|
|
المسيح غنوصيًا
شريف الصيفي
الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 20:11
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
يسوع هو قبس من نور وإنسان ذو قلب سماوي. هو رجل مثلي ومثلك في مرأى العين وملء الحس وملء السمع، ثم هو بعد ذلك لا يجتمع معنا على شبه. كان يعيش بيننا لكنه لم يكن منا، وقد سار على الأرض لكنه كان من عالم السماء. ما كان الفتى الناصري إلهًا،؛ هو شاعر يهيم بجمال الطبيعة، مرح يشهى النبيذ للشاربين، يحب الجميع ويحن على المخطئين، لا يحتقر سوى المنافقين، وديع وداعة الرجل المعتز بذاته. (يسوع ابن الإنسان، جبران خليل جبران)
لن نتبنى هنا رأي عالم اللاهوت الألماني فالتر باور Bauer[1]، القائل بأن المسيحية المبكرة كانت ذات طابع غنوصي قبل أن تتبلور ملامحها الأرثوذكسية في القرن الثاني بقيادة الأسقف ديمتريوس الأول (189- 231 م)، لكننا سنقول أن بجوار تلك الجماعة المسيحية الأولى كانت ولا شك جماعات أخرى مسيحية ذات طابع غنوصي، لم تكن لتوصف كما وصفت فيما بعد بالهرطقة لغياب الدوجما أو ما يمكن تسميته اليوم بمبدأ الإيمان المسيحي، الذي تبلور لاحقًا ابتداء من مجمع نيقية عام 325 م. كانت أصول العقيدة المسيحية أبان المرحلة التي سبقت هذا المجمع لا تزال في الطور الضبابي، إذا أمكن هذا القول، فلم تكن الحقائق الإيمانية قد أصبحت بعد تلك النجوم التي سيشع بريقها في القرون اللاحقة، فقد كان يتم تفسير النصوص المقدسة كل وفق مشيئته، ووسط المُشادات والصياح تبلورت الكريستولجيا، أي مجمل النظريات المتعلقة بشخص المسيح وعلاقته بالله والإنسان، وبسبب غياب لاهوت مسيحي – الذي سيتأسس فيما بعد ابتداء من مجمع نيقيا- كانت الساحة مفتوحة للجماعات الغنوصية وتأويلاتها، سواء من خارج الكنيسة أو من معتنقيها من المسيحيين، الذين اعطوا تأويلات متباينة للنص الديني. تبنى الغنوص المسيحي الخط العام لقواعد الإيمان المسيحي، إلى جانب تبنيه لأغلب مقولات الغنوص الأساسية، ولجأ للتأويل للتوفيق بينهما. فقد جاءت المسيحية بتصور جديد لم تعرفه الاتجاهات الغنوصية من قبل والمتمثل في إرسال الأب ابنه الوحيد لفداء البشر لأجل خلاصهم من الخطيئة الأولى، وهي توراتيًا عصيان أدم وحواء لأمر الله، لكنه غنوصيًا خطأ وسقوط صوفيا أخر درجات الفيض الإلهي، والتي تشكل فاصل بين الذات الإلهية وبين عالم المادة. يتلقف الغنوصيون الفكرة وينسجون منها أفاقًا جديدة للتجربة الدينية، وبالتأويل يعيدون بناء أسفار التوراة، بل وأعادوا تأويل تفاصيل الحدث الإنجيلي، وقد اعتبروا أنفسهم مسيحيون مخلصون وقد ساهموا بدور غير منكور في نشر مبادئ المسيح في بلدان المتوسط في القرون الأولى للميلاد ، لكن التنافر بينهم وبين الكنسية أصبح حتميًا في القرن الرابع بعد أن أصبحت المؤسسة الدينية الوحيدة المعترف بها من قبل الإمبراطورية الرومانية. أكدت المدارس الغنوصية على أن الله الأب كيان سامي متفرد كامل، وأن جميع المخلوقات بما فيها المسيح نفسه كيانات تقل في المرتبه عنه وخاضعه له ولا تساويه في الجوهر. كما أكدت على أن الجسد لا قيمة له وأن القيامة والخلاص يكونان بالروح فقط، حيث أن الجسد فاسد بطبيعته، لذا رفضت أغلب الجماعات الغنوصية مقولة إتحاد اللاهوت مع الناسوت، وبالتالي فكرة تجسد المسيح في المادة متأثرة بالفكر الدوسيتي[2] Doketismus بوصفه كيان إلهي وروحًا خالصة، لا تحده مادة ولا يحتويه جسد اعتمادًا على ما جاء في رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي (2: 6-)8: "الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسه أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبهِ الناس" وكذلك ما جاء في رسالة بولس لأهل رومية (8: 3): " فالله إذ أرسل أبنه في شبة جسد الخطيئة". ويعتقد معتنقي هذا الاتجاه أن المسيح كان أحد الكيانات الإلهية في الملأ الأعلى، روح إلهية ظهرت على الأرض في هيئة بشرية لكنها غير حقيقية، فلا عظام ولا لحم ولا دم، فهو لا يعطش ولا يجوع ولا يتغوط. قال سارتونيل أحد رواد الغنوص المسيحي في القرن الثاني الميلادي، أن المسيح غير مولود ولا تجسيد له. وكذلك قال ماركيون: "إن المسيح بدا كإنسان، لكنه لم يكن إنسان. كما يعتقدون أنه لم يكن يأكل ويشرب ويتغوط ولا ينام، بل كان يتظاهر بذلك تحت هيئته البشرية. أما فالنتينوس أهم شيوخ الغنوص في الإسكندرية منتصف القرن الثاني الميلادي فقال في إحدى رسائله إلى "أجاثابوس": كان المسيح يأكل ويشرب بطريقة خاصة بلا إفراز أي فضلات، فقد كان بالضخامة بحيث قوته كانت تحتفظ بأي إفراز، فالطعام بداخله لا يفسد، لأنه غير قابل للفساد والتسوس"[3]. كما جاء في كتاب أعمال يوحنا المنحول: "فلم أرى عينيه تغمضان قط، بل مفتوحتان دومًا ... كان المسيح إذا سار على الأرض لا يترك أثرًا لأقدامه، وعندما حاول يوحنا الإمساك به كانت يده تخترق جسده بلا مقاومة، حيث لم يكن له جسد حقيقي، وبأن جسده كان ذو طبيعة متغيرة عند ملامسته، فتارة لينًا وترة أخرى جامدة. وجاء أيضًا في نفس الكتاب وصفا لتجلي يسوع ليوحنا: " أخذني أنا ويعقوب وبطرس إلى الجبل حيث اعتاد أن يصلي، ورأينا نورًا عليه لا يستطيع إنسان أن يصفه بكلام عادي، ثم رأيت قدميه وكانتا بيضاء كالثلج حتى أنها أنارت الأرض هناك، وامتدت رأسه للسماء، لذا كنت خائفًا .. ". جاء أيضاً في إنجيل فيليب الغنوصي (نجع حمادي)، بأن المسيح له أكثر من هيئة "لقد ظهر كملاك للملائكة، وللبشر كإنسان"، وجاء في إنجيل يهوذا: "غالبًا لم يظهر لتلاميذه بهيئته كما هو، بل في صورة طفل". وفي رؤيا بولس (نجع حمادي، النص الثاني من المخطوط الخامس)، ظهر لبولس الرسول في هيئة طفل صغير ودله على الطريق إلى القدس: " قال الطفل الصغير: أنا أعرف من أنت يا بولس، فأنت هو الذي تقدس وهو في بطن أمه، ولقد جئت إليك حتى تذهب إلى القدس حيث أخوتك من الرسل، ولهذا ناديتك، فأنا الروح التي سترافقك. لعنت الكنيسة معتنقي هذا التصورات، وجاء بوضوح في صيغة لعن وتكفير الاتجاهات الغنوصية، التي دونها أوغسطين في سياق نقده لها: "كل من يعتقد أن ابن الله ربنا يسوع المسيح لم يكن له جسد حقيقي، وانه لم يولد من مريم العذراء وأنه عاني وبعد موته الحقيقي قام من الأموات وأنه روح بلا جسد يكون قد خالف الإنجيل حين قال السيد: "فجزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحاً، فقال لهم ما بالكم مضطربين ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم. أنظروا يدي ورجلي، إني أنا هو، جسوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي، وحين قال هذا أراهم يديه ورجليه. وبينما هم غير مصدقين من الفرح ومتعجبون قال لهم: أعندكم طعام؟، فناولوه جزء من سمك مشوي وشيئاً من شهد عسل، فأخذ وأكل قدامهم"[4]. اسوة بقيامة يسوع من الموت تعتقد الكنيسة لليوم بأن القيامة ستكون بالجسد لكونه شريك في كل أفعال الإنسان. فبعد خراب عظيم للكون، يحشر الناس بعدها ويجازون وفقًا لأعمالهم، فمن عمل عملاً صالحاً دخل الجنة يستمتع بنعيمها، ومن عمل شراً حُشر في خندق عظيم مستعر بنيران عظيمة وقودها الناس والحجارة، أما الغنوصيون فهم يعتقدون أن القيامة ستكون فقط بالروح، التي سجنت في الجسد وعند معراجها تتحرر من المادة ويذوب الجسد في التراب، فما حاجة الروح للجسد ثانية بعد القيامة. أو كما يقولون: "أنت لم تكن في الجسد، فقد تلقيته عندما جئت لهذا العالم، فلماذا تستلم جسداً عند صعودك للأبدية؟ أي أن القيامة الفعلية لا تحدث في المستقبل، بعد الموت ، ولكن في لحظة الكشف والمعرفة. كما أنكر اتباع هذا الاتجاه عقيدة التجسيد وأنكروا كذلك عقيدة موت المسيح على الصليب، بل قالوا بأن المسيح لم يصلب ولكن شُبه لأعدائه وصلبوا أخر، وصعد للسماء. قال بازيليدس أحد أهم غنوصي القرن الثاني الميلادي أن موت المسيح على الصليب كان ظاهريًا فقط، ولم يحدث في الواقع بالجسد وأن سمعان القيرواني (الذي حمل الصليب نيابة عن المسيح) أخذ هيئة المسيح، فشُبه لهم وصلبوه بدلا منه، أما يسوع نفسه فقد ترك هيئته الدنيوية على الأرض وصعدت روحه للسماء واتحدت مع الأب، وهناك من قال أنهم صلبوا يهوذا الإسخريوطي بدلًا من يسوع. وقد ورد هذا المعنى في رؤيا بطرس ( نجع، النص الثالث من المخطوط السابع): "وبعد أن قال لي ذلك، نظرت إليه فإذا بهم يمسكونه، وقلت له: ماذا أري يا سيدي؟ أأنت من قبضوا عليه؟ وفي نفس الوقت أنت بجواري تمسك بي. ومن هذا الذي يقف ضاحكًا بجوار الصليب ومن ذاك الذين يدقون قدميه ويديه بالمسامير؟ قال المخلص: هذا الذي يقف ضاحكًا بجوار الصليب هو يسوع الحي، أما هذا المُسمر اليدين والقدمين هو البديل المادي الذي تبادل معه، صور تشبهه. لكن أنظر له وأنظر لي!. وبعد ان نظرت قلت: سيدي، لا أحد يراك، دعنا نهرب من هنا، لكنه قال لي: ألم أقل لك أنهم عُمي ... ولمحت أحدهم يقترب منا، كان يشبه الذي على الصليب تمامًا. كان يضحك ومُفعم بالروح القدس وكان هو المخلص، كان نور خالص لا يوصف، محاط بملائكة لا توصف يمدحونه، وأنا الذي رأيت كل شيء عندما تجلى لي ورفعت له المديح". وفي النص الثاني من المخطوط السابع من مخطوطات نجع حمادي بعنوان "الكلمة الثانية للعظيم شيث"، يطالعنا مونولوج يلقيه المسيح نفسه تعقيبًا على محاولتهم للقبض عليه وتعذيبه وصلبه:
"وكنت بين فكي الأسد. والخطة التي وضعت من أجلي زالت بفعل ضلالهم وجهلهم. لم أستسلم لهم كما خططوا. لكنني لم أحزن بأي شكل من الأشكال، رغم أنهم عذبوني. لكني لم أمت قط. فقط هُيأ لهم ظاهريًا ... .... لقد أُعفيت من كل عار ولم أكن خائفًا مما حدث لي منهم. كنت أبدو فقط وكأني على وشك أن أصبح عبدًا للخوف، لكنني واقعيًا كنت أعاني من الألم فقط في بصرهم وفي مخيلتهم، لئلا يتم العثور على كلمة تتحدث عنهم. أما موتي الذي اعتقدوه، فقد حدث (فقط) في ضلالهم وفي عماهم، عندما سمّروا أحدهم حتى الموت. لأن أفكارهم لم تراني، فقد كانوا صم عُمي، وبفعلتهم هذه أدانوا أنفسهم. نعم رأوني وقد عذبوني. آخر، هو الذي شرب المر والخل، لم أكن أنا. لقد ضربوني بعمود، ولكن كان آخر هو من حمل الصليب، كان سمعان، وكان أخر هو من وضعوا على رأسه تاج الشوك. لكني ضحكت في الأعالي على ما بدا من ملكوت الأسياد وبذور خداعهم، وعلى مجدهم الباطل، ضحكت على جهلهم، وقمت بإخضاع كل قواهم.
#شريف_الصيفي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أوريجانوس السكندري
-
، زهرة برية على كرسي الأسقفية -سينيزيوس القيرواني-
-
شكاوى الفلاح المصري
-
وصف الأحوال في مدينة العمال، ووقائع أول إضراب في تاريخ العمل
...
المزيد.....
-
ازدواجية المعايير الغربية: بين دمج الدين بالسياسة وتجريم الم
...
-
إيهود باراك: لا أستبعد تعطيل نتنياهو نتائج الانتخابات إذا لم
...
-
رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إيهود باراك: من الصعب جدًا إخضاع
...
-
أول قانون لأحوال المسيحيين في مصر.. إجماع كنسي ومخاوف حقوقية
...
-
الفكرة الدينية كمحرك للحضارة: قراءة في فلسفة مالك بن نبي للن
...
-
رئيس المؤتمر اليهودي العالمي: أنفقنا 600 مليون دولار ولم ننج
...
-
وفد الجمهورية الإسلامية الإيرانية يبحث مع الأمين العام للمنظ
...
-
إزاحة الستار عن النسخة العربية من كتاب ذكريات قائد الثورة ال
...
-
حرس الثورة الاسلامية ينفذ مناورات -لبيك يا خامنئي- في طهران
...
-
أزمة دبلوماسية: سفير الاحتلال بواشنطن يهاجم منظمات يهودية بس
...
المزيد.....
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ يل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
صداقة مع الله
/ نيل دونالد والش
المزيد.....
|