازناتٌ تبخّرت قبل أن تبلغ أبوابَ صرفها. وهذا الحسابُ، على فداحته، يبقى ناقصاً؛ فالمالُ المنهوب قد يُستردّ يوماً بحكمٍ قضائي أو تسويةٍ سياسية أو صحوةٍ متأخّرة، ويُعاد بناءُ ما تهدّم من جسورٍ ومستشفيات. أمّا أعمارُ الأجيال فلا تُردّ. كيف نستعيد سنواتِ شبابٍ حملوا الشهاداتِ ولم يحملوا المعرفة، وأتقنوا اجتيازَ الامتحان ولم يتعلّموا فهمَ الحياة؟ وكيف نعوّض مجتمعاً صار يقيس العلمَ بالورقة المختومة لا بالعقل الذي يسأل، ويقيس الكفاءةَ باللقب لا بما يُنجزه صاحبُه؟

هنا يكمن أخطرُ وجوه الفساد. فالفسادُ الذي يكتفي بسرقة الثروة يترك للمجتمع، على الأقل، عينَه التي ترى ولسانَه الذي يحاسب؛ يبقى الضحيةُ قادراً على أن يعرف أنه نُهب، وأن يسمّي ناهبَه. أمّا حين يمتدّ الفسادُ إلى المدرسة والجامعة، فإنه يسلب الناسَ الأداةَ التي يكتشفون بها السرقةَ أصلاً. يصبح المسروقُ شريكاً بصمته، لا لأنه راضٍ، بل لأنه لم يُعلَّم أن يسأل، ولم يُدرَّب على أن يميّز الحقَّ من الزيف، ولأنّ من نهبه هو نفسُه من كتب له الكتابَ الذي تعلّم منه.

ولم يكن تدهورُ التعليم في كثيرٍ من بلداننا مصادفةً بريئة، ولا مجرّدَ أثرٍ جانبيّ للحروب والحصار. فالشهاداتُ التي تُمنح بلا استحقاق، والجامعاتُ التي تتكاثر كالدكاكين وتبيع ألقابَها لمن يدفع، والدرجاتُ التي تُوزَّع بالولاء، والمقاعدُ التي تُقتسم بالمحاصصة، والمناهجُ التي تُكتب على مقاس العقيدة الحاكمة لا على مقاس العصر، والمعلّمُ الذي يُترك نهباً للفاقة حتى يبيع دروسَه الخصوصية ليعيش؛ كلّ ذلك ليس أعراضَ تقصير، بل أدواتُ حكم. إذ لا شيء أنفعُ لمن يديرون المشهدَ من جمهورٍ يحفظ ولا يفهم، ويطيع ولا يناقش، ويرى في الوعي ترفاً أو تهمة.

شهاداتِ مزوّرة

وليس العراقُ بعيداً عن هذه الصورة، بل لعلّه أشدُّ أمثلتها إيلاماً. فالبلدُ الذي كانت جامعاتُه يوماً قِبلةً لطلاب المنطقة، وكان أطبّاؤه ومهندسوه وأساتذتُه يُطلَبون بالاسم في عواصم قريبةٍ وبعيدة، صار اليوم يحصي الشهاداتِ المزوّرة في دوائره، ويتحدّث عن مدارسَ طينية ومدارسَ تعمل بثلاث وجبات، وعن خرّيجين بعشرات الآلاف يتظاهرون أمام الوزارات طلباً لوظيفةٍ لم يُعدّهم تعليمُهم لغيرها. لم يكن ذلك قدَراً نزل من السماء؛ فقد تعاقبت عليه دكتاتوريةٌ جعلت المدرسةَ ثكنةً لتلقين الولاء، ثم حروبٌ وحصارٌ أفقرت المعلّمَ وأذلّته، ثم نظامُ محاصصةٍ وزّع الوزاراتِ غنائمَ بين القوى، فكان التعليمُ أرخصَ الغنائم وأيسرَها نهباً. وفي كلّ مرحلةٍ كان الثمنُ يُدفع من العقل قبل الجيب.

وأدهى ما في هذه المدرسة أنها لا تُخرّج جهلةً فحسب، بل تُخرّج جهلةً يحملون صفةَ العارفين. فالأمّيُّ الذي يعرف أنه لا يعرف يظلّ قابلاً للتعلّم، أمّا المتعلّمُ المزيّف فمحصّنٌ بشهادته ضدّ السؤال، ثم يصعد بها إلى المنصب، فيقرّر ويشرّع ويعلّم بدوره، فتدور الحلقةُ دورةً أوسع. وحين يُكافأ الجهلُ ويُعاقَب الاجتهاد، يتعلّم الناشئةُ الدرسَ الحقيقيّ الوحيد: أنّ الطريقَ إلى الوظيفة والمكانة يمرّ بالحزب والعشيرة والطائفة، لا بالكتاب. وعندها تبدأ الهجرةُ الصامتة: يرحل المتفوّقون، ويبقى من تكيّفوا، فيخسر البلدُ عقولَه مرّتين؛ مرّةً حين لم يُحسن تعليمَها، ومرّةً حين لم يُحسن استبقاءَها.

الأممُ لا تسقط بالفقر وحده؛ فكم من شعبٍ فقيرٍ نهض بعقول أبنائه، وكم من بلدٍ غنيٍّ أهدر ثروتَه لأنه أهدر إنسانَه قبلها. إنها تسقط حين يُفرَغ التعليمُ من محتواه، وتغدو المعرفةُ خطراً على أصحاب السلطة، والمعلّمُ موظّفاً مقهوراً، والطالبُ رقماً في سجلّ الناجحين.

لذلك فإصلاحُ التعليم أكبرُ من تحديث المناهج وتجديد الأبنية وتوزيع الحواسيب، وأكبرُ من مؤتمراتٍ تنتهي بتوصياتٍ لا يقرؤها أحد. إنه معركةٌ سياسية وأخلاقية في آنٍ واحد: أن يُعاد للمعلّم اعتبارُه، وللشهادة صدقُها، وللسؤال حرمتُه، وأن تُستعاد المدرسةُ من الأحزاب كما تُستعاد الأرضُ من المحتلّ. إنها معركةٌ لاستعادة العقل ممّن جعلوا تجهيلَه وسيلةً لدوام سلطتهم. ومن دون أن نخوضها، سنظلّ نستردّ بعضَ المال المنهوب، ونخسر في المقابل ما هو أثمنُ منه: الإنسانَ القادرَ على أن يفهم، ويسأل، ويحاسب.



#كفاح_محمود_كريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بغداد وطهران حين تبتلع العقيدة الدولة
- لا أحدَ هنا يريد إغلاق ملف
- كردستان وجهاتُها الأربع
- المدعو... لغةٌ لم تسقط بعد
- الديمقراطيات المستوردة والواقع المزري!
- الديمقراطيات المستوردة والواقع المزري!
- من مآسي (داعش) الى كوارث (الميليشيات)
- الديمقراطية في بلادنا كالعاهرة المحجبة!
- تحديات النظام الديمقراطي في الشرق الأوسط
- صناديق الاقتراع وديمقراطية المواطنة؟
- حرف السين وسوف والخطابات الملتهبة!
- أشجع الفرسان الجبناء (الجوع والفساد)!
- من هو كذاب بغداد؟
- العراق وكوردستان.. تعايش اختياري أم قسري؟
- فرص العراق الضائعة!
- سيرك الديمقراطية الشرقية
- من أجل صيغة جديدة في العلاقة بين العراق وكوردستان
- داعش و-مدرسة الاجيال-!
- سقطوا وبقيت كوردستان شامخة
- كلُ يعبر عما ينقصه!


المزيد.....




- بسبب عطل فني.. -التحالف- يعلن سقوط طائرة في نجران ومقتل طيار ...
- وزيرا خارجية مصر وإيران يلتقيان بالعراق.. ماذا دار بينهما؟
- مسيرات أوكرانية تستهدف محطة نفط ومركز بيانات ومرافق مدنية أخ ...
- ترامب يتعهد باتخاذ قرار -جيد جدا- بشأن العقوبات ضد روسيا
- الرئاسة اللبنانية: وفد عسكري لبناني سيشارك بمحادثات ثلاثية ف ...
- روبيو: واشنطن تتفق مع تصريحات لندن حول مسؤولية طهران عن الهج ...
- تجميد العقوبات على روسيا.. زيلينسكي يحذّر وروبيو يشرح مبررات ...
- ترامب يزداد نفورا من زيلينسكي
- مكيال واشنطن للنفط الروسي يُثير استياء دلهي
- روسيا..ابتكار إسفنج جديد لوقف النزيف وتطهير الجروح


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كفاح محمود كريم - مدرسةُ التجهيل.. فسادُ يسرق العقول