أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شريف الصيفي - كوميونة مونستر أو -أورشليم الجديدة- (1534- 1535)














المزيد.....

كوميونة مونستر أو -أورشليم الجديدة- (1534- 1535)


شريف الصيفي
كاتب ومترجم من الألمانية واللغات المصرية والسامية القديمة


الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 16:52
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يلاحظ الزائر لأبرشية سانت لامبرتي الكاثوليكية في قلب مدينة مونسترMünster وجود ثلاث سلال حديدية مثبتة على برجها. قبل خمسة قرون كانت تضم جثث ثلاث رجال قادوا أغرب وأكثر التجارب الاجتماعية دموية في تاريخ أوروبا.
يان فان لايدن: ولد في هولندا، عمل خياطًا وكان يكتب المسرحيات الهزلية ويقوم بتمثيلها في مسرح متجول، منحته تلك الخلفية قدرة على الخطابة والقيادة.
برنهارد كنبردولينج، مواطنًا ثريًا من أعيان مدينة مونستر، يعمل في تجارة الأقمشة
برنهارد كريشتينج كان قسيسًا قبل أن تجذبه الأفكار الراديكالية لحركة "تجديد المعمودية"

بدأت التجربة بحلم طوباوي لإقامة مجتمع فاضل تسوده العدالة والمساواة وانتهت بكابوس مرعب ودموي. بعد تمكن تحالف الأمراء الاقطاعيين مع الكنيسة الكاثوليكية من سحق ثورة الفلاحين في ألمانيا (1534- 1535) بوحشية واعدام قادتها وفي مقدمتهم توماس مونتسر أحد أبرز منظري المسيحية الراديكالية والثورية في عصر الإصلاح؛ تجمعت فلول تلك الرغبة العارمة في التحرر من قهر الكنيسة الكاثوليكية وحكم النبلاء في ما عرف تاريخيًا بجماعة "تجديد المعمودية" (Anabaptists). أمنت هذه الجماعة ببطلان معمودية الأطفال، وبأن الإيمان خيار واعي للبالغين فقط، وسعت لإقامة مملكة الله على الأرض، حيث تنعدم الفوارق الطبقية، ويتساوى الجميع في الحقوق والواجبات. وبدأت أنظار هؤلاء الحالمين تتجه صوب مدينة مونستر، التي كانت تتمتع بهامش من الحرية بالمقارنة بباقي المدن الألمانية. وبلا أي تخطيط مسبق أو إعلان تحولت المدينة في شتاء عام 1534 إلى قبلة لآلاف المضطهدين والفقراء. وظهر من الجموع شابان سينسجان حكاية المدينة الدموية: يان ماتيس، وهو خباز هولندي وتلميذه يان فون لايدن وهو خياط له ميول لفن المسرح. وبمجرد أن سيطرا على مقاليد الحكم في المدينة طردا أسقفها الكاثوليكي وأعلنا أن مدينة مونستر هي "القدس الجديدة"، وبدأت تتشكل ملامح نظام اجتماعي واقتصادي جديدة لم تشهده أوروبا من قبل، فتم إلغاء الملكية الخاصة، ومصادرة الذهب والفضة والأموال المكتنزة ووضعها في صندوق مشترك يستفيد منه الجميع. وأقر تعدد الزوجات بسبب قلة عدد الرجال بسبب الحروب الطويلة. في الواقع لم يكن تعدد الزوجات مرتبط فقط بالاختلال الديموغرافي في المدينة، لكن ارتبط أيضًا بتأويلات دينية خاصة بالنظام الجديد، وبقراءة قادة مونستر للنصوص التوراتية. تكون خارج أسوار المدينة، تحالف الأسقف المطرود مع جيوش بروتستانتية وكاثوليكي في مفارقة تاريخية نادرة وفرضوا حصارًا محكمًا على المدينة.

في عيد الفصح (إبريل 1534) خرج يان ماتيس مع ثلاثين رجلًا من بوابات المدينة في مغامرة انتحارية لفك الحصار عن المدينة. أحاط بهم فرسان الأسقف ومزقوهم إربًا و لكسر معنويات سكان المدينة المحاصرين قطعوا رأس يان ماتيس وعلقوها على رمح أمام أسوار المدينة، كما قطعوا أعضائه التناسلية وسمروها على بوابتها.

بعد مقتل "يان ماتيس" انفرد الخياط الشاب "يان فان لايدن" بالحكم وعين نفسه ملكًا على القدس، في انحراف واضح عن مبادئ الحركة الأولى. مع الوقت صارت المدينة سجنًا كبيرًا يتضور أهلها جوعًا، حتى اضطروا إلى أكل القطط والفئران، بينما ظل الملك "يان" يخطب في الجائعين واعدًا إياهم بمعجزة إلهية وشيكة تدمر جيوش الكفار التي تحاصر المدينة. وكما في جميع الحكايات المماثلة كان للخيانة دورًا محوريًا في النهاية الدرامية، إذ استطاع أحد سكان المدينة في فتح إحدى البوابات سرًا لجيوش الأسقف، وتدفق الجنود داخلها وتحولت شوارعها لمجازر دموية انتقامية عشوائية. وإلقي القبض على الملك "يان" ومستشاريه واقتيدوا إلى محاكمة صورية يقودها أسقف المدينة، الذي اتهم "يان فان لايدن بتدمير المدينة وإفقار شعبها، فجاء رد يان وفقًا للمصادر التاريخية: إذن كان مشروعي قد فشل وأفقرت بلادك، فخذني وطف بي في قفص حديدي عبر الممالك والمدن، واجعل الناس يدفعون ليروا "ملك مونستر". أعدك أنك ستجني من وراء ذلك العرض أموالًا تعوضك عن ما خسرته في الحرب".


في الثاني والعشرين من يناير، نُفذ حكم الإعدام على زعيم الحركة "يان فان لايدن" ومنظرها الإيديولوجي "برنهارد كريشتينج" وسيفها "برنهارد كنيبردولينج" في ساحة السوق العامة بالمدينة. ووفقًا لشهادة المؤرخ "هرمان كريسنبروك" المعاصر للأحداث: تم تثبيت الثلاثة بأطواق حديدية شائكة حول أعناقهم، وبدأ الجلادون بتمزيق لحموهم باستخدام ملقط حديدي محمي بالنار حتى الاحمرار لمدة ساعة كاملة، قبل أن يتم غرس خناجر مشتعلة في قلوبهم لإخماد أنفاسهم الأخيرة" ثم وضعت جثث القادة داخل ثلاث أقفاص حديدية صنعت خصيصًا لهم، ورفعت لأعلى برج كنيسة القديس لامبرتي، وتركت جثثهم تتحلل، لم يبقى منها سوى العظام كرسالة بصرية لكل من تسول نفسه التمرد على النظام القائم. في القرن التاسع عشر أزال أهل المدينة العظام لكنهم أبقوا على الأقفاص الثلاث كشاهد حي على الحكاية الدموية.



#شريف_الصيفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البحث عن الله في زمن الرقمنة قراءة في أحدث كتب بيونج تشول ها ...
- المسيح غنوصيًا
- أوريجانوس السكندري
- ، زهرة برية على كرسي الأسقفية -سينيزيوس القيرواني-
- شكاوى الفلاح المصري
- وصف الأحوال في مدينة العمال، ووقائع أول إضراب في تاريخ العمل ...


المزيد.....




- الخارجية الروسية: كييف تواصل عمليات الاستيلاء على الكنائس ال ...
- خلال بطولة أوروبا لألعاب القوى..هل أثّر الإسلام في طريقة عرض ...
- الخارجية الروسية تحدد دولة تتحمل المسؤولية الأكبر عن الأزمة ...
- في تركيا.. اكتشاف حجر أثري في مقبرة سلجوقية يتكرّر فيه اسم ا ...
- ذكرى المولد النبوي تشعل جدلاً واسعاً في سوريا.. عطلة رسمية و ...
- الهيئة الإسلامية المسيحية تحذر: اقتحامات المستوطنين للمسجد ا ...
- -الصوت اليهودي- تحذر من انضمام مصر لاتفاق مكة وتغيير موازين ...
- الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية: ضمانة حقيقية أم إجراء ...
- -سيُبنى بالتأكيد-.. حاخام إسرائيلي يكشف مساعي لإقامة كنيس با ...
- تصاعد اعتداءات المستوطنين يهدد الوجود الفلسطيني في بلدة الطي ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شريف الصيفي - كوميونة مونستر أو -أورشليم الجديدة- (1534- 1535)