أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شريف الصيفي - يوحنا ذهبي الفم والقلب .... القديس الأخير















المزيد.....

يوحنا ذهبي الفم والقلب .... القديس الأخير


شريف الصيفي
كاتب ومترجم من الألمانية واللغات المصرية والسامية القديمة


الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 04:49
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"βάρβαρος γυνὴ καὶ θρασυκάρδιος"

لم نكن نحن من أطلقنا هذه التسمية على الإمبراطورة الجميلة إيليا يودوكسيا بل رعاياها، أهل القسطنطينية أنفسهم، ووصفوها بأنها سيدة همجية وجبانة وجشعة، متسلطة وعنيفة ومثال فج لنساء البلاط البيزنطي، اللاتي اعتمدن على المؤامرات وتميزن بالرغبات النهمة. تسببت في الدفع بالأسقف الشريف يوحنا الأنطاكي إلى المنفى. تبنت في البداية وروجت لكنيسة نيقية من خلال المواكب المناهضة للأريوسية، وهذا ما يبرر ظاهريًا على الأقل عدائها للأسقف يوحنا الأنطاكي الذي يتبنى تعاليم أوريجانوس. انضمت إيليا يودوكسيا إلى تحالف مناوئ ليوحنا ضم تيوفيلوس اسقف الإسكندرية وجيروم بسبب لا علاقه له بقضية التجسيد البشري للذات الإلهيه بل بسبب انتقاده المستمر لحياة البذخ وحماقة الترف التي تنعم بها الإمبراطورة ومحاربته للانحرافات داخل الكنيسة والاستخدام السيء للسلطة.

حاولت الإمبراطورة استرضاء الأسقف يوحنا بتقديم التبرعات السخية للكنيسة، لكنه لم يغير موقفه، وانضم لهذا التحالف المُشين ابيفانيوس أسقف مدينة زلاميس شرق قبرص رغم الخلافات التي بينهما بشأن الأيقونات وتماثيل القديسين. أطلق العامة على هذا التحالف "عصابة الأربعة". عَقد الأربعة مجمعًا سُمي مجمع السنديانة Synod of the Oak شارك فيه أيضًا أكاكيوس أسقف بيروا في سوريا، وأنطوخيوس أسقف بتوليمايس (في ليبيا) وسرفيان أسقف جبالة وأسقف بيروا أكاكيس السوري، وكان هذا الأخير من أصدقاء يوحنا الانطاكي لكن انقلب عليه بتحريض من أسقف الإسكندرية. كان من نتائجه اتهام يوحنا الانطاكي بالهرطقة وعزله ونفيه خارج القسطنطينية. غضب الناس من هذا القرار وتجمهروا أمام القصر الإمبراطوري وهددوا بحرق المقر الملكي إن لم يعد الأسقف، وتشاء الصدف حدوث زلزال في ليلة اعتقاله، مما اعتبر دليلًا على غضب الله على الحدث فأمر الإمبراطور بعودة الأسقف، واستقبلته الإمبراطورة استقبالًا لائقًا وفخمًا، حتى أن الأسقف مدحها واصفًا إياه بأم الكنيسة. لكن لم يدم هذا السلام طويلًا. إذ أقامت السيدة الجميلة تمثالًا لها من الفضة أمام قصر مجلس الشيوخ الإمبراطوري بالقرب من كنيسة القديسة صوفيا، وأقيم احتفال صاخب وماجن بهذه المناسبة تميز بالعربدة. غضب الأسقف ووبخ الإمبراطورة علنًا في إحدى خطبه الكنسية منتقدًا أسلوب حياتها الفاسد وتبزيرها السفيه، ووصفها بإنها هيروديا الجديدة. غضبت الإمبراطورة وارسلت الجند لطرده من الكنيسة تحت تهديد السلاح في الخامس من يونيو 404، واستصدرت قرارًا بعزله ونفيه إلى بلاد القوقاز. وقام تيوفيلوس أسقف الإسكندرية بحذف اسم يوحنا الانطاكي من ألواح كنيسة الإسكندرية، والتي كانت تضم أسماء الأساقفة من ذوي المواقف المجيدة.

من أين كنا سندري بكل هذه التفاصيل، لولا هذا الحضور المُباغت للنورس الذي عبر البحر وحط على شاطئنا. رحبنا به وأوسعنا لها مقامًا في مجلسنا في موقعنا المتقدم أمام ترابولين سيزاريوم. النورس هنا ليس استعارة شاعرية منا، بل هو بالفعل يدعى جلاروسΓλάρος أي نورس البحر. أحد تلاميذ المُبجل ليبانيوس شيخ البلاغة في عصرنا والذي غادر عالمنا منذ بضع سنين حزينًا عما آلت إليه الأحوال من انحدار وتفسخ للحضارة الهيلنية، وفي نفس الوقت هو صديق مُقرب للأسقف يوحنا الانطاكي.

يضيف جلاروس قائلًا: لم تكن الكنيسة تحيا بشكل متسق وفقًا للمثل المسيحية. الكهنة الذين ادعوا أنهم يحيون حياة العذوبية دون زواج ودون ممارسة جنسية تقاسموا معاشرة النساء ممن يدعون "أخوات الروح"، وعاشوا في ترف مماثل للأمراء والأباطرة. كان الوضع المالي للكنيسة سيئًا ولم يكن أحد يهتم بالمجتمع. كانت تقام قداسات الكنيسة في أوقات مناسبة للأثرياء، ولكن لا يمكن لباقي طوائف الشعب الفقيرة حضورها. خلال فترة وجوده كأسقف، رفض يوحنا الأنطاكي الولائم الفخمة وسعى بدلاً من ذلك إلى إصلاح رجال الدين. وأمر "الأخوات الروح" بالخروج من منازل الكهنة غير المتزوجين، وأجبر الكهنة على العيش بشكل أكثر تواضعًا، وباع التحف التي تزين مقر إقامة الأسقف لإطعام الجياع، ووضع أموال الكنيسة تحت رقابة صارمة. كما أمر بفتح الكنائس في الأوقات التي تناسب باقي طوائف الشعب الفقيرة. جلبت هذه الإجراءات للأسقف الاحترام بين الناس، ولكنها جلبت استياء الأثرياء ونقمة رجال الدين.

حفظ الناس مقولاته عن ظهر قلب:

"تزينون خيولكم بلجم من ذهب، وكلابكم بقلائد ثمينة، حتى جدران بيوتكم تكسونها بالرخام والفضة. وفي المقابل، يقف الإنسان، الذي هو مسكن الله الحي، على عتباتكم بملابس ممزقة، يرتجف من البرد والجوع، ولا تلتفتون إليه! خيلك يرتدي الذهب، وأخوك لا يجد كفناً يُستر به!"

"أنت تقول: أنا لا أظلم أحداً، أنا فقط أحتفظ بما هو لي . أخبرني إذن: ما هو لك؟ ومن أين أخذته؟ إنك تشبه رجلاً دخل إلى مسرح، واستولى على المقاعد كلها ومنع الآخرين من الدخول، ظناً منه أن ما خُصص للمنفعة العامة قد أصبح ملكه وحده! هكذا هم الأغنياء؛ استولوا على الخيرات المشتركة وجعلوها ملكية خاصة".

"إن إعطاء المحتاج ليس تبرعاً، بل هو سداد لدين. فالمال الذي تملكه ليس ملكاً خاصاً بك، بل هو أمانة وُضِعت بين يديك لتوزيعها على شركائك في الإنسانية. الفقير لا يطلب منك إحساناً، بل يطالبك بحقه".

"إذا أردت تكريم المذبح الكنسي فكرم المذبح الحي الذي هو أخوك الفقير، فهو أعظم من المذبح الحجري".

"سجادكم الفاخر في الكنيسة تدهسه الأقدام، بينما الإنسان صورة الله يُداس تحت أقدام الإهمال والمرض. أوانيكم من فضة والفقير يموت برداً".

"إن ثراء الأغنياء مأخوذ من لفقراء، حتى لو ورثوه عن آبائهم أو جمعوه بكدِّهم. إذا لم تشارك الفقير في فضلتك، فأنت تسلب مال غيرك".

"إن عدم مشاركة الفقراء في ثرواتنا هو سرقة لهم وسلب لحياتهم. فالأموال التي نملكها ليست ملكنا وحدنا، بل هي ملك للفقراء أيضاً."

"إنكم تصنعون مراحيض من فضة، بينما الإنسان المخلوق على صورة الله يموت من البرد! الأرض تئن تحت وطأة قصوركم الفخمة، والأسواق تضج بأصوات خيولكم المزينة بالذهب، وعتبات بيوتكم يملؤها الجوعى والمشردون الذين لا يجدون كسرة خبز. بأي وجه ستقفون أمام الديان العادل؟"


"هل تريد أن تُكرّم جسد المسيح؟ لا تهمله إذن وهو عريان! لا تكرمه هنا في الكنيسة بأثواب حريرية، بينما تتركه في الخارج يموت برداً وعرياً. إن الذي قال: هذا هو جسدي هو نفسه الذي قال: رأيتموني جائعاً فلم تطعموني . ما المنفعة من أن تكون مائدة المسيح مليئة بالكؤوس الذهبية، بينما هو نفسه يموت جوعاً في شخص الفقير؟"


"لا تخجل من العمل بيدك، بل اخجل من الكسل. إن العمل يحميك من العوز، ويحفظ كرامتك، ويجعلك قادراً على مد يد العون للآخرين".
"عندما تمسك بأدوات عملك بنية صالحة لإعالة عائلتك وفعل الخير، فإن ورشتك تتحول إلى هيكل مقدّس".
"الذي يقدر على العمل ويفضل التسول، إنه لا يسرق مال الأغنياء فحسب، بل يسرق خبز العاجزين والمرضى الذين لا يجدون قوتاً".



مات ذهبي الفم والقلب وحيدًا منفيًا، وهو ساجد لله وهو يقول:

Δόξα τῷ Θεῷ πάντων ἕνεκεν

الحمد لله على كل شيء



#شريف_الصيفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماروزيا والفاتيكان
- محاكمة الجثة
- البابا جوانا
- مارجريت بوريت مرآة الروح الحرة التي حطمتها محاكم التفتيش
- ألمانيا في انتظار صاحب اللحية الحمراء
- كوميونة مونستر أو -أورشليم الجديدة- (1534- 1535)
- البحث عن الله في زمن الرقمنة قراءة في أحدث كتب بيونج تشول ها ...
- المسيح غنوصيًا
- أوريجانوس السكندري
- ، زهرة برية على كرسي الأسقفية -سينيزيوس القيرواني-
- شكاوى الفلاح المصري
- وصف الأحوال في مدينة العمال، ووقائع أول إضراب في تاريخ العمل ...


المزيد.....




- -فخور بكوني أمريكياً-.. ماذا قال بابا الفاتيكان لـCNN عن تصو ...
- رئاسة الشئون الدينية بالحرمين: استهداف الحوثيين مكة والمدينة ...
- ميرتس: على المسلمين الذين يرفضون الاعتراف بمسؤولية ألمانيا ع ...
- كينيا: السجن 200 عام لزعيم طائفة حرض 190 طفلا على تجويع أنفس ...
- الأوقاف الفلسطينية: الاحتلال الإسرائيلي يغلق الحرم الإبراهيم ...
- عاجل | آيزنكوت: من شروط الانضمام للحكومة الاعتراف بيهودية دو ...
- دراسة: تراجع نسبة المسيحيين بالقدس من 25 إلى 1.56 بالمئة خلا ...
- 70 ألفا يؤدون الجمعة في المسجد الأقصى
- إسرائيل تستعد لموجة هجرة يهودية أمريكية
- -كانوا جيراننا-... متحف -شماش- في بغداد يستحضر ذاكرة يهود ال ...


المزيد.....

- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا ... / عبدالله الفكي البشير
- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شريف الصيفي - يوحنا ذهبي الفم والقلب .... القديس الأخير