أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شريف الصيفي - مارجريت بوريت مرآة الروح الحرة التي حطمتها محاكم التفتيش















المزيد.....


مارجريت بوريت مرآة الروح الحرة التي حطمتها محاكم التفتيش


شريف الصيفي
كاتب ومترجم من الألمانية واللغات المصرية والسامية القديمة


الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 23:34
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مارجريت بوريت
مرآة الروح الحرة التي حطمتها محاكم التفتيش
شهدت أوروبا في القرن الثاني عشر نهضة دينية، تميزت بالانطلاق إلى العالم، وليس بالانسحاب منه. كانت النساء من بين أولئك الذين استجابوا بحماس لهذا النهضة الدينية، وطورن أشكالًا من الحياة الدينية من حيث العدد والتنوع كانت ملحوظة بما يكفي لتُعرف بوضوح على أنها حركة نسائية. أطلق عليها اسم "البيجينيات". لم يكن لفظ "بجين" الألماني(Die Begine) في بدايته سوى نبزٍ ساخر يلوكه العوام في الشوارع، تهكمًا على نسوةٍ يمشين مطأطئات الرؤوس، يهمسن بالصلوات في غدوّهن ورواحهن؛ فنبزوهن بلقب "المتمتمات"، لكن سرعان ما تحول هذا اللفظ الهامشي ليعبّر عن واحدة من أكثر الظواهر الروحية والاجتماعية إثارة في تاريخ أوروبا الوسيط، إذ يشير إلى واحدة من أقدم تجارب الاستقلال النسائي الجماعي، نبتت عضويًا من قلب المجتمع المدني، بعيدًا عن وصاية البلاط السياسي أو سلطة المذبح الكنسي.
ولا تسعفنا اللغة العربية بمصطلح واحد يطابق تمامًا الدلالة التاريخية والاجتماعية والفلسفية لكلمة Begine؛ فهي ظاهرة نسائية نشأت في سياق مسيحي أوروبي خاص، ويمكن فهمها بوصفها حركة لعابدات مستقلات عن الكنيسة والأديرة. ويشير المصطلح إلى نساء عازبات عشن خلال العصور الوسطى منفردات أو ضمن جماعات نسائية صغيرة، كرّسن حياتهن للتأمل والصلاة والعمل الخيري، مع احتفاظهن باستقلالهن عن المؤسسة الدينية الرسمية. لاحقًا، أُطلق الاسم على المشتبه في ارتكابهم للهرطقة.
البيجينات: تصوف نسائي خارج أسوار الأديرة
كانت البداية مع إحدى سيدات مدينة ليج (Liège) البلجيكية تدعى ماري الأوينية Mary of Oignies، إذ هي أول من ألهمت النساء بالتخلي عن الثروات وحياة الرفاهية من أجل حياة البساطة والخدمة الاجتماعية. ربما كان أحد أساب ظهور هذه الحركة هو الفائض الديموجرافي للنساء في أوروبا بسبب الحروب والنزاعات، ولم تكن هناك بدائل كثيرة للعيش الكريم للنساء إلا عبر مؤسسة الزواج أو حياة الرهبنة في مؤسسة الدير، إلا أن بعضهن بحثن عن بديل ثالث للتحرر من حصار المؤسستين، وأردن حياة بديلة تقية تتمثل حياة المسيح البسيطة. حياة مستقلة دون الخضوع لسلطة ذكورية كنسية مباشرة. وتشكلت مجتمعات البيجينات (Beguinages) في أحياء داخل المدن البجيكية أو على أطرافها، ضمت بيوتًا صغيرة وحدائق ومستشفيات وكنائس. كانت عبارة عن واحة نسائية مستقلة، تدار بشكل ديموقراطي عبر انتخاب رئيسة من بينهن.
سرعان ما انتقلت الحركة إلى الأراضي الناطقة بالألمانية في بداية القرن الثالث عشر، وتأسست مجتمعات البيجينات في أغلب المدن، وكان أكبرها في مدينة كولونيا، بشكل أكثر تطورًا وأوسع نطاق، إذ عشن في بيوت متوسطة الحجم تضم عدد من النساء يتراوح ما بين عشرين وخمسين، يعشن كأسرة واحدة يتقاسمن المصاريف والمسؤوليات. كن يعملن في الغزل وحياكة الملابس والتطريز، وكن بمثابة ممرضات حيث تولين إدارة المشافي المحلية، وكان لهن دور تربوي إذ أسسن مدارس لتعليم الفتيات القراءة والكتابة والحرف اليدوية.
وبدءًا من حوالي عام 1230، أُنشئت في فرنسا دور للبيجينات، وحظيت بحماية قوية من قبل رجال دين متفردين، الذين تأثروا إيجابيًا بتقوى النساء، ومن قبل أشخاص أثرياء، غالبًا من النساء المنتميات إلى الطبقة النبيلة أو الطبقة العليا، اللواتي وفّرن الأراضي والمباني وأقنعن القضاة المحليين بدعم هذه البيوت. كما تم تأسيس ودعم بعض بيوت البيجينات الفرنسية من قبل التاج الفرنسي، وهي ظاهرة ساهمت بالتأكيد في إضفاء الشرعية على أسلوب حياة البيجينات. تمتعت البيجينات بحرية كبيرة، وتحررن من هيمنة الذكور، لكنهن استمررن في العيش في العالم، وسط المدن. علاوة على ذلك، لم يكنّ، بصفتهن علمانيات، خاضعات لسلطة الكنيسة، وسرعان ما أثارت هذه الحرية النسائية استياء المؤسسة، إذ وجدوا في عدم خضوع تلك المؤسسات لرقابة الكنيسة خطرًا ومنافسًا لدورها، فقاموا بتضييق الخناق على حركتهن، ولاحقًا اتهامهن بالهرطقة.
في الواقع، كان هذا الوضع الخاص للبيجينات هو سبب هلاكهن. في منتصف القرن الثالث عشر، اتخذ الرأي العام نبرة عدائية تجاههن، والتي ارتبطت إلى حد كبير بالجدل ضد الأشكال الحديثة للحياة الدينية، قاد هذه الحملة اللاهوتي والفيلسوف فيلهلم من سانت أمور William of Saint- Amour في كتابه "مخاطر الأزمنة الأخيرة" : "بما أن الأمر ليس نظامًا كنسيًا راسخًا، فلا ينبغي للبيجينات أن يعشن كما لو كن كذلك. لا ينبغي لهن ارتداء ملابس خاصة ولا قص شعرهن. وبما أنهن مجرد نساء علمانيات، فإن مثل هذا السلوك يعد انتهاكًا لنظام الكنيسة، وبالتالي خطيئة تستحق الحرمان الكنسي ... إن البيجينات شابات وقادرات على العمل، لكنهن لا يفعلن ذلك؛ بل يعشن على الصدقات. إنهن أصغر من أن يوفين بنذر العفة دون انضباط صارم.".
وفّرت حركة البيجين للمرأة الأوروبية في العصور الوسطى مساحة غير مسبوقة للتعبير عن الذات؛ فبعد أن كانت في الغالب متلقية صامتة، أصبحت من خلال هذه الحركة صانعة للفلسفة، ومجددة للغات القومية، ومصلحة للمجتمع، حتى غدت حركة البيجين اليوم تُعدّ واحدة من أخصب الحركات الصوفية الفلسفية في العصور الوسطى، إذ برزت فيها نساء أسهمن في تغيير وجه الروحانية الأوروبية. أمثال:
هادفيش من أنتويرب Hadewijch من إقليم الفلاندرز (بلجيكا)،(منتصف القرن الثالث عشر). كانت رئيسة أو مرشدة لمجموعة من البيجين. واجهت بعض التهميش والمعارضة من محيطها واضطرت للانعزال، لكنها لم تدخل في صدام علني مباشر مع العقيدة الرسمية للكنيسة. ركزت على بناء عمق روحي داخل جماعتها. برعت في كتابة القصائد بالهولندية، واتسم أسلوبها بالرصانة والتعقيد اللغوي، واستخدمت بذكاء أغاني الغزل في العصور الوسطى وحولتها من غزل بشري إلى عشق في الذات الإلهية. تتمحور أفكارها حول التعبير الجرماني القديم "Minne"، أي الحب العذري الشاعري. فالحب عندها ليس مجرد عاطفة، بل هو قوة وجودية عنيفة ومؤلمة، فهي تصف الحب بأنه "مفترس" يطالب الروح بالتخلي الكامل عن ذاتها. يغيب عن كتاباتها الطابع البصري أو الرؤى الغيبية؛ فالتجربة عندها ذهنية وعاطفية باطنية ممزوجة بمسحة من الكآبة والشوق الدائم (تعقب المحبوب الغائب).
مختهيلد من ماجدبورج Mechthild von Magdeburg حوالي 1207- 1282. كانت شخصية هجومية ومصلحة اجتماعية. انتقدت بشدة فساد رجال الدين والكنيسة في ماجدبورغ، ووصفت بعض الكهنة بـ "الخنازير" الذين يفسدون رعية الله. جلب هذا النقد الجريء عليها عداءً شديدًا وتهديدات بحرق كتابها واتهامها بالهرطقة، مما اضطرها في شيخوختها (عام 1270) للجوء إلى دير "هيلفتا" السسترسي لحماية نفسها. وضعت كتابًا بعنوان: النور المتدفق للالوهية (Das fließende Licht der Gottheit). كانت أول من تجرأ على صياغة لاهوت صوفي بالألمانية بدلًا من اللاتينية. تميز أسلوبها بالجراءة واستخدمت صورًا من الحياة اليومية لترقيب المعاني الروحية. تصوف مختيلد يحمل طابعًا أكثر ديناميكية وحركة مقارنة بتصوف هادفيش؛ فهي ترى النور الإلهي "متدفقًا" ومتجددًا باستمرار في العالم والروح. يمتلئ كتابها بـ الرؤى البصرية الحية والألوان والمجازات الحسية الجريئة، فهي ترى الروح كـ "عروس" والمسيح كـ "عريس"، كما تصف الاتحاد بالإله عبر استعارات "الرقص" و"العناق الملكي" والمآدب.
مارجريت بوريت وكتاب «مرآة الأرواح البسيطة»
رغم تملل الكنيسة من نمو مجتمعات البيجينات، لكنها تقبلت وجودها وتعاطت معه، إلى أن ظهرت بينهن "مارجريت بوريت"، وكان ذلك بمثابة نقطة تحول أنهت مرحلة التعايش الحذر بين الكنيسة الكاثوليكية ومجتمعات البيجينات، وحولت تملل الكنيسة إلى مواجهة دموية مفتوحة.
ولدت مارجريت بوريت Marguerite Porete في النصف الثاني من القرن الثالث عشر في منطقة "هينو" (تقع اليوم بين فرنسا وبلجيكا). تشير لغتها وأسلوبها الأدبي الرفيع إلى أنها تلقت تعليمًا ممتازًا لا يتوفر عادة إلا لبنات الطبقات الأرستقراطية. انضمت مارجريت إلى حركة "البيجينات" (Beguines)، فمنحها هذا النمط من الحياة حرية الحركة، والتأمل، والكتابة وسط المجتمع، بدلًا من الانعزال وراء الجدران المغلقة. لم تكن مارجريت مجرد متعبدة عادية، بل كانت فيلسوفة ومتصوفة. صبت رؤيتها الروحية في كتاب ألفته باللغة الفرنسية الدارجة تحت عنوان: "مرآة الأرواح البسيطة والفانية، ولم يتبقى منها سوى الإرادة والرغبة في الحب".
لم يقتصر الأمر على كونها امرأة تكتب في اللاهوت باللغة الفرنسية الدارجة (وليس اللاتينية، وهو ما كان يُعد خرقًا خطيرًا)، بل طرحت أفكارًا صوفية راديكالية هزت أركان المنظومة الكنسية، إذ صاغت حوارًا رمزيًا بين العقل والحب والروح حول العلاقة الصحيحة بين الإنساني والإلهي.
يحاول العقل فهم الطريق إلى الله عبر القواعد والفضائل والواجبات، بينما يجيبه الحب بأن الله لا يُدرك بالحسابات العقلية وحدها، بل بالتجرد الكامل من الذات. وفي نهاية الحوار يبدو العقل عاجزًا عن بلوغ ما يبلغه الحب من معرفة مباشرة.
المراحل السبع للروح
ضم الكتاب تصور روحاني بالغ الخطورة بمقاييس عصره، ويتلخص في أن روح الإنسان يمكن أن ترتقي عبر سبع درجات (أو أشواط) من التطور الروحي حتى تذوب تمامًا في الحب الإلهي وتفنى في الله. وأن الروح التي تصل إلى هذه المرحلة من الاتحاد بالخالق تصبح حرة تمامًا، ولا تعود بحاجة إلى طقوس الكنيسة، أو قوانينها، أو وساطة رجال الدين للوصول إلى الخلاص. هذه الأشواط ليست مجرد مراحل تعبدية وتعقب إله بعيد، بل هي عملية تفكيك واعية للأنا البشري، عبر رحلة تلاشي الحجب التي تمنعها من إدراك أن المحبوب كان حاضرًا منذ البداية.
تُصوّر مارجريت بوريت الحياة الروحية بوصفها رحلة صعود تدريجية تمر عبر سبع مراحل تنتهي بالاتحاد بالله. تبدأ الرحلة بمرحلة الإنارة بالنعمة، حيث تستيقظ الروح عبر استشعار جلال الخالق؛ حيث تتمثل الوصايا الاساسية بدافع الخوف وأملًا في النجاة، فتنتقل من حياة الخطيئة إلى حياة النعمة. ثم تأتي مرحلة الزهد والجهد، وفيها تتجاوز الروح عتبة الواجبات نحو حياة الفضيلة والكمال الإنجيلي عبر الزهد ومجاهدة الأهواء، هي المرحلة التي تسميها بوريت «موت الطبيعة». أما المرحلة الثالثة، أشواق المحبة، فتتسم بتزايد الشوق إلى الله والحماسة للأعمال الصالحة والفضائل، غير أن النفس لا تزال متعلقة بإرادتها الخاصة وبالرضا الذي تستمده من ممارساتها الروحية. وتبلغ هذه التجربة ذروتها في المرحلة الرابعة، النشوة والتعالي، حيث تستغرق النفس في حب متقد وعاطفة دينية عميقة، فتظن أنها بلغت الغاية المنشودة، بينما لا تزال أسيرة رغبتها الذاتية في الله. لذا تصفها مارجيريت بالمرتبة "الخادعة"، لأن النفس لا تزال واعية بذاتها وبأعمالها.
ويحدث التحول الحاسم في المرحلة الخامسة، الفناء والحرية، عندما تدرك النفس أن إرادتها الخاصة المستقلة هي الحجاب الأخير بينها وبين الله، فتتخلى عنها طوعًا وتسلمها للمشيئة الإلهية. وهنا تبلغ حالة «العدم الروحي» أو فناء الإرادة، فلا تعود تطلب شيئًا لنفسها، بل تصبح إرادة الله وحدها الفاعلة فيها.وفي المرحلة السادسة، الاتحاد والإشراق، تختبر النفس ومضات من الحياة الإلهية واتحادًا عميقًا بالله، حيث تتحول معرفتها البشرية المحدودة إلى مشاركة في المعرفة الإلهية، وتغدو شفافة أمام الحضور الإلهي. غير أن هذه الخبرة تبقى متقطعة وعابرة ما دامت النفس مقيمة في الجسد. أما المرحلة السابعة، المجد الأبدي، فتمثل كمال الاتحاد والرؤية التامة لله، وهي مرتبة لا تتحقق بصورة كاملة إلا بعد مفارقة الحياة الدنيا، ولذلك تظل في هذه الحياة موضوع رجاء أكثر منها خبرة دائمة.

الموتات الثلاث
ويرتبط هذا المسار بثلاثة «موتات» روحية متعاقبة. الأول هو موت الخطيئة الذي يفتح الطريق إلى حياة النعمة في المرحلة الأولى. والثاني هو موت الطبيعة الذي يتمثل في إخضاع الأهواء والإرادة البشرية لمقتضيات الفضيلة والكمال الإنجيلي، ويقود إلى حياة الروح. أما الثالث فهو موت الروح، وهو أكثرها عمقًا وجذرية، إذ يعني التخلي التام عن الإرادة الخاصة نفسها، لا عن الخطايا أو الشهوات فقط. ومن هذا الموت الأخير تولد الحياة الإلهية، حيث تتحرر الروح من التعلق بذاتها وتدخل في محبة الله الخالصة. ومن خلال هذا البناء الروحي تؤكد بوريت أن الكمال لا يتحقق بكثرة الأعمال أو بالمجاهدة الأخلاقية وحدها، بل بالانتقال من إرادة الذات إلى إرادة الله، ومن الحب القائم على الرغبة إلى الحب الإلهي الخالص، وهو الانتقال الذي يجعل الاتحاد بالله ممكنًا.
لا يمثل "العقل" عندها أداة للخلاص، بل هو العائق الأكبر أمام الروح، لذا ظهر العقل في كتابها في موقف "البليد" الذي يبكي عجزًا لأنه لا يفهم لغة الروح والحب. وهو ممثل "المؤسسة" (الكنيسة، القوانين، الطقوس الظاهرية). العقل يحتاج دائمًا إلى "قواعد وقوانين وأوامر ونواهٍ" لكي يتحرك (افعل هذا ولا تفعل ذاك). أما الروح فتبحث عن الاتحاد المطلق الذي لا تحكمه القوانين الجافة. يرى العقل أن طريق الخلاص يكون بتكديس "أعمال الفضيلة" (الاستغفار، الصدقة، الصوم الصارم). لكن مارجريت تجادل بأن الانشغال بالفضيلة هو انشغال بـ "الأنا" (أنا صمتُّ، أنا تصدقتُّ). للوصول إلى الله، يجب على العقل أن يموت، وتتخلى النفس عن الفضائل كقوانين لتصبح هي نفسها مجسدة للفضيلة بطبيعتها دون جهد. ترى مارجريت أن العقل يصل بالإنسان إلى "الدرجة الرابعة" فقط (الاستنارة الفكرية)، ولكي تعبر النفس إلى الدرجة الخامسة والسادسة (الاتحاد)، يجب عليها أن تقوم بـ "انتحار فكري وعقلي"، لتفسح المجال للحب الإلهي الخالص.
لم تكن أطروحات مارجريت بوريت الراديكالية وليدة فراغ، بل جاءت في سياق أوروبي شهد منذ القرن الثاني عشر تصاعد حركات دينية وباطنية سعت إلى تجربة روحية مباشرة تتجاوز وساطة الكنيسة. فمن الكاثاريين (Cathars) في جنوب فرنسا، الذين تبنّوا رؤية ثنائية تميّز بين عالم الروح وعالم المادة، واعتبروا الخلاص تحررًا من سجن الجسد، إلى أتباع يواكيم الفلوري الذين بشّروا بقرب «عصر الروح القدس»؛ عصر الحرية الروحية الذي تتراجع فيه سلطة الكنيسة التقليدية، برزت تصورات جديدة للعلاقة المباشرة بين الإنسان والله. كما دعا الفالديزيون Waldensians إلى العودة إلى بساطة الإنجيل، ورفضوا احتكار رجال الدين للوعظ والتعليم، مؤكدين حق المؤمنين في قراءة النصوص المقدسة والتبشير بها بلغاتهم المحلية. وقد واجهت هذه الحركات قمعًا عنيفًا من الكنيسة؛ فشنّ البابا إينوسنت الثالث حملة صليبية ضد الكاثاريين عام 1209 ابادتهم بوحشية، إذ اقتحم الصليبيون مدينة بيزييه وذبحوا جميع سكانها المقدرين بالألاف، دون تمييز بين كاثاري وكاثوليكي. تنسب الرواية التاريخية للموفد البابوي "أرنو أموري" عبارته الشهيرة: " اذبحوهم جميعًا، فالرب سيعرف من هم أتباعه". لم تنجح الحرب وحدها في اجتثاث الفكر الكاثاري، فلجأت الكنيسة لملاحقة معتنقي ذلك الفكر بتأسيس محاكم التفتيش عام 1229. أما الفالديزيون فتعرضوا للحظر والملاحقة قرونًا طويلة. غير أن التمهيد الفكري الأقرب إلى بوريت جاء مع الحركة الأموريكية (Amalricians) التي أسسها أمالريك من بينا (Amalric of Bène) في جامعة باريس مطلع القرن الثالث عشر. فقد رأى أتباعه أن الله حاضر في كل شيء، وأن الروح المستنيرة يمكن أن تبلغ مرتبة تتجاوز فيها الوسائط والشرائع الخارجية. أثارت هذه الأفكار اتهامات بالحلولية والهرطقة، فأُحرقت كتبهم وأُعدم عدد من أتباعهم في باريس عام 1210. وفي هذا السياق الفكري والديني المشحون ظهرت مارجريت بوريت، لا بوصفها حالة معزولة، بل امتدادًا لتيار باطني طويل آمن بأن التجربة الإلهية خبرة داخلية تتجاوز حدود المؤسسة والطقوس، وهو الإرث الذي أعادت صياغته بجرأة في كتابها «مرآة النفوس البسيطة».
المحاكمة والنار
اعتبر رجال اللاهوت في باريس أفكار مارجريت بوريت هرطقة صريحة. إذ أن فكرة وجود بشر "مستغنين" عن طقوس الكنيسة وصكوكها هددت الهيكل السلطوي والمالي للمؤسسة الدينية بأكملها. بدأت الكنيسة في ملاحقتها مبكرًا، فبين عامي 1296 و1306 صودر كتابها وأُحرق علنًا بأمر من أسقف مدينة كامبريه، وحُذرت من نشره مجددًا. لكن مارجريت، مدفوعة بجرعة هائلة من الشجاعة والإيمان، رفضت الانصياع واستمرت في نشر وتوزيع كتابها في مناطق مختلفة. أُلقي القبض عليها مجددًا عام 1308 وسيقَت إلى محكمة التفتيش في باريس. على مدار عام ونصف من السجن والمحاكمة، اتخذت مارجريت موقفًا أذهل جلاديها: الصمت المطبق. رفضت أداء قسم المحكمة، ورفضت الإجابة عن أسئلة المحققين، معتبرة أنهم غير مؤهلين لفهم الحقائق الروحية والربانية التي اختبرتها. أمام إصرارها وصمتها، أدانتها المحكمة بصفتها "مرتدة عنيدة"، وحُكم عليها بالموت. حوكم معها شخص يدعى غيارد دي كريسونيسارت Guiard de Cressonessart، جاء إلى باريس خصيصًا للدفاع عن مارجريت، وهاجم سلطة الكنيسة، فقبض عليه وقدم للمحاكمة لكنه تراجع عن آرائه، فنجى من المحرقة وحكم عليه بالسجن مدى الحياة.
اقتيدت مارجريت بوريت إلى ساحة "جريف" في باريس، وأُحرقت حية وهي ممسكة بكتابها. يذكر المؤرخون أن حشد الجماهير الذي حضر الإعدام بكى تأثرًا بوقارها وهدوئها الشديد أثناء مواجهة النيران. لم تكن مارجريت وحدها على وتد الإعدام في ذلك اليوم؛ بل نُفذ الحكم في نفس الوقت بحق يهودي متحول إلى المسيحية (لم تذكر السجلات اسمه)، وُجهت إليه تهمة "الارتداد" عن المسيحية بعد عودته لممارسة ديانته اليهودية الأصلية. كان الجمع بين إعدام امرأة مسيحية متصوفة بتهمة الفكر الهرطقي، ورجل يهودي بتهمة الارتداد الديني، بمثابة رسالة ترهيبية قوية من السلطة الحاكمة والكنيسة لتأكيد أنه لن يتم التسامح مع أي خروج عن العقيدة الأرثوذكسية الرسمية، سواء كان الخروج فكريًا من الداخل أو دينيًا من الخارج.
من منظور تاريخي، تبدو محاكمة مارجريت بوريت جزءًا من المناخ السياسي والديني الذي ساد عهد الملك فيليب الرابع، الساعي إلى ترسيخ مركزية السلطة في فرنسا عبر الربط بين الولاء للتاج والدفاع عن العقيدة. فقد رُوِّج للملك بوصفه الحامي الأول للإيمان، بحيث عُدَّت مصالح المملكة جزءًا من مصالح الكنيسة نفسها. وفي هذا السياق جاء قمع فرسان الهيكل ومصادرة ممتلكاتهم في فرنسا عام 1307؛ إذ استغل فيليب الرابع اتهامات الهرطقة لتصفية قوة دينية وعسكرية فقدت نفوذها بعد سقوط الممالك الصليبية في فلسطين، مستندًا إلى دعم واسع من رجال الدين لصورة الملك كمدافع مُخلص عن العقيدة. وقد شكّل هذا المناخ، القائم على مكافحة الهرطقة وتداخل السلطة السياسية والدينية، الخلفية المباشرة التي أفضت إلى محاكمة مارجريت بوريت وإدانتها.
لم ينتهِ الأمر بموت مارجيت؛ إذ اتخذت الكنيسة من قضيتها ذريعة لإنهاء ظاهرة البيجينات، ففي مجمع فيينا الكنسي (1311- 1312) اجتمع رجال اللاهوت في أوروبا وأصدروا قرارهم بإدانة أسلوب حياة البيجينات واتهامهن بنشر الهرطقة، واجبروهن على تحويل مجتمعاتهن إلى أديرة رسمية مغلقة تابعة، وخاضعة للرقابة.
إرث بوريت الفكري
لم تكن نيران ساحة "جريف" نهاية لأفكار القديسة مارجريت بوريت، بل تحولت كلماتها إلى وقود روحي وفكري لتيارات وحركات باطنية وغنوصية (Gnostic) راديكالية اجتاحت أوروبا في القرون اللاحقة. ورغم أن بوريت لم تؤسس تنظيمًا عقائديًا، إلا أن كتابها صاغ الركائز الأساسية لما عُرف لاحقاً بحركة "إخوة الروح الحرة" (Brethren of the Free Spirit)؛ وهي جماعة غنوصية انتشرت في أغلب بلدان أوروبا ما بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، وتبنت أطروحة مارجريت حول "الروح الفانية"، مجادلة بأن الأرواح البشرية هي جزء من الذات الإلهية، وأن الإنسان إذا اتحد بالإله داخليًا سقطت عنه القيود والوصايا الظاهرية، وأنكروا أهمية الكنيسة وشعائرها، معتبرين أن التأمل والزهد هما الطريق الأسمى للخلاص دون الحاجة لوساطة رجال الدين. مما دفع البابوية في مجمع فيينا (1312) إلى إدانة الحركة مستعينة بجمل اقتبستها حرفيًا من كتاب مارجريت.
يتجلى هذا البُعد الغنوصي في فلسفة بوريت عبر إيمانها بـ "المعرفة الكشفية المباشرة" (Gnosis) كطريق وحيد للخلاص بدلًا من الطقوس المادية، وإيمانها بالشرارة الإلهية الكامنة في عمق النفس البشرية. هذا الإرث الباطني، الذي ازدهر في القرون الأولى للميلاد، وقمعته الكنيسة بوحشية، عاد ليطل برأسه مجددًا في القرنين السادس عشر والسابع عشر عبر جماعات "الألومبرادوس" (المستنيرون) في إسبانيا، وحركات "السكونية" (Quietism) في فرنسا، واللواتي واجهن محاكم التفتيش بالتهمة ذاتها التي واجهتها بوريت: "ادعاء الوصول إلى الكمال والاستغناء عن وساطة الكنيسة". لقد أحيت مارجريت بوريت الغنوص كفكرة، وكانت من حيث لا تدري، الجسر الفكري الذي نقله إلى فضاء الحركات الروحية الراديكالية الحديثة.
رغم إحراق مارجريت، إلا أن أفكارها تسربت بقوة إلى الفلسفة الأوروبية، وكان اللاهوتي والفيلسوف الألماني الكبير مايستر إيكهارت (Meister Eckhart) (1260–1328) هو الوريث الأبرز لفكرها، إذ نلمح تقاطع مذهل بين تصوراته الفلسفية وتصورات بوريت. يظهر ذلك بشكل خاص في رؤيته بأن على الإنسان أن يتخلى عن "تصوراته" البشرية عن الله ليصل إلى الله الحقيقي. كما تتماهى فكرته حول "اختراق النفس" للوصول إلى الجوهر الإلهي مع مفهوم "الأنفس المضمحلة والفانية" التي نادت بها مارجريت. وكما شاركها الفكرة شاركها المصير، إذ اقتيد إيكهارت إلى محاكم التفتيش، وأدينت أطروحاته، لكنه يموت قبل الحكم عليه.
عودة المرآة لصاحبتها
أُحرقت مارجريت، لكن كتابها "مرآة النفوس البسيطة" نجا من النيران، وتداولته القلوب لقرون تحت أسماء مستعارة؛ حتى استعاد هويته عام 1946، عندما تمكنت الباحثة الإيطالية "رومانا جوارنييري" من إثبات أن مارجريت بوريت هي المؤلفة الحقيقية لهذا الأثر الصوفي العظيم.
اليوم، يُنظر إلى مارجريت بوريت كرمز مبكر للمقاومة الفكرية النسائية، وواحدة من أعظم رائدات الصوفية الفلسفية في أوروبا، اللواتي أثبتن أن التجربة الروحية الإنسانية في عمقها المطلق واحدة؛ تتجاوز الجغرافيا، واللغات، والشرائع الظاهرية، لتلتقي عند منبع حريتها الأصيل.


مراجع عامة للمقال:
-Ellen L. Babinsky, Marguerite Porete: The Mirror of Simple Annihilated Souls and Those who only remain in Will and Desire of Love Mahwah (New Jersey) 1993.
- Margaret Porette, The Mirror of Simple Souls, translated by Ellen L. Babinsky, Paulist Press, 1993.
- Sean L. Field, The Beguine, the Angel, and the Inquisitor: The Trials of Marguerite Porete and Guiard of Cressonessart, University of Notre Dame Press, 2012.
- Sean L. Field, The Beguine, Marguerite Porete and the Mirror of Simple Souls, University of Notre Dame Press, 2017.
- Bernard McGinn, The Flowering of Mysticism: Men and Women in the New Mysticism (1200–1350), Crossroad Publishing, 1998.
- Bernard McGinn, The Harvest of Mysticism in Medieval Germany, Crossroad Publishing, 2005.
- Robert E. Lerner, The Heresy of the Free Spirit in the Later Middle Ages, University of Notre Dame Press, 1972.
- Caroline Walker Bynum, Jesus as Mother: Studies in the Spirituality of the High Middle Ages, University of California Press, 1982.
- W-alter-Simons, Cities of Ladies: Beguine Communities in the Medieval Low Countries, 1200–1565, University of Pennsylvania Press, 2001.
- Joachim of Fiore, Apocalypse: Commentary on the Book of Revelation, translated by E. Randolph Daniel, 2018.
- Malcolm Lambert, Medieval Heresy: Popular Movements from the Gregorian Reform to the Reformation, Blackwell Publishing, 2002.



#شريف_الصيفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألمانيا في انتظار صاحب اللحية الحمراء
- كوميونة مونستر أو -أورشليم الجديدة- (1534- 1535)
- البحث عن الله في زمن الرقمنة قراءة في أحدث كتب بيونج تشول ها ...
- المسيح غنوصيًا
- أوريجانوس السكندري
- ، زهرة برية على كرسي الأسقفية -سينيزيوس القيرواني-
- شكاوى الفلاح المصري
- وصف الأحوال في مدينة العمال، ووقائع أول إضراب في تاريخ العمل ...


المزيد.....




- المصريين الأحرار: خطوة فلوريدا تؤكد أن خطر الإخوان لم يعد شأ ...
- يهود سويسرا يواجهون مخاوف أمنية متزايدة، بحسب هيئة رصد
- أيقونة -الثالوث- لروبليف تعود إلى حاجز كاتدرائية دير القديس ...
- دراسة: يهود ألمانيا يشعرون بالعزلة والرفض منذ هجوم 7 أكتوبر ...
- الإخوان المسلمون بعد قرن: مراجعاتٌ لبوصلة الأفكار والمواقف
- ترامب يحمّل الإسلام والهجرة مسؤولية الاحتجاجات الطلابية في ف ...
- ترامب: ما يحدث في فرنسا سببه الهجرة والإسلام وليس أزمة مدارس ...
- عاجل | ترمب: الأمر في فرنسا لا يتعلق بالمدارس بل برغبة الإسل ...
- الأوقاف الفلسطينية: 26 اقتحاما للأقصى ومنع الأذان 150 وقتا ف ...
- -تحررنا وأصبحنا بيضة القبان-.. كيف تغيّر واقع الطائفة العلوي ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شريف الصيفي - مارجريت بوريت مرآة الروح الحرة التي حطمتها محاكم التفتيش