أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - شريف الصيفي - البحث عن الله في زمن الرقمنة قراءة في أحدث كتب بيونج تشول هان















المزيد.....

البحث عن الله في زمن الرقمنة قراءة في أحدث كتب بيونج تشول هان


شريف الصيفي
كاتب ومترجم من الألمانية واللغات المصرية والسامية القديمة


الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 16:47
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


في زمنٍ لم يعد فيه الصمت فضيلة، بل فراغًا تقنيًا ينبغي ملؤه على الفور بإشعار جديد أو نقرةٍ متعجلة على زر «الإعجاب»، يطلّ الفيلسوف الألماني الكوري الأصل بيونغ تشول هان بكتابه الأحدث «عن الله: حوار مع سيمون فايل».
قد يبدو هذا العنوان، للوهلة الأولى، غريبًا على فيلسوفٍ أمضى العقد الأخير من مشروعه الفكري في تشريح أمراض المجتمع النيوليبرالي، وكشف آليات الإرهاق والاكتئاب والاستغلال الذاتي والعبودية الطوعية للشاشات. غير أن القارئ المتابع لأعماله، ولا سيما كتابه «عبق الزمن»، سيدرك أن هذا الكتاب، على صغر حجمه وكثافة مادته الفكرية، يمثل امتدادًا طبيعيًا، وربما ذروةً منطقية، لذلك المشروع النقدي. وهنا يخلع هان معطف المشرّح الاجتماعي، ليدخل في حوارٍ عميق مع الفيلسوفة والمتصوفة الفرنسية سيمون فايل (1909–1943)، التي تحولت، كما يعترف، إلى رفيقةٍ دائمة لتفكيره.
ويستهل هان كتابه بهذه الكلمات:
«منذ زمن، اتخذت سيمون فايل لها مقامًا في داخلي، واستقرت في روحي. ومنذئذٍ، لم تكفّ عن الحياة في أعماقي، ولا عن مخاطبتي. نشأ بيننا حوار داخلي، وغمرني انجذاب عميق إلى أفكارها. لقد أيقظت في نفسي شيئًا لم أكن أدرك حضوره إدراكًا واعيًا، لكنه كان يقيم في داخلي منذ زمن.»
تكشف هذه الكلمات، منذ الصفحات الأولى، عن طبيعة العلاقة الفكرية والروحية التي ربطت هان بسيمون فايل، والتي غدت، على حد تعبيره، محاورًا داخليًا ومصدرًا متجددًا للإلهام الفلسفي والروحي.
ويمثل هذا الكتاب مرحلة جديدة في مسيرة هان الفكرية. فبعد سنوات انشغل فيها بتحليل أزمات الإنسان المعاصر، من الإرهاق والاكتئاب إلى فائض المعلومات وتحولات الرأسمالية الرقمية، يعود إلى السؤال الذي مهّد له في «عبق الزمن»، ولكن من أفق مختلف: كيف يمكن استعادة البعد الروحي للإنسان في عالمٍ استُنزفت فيه القدرة على التأمل والإنصات؟
لا يقدم هان دراسةً في فلسفة سيمون فايل بقدر ما يقيم معها حوارًا فلسفيًا يجعل من مفاهيمها، مثل الانتباه، والصمت، والفراغ، والألم، والجمال، أدوات لإعادة التفكير في الإنسان المعاصر ومأزقه الوجودي. ومن ثم، لا يبدو الكتاب مؤلفًا في اللاهوت بالمعنى التقليدي، ولا مجرد قراءة في فكر فايل، بل تأملًا في إمكان استعادة الروح في عالمٍ تهيمن عليه السرعة، ونهم الإنتاج، والتدفق اللامتناهي للمعلومات. ولهذا يستعيد هان مفاهيم فايل عن الصلاة، والإنصات، والزهد، لا بوصفها ممارسات دينية فحسب، بل بوصفها أشكالًا للمقاومة الهادئة في مواجهة منطق الإنتاج والاستهلاك الذي يطبع الحياة المعاصرة.
ويدور الكتاب حول سؤال الله من خلال بحثه في المواقف والتحولات الاجتماعية التي تقرّب الإنسان منه أو تبعده عنه. وفي هذا السياق، يعيد هان تناول كثير من القضايا التي شغلت مشروعه الفكري، ولكن من منظور سيمون فايل. فمن أبرز ما يحول بين الإنسان والله «الأنا» التي تتعامل مع العالم بمنطق استهلاكي، فتُصاب بما يسميه هان «سمنة الروح». إنها ذات لا ترى في العالم إلا المنفعة والإثارة والمعلومات. ولا تقتصر علاقتها بالعالم على التملك والاستخدام، بل يتحول الإدراك نفسه إلى فعلٍ افتراسي لا يعرف السكون، ولا يكف عن مطاردة المزيد، كما يحدث في التمرير اللانهائي لموجزات الأخبار ومنصات التواصل وتطبيقات المواعدة. ويضاف إلى ذلك «الخيال»، حين يفرض على العالم صورًا تمليها احتياجاتنا ومخاوفنا، و«الذكاء» حين ينحصر في التفكير الحسابي، فلا يدرك سوى الكم ويغفل الكيف. ويرى هان أن الجذور الاجتماعية لهذه الاختلالات تكمن في الرقمنة ومجتمع الأداء النيوليبرالي.
ويقع الكتاب، بعد مقدمته، في سبعة أقسام، يحمل كل منها عنوانًا مستمدًا من المفاهيم المركزية في التجربة الروحية والفلسفية لسيمون فايل: الانتباه، وإلغاء الخلق، والفراغ، والصمت، والجمال، والألم، والخمول. ومن خلال هذه المفاهيم ينسج هان حواره مع فايل، ويعيد قراءة مشروعه الفلسفي على ضوء أسئلتها وتأملاتها.
الانتباه الخالص والصلاة (L attention)
نعيش اليوم في فضاء رقمي تحكمه الإثارة اللحظية والتشتت الدائم. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تطلب انتباهنا، بقدر ما تستولي عليه، محوِّلةً إياه إلى شكل من «التركيز النرجسي» المسخَّر لخدمة الاستهلاك. وفي مواجهة هذا الواقع، يستدعي بيونغ تشول هان مفهوم الانتباه الخالص عند سيمون فايل بوصفه فعلًا للمقاومة، وحالة من الانتظار المتحرر من الغاية والأنانية.
تنطلق فايل من فكرة تبدو بسيطة وعميقة في آن واحد: «الانتباه الخالص هو المادة الخام للصلاة.» فالانتباه، في تصورها، ليس جهدًا ذهنيًا يُبذل لتحقيق هدف أو حل مسألة، بل انفتاح كامل على الآخر، واستعداد لاستقبال ما يتجاوز الذات. إنه إفراغ للأنا من رغبتها في التملك والسيطرة، بحيث يغدو الانتباه جوهر الصلاة، لا مجرد شرط من شروطها.
وينقل هان عنها قولها:
«الانتباه التأملي يتعارض مع يقظة الصياد. فهو لا يبحث ولا يطارد، بل يصغي ويستغرق في التأمل... والانتباه الديني هو "رؤية"، لا "بحث"، ولا "تعلّق". ولهذا نضم أيدينا في الصلاة؛ فنحن نتطلع إلى الفضاء المفتوح، إلى الفراغ الذي لا يسمح بأي تعلّق... ولا نبلغ هذا الفراغ المحرِّر إلا إذا تخلينا عن كل تعلّق، وعن كل إرادة.»
ومن هنا يلتقط هان الخيط الذي يصل فلسفة فايل بعالمنا الرقمي. فما يُغتصب اليوم، في رأيه، ليس وقتنا فحسب، بل قدرتنا على الانتباه. لقد حل «التركيز النرجسي» محل الانتباه التأملي؛ فخوارزميات المنصات الرقمية لا تدعونا إلى الإنصات، بل إلى الاستجابة الفورية، والتفاعل المتواصل، والتعليق الدائم. وهكذا تتحول الطاقة الروحية إلى وقود يغذي آلة الاستهلاك.
ويرى هان أن الفضاء الرقمي يقصي كل تجربة للصمت والمكوث؛ فكل شيء فيه مصمم ليكون فوريًا، ومحفزًا، وقابلًا للتفاعل، ويجسد زر «الإعجاب» هذه الفلسفة بأوضح صورها. أما الانتباه الخالص، في تصور فايل، فهو القدرة على مقاومة هذه الاستجابة التلقائية، وإفراغ الذات من اندفاعها المستمر نحو المؤثرات، بما يتيح الإنصات إلى الآخر، وإلى «صمت الله».
ومن هذا المنظور، يعيد هان تعريف الروحانية في عصر الرقمنة، فيوجه نقدًا حادًا إلى صناعة الرفاهية، و«اليوغا الرقمية»، وتطبيقات التأمل التي تُسوَّق بوصفها وسائل لتحسين الأداء. فالرأسمالية، في نظره، لم تكتفِ باستغلال الجسد، بل امتدت إلى الروح نفسها، فحوّلت التأمل إلى وسيلة لرفع الكفاءة وزيادة الإنتاجية. أما الصلاة، كما تفهمها سيمون فايل، فهي النقيض التام لهذا المنطق؛ إنها فعل تخلٍّ، وامتناع عن الاستجابة الفورية، وشكل من أشكال المقاومة الهادئة. ولعلها، بلغة هان، آخر صور العصيان المدني داخل الروح.
محو الذات (Décréation) في مواجهة النرجسية الرقمية
يتناول هان في المحور الثاني أحد أكثر مفاهيم سيمون فايل أصالة، وهو مفهوم محو الذات (Décréation). ولا يعني هذا المفهوم إنكار الإنسان أو إلغاء وجوده، بل تخلي الأنا عن مركزيتها، بحيث تنفتح على الحقيقة والآخر، وتفسح المجال لحضور الله.
ويضع هان هذا المفهوم في مواجهة الثقافة الرقمية المعاصرة، حيث تقوم الحياة على تضخيم الذات وعرضها باستمرار. فالسيرة الرقمية، وصور السيلفي، والبث المباشر، ومنصات التواصل الاجتماعي، كلها تدفع الإنسان إلى تأكيد حضوره الدائم. وفي هذا العالم المتخم بالصور والمعلومات، يصبح كل شيء مرئيًا، ومتاحًا، وسريع الزوال، حتى تتضاءل القدرة على الإنصات لما هو متعالٍ أو خفي.
ولهذا يكتب هان:
«العالم الرقمي لا يعرف السلبية، ولا يعرف المكوث، ولا يعرف الصمت. كل شيء فيه إيجابي، وكل شيء حضور عارٍ.»
ومن هذا المنظور، لا يعود زر «الإعجاب» (Like) مجرد أداة للتفاعل، بل يصبح آلية تعيد الإنسان إلى صورته هو، فيغدو الآخر مرآة تعكس نرجسيته، بدل أن يكون كائنًا مستقلًا يُصغى إليه. وفي مقابل هذه النرجسية الرقمية، يستعيد هان رؤية فايل التي ترى أن المعنى لا يتجلى إلا حين تتراجع الأنا عن مركز المشهد. فالإيمان، والجمال، والحقيقة، لا تُنتج بالإرادة ولا بالاستهلاك، بل تُستقبل في الصمت والانتباه. ومن هنا تأتي إحدى أكثر عبارات الكتاب إثارة للتأمل:
«الله لم يمت، بل مات الإنسان القادر على الإصغاء إليه.»
فمشكلة الإنسان المعاصر، في نظر هان، ليست أزمة عقلانية أو برهان، بل أزمة انتباه؛ إذ إن الضوضاء الرقمية والتدفق المتواصل للمعلومات قد بددا شروط السكينة التي لا غنى عنها لكل تجربة روحية.
الفراغ
ترى سيمون فايل أن الإنسان لا ينبغي أن يهرب من الفراغ الداخلي، بل أن يقبله بوصفه المجال الذي يمكن أن يتجلى فيه الله. فالفراغ ليس نقصًا ينبغي ملؤه، بل استعداد لاستقبال ما يتجاوز الذات. أما الإنسان المعاصر، فيرى هان أنه يعيش في رعب دائم من الفراغ؛ لذلك يسارع إلى ملئه بالإشعارات، والبيانات، والاستهلاك، والترفيه المتواصل. وهكذا يغدو كل صمت مناسبةً للهروب، وكل فراغ فرصةً لمزيد من التشتيت. ومن ثم، فإن ما يسميه هان «الصوم الرقمي» ليس امتناعًا تقنيًا فحسب، بل تدريبًا على احتمال الفراغ، واستعادة القدرة على التأمل، وتهيئة النفس لاستقبال المعنى.
الصمت
الصمت عند سيمون فايل ليس مجرد غياب للكلمات، بل حالة وجودية تتيح للإنسان أن يسمع «صوت الله اللطيف الخفي». إنه شرط للإنصات، لا نقيض للكلام. غير أن الرقمنة، في نظر هان، حولت العالم إلى ضوضاء معلوماتية متواصلة، أشبه بسوق لا ينقطع صخبه. كل شيء يطلب الانتباه، وكل شيء يتنافس على الظهور. وحتى الإنسان نفسه أصبح يعامل ذاته بوصفها مشروعًا دائم العرض والتسويق، ينتج نفسه ويؤديها باستمرار. وفي خضم هذا الضجيج، يغدو استرداد الصمت فعلًا لحماية الروح من التشتت، واستعادة للمسافة التأملية التي لا يقوم التفكير العميق من دونها.
الجمال
ترى سيمون فايل أن الجمال الحق لا يتحقق إلا حين نتأمل الأشياء لذاتها، من غير رغبة في امتلاكها أو استهلاكها. فالجمال، في جوهره، يقتضي محو الذات، والتخلي عن نزعة السيطرة التي تحول العالم إلى مجرد موضوع للانتفاع. واليوم، لم يعد المجتمع يبحث عن الجميل الذي يوقفنا ويفتحنا على الآخر، بل عن الشيء "اللطيف" الذي يرضينا فورًا ويستدعي زر الإعجاب. ومن هنا يرى هان أن تجربة الجمال تمثل نقيضًا مباشرًا للثقافة الرقمية، التي تختزل الأشياء إلى صور سريعة الاستهلاك، وتقيس قيمتها بما تستجلبه من انتباه أو تفاعل. أما التأمل الجمالي، فيعيد الإنسان إلى علاقة أكثر هدوءً بالعالم، قوامها الحضور والإنصات، لا التملك والاستهلاك. ولا يقتصر مفهوم الجمال عند هان على نقد النزعة الاستهلاكية، بل يمتد إلى مشروعه الفلسفي في إنقاذ الجميل، حيث يربط الجمال بمبدأ اللامنفعة؛ فالجميل لا يُستهلك ولا يُستخدم، ولا يُقاس بقيمته الوظيفية، بل يُستقبل في تأمل حر، يخلو من الرغبة في السيطرة أو الامتلاك. ومن هنا يغدو الجمال، في نظره، فعل مقاومة لمنطق المنفعة الذي يحكم الثقافة الرقمية، واستعادةً لعلاقة أكثر صفاءً وحرية بالعالم.
ترى سيمون فايل أن الجمال الحق لا يتحقق إلا حين نتأمل الأشياء لذاتها، من غير رغبة في امتلاكها أو استهلاكها. فالجمال، في جوهره، يقتضي محو الذات، والتخلي عن نزعة السيطرة التي تحول العالم إلى مجرد موضوع للانتفاع. أما هان، فيرى أن المجتمع المعاصر لم يعد يبحث عن الجميل الذي يوقفنا ويفتحنا على الآخر، بل عن الشيء "اللطيف" الذي يرضينا فورًا ويستدعي زر الإعجاب. ومن هنا تمثل تجربة الجمال نقيضًا مباشرًا للثقافة الرقمية، التي تختزل الأشياء إلى صور معدّة للاستهلاك السريع، وتقيس قيمتها بما تستجلبه من انتباه أو تفاعل. أما التأمل الجمالي، فيعيد الإنسان إلى علاقة أكثر هدوءً بالعالم، قوامها الحضور والإنصات، لا التملك والاستهلاك. ولا يقتصر مفهوم الجمال عند هان على نقد النزعة الاستهلاكية، بل يمتد إلى مشروعه الفلسفي في إنقاذ الجميل، حيث يربط الجمال بمبدأ اللامنفعة؛ فالجميل لا يُستهلك ولا يُستخدم، ولا يُقاس بقيمته الوظيفية، بل يُستقبل في تأمل حر، يخلو من الرغبة في السيطرة أو الامتلاك. ومن ثم يغدو الجمال، في تصوره، فعل مقاومة لمنطق المنفعة والكفاءة الذي يحكم الثقافة الرقمية، واستعادةً لعلاقة حرة بالعالم، لا تقوم على الامتلاك، بل على الحضور والتأمل.
الألم
لا ترى سيمون فايل في الألم شرًا ينبغي تجنبه بأي ثمن، بل حقيقة وجودية تكشف الإنسان لنفسه، وتربطه بآلام الآخرين، وتفتحه على المطلق. ولهذا يقتبس هان عنها:
«فقط من خلال الألم نتمكن من الوصول إلى العالم، وإلى الجمال، وإلى الحب أيضًا. فمن خلال الألم يتغلغل جمال العالم في الجسد. وبدونه نصبح بلا عالم، وننسى الوجود. إنه الوسيلة التي تعلن بها الحقيقة عن نفسها وتثبت حضورها فينا.»
وينطلق هان من هذه الرؤية لينتقد ما يسميه «رهاب الألم» (Algophobia)، الذي يعد، في نظره، إحدى السمات الأساسية للمجتمع المعاصر. فالثقافة الرقمية لا تكتفي بتخفيف الألم، بل تسعى إلى استبعاده من الحياة كلها. حتى الحب ينبغي ألا يؤلم، والفن والموسيقى يُطالَبَان بأن يكونا ممتعين وسهلَي الاستهلاك، بينما تُستبعد كل تجربة تنطوي على شدة أو مشقة.
وفي هذا السياق، يرى هان أن زر «الإعجاب» لم يعد مجرد أداة للتفاعل، بل غدا رمزًا لثقافة تبحث عن الإرضاء الفوري، وتتجنب كل ما يسبب انزعاجًا أو مقاومة. وهكذا تتحول الحياة إلى سلسلة من التجارب الاستهلاكية السطحية، وتفقد قدرتها على العمق.
ومن هنا يؤكد أن «رهاب الألم» لا يحجب الإنسان عن ذاته فحسب، بل يسد الطريق أيضًا إلى الله. فالسعي إلى تخدير كل ألم، عبر الاستهلاك أو الرقمنة، يقود إلى حياة إيجابية مصطنعة، بينما يظل الألم، في نظره، شرطًا للنضج الإنساني، ومجالًا يتكشف فيه الواقع بعيدًا عن أوهام العالم الافتراضي. ولهذا يكتب:
«الجوهر يولد في الألم. والألم هو أيضًا القابلة التي تلد الجديد. وبدونه نبقى أسرى في جحيم التكرار.»
شاعرية الوجود في مواجهة دكتاتورية البيانات
ويستحضر هان في هذا السياق احتجاج سيمون فايل على اغتراب الإنسان في العمل الصناعي، حين كتبت:
«العمل بلا نور الأبدية، وبلا شعر، وبلا دين، ليس إلا عبودية.»
غير أن هان يوسع هذا التشخيص ليشمل الإنسان الرقمي؛ فالعبودية اليوم لم تعد حكرًا على المصنع، بل امتدت إلى مستخدم الهاتف الذكي، الذي تحولت أوقات فراغه، وعلاقاته، وحتى مشاعره، إلى بيانات قابلة للقياس والتداول.
ولهذا يدعو إلى استعادة ما فقده الإنسان الحديث: الطقوس، والرموز، والأعياد، والإيقاع البطيء للحياة، بوصفها ممارسات تعيد إلى الوجود بعده الشعري، وتقاوم اختزاله إلى مجرد إنتاج واستهلاك وتدفق لا ينقطع للمعلومات.
ويختم هان كتابه بهذه الكلمات التي تلخص مشروعه كله:
«لقد استشعرت سيمون فايل، على الأقل، ماهية ما يمكن أن تكون عليه اللافعالية. فهي تتحدث عن "الجهد من دون غاية محددة"، أو عن "الفعل الذي لا ينطوي على تصرف". فالعمل، حين يتخذ طابعًا شعريًا وروحيًا، يقترب من حالة اللافعالية. وليس العمل الشاعري إلا ذلك الفعل الذي يُمارس لذاته، بلا غاية نفعية أو مقصد خارجي. إن اللافعالية لا تنتج شيئًا، وتفلت من منطق الإنجاز والكفاءة، كما أن منطق الكم غريب عنها. وكل نشاط لا يحتفظ في صميمه بسكينة تأملية يغدو شبيهًا بالعبودية. فالصمت هو الذي يضفي على الفعل الإنساني بعده الروحي؛ إنه يهدئ الحركة ويحوّل النشاط إلى لافعالية.»
خاتمة: الجسر نحو الأمل
يمثل كتاب «عن الإله: حوار مع سيمون فايل» امتدادًا طبيعيًا، وربما تتويجًا، للمسار الفكري الذي شقّه بيونغ تشول هان في نقد الحداثة الرقمية. فبعد سنوات انشغل فيها بتشخيص أمراض مجتمع الأداء والرقمنة، يتجه هنا إلى البحث عن إمكانات الخلاص. لكنه لا يفعل ذلك عبر الدفاع عن الدين بوصفه مؤسسة أو منظومة عقائدية، بل عبر استعادة البعد الروحي والتأملي للوجود الإنساني.
وقد نجح هان في تقريب عالم سيمون فايل إلى قارئ القرن الحادي والعشرين، وأعاد قراءة مفاهيمها في ضوء أزمات عصرنا: الاستهلاك، والإنتاج اللامحدود، والتدفق المستمر للمعلومات، وتآكل الخبرة الداخلية للإنسان. ومن خلال هذا الحوار يكشف أن أزمة الإنسان المعاصر ليست اقتصادية أو تقنية فحسب، بل هي، في المقام الأول، أزمة معنى، وأزمة حضور، وأزمة قدرة على الإنصات.
ولا يدعو هان إلى الانسحاب من العالم، بل إلى الإقامة فيه على نحو مختلف؛ حيث لا يُقاس الإنسان بما ينتجه أو يستهلكه، بل بما يستطيع أن يراه، وأن ينصت إليه، وأن يهبه من انتباه. وهنا يستعيد من سيمون فايل مفاهيم الانتباه، والفراغ، والصمت، والجمال، والألم، بوصفها إمكانات لاستعادة علاقة أكثر عمقًا بالذات، وبالآخر، وبالعالم.
ولعل القيمة الأعمق لهذا الكتاب أنه يذكرنا بأن الحياة لا تُختزل في البيانات، ولا في الإنجاز، ولا في الإنتاج المتواصل. ففي عالم يتسارع بلا انقطاع، يغدو الصمت، والانتباه، والتأمل، في تصور هان، أفعالًا للمقاومة بقدر ما هي سبلٌ للنجاة. وربما كانت الرسالة الأبلغ التي يتركها الكتاب لقارئه هي أن الإنسان لا يستعيد إنسانيته حين يضيف إلى حياته مزيدًا من النشاط، بل حين يستعيد القدرة على المكوث، والإنصات، والتأمل.

بيانات الكتاب
العنوان الأصلي: Sprechen über Gott. Ein Dialog mit Simone Weil
المؤلف بيونغ تشول هان (Byung-Chul Han)
الناشر: Verlag: Matthes & Seitz Berlin
سنة الصدور: 2025
الترقيم الدولي: ISBN: 978-3751830324
عدد الصفحات: 124



#شريف_الصيفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسيح غنوصيًا
- أوريجانوس السكندري
- ، زهرة برية على كرسي الأسقفية -سينيزيوس القيرواني-
- شكاوى الفلاح المصري
- وصف الأحوال في مدينة العمال، ووقائع أول إضراب في تاريخ العمل ...


المزيد.....




- طائرة صغيرة تهبط اضطراريًا في المحيط بأمريكا.. وقائدتها تنجو ...
- بيان مشترك بين الأردن والصين.. ماذا قال عن الحل الشامل لأزمة ...
- دميترييف: ميرتس مستشار أوكرانيا
- تهديد ووعيد في تل أبيب بسبب -ألعاب أطفال-.. لماذا تخشى إسرائ ...
- الحرس الثوري يعلن -فشل- أميركا وإسرائيل في إخضاع إيران.. ويف ...
- إيران تصادر نحو ألف جهاز ستارلينك خلال 4 أشهر.. كيف دخلت إلى ...
- كوبنهاكن: لقاء أنصاري ترفيهي
- بوتين يستقبل وزير خارجية الهند (فيديو)
- يريدون تحويل أوكرانيا إلى قنفذ فولاذي
- بتكلفة 600 مليون دولار.. سر تحت البيت الأبيض يعقد معركة ترام ...


المزيد.....

- قراءة في -العقل والثورة- -2 / نايف سلوم
- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - شريف الصيفي - البحث عن الله في زمن الرقمنة قراءة في أحدث كتب بيونج تشول هان